الشاعرة الأرجنتينية غراثييلا أراوث أستاذة الآداب والتي تحملت رئاسة جمعية الكاتبات والكتاب بالأرجنتين وهي عضو في هيئة تحرير مجلة: إيل أولتيمو رينو (المملكة الأخيرة)، أشرفت على تخطيط وتنفيذ حملة ترويج الكِتاب والقراءة "الأرجنتين تنمو بالقراءة". وقد شاركت في العديد من المهرجانات الدولية وفي العديد من معارض الدولية للكتاب في بلدان مختلفة كما نشرت عدة دواوين شعرية ولها أيضا كتابات نقدية بالإضافة إلى العديد من المقالات حول الثقافة والتربية والقراءة والمشاركة السياسية للمرأة في الأرجنتين.

قصائد

غـراثـييلا أراوث

ترجمة: خالد الريسوني

 

من "شيطانة":

 

I

أكتب هذا الكتاب دون أن أكتُبَه

لأن هذا الكتاب كُتِبَ تحت الماء.

لكنه في أذني يوقظ موسيقى السَّماء.

أبدو في الضباب مُتَشَمِّمَةً رائحة ذلكَ الحيوان

فليأخذني إلى مكان ما

حيث يُمْكنُ ألا يراني.

 

أسماءُ الأعلامِ تنْشَقُّ، الأسماءُ

والأفعالُ تُوَدِّعُ.

 

لا أستطيعُ أن أكتبَ ما هو مكتوبٌ.

لِسَاني مَوْشُومٌ بالأرْقامِ

والكلمَاتُ مَطرٌ في المَطرِ.

واللمْسُ رَمْلٌ غيرُ قابلٍ لِلسَّمَاعِ.

 

هذا الكتابُ غيرُ موجودٍ، ذوبانُ جليد

في عُيونِ النَّمِرِ،

مطرٌ تحتَ المَاء،

غيْمَةٌ عمياءُ لا تعرفُ الثلج.

 

هذا الكتابُ تِمْثالٌ مِنْ ماءٍ،

                                      ولا شيْءَ، لا شيْء.

 

X

امرأة تبكي في المطبخ. خلفَ

رائحةِ الطَّبيخِ.

تنقعُ اللحْمَ بالليمونِ

وبِحُزنِها اللايُوصفُ.

 

تقعُ الدُّمُوعُ في زُبْدَةِ الحَليبِ

الذي يَنسَكِبُ حدَّ التَّرَاخِي.

 

يصِيرُ الهواءُ زيتيًا حَدَّ أنه يَجِبُ أن ينْصَرِفَ

ويُطْفِئَ اليَوْمَ.

 

في المطبخ، امرأة تنكسرُ حَيًةً،

تقطعُ أصابعهَا، تنزفُ.

الأصبعُ يَمْضِي إلى الفم.

 

الألمُ يوجدُ خلفَ

الخيْطِ النَّائم الذي جَفَّ فِي الحَشَا،

خلفَ ذلكَ الدُّخَانِ الذي أخذَهُ المَا بَعدُ.

في الخَلْفِ دَائماً وخلفَ كلِّ شيْءٍ.

 

عندما تختلِطُ الرَّوائحُ

تُعَرِّي هِيَ القُدُورَ.

هِيَ الوحيدةُ التي ما تزالُ تَشْطِفُ النَّهَارَ

حتى يَعُودَ للوُجودِ.

 

امرأةٌ في المَطبخِ.

 

XII

أنا داخل امرأةٍ غريبةٍ

ليْستْ أنا.

 

أحياناً، حينَ نلتقي

في المرآةِ أرى،

أنِّي أخرى وأنَّ الأخرى هيَ أخرَى.

 

تقبِضُ عليَّ وتَفيضُ عَنِّي

في عُقوقِ الغائبَةِ.

 

أنا كثيرٌ مِنَ النِّسَاءِ ولستُ أحَداً.

أنا خوانا، تلكَ التِي تُعَرِّي جِلْدَهَا،

وتكونُ مثلُ حبَّةِ عِنَبٍ،

أو تلك الطفلة الصغيرة التي صعدت الحَوَّامَةَ

مع كلِّ الفراشاتِ.

وأنا أيضاً الانتحاريةُ السَّكرَى التي تعطلُ زنادَ

المُسدَّس فتتطايرُ الورودُ.

وأنا أيضاً تِيرِيسَا، التي تسْألُ

العذراءَ الصَّغيرةَ، أمَلا وحيداً.

 

وأنا إيسَادُورَا، التي تنزعُ عَنْها

الثيابَ

             ببطءٍ.

وتصيرُ دُهنيَّةٌ عند الذهابِ إلى السَّريرِ.

 

غريباتٌ ومُسَرْنَمَاتٌ يُلاحقنَ ظِلَّهُنَّ.

 

أنا هذه المرأة اللعينة التي تتَمَلَّكُنِي

بين ديناصوراتٍ وزهراتِ خشخاشٍ وفِيَلةٍ مصغرةٍ.

أنا هذهِ المرأةُ التي لا تفكِّرُ في كلِّ العَسَلِ

الذي يُوجَدُ في البيت دون امتلاكِ نَحْلٍ،

والتي أحياناً تعتقدُ أن لِلنَّحْلِ عُيُونٌ

حادَّةٌ تلمسُ فمِي مُتجاوزةً رأسي.

 

أبحث عنها،

                لا محالة،

                                               أبحث عنها.

أبعد مِنَ السِّيجَارةِ التي أشعِلُها ولا أدخِّنُهَا.

أبعد مِنَ الكتابِ المفتُوحِ الذي أكتبُهُ ولا أكتُبُهُ.

أقربَ إلى طعْمِ الكرَز أو طعْمِ العُيُونِ

أطفال حُبِّي، الذين ينظرون إليَّ

مثل كل هاته النساء اللواتي لسْن أنا وهنَّ أنا

واللواتي أيضاً لا يفهمْنَ.

الذي يفهمُ كلَّ شيءٍ، والوحيدُ، هُوَ الحُبُّ.

الذي ينقذني هُوَ الحُبُّ، ومُستعدٌّ

للقفز في الفراغِ

                    والعثورِ عليّ.

 

XVIII

لا تتفق معي

في تلك العادةِ، عادةِ الارتعاش أثناء الخطيئة

التي لمْ نقترفْهَا،

والتي تتركنا جرِّيئِينَ بين السُّرعاتِ الألفِ

لِهُنَيْهَةٍ واحِدَةٍ.

 

فَلتَرْفعْ

ثيابي مِنْ أسمالٍ غُسَلَتْها الكلماتُ

التي تتبادلُ النَّظرَ فِي منتصفِ النَّهْرِ،

وعلى الضِّفَّةِ الأخرى،

السَّاقان رُفْقَةَ تدويناتِ ألحَانٍ موسيقيَّة.

 

فَلتَرْفعْ

خرسي في خيوط العناكبِ

من طوبٍ تُخفيهِ يدايَ

حتى لا أسرق الفاكهة

وأنفي ذاتي عَنْ هذا العالمِ إلى أبدِ الآبدين.

 

XX

تُصِرُّ الليلة على نَوايَاها العَابِرَةِ

في أنْ تكونَ نهاراً.

في عمرهَا الألفيِّ تحترقُ البَذرةُ

داخلَ الخَوْفِ الذي يُطرِّزُ الرَّغبةَ بِتَطريزاتِهِ.

 

في النِّسْيانِ الضَّبابِيِّ أبْحَثُ عنها.

أبحثُ عنها فتَغرقُ

في النهر الذي أودعت فيهِ سِرّاً.

 

أبحث عنها في الصيف الذي تحوَّلَ شِتاءً

مِنْ خَريفٍ آخرَ في يَوْمِ أحَدٍ.

 

تُشْتَمُّ رائحتُها في الفاكهة المسْروقة

وفي الهِمَّةِ.

 

تنزلقُ زاحِفة أيَّامَ الأعْيَادِ.

 

فَهِيَ يراعَةٌ،

لَمَّا تشتَعِلُ،

هِيَ لا تسْتطِيعُ أنْ ترَى ضَوْءَهَا.

 

XXXI

تلكَ المَرْأةُ التي تنظرُ إليْها بِعَيْنِ الرَّيْبَة، ترَى العَالَمَ.

ثمَّةَ عيْنٌ مُتطفِّلة

تُتْلِفُ ثيابَهَا،

التطريزاتُ تنتحرُ بين شموس مُحتضِرَة.

عينٌ تنظرُ إلى الجَانبِ الخلفيِّ للظلِّ،

هي تريدُ أن تقيسَ المسافة التي تُبْعِدُ

المراكب الشراعية عن اللانهاية،

أن تحسب كمْ من السِّحرِ يفصِلُ القدمين عن الرأس،

كم وداعاتٍ لها شفاهٌ مَخِيطةٌ بِبَنفْسَجٍ مَغْسُولٍ.

تُريد أن تتيهَ في العيون الخاسرة.

تريد أن تتيه فيما بَعْدُ في عَيْنِهَا الجَاسُوسَةِ ذاتها.

عيْنٌ تراقبُ جريمَةً لا تُرْتَكبُ،

عيونٌ تتَّسِعُ حتَّى العُيُونِ اللاحقةِ

التي تنْظرُ تحتَ ثيابِها

إلى رغبَةٍ مَغْمُورَةٍ،

ومَسْرُوقةٍ،

وحاسِمَةٍ.

 

وإذن، لماذا النظرُ إلى الخوفِ

إذا كانتِ اللانهاية تنتظرُ بِصَوْتٍ خَفيضٍ؟

 

XXXIV

أيقظتُ ذاكرتي في هذا الصَّباحِ المُمْطِرِ

وأنا أمْضِي إلى بَيْتٍ

كانتْ توجَدُ لِي بِهِ شجرَتا تُوتٍ ومِشْمشٍ.

 

كانَ هذا بيْتاً بفناءٍ جدِّ كبيرٍ

حيث كان أبي يُعْنى بطيُورِ الكناري اللاتنتهي،

وطيُورِ العلعلة وسُمَنِ الحُقولِ والزقزاق.

كانوا الأخَ الذي لم يَكنْ لدَيَّ

وكنتُ ألهو لأبتدعَ لهم لحظاتِ صَمْتٍ في الرِّيحِ.

كنتُ أيْضاً أجلسُ لأكتُبَ في الهَواءِ الطلقِ

ذاك القمرَ الذي كنتُ أرَاهُ بين الأشْجَار.

 

وفي هذه المدينة التي تتلاشى فيها الموسيقى

في النهر الشاسع،

ذاكَ الرجلُ بعدُ ما زالَ يقولُ لي:

                                            "اسمعي، هنالك يُوجَدُ طائرُ عُلْعُلٍ"

 

لهُ عينانِ أشدُّ بَللاً قدْ رأتْهَمَا عينايَ،

كان يعرفُ الطيورَ مِنْ تغريدها

وعبرَ الذاكرةِ مَرَّةً أخْرَى عادَ ليَصِيرَ لي

البَيْتُ

الذي هو الآنَ ليْسَ لِي.

 

XXXV

يقولون إنِّي كُنْتُ على قيدِ الحَياةِ

وكنتُ أكتبُ في المراعي بطباشير عرق اللؤلؤ.

 

يقولون إنِّي كنتُ أرْملةً

وكنتُ أحملُ أغاني الكِيشوا إلى المقبرة.

 

يقولون إني كنتُ أبكي.

وكنتُ فقط أغنِّي

سَاكِنَةً

بلساني الهَجِينِ.

 

 

غراثييلا أراوثGRACIELA ARÁOZ :

ولدت في فيلا مرسيدس، بمقاطعة سان لويس. هي أستاذة الآداب. حصلت على منحة دراسية لإنجاز الدراسات العليا في مدريد، حيث نالت شهادة الكفاءة في تدريس في اللغة الإسبانية وآدابها، وشهادة الإجازة في اللغة الإسبانية. وهي حاليا رئيسة جمعية الكاتبات والكتاب بالأرجنتين. هي عضو في هيئة تحرير مجلة: إيل أولتيمو رينو (المملكة الأخيرة)، وهي عضو في لجنة الأنشطة الثقافية التابعة لمؤسسة "الكِتَاب"، قامت بتخطيط وتنفيذ حملة ترويج الكِتاب والقراءة "الأرجنتين تنمو بالقراءة". وقد شاركت في العديد من المهرجانات الدولية وفي العديد من معارض الدولية للكتاب في بلدان مختلفة، آخرها هذا العام في هافانا بكوبا.

نشرت عدة دواوين شعرية أهمها: "أمتعة سفر الصمت"، "مساراتُ النار" و"شيطانة"، وفي الدراسة النقدية: أنخيل غارسيا لوبيث، التجديد في الغنائية الإسبانية المعاصرة. بالإضافة إلى العديد من المقالات حول الثقافة والتربية والقراءة والمشاركة السياسية للمرأة في الأرجنتين. حصلت في إسبانيا على جائزة تيفلوس للشعر، وجائزة "بيثينطي ألكسندري" للشعر، وعلى الجائزة الثانية "كارمن كوندي". وقد ترجمت قصائدها إلى العديد من اللغات، وترجم ديوانها "شيطانة" إلى اليابانية والتركية.