بادئ ذي بدء، يجب الاقرار ان الامة العربية والاسلامية هي الآن في احلك حالاتها، وتمر بمرحلة كئيبة مخجلة: الظلم يعم، والفساد ينتشر، والوعي يُفتقد، والشرذمة تتوسع، والكرامة تستأصل، وما الى ذلك من احباط وفشل. الجانب المشرق الوحيد هو الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني في غزة الشرف والسؤدد. انحط الاسفاف السياسي والاحتقان الطائفي الى حد لا يشكل خطراً على سداد الامة فحسب، بل يهدد بقائها أيضاً. اصبح امرا شائعا عند البعض الافتراض ان العدو قابع في طهران وليس في تل ابيب؛ وعند البعض الآخر قابع في الرياض وليس في تل ابيب.
دفع اليأس الى توهم البعض ان الخلاص سيأتي من واشنطن، وحض انعدام وعي البعض الآخر بأنه سيأتي من طهران. حتى أن أحد اقطاب ما يسمى "محور المقاومة" ادى توجهه البليد ان يصرّح بأنه يتمنى قبل موته "دمار السعودية وليس اسرائيل"، وتدهور كذلك انضباط الاعلام المسؤول الى درجة بحيث صحيفة معتبرة لم تر حرجاً في نشر هراء فتنوي مثل "لو ما السنّة ما كان لاسرائيل وجود. السنة حماة هذه الدولة الصهيونية (كذا)"، وفي المقابل يهذي البعض ويقول "والله ايران اذا ما قضيتوا عليها لا تحلموا بالقدس، فايران هي العدو"، و"ان القران اصلا لم يذكر اسم فلسطين بل ذكر اسرائيل فليس هناك سبب عداء اسرائيل"، و"ان ايران واسرائيل وجهان لعملة واحدة ولن يتم استرجاع الاقصى الا بالقضاء على ايران"!
من نافلة القول، ان الكيان الغاصب منذ اختلاقه يشكل تهديداً وجودياً للأمن القومي العربي، وكل من لا يعي هذه البديهية يعاني إما من قحالة العقل، او من اصابة وعيه بفيروس نقص المناعة المكتسبة. التهديد الذي يشكله الكيان الآثم هو خطر هائل الشراسة ومحنك الخباثة، خطر تقف وراءه انظمة استكبارية تدعمه بقدرات هائلة: عسكرية ومالية وتكنولوجية واعلامية، انه خطر جسيم لا يمكن التصدي له بشكل فعال، ما لم تتسلح الأمة بأقصى درجات التعاضد والوعي والحذر.
لكن، ومع الاسف الشديد، تتواجد حالتان مقلقتان: الاولى هنالك حكام تخلوا عن انتمائهم القومي، وتناسوا عزتهم، وفارقوا مقدساتهم، وتغاضوا عن تدنيس اولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، ونكثوا بالمصالح الاستراتجية لامتهم العربية والاسلامية، واستسلموا لتوجيهات واشنطن المتصهينة، وطبّعوا مع الكيان السفّاح رغم ارادة احرار شعوبهم. تطبيع مذل يجلب الى الذاكرة البيت الشعري القائل "عماه انقول عن الرجل ديوثاً ان كان يقبل امرأة زانية، قلت نعم، فقالت وماذا نقول عن رجالٍ اختهم تغتصب وقلوبهم لاهية"؟
الحالة الاكثر تعقيداً هي ان فئات تضمر العداء للكيان الغاصب، يبدو وكأنها قد أضاعت رشدها وفقدت قابليتها للتحليل الموضوعي وسمحت لعواطفها، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بالتحكم في توجهاتها. أحد دلائل هذه الظاهرة هو استياء هذه الفئات لسقوط نظام الاسد الذي كان في نظرهم عنصراً أساسياً في "محور المقاومة"! يدل هذا الاستياء على ان هذه الفئات قد غضت النظر عن طبيعة هذا النظام وعن الكثير من ممارساته على مدى ٥٥ سنة في حق شعبه وتجاه قضايا الامة المصيرية خصوصاً في فلسطين ولبنان والعراق. يقول الله "لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون". انّ مقاومة الكيان العقور هي اسمى شهادة شرف ونبل واجلال لا يستحقها الا المقاومون الاصلاء، مقاومون نزهاء يضحون بدمائهم وارواحهم في ساحات الوغى والجهاد، مقاومون مؤمنون أبرار لا يهابون الموت ولا يفرون من مواجهة الأخطار.
قدم نظام الأسد (حافظ الاب وبشار الابن) خدمات اجتماعية واقتصادية في سورية، إلا أنه في التحليل الأخير كان نظاماً مستبداً متخذاً أسلوب القمع والإقصاء لبسط سلطته، أسلوباً افقده في نهاية الأمر ولاء شعبه وجيشه. ادى تعامله العنجهي الأحمق والقاسي مع الاحتجاجات السلمية التي بدأت في مارس ٢٠١١ الى تعاظم الاحتجاجات وتحولها الى حرب اهلية كارثية، حرب استغلتها بخبث قوى ظلامية وغدة، حرب عبثية انزلت الشقاء على الشعب السوري الابي، واستنزفت طاقاته وأدت الى تشرد مؤسف لحوالي ٧ مليون سوري في مختلف اصقاع الارض؛ اللاجئون السوريون هم الاكبر عدداً دولياً. سبعة ملايين صوتوا بأقدامهم وغادروا وطنهم تخلصاً من حاكم جائر، حاكم لا يرى حرجاً من إحراق معارضيه من ابناء شعبه بالبراميل المتفجرة والسموم الكيميائية.
حتى عندما اتضح لبشار أن نظامه فقد تأييد اغلبية شعبه، لم يثنه ذلك عن الاستمرار في غيّه، وبدلاً عن بذل الجهد لمصالحة شعبه واستحواذ تأييدهم وكسب ولاء قواته المسلحة، استدعى قوى أجنبية: ايرانية وروسية وحزب الله اللبناني لمساندته وقتال معارضيه. استدعاء، والعبرة بالخواتم، لم يجدِ نفعاً. نظام لا يحتضنه شعبه، لا يستطيع الغرباء إنقاذه.
القمع المصحوب بالفساد كان طبيعة حكم الاسد، فقد استشرى الفساد وتأصلت الرشوة في مختلف انحاء نظامه بما في ذلك اجهزته الادارية والامنية والعسكرية. ادان الكثيرون نظام الاسد لانتهاكه حقوق الانسان ولاقترافه انشطة اجرامية واسعة تشمل انتاج وتهريب المخدرات كالكبتاجون. أقر أحد أهم ممثلي الأسد بأنه في نظامه "كان هنالك منظومة فساد مافيوية رهنت مصالح البلاد لخدمة مآربها الشخصية". لم يأت اتهام نظام الاسد بالفساد والظلم من معارضيه وممثليه ومن قبل المنظمات الدولية فحسب، بل ايضا من اقرب حلفائه.
بعد ثلاثة ايام من سقوط نظام الاسد، اي في ١١-١٢-٢٠٢٤، صرّح السيد علي خامئني المرشد الاعلى للنظام الايراني، الحليف الاقوى لنظام الاسد، بأن هزيمة نظام الاسد كان "نتيجة ضعف وتراجع روح المقاومة والصمود لدى الجيش السوري". ألا يعتبر وصف نظام لا يحظى حتى بدعم جنوده بأنه جزء اساسي من "محور المقاومة" اهانة لفصائل المقاومة الاصلاء ومغاويرهم الاشاوس وشهدائهم الابرار؟ الجنرال بهروز اثباتي، من اهم قادة الحرس الثوري الايراني وآخر من غادر سورية قبيل فرار الاسد الى روسيا، ألقى محاضرة في طهران بتاريخ ٣١-١٢-٢٠٢٤. أهم ما أدلى به:
- سقوط نظام الاسد عرّض النظام الايراني لهزيمة كبرى.
- عمق فساد مسؤولي نظام الاسد من ضمنهم الوزراء.
- وصف ماهر الاسد، شقيق بشار وقائد الفرقة الرابعة، بالملعون والمرتشي.
- سقوط نظام الاسد كان حتميا في ضوء عناء الشعب السوري من الاضطهاد والفساد والظروف الاقتصادية الصعبة.
- امتناع الاسد عن القيام بإصلاحات تخفف معاناة شعبه.
- عزا نجاح الانتفاضة التي اسقطت نظام الاسد ليس فقط الى قوى المعارضة بل أيضاً الى عامة الشعب.
- "شخص مسخ" هكذا نعت قادة الحرس الثوري الايراني في سورية بشار الاسد.
- رفض الاسد فتح جبهة الجولان السورية لمجابهة الكيان الغاصب عقب طوفان الاقصى. توجهه كان عدم الدخول في مواجهة مع الكيان الآثم.
- قام الحرس الثوري الايراني بتحضير الحشد الشعبي العراقي لدخول سوريا الا ان بشاراً رفض ان يطلب من روسيا توفير حماية له من ضربات الكيان الغادر الجوية.
- سعت زوجة بشار، اسماء الاخرس، لاستبدال إيران بالدول العربية، وفسّر ذلك لكونها سنيّة المذهب.
يبرهن التاريخ على انّ الشعب السوري العظيم، على مدى العصور، قدم وضحى بالكثير من اجل أمته العربية والاسلامية، إنه شعب وحدوي ومعطاء أصيل، ولذلك تتطلع الامة الى اليوم الذي تستعيد فيه سورية عافيتها ومكانتها المجيدة. من المهم بقاء سورية، قلب العروبة النابض، موحدة معززة، كما اكد عليه جمال عبد الناصر في ذلك اليوم المشؤوم، يوم الانفصال، عندما بترت قوى الظلام سورية عن جمهوريتها العربية المتحدة. لا محالة، عاجلاً او آجلاً، سيكون الشعب السوري المشارك الأهم في ملحمة تطهير الاراضي المغتصبة من الرجس الصهيوني. قال الشاعر "لا تقتلوا الشام فالتاريخ علّمنا أن العروبة دون الشام تندحرُ، لا تقتلوا الشام إن الشام روضتنا دون الشآم يموت الضوء والقمرُ".
استنجاد بشار بحزب الله للدفاع عن نظامه ادى الى نتائج كارثية للمقاومة اللبنانية. عربياً واسلامياً اكتسبت المقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله شعبية عارمة وتأييداً واسعاً خصوصاً بعد تصديها البطولي في حرب تموز/ يوليو ٢٠٠٦ لقوات الكيان الغاصب، تصدياً جعل من الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بطلاً قومياً على امتداد الوطن العربي. هذا المد بدأ بالانحسار بعد تدخل قوات حزب الله لحماية نظام الاسد التعسفي، تدخل اساء الى سمعة حزب الله، حيث بدأ الكثير من ابناء الامة في اعادة تقييمهم له، وتغيّرت نظرتهم له من كونه قوة مقاومة باسلة للكيان المسعور الى فرقة حماية لنظام شمولي فاسد وطائفي.
الأخطر من ذلك هو أن تورط حزب الله في الحرب الاهلية السورية اجبره على زيادة عدد مقاتليه بصورة سريعة وكبيرة، الامر الذي أدى حتماً الى ترهل في تطبيق المتطلبات الامنية الصارمة التي كان يتبعها الحزب في تجنيد مقاتليه، ترهل أفضى الى تسلل جلل لعناصر غير جديرة في صفوف الحزب، عناصر وضيعة استطاع الكيان الخبيث استئجارها لاختراق درع المقاومة الامني، اختراق فاجع ساهم في اغتيال الالاف من خيرة مقاتلي المقاومة وقيادتها العليا على رأسها السيد نصر الله. استشهاد سماحته هي خسارة جسيمة للمقاومة، وفقدان كبير لحزب الله من الصعب تعويضه.
لبنان:
في سنة ١٩٧٥ اندلع صراع مسلح في لبنان ما بين ميليشيات طائفية رجعية انعزالية والقوى التقدمية المتمثلة بتحالف الأحزاب الوطنية وفصائل المقاومة الفلسطينية تحت قيادة الزعيم العروبي كمال جنبلاط. احرز التحالف التقدمي انتصارات عديدة كانت قد ستؤدي، ان استمرت، الى لبنان مبني على الاساس الوطني غير المحاصصي الطائفي. في حزيران/ يونيو ١٩٧٦ ارسل نظام الاسد قواته الى لبنان مساندة للميليشيات الانعزالية الطائفية، ولمواجهة التحالف التقدمي والحد من انتصاراته. التدخل السوري تم بمباركة الرياض وموافقة واشنطن وتل ابيب. حيث كانت الميليشيات الانعزالية مدعومة أيضاً من قبل الكيان الآثم. بعد شهرين من دخول قوات نظام الأسد الى لبنان، اقترفت بالتحالف مع المليشيات الطائفية في آب/اغسطس ١٩٧٦ جريمة بشعة في حق اللاجئين الفلسطنيين وحلفائهم اللبنانيين في مخيم تل الزعتر، تم خلالها ذبح الآلاف من العزل من نساء واطفال وشيوخ، وهتك الاعراض والسلب والنهب.
وفي مارس ١٩٧٧ فقد التحالف التقدمي زعيمه كمال جنبلاط الذي اغتيل علي يد نظام الاسد كما أشارت الادلة. عملياً كان موقف نظام الاسد متوافقا مع الكيان الغاصب المؤيد للميليشيات الطائفية الانعزالية، والمعادي لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات. منذ تسلم نظام الاسد زمام السلطة كلياً في سورية في شباط/ فبراير ١٩٧١ سعى حثيثاً الى مصادرة الثورة الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير والتحكم في قراراتها السياسية والعسكرية. هذا الموقف عبّر عن نفسه بأشكال عدة: المشاركة في قتال الفلسطينيين (تل الزعتر ١٩٧٦، حرب المخيمات ١٩٨٨/١٩٨٥)، معارك طرابلس التي شن فيها نظام الاسد في تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨٣ هجوما على الفصائل الفلسطينية التي لجأت الى طرابلس عقب اجتياح الكيان السفاح لبيروت في ١٩٨٢، هجوم كاسح مدمرٍ ادى الى طرد آلاف المقاتلين الفلسطينيين الى أقطار عربية اخري كالجزائر والعراق.
رتب نظام الاسد أيضاً اغتيال سعيد صايل (ابو الوليد) وهو من اهم قادة منظمة التحرير، مهندس الصمود التاريخي للمقاومة الفلسطينية/ اللبنانية في وجه اجتياح الكيان المسعور لبيروت في ١٩٨٢، ونظم كذلك انشقاق قادة آخرين من امثال سعيد موسى المراغة وموسى محمود العملة. ولعل من ابشع الجرائم التي اقترفت بحق الشعب الفلسطيني هي مجزرة صبرا وشاتيلا التي نفذتها المليشيات اللبنانية الانعزالية (القوات اللبنانية/ حزب الكتائب/ وجيش لحد) بالتحالف مع جيش الكيان الغاصب الذي غزا لبنان في ٦ حزيران/ يونيو ١٩٨٢، أي حوالي ٣ اشهر قبل حصول المجزرة. قدّر عدد ضحايا المجزره بما يصل الى ٣٥٠٠ قتيل اغلبهم من الاطفال والنساء والشيوخ. إيلي حبيقة كان آمر القوات اللبنانية لحزب الكتائب، وعلى الرغم من جريمته الشنعاء، لم يجد نظام الاسد مانعاً من اتخاذ إيلي حبيقة حليفاً له في لبنان، وعينه وزيراً في عدة وزارات اثناء هيمنته على الوضع السياسي اللبناني!
تعرض لاجئو مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين الى مجرزة ثانية في أيار/ مايو ١٩٨٥ اقترفتها هذه المرة ميليشيات متحالفة مع نظام الاسد. من جملة الاجراءات الوغدة التي قام بها نظام الاسد في لبنان هي تصفيته، بمشاركة الميليشيات الحليفة، لمنظمة المرابطين. على عكس اغلب المنظمات اللبنانية الاخرى، تجاوزت بنية منظمة مرابطين الانتماء الطائفي حيث كان اعضاؤها ينتمون الى مختلف أطياف الشعب اللبناني، يوحدهم إيمانهم العروبي الوحدوي، إيمان جعلهم في طليعة المتصدين لاجتياح الكيان الآثم لبيروت في ١٩٨٢. حاول نظام الاسد أيضاً القضاء على جناح حزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان المؤيد للعراق، واتُهم بترتيب عملية اغتيال اثنين من قادته: تحسين الاطرش وموسى شعيب. استمر تواجد قوات نظام الاسد في لبنان حوالي ٣٠ سنة (١٩٧٦-٢٠٠٥). السبب المزعوم لإرسال نظام الاسد قواته الى لبنان هو حفظ السلام، وحماية مصالح الشعب اللبناني.
إلا ان الوقائع تؤكد الفشل الذريع في تحقيق أي من هذين الهدفين. إضافةً الى الجرائم والمذابح التي ذُكرت اعلاه والعديد غيرها والمجابهات الاهلية، فشلت قوات الاسد في منع اعتداءات الكيان الغاصب المتكرره على لبنان. أثناء وجود قواته شن الكيان العقور ثلاث هجمات كبرى على لبنان: في آذار/ مارس ١٩٧٨ (عملية الليطاني)، وفي نيسان/ ابريل ١٩٩٦(حرب نيسان)، وفي حزيران/ يونيو ١٩٨٢ (اجتياح لبنان). انتهى تواجد قوات نظام الاسد غير المرحب به، وغير المأسوف عليه، من قبل اغلبية اللبنانيين في ٢٠٠٥ على اثر الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي انطلقت بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في شباط/ فبراير ٢٠٠٥. اثناء وجود قوات نظام الاسد تم اغتيال العديد من الشخصيات اللبنانية البارزة منهم رؤساء جمهورية ورؤساء وزارة ووزراء ورجال دين الخ.
الوضع اللبناني معقد جداً، عدو الامس يصبح حليف اليوم، وعدو اليوم كان حليف الامس وهكذا دواليك، الا انه من المتفق عليه عامة ان وجود قوات نظام الاسد في لبنان لم يكن حضوراً بناءً نزيهاً صالحاً، بل العكس، حيث يعتقد الكثير من اللبنانيين ان محصلة تدخل نظام الاسد العسكري والسياسي كانت خراباً وفساداً: سيئاته كبيرة ومحاسنه نادرة، لذلك فإقصائه المذل في ٢٠٠٥ اسعد معظم اللبنانيين. حارب نظام الاسد في لبنان عدة فئات فلسطينية ولبنانية، الا انه بحجة "الصبر الاستراتيجي" لم يبادر على مدى اكثر من ٥٠ سنة، اي منذ ١٩٧٣، بإطلاق رصاصة واحدة على الكيان الغاصب الذي يحتل اراضيه منذ ١٩٦٧! اليس للصبر حدود؟
العراق:
في ٦ تشرين الاول/ اكتوبر ١٩٧٣ شنت القوات المصرية والسورية هجوما على الكيان الغاصب لتحرير اراضيها المحتلة منذ ١٩٦٧. ولم تكن القيادة العراقية على اطلاع مسبق بهذا الهجوم، لكنها فور علمها به قررت وبدون اي تردد ارسال قواتها المسلحة الى جبهة المعركة. جاء قرار القيادة العراقية الحاسم بزج قواتها المسلحة في مقارعة الكيان الغاصب رغم عدة عقبات: اضافة الى الخصام ما بين جناحي حزب البعث الحاكمين في سورية والعراق، كان العراق يواجه عوائق عديدة منها: عدم تهيؤ مسبق للحرب، وتهديد نظام الشاه الايراني لجبهته الشرقية، والعصيان المسلح في شماله، واحتمال تعرض قواته في طريقها الى الجبهة السورية لهجوم طيران الكيان.
بدأت مسيرة القوات العراقية الى سورية في ٧ تشرين الاول/اكتوبر ووصلت اوائل جحافلها الى الجبهة يوم ١١ تشرين الاول/ اكتوبر. تألفت القوات المرسلة البرية من ٤ فرق: الفرقة المدرعة الثالثة (قوات الناصر صلاح الدين)، والفرقة المدرعة السادسة (قوات سعد بن ابي وقاص) ، وفرقة المشاة الرابعة (قوات القعقاع)، وفرقة المشاة الخامسة (قوات محمد بن القاسم الثقفي)، اما القوة الجوية العراقية فقد شاركت بما يزيد عن ٢٥٠ طائرة ما بين مقاتلة وقاذفة وناقلة، وذلك اضافة الى سربين من المقاتلات التي حلقت في ٦ تشرين الاول/اكتوبر من موقعهما في مطار قويسنا، محافظة المنوفية المصرية، لدك مواقع الكيان الغاصب في سيناء تمهيداً لعبور القوات المسلحة المصرية لقناة السويس واجتياح خط بارليف. كان تفاني واداء الطيارين العراقيين فعالاً للغاية مما دفع قطعات مقاتلة من القوات البرية المصرية أن تنادي "نريد السرب العراقي"، حسب ما ذكره الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس اركان الجيش العربي المصري اثناء الحرب.
انطلقت القوات العراقية البرية من مختلف مواقعها: بغداد، الرمادي، تكريت، المسيب، بعقوبة، الموصل، والعمارة نحو الجبهة السورية قاطعه ما يقارب ١٥٠٠ كم، وقد شكّل نقل القوات المدرعة الى الجبهة صعوبة كبرى لعدم توفر العدد الكافي من ناقلات الدبابات، فاضطر قسم كبير من المدرعات والدبابات العراقية الى قطع مئات الكيلومترات زحفاً على عجلاتها وجنازيرها. العدد الكبير للقوات العراقية التي توجهت للجبهة السورية دعت، حسب ما يقال، معاون رئيس اركان الجيش العراقي، اللواء الركن اسماعيل تايه النعيمي، ان يخبر وزير الدفاع السوري، اللواء مصطفى طلاس، "لقد جاءك جيش اوله في الشام ونهايته في بغداد". حال وصول القوات العراقية الى الجبهة السورية اشتبكت بمعارك ضارية مع جيش الكيان، معارك احد اهم نتائجها كان منع تقدم قوات الكيان نحو دمشق واجهاض محاولاته لاحتلال العاصمة السورية. وفق عبد الوهاب الجبوري، الباحث في حرب ١٩٧٣،
نشرت صحيفة هاآرتس العبرية بتاريخ ٢٩-١٠-١٩٧٣ لمحللها العسكري تقريراً جاء فيه "لقد شكل اشتراك القوات العراقية في الحرب من جهة الشرق مفاجأة للقيادة العسكرية الاسرائيلية … وقد اجبرت هذه المفاجأة العراقية القوات الاسرائيلية على فرز قوات كبيرة لمواجهة القوات العراقية مما احدث تحولاً في مسيرة الحرب وابعاد دمشق عن مطارق المدفعية الاسرائيلية". وذكرت اذاعة بي بي سي البريطانية في ٢٠-١٠-١٩٧٣ نقلاً عن صحيفة تايمس اللندنية "إن إحدى المفاجآت الكبري في حرب الشرق الاوسط هي تمكن العراق من تحشيد فرقة مدرعة عبر مسافة الف كيلومتر وزجها في المعركة في الايام الاولى من الحرب مما قلب خطط الاسرائيليين ومنعهم من تحقيق كل اهدافهم في هذه الجبهة". باكتمال وصول جميع قطاعات القوات العراقية تم الاعداد لهجوم كاسح تشنه هذه القوات على جيش الكيان في ٢٣-١٠-١٩٧٣، الا ان النظام السوري في اليوم السابق وافق، بدون إعلام العراق، على وقف إطلاق النار، موافقة حرمت الأمة من فرصة تحقيق نصر مبين على الكيان الغاصب، وأدت الى قرار القيادة العراقية لإعادة قواتها الى العراق.
في ١٩٧٩ ثار الشعب الايراني بأغلب طوائفه واتجاهاته وأطاح بالنظام الشاهنشاهي، ثورة اشعل وميضها حماس ابرار الامة العربية الطامحين بتشكيل تحالف استراتيجي بين الامتين العربية والايرانية لمناهضة القوى الاستعمارية والصهيونية وحلفائها المحليين. إلا ان النظام الايراني الجديد، بعد ان سيطر عليه رجال دين مغالين مذهبياً، ارتأى ان لا تتخذ سياسته الخارجية موقفاً مسالماً ازاء نظام دولة الجوار، العراق، بل إتبع موقفاً طائفياً ساعياً الى تصدير مذهبيته ونشر هيمنته. ينبع الموقف الطائفي للنظام الجديد من ازدرائه لصحابة وخلفاء رسول الله، ازدراء عبّر عنه مرشد النظام الاعلى، السيد الخميني، بقوله "لقد تحقق الحكم الاسلامي الاصيل في صدر الاسلام في فترتين: الاولى في عهد رسول الله (ص) والاخرى في الكوفة في عهد حكومة الامام علي بن ابي طالب (ع)". أي أن خلافة صحابة الرسول (ص) أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، رضي الله عنهم، كانت مخالفة لمبادئ الحكم الإسلامي الاصيل! في نظر الغالبية الساحقة من ابناء الامة الاسلامية الخلفاء الراشدون الاربعه: ابو بكر وعمر وعثمان وعلي بن ابي طالب (ع) هم ايقونات مبجلة ورموز جليلة، ويعتبرون اي تشكيك في مقامهم او الحط من مكانتهم بأنه سجال ضال وفتنوي.
تجسّد موقف النظام الايراني العدائي للقيادة العراقية في هجوم تحريضي طائفي النزعة، هجوم اعتبرته القيادة العراقية مهدداً للأمن الوطني العراقي والقومي العربي. استفحل الامر وتفاقم الى حدٍ ادى الى نشوب حرب ضارية. اندلعت الحرب الايرانية/ العراقية في ١٩٨٠ وانتهت في ١٩٨٨ بعد ان ارغمت القوات المسلحة العراقية النظام الايراني على قبول وقف إطلاق النار. مثّلت الحرب الإيرانية/ العراقية أحلك فترة وأتعس مرحلة مرت بها الامة العربية والاسلامية في القرن العشرين، حرب عبثية ازهقت ارواح مئات الالوف، حرب مدمرة اهلكت طاقات الأمة، طاقات كان من الواجب ان توجّه للتنمية والبناء والتصدي للكيان الغاصب، حرب المستفيد الوحيد منها كان اعداء الامة، حرب لا تزال الامة تعاني من تداعياتها المؤلمة وتوابعها المهلكة، تداعيات تشمل تغلغل السرطان الطائفي المميت في جسد الامة.
يدعي البعض ان عداء النظام الايراني للقيادة العراقية لم يكن دافعه اي توجه طائفي بل ان باعثه كان التصدي لنزعة النظام العراقي الشمولية العلمانية المستمدة من عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي. انه ادعاء يفتقر إلى المصداقية، ويتبين زيفه بمودّة النظام الايراني لنظام طبيعته مشابه للنظام العراقي، نظام يستقي سلوكه أيضاً من مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي، الا وهو نظام الاسد. الفرق الرئيسي ما بين النظامين السوري والعراقي هو ان طائفيته نظام الاسد كانت تماثل طائفية النظام الايراني. وقد تحالف نظام الاسد مع النظام الايراني اثناء الحرب واتخذ موقفاً في غاية الضرر للعراق حيث اغلق في نيسان/ ابريل ١٩٨٢ انابيب تصدير النفط العراقي المارة عبر اراضيه الي مينائي بانياس في سورية وطرابلس في لبنان، وبذلك حرم العراق من عائدات كان في امس الحاجة اليها.
أقر السيد علي خامئني بذلك حيث صرّح في ١١-١٢-٢٠٢٤ "قدمت الحكومة السورية مساعدة حيوية لايران (خلال ١٩٨٠- ١٩٨٨)، اذ قامت في خطوة كبيرة وحاسمة، بإغلاق خط انابيب النفط من العراق الى البحر الابيض المتوسط، وحرمت صدام من دخله". اقدم نظام الاسد على قراره هذا رغم درايته بالمثل العربي: "قطع الاعناق ولا قطع الارزاق". لبنان كان القطر العربي الآخر الذي تضرر حيث انقطع عنه النفط العراقي. اضافة الى ايران، كانت تركيا الدولة الاجنبية الاخرى التي استفادت من قرار نظام الاسد حيث اضطر العراق الى انشاء خط انابيب جديد لتصدير نفطه عبر الاراضي التركية خلال ميناء جيهان الواقع على البحر الابيض المتوسط.
قبول النظام الايراني بوقف اطلاق النار وصفه مرشد ايران الاعلى بمثابة تجرع كأس المر (نوشيدن جام زهر) فقد كان المرشد يصر على استمرار الحرب وعدم إيقافها حتى تتم الاطاحة بالنظام العراقي برئاسة صدام حسين. كيف يمكن وصف ايقاف حرب كارثية بين دولتين مسلمتين، حرب أفجعت الامة العربية والاسلامية على مدى ٨ سنوات، بانه مماثل لتجرع السم؟ الم يكن مئات الالوف من ضحايا الحرب مسلمين؟ الم يقل رسول الله (ص) "قتال المسلم اخاه كفر وسبابه فسوق" و"كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"؟ لا جدال ان حرب الثماني سنوات سببت كارثة شنعاء للامة العربية والاسلامية استنزفت قواها وضيعت مواردها، والأخطر من كل هذا، أفضت إلى تفشي الشرذمة الطائفية والانشقاق المذهبي والفتنة الاقليمية، شرذمة وانشقاق وفتنة هي اهداف يكاد المعسكر الاستعماري الصهيوني والشعوبي لفرضها على الوطن العربي، شرذمة وانشقاق وفتنة تقرّح قلوب ابرار الامة لما يقاسي وطنهم الكبير من عواقبها المهلكة. من تداعيات الحرب كان اجتياح العراق للكويت في ١٩٩٠، اجتياح ارعن نتج عن فخ نصبته واشنطن انزلق فيه متورطاً صدام حسين (مذكرات كولن باول، وزير الخارجية ورئيس اركان الجيش الامريكي، ص ٤٦١-٤٦٢). تهيبت واشنطن المتصهينة من العراق وقوته الضاربة التي خرج بها من الحرب واعتبرتها تهديداً خطيراً لمصالحها وللكيان الغاصب، تهديداً لابد من القضاء عليه. تم بدهاء استغلال اجتياح الكويت للعمل على تدمير العراق وقواته المسلحة. تنفيذاً لهذا الهدف، سعت واشنطن على تعبئة جيوش حلفائها لتشاركها في حربها على العراق.
كان نظام الاسد من ضمن الانظمة التي سولت لها نفسها المساهمة في سحق طاقات العراق القتالية. ارسل نظام الاسد ٢٠ ألفاً من قواته الخاصة وفرقته المدرعة التاسعة المجهزة بثلاثمائة دبابة لتقاتل تحت قيادة الجنرال الامريكي هربرت نورمان شوارزكوف. آمر قوات نظام الاسد كان علي حبيب محمود الذي عيّنه الاسد بعدئذٍ وزير دفاع نظامه. لا يوجد أي شك أن نظام الاسد كان يدرك تماماً ان الهدف الرئيسي لحرب ١٩٩١ على العراق لم يكن تحرير الكويت بل تدمير العراق واعادته الى "العصر الحجري" كما اقر بذلك حينئذٍ وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر. كان من الممكن ترتيب انسحاب القوات العراقية سلمياً من الكويت، لولا تآمر وتحايل واشنطن، ومن تحالف معها من الانظمة المحلية (الكتاب الابيض، ازمة الخليج، الصادر عن الحكومة الاردنية، ١٩٩١).
استمر السعي الاجرامي لإهلاك العراق حتى بعد الحرب المدمرة بفرض حصار قاتل عليه، حصار جائر ادى الى تكبد الشعب العراقي اشق واسوأ اشكال المعاناة؛ والى موت مؤلم لمئات الالوف من الابرياء. لا الحرب المدمرة ولا الحصار القاتل أدى الى خنوع العراق أو كسر إرادته او خرق تحديه لعجرفة الاستكبار المتمثل بواشنطن المتصهينة. احتفاظ العراق بعزيمته وعدائه المتأصل لقوى الظلام الصهيونية والاستعمارية والشعوبية والطائفية أقنع هذه القوى ان السبيل الوحيد لقهر العراق هو غزوه العسكري واحتلاله. فعلاً حشدت واشنطن وحلفاؤها جيوشاً جرارة غزت واحتلت العراق في ٢٠٠٣، غزو واحتلال حرضت عليه وتواطأت فيه انظمة بعض دول الجوار وزمرها العميلة. زمر تكتلت في فئة باغية سولت لنفسها ركوب دبابات الغزو الامريكي/الصهيوني، دبابات سحقت عجلاتها أجساداً وأراقت جنازيرها دماءً. أجساد طاهرة ودماء زكية لمقاتلين أجلاء استشهدوا وهم يجاهدون ذوداً عن كرامة وشرف الوطن والامة، مقاتلين صناديد كانت أرواحهم تردد في طريقها لملاقاة ربها "هيهات منا الذلة"، ذل ارتضاه افراد الفئة الباغية، راكبو ظهور دبابات البغي والاجرام والمهرولين وراءها.
غاية واشنطن المتصهينة وحلفاؤها والمتواطئون معها من احتلال العراق كان تدميره وتمزيق شعبه وتحطيم طاقاته، واوعزت واشنطن الى الفئة الباغية على انجاز هذه الاهداف. رحبت هذه الفئة بما انيط بها من متطلبات خسيسة اجادت في تنفيذها، تنفيذ محكم افضى الى فقدان العراق سيادته وعزته واصبح بلداً فاشلاً محاصصياً مشرذماً، يغور فيه الفساد حتى النخاع، تتفشى فيه الطائفية المقيتة والشعوذة المذهبية، ويتراكم فيه الفسق والجهل، وتتفاقم فيه البطالة والفقر، وتنتشر فيه الرشاوي والمخدرات. كدليل على تعفن ممارسات الفئة الباغية التي اصبحت طغمة العراق الحاكمة، لم يعد الفساد الاداري والنهب المالي استثناء؛ بل أصبح هو النظام السائد. في عملية واحدة نفذت بغطاء رسمي تم سرقة حوالي ٨ الاف مليون دولار (نعم، ٨ مليار دولار)، اي ما يعادل مليونين ضعف معدل دخل الفرد السنوي في العراق البالغ تقريباً ٤ آلاف دولار! فئة باغية يتفوق افرادها فقط في فسقهم.
مهد الحضارات أصبح بلد الموبقات، بلد يفتقر الأمن والأمان، تستفحل فيه مليشيات طائفية مجحفة، ولاء اسيادها ليس للعراق، اسياد اسودت قلوبهم بالغلّ لصحابة رسول الله، بلد تتسلط عليه طغمة تنحصر قدراتها في الدجل والسرقة والتعسف، طغمة شعوبية سلبت من عرب العراق، الذين يمثلون ٨٠٪ من سكانه، عروبتهم، وشطرتهم، غصباً وقهراً، الى مذاهب وطوائف، طغمة صاغت دستوراً مسخاً الغى انتماء العراق الى أمته العربية، طغمة متشنجة مذهبياً لكن منحرفة دينياً. طغمة حرضتها طائفيتها وعنصريتها على استبدال اسماء محافظتين من محافظات العراق الثماني عشرة. ترضية لتوجهات اقطاب كرد تم تغيير اسم محافظة تأميم الى كركوك، وترضية لمشاعر النظام الايراني تم تغيير اسم محافظة القادسية الى الديوانية.
القادسية هي معركة كبرى وقعت في العام الخامس عشر للهجرة (٦٣٦ ميلادية) ما بين الدولة العربية الاسلامية بقيادة الخليفة عمر بن الخطاب (رض) والامبراطورية الزرادشتية المجوسية الفارسية تحت حكم الملك الساساني يزدجرد الثالث. انتهت المعركة بانتصار حاسم للخلافة الاسلامية وافضت الى انهيار الامبراطورية الفارسية، واهتداء شعبها باعتناق الاسلام ديناً عوضاً عن المجوسية. إذاً، اسم القادسية يفترض ان يكون سامياً عند الجمهورية الاسلامية الايرانية لانه يشير الى الحدث التاريخي المبجل الذي ادى الى اسلّمة الشعوب الايرانية، غير انه وكما يبدو افتخار النظام الايراني في إيرانيته وبماضي ايران الامبراطوري الفارسي الساساني يضاهي على الاقل تشرّفه بانتمائه الإسلامي! افتخار واعتزاز النظام الايراني في إيرانيته يؤكدها السيد الخميني بقوله "انا ازعم بجرأة ان الشعب الايراني بجماهيره المليونية في العصر الراهن افضل من شعب الحجاز في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شعب الكوفة والعراق على عهدي امير المؤمنين علي والحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما".
يُستنتج من هذا الافتخار والاعتزاز ان منظور النظام الايراني قد تولّد من تلاقح الانتساب القومي الفارسي بالانتماء الاسلامي المذهبي الاثنا عشري في صيغة نظرية "ولاية الفقيه".. افتخار النظام الايراني المتمحّور حول ذاته يفسر محاولته للاغتنام من ملحمة 'طوفان الاقصى' بزعمه بانه جاء انتقاما لمقتل قائد فيلق القدس الايراني الذي اغتالته القوات الامريكية في ٢٠٢٠، زعم كذبته المقاومة الفلسطينية.
تدل الوقائع ان عالم اليوم تحكمه شريعة الغاب: عالم يأكل فيه القوي الضعيف، عالم تُفتقد فيه العدالة، عالم تتحكم فيه قوى ظالمة عنصرية ذات معايير مزدوجة، قوى غير اخلاقية تفتقر إلى أي قيّم انسانية، قوى نذلة تتشدق بدعمها لحقوق الانسان ولكنها تقترف المجازر وتؤيد ارتكاب جرائم الابادة الجماعية بحق ابناء الامة العربية والاسلامية، قوى تعتبر اي نهضة عروبية وحدوية خطراً وجودياً على مصالحها الاستغلالية الجشعة وتتآمر على وأدها ومحقها. هذا يفسر العداء الجسيم الذي ابدته هذه القوى للمد العروبي الوحدوي التحرري الذي كانت تقوده مصر عبد الناصر. عداء مميت تمثّل بشن حربين عليه في ١٩٥٦ و١٩٦٧. وقد افلحت قوى الشر في تقويض مصر بعد وفاة عبد الناصر وتكبيلها باتفاقية كامب ديفيد التي هندستها واشنطن المتصهينة. ثم مرت الامة العربية بعدئذً بعدة محن ومصائب، منها بغي الكيان الغاصب المتزايد، والحرب الاهلية في لبنان، والحرب الايرانية-العراقية، واجتياح العراق للكويت. ان أياً من هذه الفواجع كان من المستبعد حصولها لو كانت الامة تتمتع بوجود قوة قديرة ورشيدة تقودها زعامة عروبية وحدوية.
دروس واستنتاجات وعبر:
مقاومة الكيان الآثم هو مجد رفيع لا يستحقه كل من ادعاه. مقاومة الاحتلال الظالم هو شرف مقدس ما بعده شرف، خير برهان على هذا المجد والشرف هو الصمود الرائع، والثبات الاسطوري، والتصدي الملهم الذي ابداه الشعب العربي الفلسطيني وقيادته في غزة العز والايمان والسؤدد، ليس فقط منذ تشرين الاول/ اكتوبر ٢٠٢٣ بل منذ الاختلاق المشؤوم للكيان السفاح، مقاومة تدفقت في غزة بكل اباء وبسالة من قبل مجاهدين ابرار تتزعمهم قيادة ورعة واعية وعفيفة، قيادة احتضنها أهلها بكل اعتزاز وشكيمة، احتضان مهيب أصيل رغم جسامة الخسائر وضخامة التضحيات، احتضان لما كان سيحصل لولا تمتع القيادة والمقاومون بخصال الشجاعة والحكمة والنزاهة والتواضع.
خصال يتمتع بها أيضاً مقاتلو المقاومة في لبنان واليمن، ولكن اين هذه الخصال من الآخرين الذين ادعوا او يدعون انتماءهم الى "محور المقاومة"؟ هل الدعم اللفظي والسماح لتهريب اسلحة عبر اراضيه، مقابل ثمن، هما معياران كافيان لاعتبار نظام الاسد عنصراً أساسياً في "محور المقاومة"؟ متى اصبح الولاء المذهبي بحد ذاته مؤهلاً كافياً لاعتبار أياً كان مقاوماً؟ أليست اهانة لقوى المقاومة الحقيقية ان يتم ادراج نظام ضمن عناصرها مضرجة يداه بدماء الفلسطينيين واللبنانيين؟ هل من الحصافة الظن ان نظاماً طائفياً يظلم شعبه سيحارب لإزالة الظلم عن شعب آخر؟ هل من الرشد الاعتقاد ان نظاماً عاث في بلده فساداً، وفقد احتضان شعبه، واستسلم لاحتلال ارضه لأكثر من ٥٠ سنة، لديه العزة لمقاتلة الكيان الغاصب؟ اليس من السذاجة التوهم ان نظاماً يستدعي الغرباء لحمايته من شعبه، نظاماً يضع جيشه تحت امرة جنرال امريكي لتدمير قطر عربي شقيق قواته المسلحة قاتلت ذوداً عن دمشق، ان هذا النظام لديه الشكيمة لشن حرب على الكيان الآثم هناك من يعد نفسه رجلاً لمجرد انه ليس امرأة، وبالمثل يبدو ان هناك من يتباهى بكونه مقاوماً فقط لأنه غير منبطح!
أما ما يخص عناصر "محور المقاومة" المزعومة في العراق، فالسؤال الذي يطرح نفسه، هل من الحنكة التوقع من بيئة عراق ما بعد الاحتلال الامريكي في ٢٠٠٣، بيئة الفساد والبغي، انجاب فصائل مسلحة ومليشيات مقاومة يقودها رؤساء نزيهون وصادقون في عدائهم للظلم وللكيان الغاصب؟ الاشارة هنا الى الرؤساء وليس الكوادر. الواقع يبين ان سمات رؤساء الفصائل الولائية والمليشيات التي أنشأتها بيئة عراق ما بعد ٢٠٠٣ تناقض تماماً الخصال المطلوبة: الخضوع بدل الشجاعة، الحماقة بدل الحكمة، الفساد بدل النزاهة، والتعجرف بدل التواضع. ان كانت هناك فعلاً في العراق ميليشيات ابية تستحق الانتماء الى "محور المقاومة", فلماذا لم تتصد لزمر الظلم والفساد التي تتحكم بمقدرات بلدها؟ ان هذه الميليشيات هي جزء من المشكلة وليس الحل.
الموقف الحقيقي لنظام عراق ما بعد ٢٠٠٣ حيال القضية الفلسطينية وازدرائه للتضامن العروبي، يتوضح من اصداره في ٢٠١٧ قانون رقم ٧٦ الذي الغى قانون ٢٠٢ لسنة ٢٠٠١ الصادر من مجلس قيادة ثورة النظام السابق والذي ساوى الفلسطينيين بالمواطن العراقي. والأنكى من ذلك هو تعرض فلسطينيي العراق بعد ٢٠٠٣ لاضطهاد وممارسات اجرامية على ايدي مليشيات طائفية تدعي الآن بأنها جزء من "محور المقاومة"! (سعد ناجي جواد، رأي اليوم، ٣-٣-٢٠٢١). على اثر هذه الممارسات الآثمة غادر العراق معظم الفلسطينيين. وضاعة حكام ما بعد ٢٠٠٣ جهر بها شاعر كان معارضاً للنظام السابق حين كتب " انتم جميعاً سفله، وغداً حين ستطوى صفحات المهزلة، وتساقون الى مزبلة، ان رضيت ان تحتويكم مزبلة، سوف لن تبقى لكم فوق شفاه الناس، الا جملة منتحله من مواريث قبيح، قُبحكم قد جمّله 'هي هذي المرجلة' "
مما تم ذكره اعلاه، اقر الجنرال الايراني، بهروز اثباتي، ان الفساد كان متفشياً في نظام الاسد، فساداً ادى الى سقوط النظام. وبسقوطه فقد النظام الايراني نفوذه في سورية، نفوذ كلّفه غاليا، ما يقارب ٥٠ مليار دولار ذهبت هباءً. الامل الان ان يتعظ النظام الايراني ويأخذ العبرة من تجربته السورية المرة والمكلفة وان يراجع مساره الداعم لانظمة فاسدة وظالمة سعياً الى الهيمنة وتحقيق المصالح الآنية والانانية الطائفية الضيقة. تبرهن مجريات الامور ان مناصرة نظام فاسدٍ لن يؤدي في نهاية المطاف إلا الى الفشل والهزيمة، بل وعلاوة على ذلك يقود أيضاً الى الخروج عن الدين ومعصية الله. امر الله تعالى "ولا تعثوا في الارض مُفسدين". وتكرر هذا الفرض الإلهي في ٥ سور (البقرة، الاعراف، هود، الشعراء، العنكبوت)، وقال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) "الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به وإثم الرضا به".
لقد شدد الله تعالى على محاربة الفساد والفاسدين، لذلك يصعب فهم تصرّف الذين رغم تفاخرهم بتدينّهم وتقواهم لا يكتفون فقط بعدم مقارعة الفاسدين، بل يسندوهم ويقدمون لهم الدعم والتأييد! في تعامله مع الامة العربية تجرع النظام الايراني كأس السم مرتين: الاولى في ١٩٨٨ لهزيمته امام العراق، والثانية في ٢٠٢٤ لهزيمته في سورية، فعليه ان كان حكيماً اتقاء الله واتباع الهدى لتفادي تجرع السم للمرة الثالثة: الثالثة قد تكون قاتلة. مما لاشك فيه ان النظام الايراني ساعد فصائل المقاومة الفلسطينية، الا ان هذه المساعدة لا تعوض المقاومة الفلسطينية عن خسارتها للعراق العروبي الوحدوي ولقواه الضاربة، خسارة نتجت عن اهلاك العراق وتحوله الى دولة متشرذمة فاشلة، اهلاك احدثته واشنطن المتصهينة ولعب فيه النظام الايراني دوراً كبيراً.
الأمه العربية والاسلامية بأكملها تجلّ سبط رسول الله وسيد شباب اهل الجنة، الحسين بن علي (ع). يرفع البعض شعار "يا لثارت الحسين" ويقول أن "المعركة بين الجبهة الحسينية والجبهة اليزيدية مستمرةً ولا نهاية لها" كما صرح بذلك السيد الخامنئي في ٢٥ آب/ اغسطس ٢٠٢٤. ثار الامام الحسين على يزيد بن معاوية لفساده وظلمه، هذا يعني ان "الجبهة اليزيدية" تتمثل بالأنظمة والفئات الفاسدة والظالمة. السؤال المحيّر: ما الذي يمنع "الجبهة الحسينية" من ان تتصدى للفئة الباغية كالتي تعيث ظلماً وفساداً في العراق؟ يبدو ان الولاء الطائفي لأغلبية افراد الفئه الباغية يوفر لها الحماية من عقاب "الجبهة الحسينية".
استشهد الحسين قبل ١٣٤٥ سنة، مع سبعة عشر من اخوته، منهم ابو بكر، وعمر، وعثمان، ومر اكثر من ثلاثة عشر قرناً على فناء من قتله من الآثمين وخذله من السافلين، واندثرت الدولة الأموية بعد استشهاده بسبعين سنة، فمن لا يزال حاضراً والذي يطالب هؤلاء البعض "الثأر للحسين" منه؟ اليس من الحق، إذاً، ان يعتبر معظم ابناء الامة ان رفع شعار "الثأر للحسين" هو عجيج باطل، وتحريض حاقد، يقوم به طائفيين غرضهم نشر الفتنة وتفرقة الامة؟ بئس اولئك المهووسين بالماضي، متجاهلين الحاضر والمستقبل.
لا ضير في وجود اختلاف ما بين المذاهب الاسلامية الخمس الكبرى: الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي والجعفري الامامي الاثنا عشري، بل العكس هو الصحيح، اذ ان الاختلاف في الاجتهاد يبين ان الاسلام هو دين منفتح، متعقل، حيوي ونابض. يحصل الضرر فقط عندما يتحول الاختلاف الى خلاف يؤدي الى صراع وبالتالي الى انفصام. الاختلاف هو تفاوت في الوسائل ولكن توافق في الغايات، اما الخلاف فهو تفاوت في الوسائل وتضاد في الغايات. لا جدل ان المذاهب الجليلة الخمس تتوافق في غاياتها، ولكن قوى الظلام، ومن في قلوبهم مرض، تبذل قصارى جهدها لنشر الفتنة بين المذاهب وتفريقهم. الأمة التي تؤمن بقول تعالى "ان الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيءٍ"، عليها ان تنبذ أعداء الله من المفرّقين ودعاة الفتن، والتكفيرين. الفتنة اشد من القتل، واذا وقعت، عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، كما قال احد المفكرين.
حرصاً على الجمهورية الاسلامية الايرانية، يناشد أبرار الامة العربية النظام الايراني بإعادة النظر، قبل فوات الاوان، في دعمه لزمر الفساد والبغي التي تتحكم بمقدرات العراق منذ ٢٠٠٣، وان يعي ان الطريق القويم والمثمر للتعامل مع العراق هو التحالف مع احراره، تحالف مبني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وليس على التسلط والاستغلال والطرح الطائفي المقيت. أبرار الأمة العربية، والعراقيون في مقدمتهم، حريصون على سلامة ايران وشعبها الكريم الذي يكنون له كل الود والتقدير، ويتطلعون الى اليوم الذي يجمعهم معهم في خندق واحد لمحاربة قوى الشر من استكبارية وصهيونية وطائفية وتكفيرية. تربط الامتين العربية والايرانية اواصر متينة ووطيدة، اواصر حضارية وتأريخية ودينية عميقة، اواصر ثمينة تستحق ان يبذل كلا الطرفين قصارى جهدهما لتعزيزها وتنميتها.
إن الفساد والمقاومة ضدان لا يجتمعان، يعارضان بعضهما البعض كلياً وجوهرياً. المقاومون الاصلاء لا بد ان يكونوا أعفة اشاوس طاهرين، واي نظام او فصيل او شخص يسمح للفساد ان يتغلغل في ممارساته، على الامة نبذه وإدانته بشكل حاسم وقاطع. يجتنب الابرار التواصل مع اي فئة تدعي المهابة ولكن اداءها ملطخ بالمعاصي كالفساد والتدليس والطائفية، لذلك فأن اولئك الذين يغدقون جزافاً قدسية شرف المقاومة على عناصر بائسة غير جديرة بها لا يطؤون عقول الجماهير بأحذيتهم فحسب، بل انهم كذلك يسيئون ويلحقون ضرراً جسيماً بالمقاومة وبنبل قضيتها.
اسدى واحكم الاستاذ سعد ناجي جواد عندما كتب (رأي اليوم، ٢٦-٤-٢٠٢٤) إن أحد اسباب اللامبالاة التي يعاني منها الشارع العربي على عكس شوارع دول العالم التي تشهد تظاهرات مستمرة لنصرة فلسطين قد "جاءت نتيجة الفساد المستشري في بعض الدول والفقر المدقع في اخرى مما جعل مواطنيها يفكرون بهمومهم اليومية فقط". "ان تمجيد عناصر غير جديرة هو بنظر الكثير من ابناء الامة تدليس واستخفاف بعقولهم، تمجيد مقرف ادى الى تقيّح قلوبهم وبالتالي الى نفورهم من العملية السياسية. مما لاشك فيه ان الربط الاجوف لعناصر فاسدة وطائفية بالمقاومة قاد الي عزوف قطاعات شعبية كبيرة، خصوصاً من الاجيال الناشئة، عن الاهتمام بمجريات امتهم الجهادية، وعن الخوض في معرفة التحديات الوطنية، وعن المشاركة الفاعلة في تبني قضايا الامة المصيرية، قضايا كافح آباؤهم واجدادهم من اجلها عندما كان الجهاد عروبياً اسلامياً والنضال وحدوياً نزيهاً، عندما كانت التوجه الطائفي محتقراً.
ما يمكن الادلاء به أيضاً انه اذا ما اتبع النظام الحاكم نهجاً مذهبياً، فإن ذلك سيؤدي حتماً الى احتقان اهلي، خصوصاً في بلدان ذات اطياف عديدة. فأي بلد يسمح نظامه الحاكم للولاء الطائفي بالدوس على الولاء الوحدوي، ويبيح للانتماء المذهبي تسفيه الانتماء الوطني، كما يحدث في العراق، فأن هذا البلد حتماً يواجه حاضراً كئيباً ومستقبلاً مظلماً. لا توجد دولة متطورة ومزدهرة في العالم يعتمد تكوين نظامها الحاكم على المحاصصة الطائفية او العرقية. أي بلد، في القرن الحادي والعشرين، يحكمه افراد يتم اختيارهم وفق تقاليد بالية، بنيت على روايات واساطير بليدة عمرها يزيد على الف سنة، هو بلد بائس لا يستحق نظامه الحاكم الا الشفقة والاستخفاف، نظام اسقط الى الحضيض بلداً كانت عاصمته، بغداد، نبراساً يبث وميضه للعالم أجمع العلم والمعرفة والثقافة والحضارة. بغداد مع شقيقاتها، القاهرة ودمشق وقرطبة وفاس، تدين لهم أوربا بانبثاق عصر نهضتها وثورتها العلمية. قال احد الحكماء "اتباع التقاليد لا يعني ان الاموات احياء، بل ان الاحياء اموات".
بلد نظامه يستمد اقطابه مناصبهم حسب محسوبيتهم الطائفية او العرقية، وليس على اساس وطنيتهم وكفاءتهم وجدارتهم، هو بلد فاشل تعس. يوثق التاريخ مرة بعد اخرى ان صانعي قرار اي سلطة اولويتها ارساء مصالحها الذاتية على حساب مصالح شعبها، وترسيخ التوجهات الطائفية على حساب التوجهات الوطنية، سيحاسبهم شعبهم حساباً عسيرا على ما سببوا من عواقب كارثية. علاوة على هذا، ليس من مهام السلطة الحاكمة ادخال مواطنيها الجنة حسب رؤيتها المذهبية، ان واجباتها تنحصر في توفير العدالة والعيش الكريم لجل افرد الشعب وحماية كرامتهم ووقاية وحدتهم ورعاية حقوقهم ورفع شأن كادحيه. ان استغلال الحكام للدين صوناً لمآربهم النفعية هو جحود ما بعده جحود بالقيّم الايمانية، محصلته النكراء هي احتقار المواطنيين ونهب ثرواتهم. قال الله جل جلاله "وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين".
قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) "الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كل داخل في باطل إثمان: إثم العمل به وإثم الرضا به". هذا يعني ان الحكام العرب المتخاذلين يقترفون إثمين نتيجة سكوتهم، الذي يصم الآذان، عن الجرائم البشعة التي يقترفها الكيان السفاح بحق اهلهم في غزة، فالسكوت علامة الرّضا. ليس المطلوب من هؤلاء الحكام ارسال جيوشهم لتحارب جنب فصائل المقاومة الفلسطينية ردعاً لقوات الكيان السفّاح التي تقترف ابشع المجازر بحق سكان غزة العزل. يكفي ان يستبدل هؤلاء الحكام جبنهم وتخاذلهم بموقف ينم عن العزة والكرامة ويتوافق مع القيّم السامية للعروبة والإسلام، قيّم الشرف والشهامة. سيدين التاريخ كل من جلسوا مكتوفي الأيدي متقاعسين وهم يشاهدون آلاف الاطفال والنساء والرجال يذبحون وهم ابرياء عزل، هؤلاء هم المتقاعسون الذين يكررون ما قاله اسلافهم الجبناء "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون".
وقال الامام علي بن ابي طالب (ع) "العدو متحد في باطله، ونحن متفرقون في حقنا". تفرّق الامة العربية والاسلامية الحالي هو ابتلاء كارثي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، انه بمثابة انتحار جماعي مبني على اسس خرقاء طائفية مذهبية عنصرية كانت او سياسية، انه مصدر انشراح وبهجة لأعداء الامة، ومصدر شجن وتعاسة لأبناء الامة. لا شيء يجلب سعادة للكيان الغاصب وحلفائه اكثر من تناثر الامة وعداء بعضها لبعض: تناثر سقيم وعداء عقيم. قال تعالى "اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"، و"محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم"، وقال الرسول الاكرم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً". عندما تواجه الامة محناً صعبة فان كل من يساهم، من قريب او بعيد، في تفرقتها او في زرع الفتنة بين اطرافها، باي مبرر كان، فانه يقترف اثما قبيحا وخطيئة شنعاء لا تغتفران في حق امته وقيّمها الوطنية والايمانية، ويقدم بذلك خدمة غالية لأعدائها من صهاينة وزنادقة واستعماريين.
الحمقى هم من يجادلون بأن وحدة الامة هي ليست السبيل الاوحد لازدهارها وسموها ومجابهة اعدائها وما اكثرهم. الوحدة لا تعني الاندماج او التطابق، انها تعني ترابط وتضامن وتكافل اركان الامة لما فيه خيرها، ودرء لكل شر يهدد احد اجزائها. قال رسول الله "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". تملك الامة جميع مقومات وحدتها: الحضارة واللغة والدين والتاريخ والجغرافية والاقتصاد. أمة منّ الله عليها بجزيل خيراته وعظيم رزقه، الا تستطيع ان ترد القليل من جميله بان تعتصم بحبله ولا تتفرق، وان تتناصر لإحقاق الحق ودحر الباطل؟ امر تعالى "ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون". الامر بالمعروف يعني نصرة فلسطين واهلها، والنهي عن المنكر يعني مقارعة ظالميها ومغتصبيها.
إن وحدة الامة ليست نظرية قابلة للمناقشة، او خياراً من اللطيف ان يتحقق، انها مطلب مصيري مستمد من استقراء دقيق لمجريات التاريخ وظروف الحاضر، إنها أمر رباني، جميع الاديان السماوية تدعو لها. جاء في الانجيل "كونوا جميعاً متحدين في الراي، متعاطفين بعضكم مع بعض، مبادلين احدكم الاخر المحبة الاخوية، شفوقين، متواضعين". حتماً، بديل الوحدة الوحيد هو المزيد من التشرذم والذل والعار.
فيتنام الدولة المستضعفة حاربت وانتصرت على دولتين من اعتى قوى العالم: فرنسا في ١٩٥٤ والولايات المتحدة الامريكية في ١٩٧٥، لم تنتصر فيتنام فحسب بل اوقعت هزائم شنعاء على هاتين القوتين. السؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاعت فيتنام الدولة المتواضعة ان تهزم هاتين الدولتين العارمتين؟ الجواب بإبائها ونزاهة قيادتها ووحدة شعبها. تتواجد في فيتنام حوالي ٥٤ مجموعة عرقية (نعم ٥٤) و٧ اديان، الا ان هذه المجموعات لم تسمح لانتماءاتها العرقية او الدينية ان تعلو على انتمائها الوحدوي الوطني. العرق للطائفة (ليس للطائفية)، والدين لله، والوطن للجميع. الصليبيون اتوا الى فلسطين واحتلوا واجرموا وبغوا، الا انهم في نهاية الامر قُهروا، دحرهم جيش وحدوي من الكرد والعرب من اهل الشام ومصر يقودهم، الناصر صلاح الدين الايوبي، كردي من تكريت العراق، يساعده مسيحي من فلسطين، عيسى العوام. هل مقولة "النصر في الاتحاد، والذل في التفرقة" تحتاج الى اي برهان آخر؟
قدر الامة ان تنهض من جديد، نهوضاً عروبياً إيمانياً وحدوياً، نهوضاً يلقي بأعدائها الصهاينة والطائفيين والاستعماريين والمفسدين في مزبلة التاريخ 'ان رضيت ان تحتويهم مزبلة'. امة يجسّدها اهل غزة الأجلّاء هي امة مبجّلة وصفها الله تعالى "كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر". لا محالة، عاجلاً او آجلاً، سترفرف من جديد في سماء الوطن الكبير، في بغداد المنصور، ودمشق العروبة، والقدس الشريف، وقاهرة المعز، وصنعاء اليمن السعيد، وجزائر المليون شهيد، وفاس الثقافة، رايات النصر المبين، رايات المجد والحضارة والازدهار. ختاماً، أن تكون مقاوماً، لابد من أن تكون أبياً، نزيهاً، وقبل كل شيء، وحدوياً.