١٩٩٨ - ١٩٩٩
كُنا في نهاية التسعينيات، الحياة أكثر هدوءًا من أي وقت آخر، لا صراعات سياسية عنيفة، لا حروب إقليمية، ولا مذابح يومية. هدوء أقرب إلى الركود. كل صباح يشبه الآخر. أكثر ما يشغل وسائل الإعلام بمختلف أنواعها هو صعوبة الانتقال الرقمي لأجهزة الكمبيوتر مع بداية الألفية الجديدة وأثره على الأنظمة البنكية. حينها كنت مراهقًا أخطو نحو المرحلة الثانوية بوافر من الشعور بالتفرّد والتميز دون مبرر واضح، أو ربما كنت أبحث عنهما في نفسي. بدأ الإنترنت في الانتشار رويدًا رويدًا، أمّا التليفونات المحمولة فلم تصل إلى مصر بعد، أو ربما وصلت ولكن على استحياء، لرجال الأعمال وأصحاب السلطة لا غير. كنا ما نزال نعتمد على الهواتف الأرضية، تمتعت تلك التليفونات السلكية بأهمية كبيرة في بيوتنا، مثلها مثل الفيديو والكاسيت، قبل أن تندثر أو تُهمّش. ولذا كانت إحدى وسائل التسلية واللعب للمراهق الذي كنته أن أجيب المكالمات الهاتفية التى تصل بكثرة لتليفوننا المنزلي. ظللت لسنين أمارس لعبة (من بالهاتف؟)، وبمرور الشهور والأعوام عرفتُ كل أصدقاء أبي من المثقفين والكتاب وغيرهم، اعتدت أسماءهم وأصواتهم، واخترت لبعضهم لازمات لفظية لاستخدامها بسخرية وتهكم حينما يتسنّى لي ذلك.
استقبلت على فترات غير متقاربة اتصالات من صوت جاد دون حدة، اسمه صنع الله إبراهيم، وهو اسم لا يمكن أن تنساه ما إن تسمعه للمرة الأولى. يظل عالقًا بالذهن لغرابته وتميزه، حيث أنه بدا لي في أول الأمر -وبعقلية طفل- جملة كاملة، صنع الله إبراهيم. مرّت اتصالاته دون أي حوار أطول من السؤال إن كان والدي موجودًا في البيت أم لا، حتى ذلك اليوم في نهاية التسعينيات. يومها قال لي اسمه وعرّفني بنفسه دون أن يسأل عن أبي كما هو معتاد ومتوقع، فاجأني وظل يتحدث إليّ، سألني في أي صف دراسي أكون، وبدا عازمًا على تجاذب أطراف الحديث معي، ولكنني كنت مراهقًا خجولًا، قليل الكلام مع من لا تربطني بهم علاقة وطيدة، ولذا قابلته بإجاباتي المقتضبة شديدة الاختصار. داخلني شعور بالارتباك والمفاجأة، ولكنه لم يستسلم للحظات صمتي ولتحفظي في الحديث واستمر محاولًا جذبي لحوار أطول وأكثر حميمية، قال لي إنه يعلم أنني ولدتُ بمرض خلقي في واحدة من عينيّ، وسألني إن كان التدخل الطبي قد أصلح الأمر أم لا، لا أنكر أنني أُخذت بسؤاله، لم أتوقعه وأردت أن أهرب من الحوار، إلا أنني أجبته فاستفسر عن مدى تأثير الأمر على مذاكرتي وتحصيلي الدراسي، وفي مواجهة إجاباتي المقتضبة انتقل إلى موضوع آخر. سألني إن كنت أقرأ ما يكتبه أبي، ضحكت ضحكة خجِلة وقلت له «لا». في ذلك الحين لم أكن أقرأ لأبي فعلًا، ولم أكن فخورًا بهذا بأي شكل، أجابني قائلًا «والدك كاتب كبير، يجب أن تقرأ له، أنا لا أدعي أنني أفهم كل ما يكتبه، حيث أن كتابته شديدة الذاتية والخصوصية، ولكنها هامة ومميزة، ولابد أنك ستفهمها بشكل أكبر مني، فأنت ابنه وتعرف همومه وما يدور في ذهنه أكثر مني». أضاف أن أبي بالتأكيد يشعر بشيء من المرارة لأني لا أتابع كتاباته، فهو أيضًا -أي صنع الله– شعر بالأحاسيس نفسها تجاه ابنته إلى أن استيقظ يومًا ووجد إحدى رواياته على مكتبها وداخلها علامة لإحدى الصفحات، فشعر ببهجة وارتياح، وربما اكتفى بذلك دون أن ينتظر منها تعليقًا أو رأيًا.
عندما أتذكر تلك المكالمة الآن أربطها بتعليق طالما ردده صنع الله في حواراته عبر السنين وهو أنه غير مهتم بترجمة رواياته إلى اللغات المتعددة أو الانتشار العالمي قدر اهتمامه بالوصول إلى القارئ المصري والعربي، أي أن ما يهمه حقًا وأولويته أن يصبح مقروءًا في وسط البلد وفي شبرا. هو مهتم بالتواصل مع محيطه وبيئته ومجتمعه في المقام الأول؛ أن يؤثر فيهم ويتأثر بهم، وكل شيء آخر يأتي في مراتب تالية.
أكتوبر 2003
بعد أعوام قليلة، وعقب اجتياح أمريكا للعراق واحتلالها، تردد اسم صنع الله إبراهيم بقوة في كل المحافل الثقافية والأدبية، حيث فاجأ الروائي اليساري الجميع بموقف غير متوقع وربما غير مسبوق بالشكل نفسه. حينها كان المجلس الأعلى للثقافة قد شكّل لجنة برئاسة الكاتب السوداني الطيب صالح لاختيار فائز بجائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي، ووقع اختيارهم على صنع الله ليفوز بالجائزة في دورتها الأولى، وأُعلن عنها في حفل تصدّره وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني وعدد من معاونيه ورؤساء الهيئات، وإذ بصنع الله يصعد إلى المنصة ويرفض استلام الجائزة «لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب». هكذا قال من موقعه المواجه للوزير وكبار رجال الدولة. «في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتُشرّد الآلاف وتنفذ بدقة منهجية واضحة إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه. لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان، وعلى بعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأميركي حيًا بأكمله بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيًا».
حينها زاد اهتمامي باسم صنع الله إبراهيم وشعرت أن هذا التصرف بما فيه من شجاعة ونبل واستغناء عمل ملهم لي. فكرتُ أن الجوائز والأموال والتكريم ليست أهم ما يحصل عليه الإنسان في حياته، وأننا لا يجب أن نقبل كل ما يقدم إلينا لأننا نعتقد أننا نستحقه. يجب على الفنان والمثقف وعلى الإنسان بشكل عام أن يكون معتزًا بنفسه وألا ينسحق أمام السلطة أو أمام رأس المال. كان أبي بشكل واضحٍ وصريح من يمثّل لي كلّ هذه المعاني، غير أن موقف صنع الله أضاف وأكد هذه المعاني والأفكار داخلي.
ما بين 2011 و2012
تأخرت قراءتي الأولى لرواية كاملة لصنع الله إبراهيم إلى عاميْ الثورة 2011 و2012. كانت الحياة تتفتح أمامي في كل يوم بمقدار شهور وأعوام مما سبق. كنت منطلقًا ومفتونًا بعالم جديد رأيت طيفه في الأفق وكدت ألامسه. سلكت طرقًا لم أعتدها وطرقت أبوابًا لم أطرقها من قبل، كانا عامين خارج الزمن، وكنا فيهما غير ما كنا قبلهما أو بعدهما، حيث امتلأت أرواحنا بالأمل والتفاؤل والطاقة والاندفاع. تعرفت حينها على فتاة تصغرني بعامين أو ثلاثة، جمعتنا المظاهرات والاحتجاجات السياسية، أعجبتني وانجذبت إليها، قالت لي ذات يوم ونحن نتبادل آراءنا في الكُتاب والروايات أن (وردة) هي روايتها المفضلة على الإطلاق. عدت إلى المنزل وبحثت في الليلة ذاتها عن الرواية في جنبات مكتبة أبي، وصلت إلى ركن روايات صنع الله واقتطفت الرواية من وسطه، وكانت أول ما قرأت لصنع الله إبراهيم.
تزامنتْ تلك القراءة مع عرض مسلسل (ذات)، العمل الدرامي الوحيد المأخوذ عن رواية لصنع الله، مما زاد من اهتمامي بكتابته، فتوالت قراءاتي على مدار السنين اللاحقة. ومع كل رواية جديدة أقرأها، يزيد اعتقادي أن صنع الله استطاع أن يقوم من خلال رحلته الروائية بعملية رصد وتأريخ وتوثيق فني لصورة العالم في الثلث الأخير من القرن العشرين، حتى رسمَ صورة متكاملة لتلك الفترة من منظور مصري ولكن دون أن تتوقف نظرته على مصر وحدها، فشملت لبنان وسلطنة عمان واليمن وروسيا وألمانيا وغيرها. وحتى عندما لجأ إلى كتابة رواية تاريخية عن فترة الحملة الفرنسية على مصر في (العمامة والقبعة)، ما كان الأمر إلا انعكاسًا ورؤية لصراعات فكرية وثقافية دارت في مصر خلال التسعينيات، ولذا فحتى هذه الرواية لا تخرج عن إطار اللوحة المرسومة للحياة والأفكار والمتغيرات منذ منتصف الستينيات وحتى نهايات القرن.
المكالمة الثانية
بعدما صدرت روايتي الأولى (رائحة مولانا) بعدة أشهر، اتصل صنع الله بأبي. قال له إنه قرأ روايتي ويود أن يحدثني بخصوصها، وقد كان. كانت هذه هي المكالمة الثانية التي تجمعنا بشكل شخصي بعد حوالي أربعة عشر عامًا من الاتصال الأول. تلقيت المكالمة بكثير من القلق والحماسة. انتظرتُ أن أسمع رأيه فيما قرأ وتوقعت أن يخلو من أية مجاملة أو تزيين، بدأ المحادثة بالثناء على الرواية فتنفست الصعداء، قال إنها أعجبته ولكنه يود أن أكتب أكثر عما اختبرته بنفسي في الحياة عملًا بالنصيحة الشهيرة (اكتب عما تعرف)، وسألني لم لا أكتب عن تجاربي مع المرضى والمستشفيات بوصفي طبيبًا، أو عن أي صراعات عائلية مررت بها، صراع أجيال مع والدي على سبيل المثال، ثم قال «أنت شاب، لماذا لا تكتب عن العلاقات أو عن الجنس؟». ماذا قلت له؟ لا أذكر، ربما هززت رأسي على الجانب الآخر من السماعة وفقط.
لم ألحظ حينها التشابه بين اسم روايته الأولى وروايتي الأولى، (تلك الرائحة) و(رائحة مولانا)، غير أنه لا يجمع بين الروايتين الكثير، ربما باستثناء أن كليهما يعرض بشكل ما جانبًا من آثار الديكتاتورية. أحببت (تلك الرائحة) بشكل خاص عندما قرأتها، لم أحب الرواية أو النوفيلا فقط، ولكني أحببت الكتاب كله، بداية من المقدمتين اللتين كتبهما صنع الله نفسه، ثم مقدمة يوسف إدريس، وصولًا إلى القصص القصيرة التي أضافها صنع الله إلى نهاية الكتاب.
في المقدمة يحكي صنع الله عن الموقف الذي جمعه بالكاتب الكبير يحيى حقي عند نشره للرواية لأول مرة في ستينيات القرن الماضي، حيث ساعد حقي الشاب صنع الله عند خروجه من المعتقل وشجعه واحتضنه، إلا أن هذه العلاقة الإنسانية لم تمنعه من التعبير عن رأيه السلبي في رواية (تلك الرائحة) عبر مقال عنيف نشره في عموده بجريدة المساء، متهمًا إياها بغلظة الإحساس والفجاجة، وأن بها من القبح ما يثير التقزز. غير أن صنع الله يُعبّر عن وجهة نظره المغايرة عبر تلك المقدمة، فكتب ضمن ما كتب:
«ألا يتطّلب الأمر قليلًا من القبح للتعبير عن القبح المتمثل في سلوك فسيولوجي من قبيل ضرب شخص أعزل حتى الموت ووضع منفاخ في شرجه، وسلك كهربائي في فتحته التناسلية؟ وكل ذلك لأنه عبر عن رأي مخالف أو دافع عن حريته أو هويته الوطنية؟ ولماذا يتعين علينا عندما نكتب ألا نتحدث إلا عن جمال الزهور وروعة عبقها بينما الخراء يملأ الشوارع، ومياه الصرف الملوثة تغطي الأرض، والجميع يشمون الرائحة النتنة ويشكون منها؟».
ربما تأثرت بهذا الرأي وعملت به في بعض ما كتبت، غير أنني لم أعمل بنصيحة صنع الله التى أسداها لي عندما شرعت في كتابة روايتي الثانية (رسائل سبتمبر). لم أكتب فيها عن أي من المواضيع التي اقترحها عليّ في المكالمة الفائتة، ولكنني في استهلال الرواية كتبت حبكة متخيلة بأن أحد رؤساء مصر أصدر قرارًا بمنع تداول أو نشر أية قصص أو روايات، وخص بعض الكتاب بقرارات خاصة، مثل مجيد طوبيا وجمال الدين الأفغاني وأحمد فؤاد نجم وألبير قصيري، «كما أصدر قرارًا آخر باعتقال صنع الله إبراهيم رغم أنه لم يكتب جديدًا منذ الإعلان عن ذلك القانون».
لم يكن هذا هو الحضور الوحيد لصنع الله في كتاباتي، حيث ضمت مجموعتي القصصية (قطط تعوي وكلاب تموء) قصة بعنوان (تلصص) وهو اسم إحدى روايات صنع الله، وللإشارة لهذا بشكل غير مباشر ذكرت في إحدى الجمل أن بطل القصة كان يقرأ رواية لصنع الله إبراهيم.
لا أعرف لماذا لم يهتم صنع الله بكتابة القصص القصيرة، لا أذكر له سوى القصص الخمسة اللاحقة لـ(تلك الرائحة) في الكتاب نفسه، وبدا فيها بوجه مغاير عن وجهه الروائي المعروف. ربما كان السبب في ابتعاده عن القصص القصيرة أنه وجد صوته الخاص وبصمته المميزة في الشكل الروائي الذي أتقنه وأجاده وبدا بطابع مختلف عن سائر الكتاب العرب المجايلين له أو السابقين عليه، في حين أنه لمس تأثره في القصص بأسلوب جورج سيمنون وألبير كامو وهيمنجواي، لكنني لن أتوقف عند رأيه في تلك القصص حيث أنني أرى أن قصتيّ (أرسين لوبين) و(بعد الظهر عبر ثلاثة أسرّة) تظلان من أجمل كتاباته وأكثرها حساسية وقدرة على لمس المشاعر ببساطة ورهافة.
أبريل 2024
في بدايات الحرب في غزة، كنت أسأل نفسي في كل لحظة كيف نسكت عن كل ما يحدث، كيف ينام البشر في العالم العربي بعد ما شاهدوه على شاشات التليفزيون وما رأوه من جرائم بشعة، ووجدت صنع الله يجيبني في روايته (بيروت.. بيروت):
-والناس، كيف يسكتون على ذلك؟
-الناس ملاحقون بطوابير الخبز والسجائر والدجاج، بالأوبئة والضجة والقذارة، وبانقطاع المياه والكهرباء والتليفون، بالمواصلات المستحيلة، وبسباق التظاهر. الواحد منهم يتبعثر كل صباح عدة مئات من القطع ويعجز عن لم نفسه في المساء مرة أخرى. حتى الكرامة الوطنية لم يعد لها معنى عندهم، ماذا تنتظر منهم؟
بعد شهور من الحرب، وفي صيف عام 2024، حضرتُ ندوة جمعت صنع الله والكاتب البرازيلي هنريكي شنايدر في القاهرة القديمة، باعتبار أن لكليهما رواية تحمل اسم (1970)، وكلتا الروايتين ذات هم سياسي وتاريخي، حيث شهد ذلك العام حدثين مهمين في البلدين، ففي 1970 استضافت البرازيل كأس العالم لكرة القدم وفازت به في ظل حكم الديكتاتورية العسكرية، بينما شهد العام نفسه وفاة جمال عبد الناصر، ولهذا عنوَن صنع الله روايته التي تكاد تكون محاكمة وتقييمًا ومحاولة فهم لعبد الناصر بإشارة إلى عام رحيله. استهل الروائي المصري كلمته في الندوة بدعوة الحكومة المصرية إلى طرد السفير الإسرائيلي وإلى قطع العلاقات مع العدو على خلفية حرب الإبادة التي يخوضها مذكرًا بما يعانيه أهالي غزة من جوع وتشريد ورعب وموت، ومجددًا الدعوة التى أطلقها قبل عشرين عامًا.
عقب الندوة التف المعجبون والقراء والكتاب حول صنع الله إبراهيم لالتقاط الصور معه، ولكني ما زلت محتفظًا بقدر من خجلي القديم وحساسيتي من التجمعات، فانتظرت حتى انتهت الجموع من التصوير والثرثرة واقتربت منه. عرفته بنفسي قائلًا اسميَ الكامل، فبشّ وجهه ولمعت عيناه وانفرجت شفتاه عن ابتسامة واسعة. رحب بي مربتًا على يدي وسألني عن والدي وأحواله، ثم سألني عن نفسي وحياتي. وددتُ لو أذكره بالمكالمة التي كانت قبل خمسة وعشرين عامًا ولكني فضلت ألا أرهقه بثرثرتي وصمتُّ.
لم يتخل صنع الله في رواية (1970) عن أسلوبه الأثير في المزج بين الوثائقي والروائي، والاعتماد على لغة مقتصدة، دون اللجوء إلى البلاغة اللفظية أو الألاعيب اللغوية أو التشبيهات الشعرية، والاكتفاء ببلاغة الإيجاز والسلاسة. أعتقد أنه لو تعمد أي روائي آخر أن يقلد طريقته لفشل، ولكتب نصوصًا إما مملة وإما مفرطة في المباشرة، غير أن صنع الله يملك سرًا ما يجعله قادرًا على إتقان هذه اللعبة والتنقل بين التقريري والوثائقي من جانب والروائي والمتخيل من جانب آخر، دون أن يفلت خيط الرواية من يده. أظن أن هذا الحس الخاص بضبط السرد وتقلباته وإيقاعه هو ما جعل صنع الله روائيًا بحق، روائيًا باقيًا.
رغم هذه العناصر الجامعة لكتابات صنع الله، إلا أنه استطاع أن يوظفها بأكثر من شكل ولون، فنرى روايات مثل (تلك الرائحة) أو (شرف) قاتمة وقاسية، على خلاف رواية (ذات) التي تتميز بحس ساخر لاذع وغير منفلت، وهو ما ظهر بدرجة أقل في رواية (اللجنة) بحبكتها الكافكاوية. كما لجأ صنع الله في العديد من الأعمال الأخرى إلى استحضار تجاربه الشخصية، سواء في السفر أو في السجن، ومزجها بقدر من خياله ومشاهداته ليحيك روايات تناطح الواقع في القدرة على التصديق، وهو ما دفعه ليكتب في مقدمة (تلك الرائحة) «ربما أمكن اعتبار كل ذلك مؤشرًا على نجاحي في إقناع القارئ بالأكذوبة التي هي الرواية، لكني ما زلت أتمنى أن يفصل القارئ بين شخصي والرواية، فالروائي كاذب كبير حتى لو صدق». الروائي كاذب كبير حتى لو صدق.
نشر قبل يومين فى موقع حبر