أتاح رحيل هذا المخرج الأميركي الفرصة للعودة إلى أفلامه التي تشكل نوعا من الهجائية الخاصة للسينما الهوليودية، وهي في مستوى آخر من مستوياتها كشف للكوابيس الداخلية التي تعمر الحياة الأمريكية، والتي تستلهم التردي الذي أصاب الحياة فيها بعدما غدت مدنها مريضة، مخبولة، عنيفة، يأسرها الخوف، والفساد.

في وداع ديفيد لينش

نسق سينمائي على الضدّ من سينما هوليوود

سعـد العـشّــة

 

باتت سبعينيّات القرن الـ20، في الولايات المتحدة الأميركية، مهدَ ما يُعرَف الآن بأفلام أو عروض منتصف الليل. جُلّها أميركي، لكنّ فيلمًا أجنبيًا أطلقها: «الخُلْد El Topo» 1970 للتشيلي أليخاندرو خودوروفسكي. في نهاية العقد، ظهر أول أفلام الأميركي ديفيد لينش (1946- 2025) «رأس الممحاةEraserhead » 1977 يجمع بين هذه العروض أسلوب الـ"كامب (camp)"، الذي ينتهج السخرية المبالغ بها، ماثلة في عناصر الفيلم كافةً: نص وتصميم إنتاج، وحتى التمثيل. حين سُئِلَ عمّا ألهَم الكابوس المتجسّد في الفيلم، أجاب لينش ببساطة: فيلادلفيا. فالمدينة غدت حينها "مريضة، مخبولة، عنيفة، يأسرها الخوف، مُنحطّة، فاسدة" (جي. هوبرمان، "نيويورك تايمز") ستشكّل هذه الاهتمامات، بالقبح والعنف، نصف معادلة ما يُسمّى بـ"اللينشي"، نسبة إليه. وعلى غرار العوالم التي اكتسبها سينمائيون وسينمائيات من أسمائهم، "سهلٌ التعرّف عليه، وصعبٌ تعريفه في آنٍ" (المصدر نفسه). صعبٌ بالنسبة إلى من دأب على دراسة أفلامه وفنونه التشكيلية وموسيقاه. هكذا نقف على ما يسهل التعرّف عليه في أفلامه العشرة الطويلة، وفي عقودٍ ثلاثة.

بدايات
والحال أنّ لينش، الوافد إلى سينما الثمانينيّات في أميركا، ينهل من نسق سينمائي على الضدّ من سينما هوليوود المحتشمة نسبيًّا في العقدين السابقين، قبل أنْ تنتهي حقبة "قانون هيز"، التي فرضتها الرقابة حتى 1968. وإذْ تأثّر الوافدون الجدد بالموجات الجديدة عبر أوروبا والعالم، اختلفت أساليبهم ومواضيعهم. فبعد استحسان تجربته الأولى، تكبر ميزانية فيلمه الثاني (الرجل الفيل، The Elephant Man، 1980) مُتجاوزًا نجاح الأول، فينال الشاب ثقة الاستديوهات الكبرى في توزيع أفلامه. كانت هذه أكبر إخفاقات "كثيب" (Dune، 1984): الرداءة المُكلفة على يدي أهم المخرجين الصاعدين (40 ـ 42 مليون دولار أميركي، من دون حساب معدّلات التضخم). مشكلة الفيلم النص أساسًا، الذي تتحوّل فيه الأحلام والكوابيس اللينشية إلى رموز متكرّرة، وتُسرَد فيه الحكاية على لسان راوية نسمع صوتها مرّتين أو ثلاثًا، بينما نسمع أفكار الشخصيات الفائضة في ما يشبه مناجاة شكسبيرية رخيصة. فضلًا عن علاقة حب تخرج فجأة، وحروب تدار من دون خلفية درامية. إجماع النقّاد ولينش نفسه على رداءة الفيلم، حتى في أبسط عناصره، خلق قطيعة السينمائي مع الاستديوهات ونواهيها. هذا فطن إليه خودوروفسكي، زميل منتصف الليل، الذي اختير أولًا لاقتباس الفيلم وإخراجه.

تتخمّر صفة اللينشي في فيلميْه التالييْن: "المخمل الأزرق" (Blue Velvet، 1986) و"قلبٌ جامح" (Wild at Heart، 1990)، أو "همجي الهوى". ينجز الأول عن نص أصلي يغزو صُور الرخاء المزعوم في بلدة نائية، ويقتبس الثاني من رواية لا تبتعد من ثيمات الـ"فيلم نوار". يكتب روجر إيبرت في "شيكاغو صن تايمز" (19/ 9/ 1986): "يجوز أحيانًا التعامل مع الجنس والعنف بالجدّية التي يستحقانها. فإزاء وطأة المشاهد القاتمة في الفيلم، يزداد إحباطنا من عزوف المخرج على تتبّع خطى أفكاره". تنتهي قوة الفيلم حين يختار لينش تغيير المزاج، فجأة، من القسوة والعنف إلى الازدراء والإشارات البصرية الجامدة، التي بدأ بها، ساخرًا من كل ما يمثّل البلدة، لا سيما التعامل مع شخصية إيزابيلا روسيلّيني، التي تهان وتُعنَّف فقط كأداة للهجاء، بعكس ما فعل برناردو برتولوتشي في "التانغو الأخير في باريس" (1972)، كما رأى. يتساءل إيبرت في النهاية: "ما الأسوأ؟ أنْ تصفع وتعنّف الآخر، أمْ أنْ تنسحب وتضحك؟

انتقادات
لئن غدا انتقاد أفلام لينش محمولًا على مسؤوليّات أخلاقية، فـ"القلب الجامح" لم ينجُ من ناقد شيكاغوي آخر، جوناثان روزنبام، الذي كان من أوائل أنصاره، عندما وصف "رأس الممحاة" بأفضل أفلامه في مقالتيْن، تُركّز إحداهما على إخفاق هذا الفيلم كاقتباسٍ فاشل لرواية، نُزِعَ الجيّد منها واسْتُبدِل بالصُور نفسها التي هاجمها إيبرت. ذاك أنّ العالم الذي يُصوّره الفيلم "مكان خبيث، يعجّ بالمحتالين والكوارث و"الأفكار السيئة" (اقتباسًا من بطل الفيلم)، ولكن يسكنه أيضًا بضعة حمقى أتقياء يُبرؤونه" (الموقع الإلكتروني الخاص به، 28/ 7/ 2022). لا يبني لينش هذه المانوية الفجّة على ملاحظات اجتماعية، أكانت صحيحة أمْ لا. فالملاحظة بالنسبة إليه، كما يرى روزنبام، فائضة، والعالم لا يتغير، ويجب استغلال هذه الآراء تجاريًا وفنيًا: "بيد أنّ غايته، كما يبدو، أنْ يحظى ببعض "المرح"، وهذه غاية جدّيّة حين نتحدث عن صناعة الأفلام، إذْ يصعب الاشتباك معها من دون لعب دور مُفسد المتعة" (الموقع نفسه، 17/ 7/ 2022). هذه الأخيرة تنسحب على ردود كوانتن تارانتينو إزاء استسهاله العنف في أفلامه.

يكمن عجز الممثلين، نيكولاس كايج ولورا ديرن، في "الاهتمام الأساسي للينش بصنع الأيقونات والرموز، وليس بصنع الشخصيات بالمرّة. فعندما يتعلّق الأمر بصُور الشرّ والفساد والخبول والشغف وتشويه الجسد (تقريبًا بهذا الترتيب)، نجد في "القلب الجامح" وفرة أصيلة" (المصدر نفسه). أغلبّ الظن أنّ فوز الفيلم بالسعفة الذهبية للدورة الـ43 (10 ـ 21 مايو/أيار 1990) لمهرجان "كانّ"، مردّه هذه الأسباب. في غزوته التالية، هاجم لينش التلفزيون، الذي ألهم عالم "المخمل الأزرق"، بسلسلة "توين بيكس"، التي مَطّها إلى فيلم (1992)، ألحق به "الطريق السريع المفقود" (Lost Highway، 1997)، الذي ماثل الأسلوب نفسه. في "قصة عادية" (The Straight Story، 1999)، يكاد اللينشي يختفي تمامًا في "تلاوة" قصة مقتبسة عن واقع. التورية في العنوان غمزة للمُشاهد، تشير إلى استقامة الحكاية وسلاستها، من دون أيقونات ورموز. لعلّه من أحب أفلامه المنسيّة لدى النقّاد والأنصار: حكاية مزارع هرم يقود جزازة عشب نحو 400 كم، كي يزور أخاه المريض.

بمناسبة الحديث عن إجماع نقدي، ربما أجمع النقاد وصنّاع الأفلام على منح لقب "تحفة ديفيد لينش" لـ"طريق مولهولاند" (Mulholland Drive، 2002)، بل اعتلى صدارة أعظم الأفلام في القرن الـ21، في اقتراع نظّمته "بي. بي. سي."، شارك فيه 177 ناقدًا سينمائيًا عام 2016، أي قبل أنْ يتمّ القرن ربعه الأول. فيه خلاصة لقطاته وموسيقاه، إذْ يظلّ نقطة الانطلاق والرحيل في زيارة أعماله. يقترن "طريق مولهولاند" بفيلمه العاشر والأخير، "الإمبراطورية الحبيسة" (Inland Empire، 2006). الفيلمان مُشتبكان بحدّة مع هوليوود كخاتمة لاشتغاله السينمائي، الذي سيستمر في أشكال أخرى. البعض يعتبر، كما أعتبرُ أنا، أنّ "توين بيكس: العودة" (2018) فيلمٌ. وإضافة إلى الكتابة والإخراج، صوّر لينش فيلمه بكاميرا منخفضة الجودة، واشتغل بنفسه على موسيقاه وصوته.

يُذكّر روزنبام بصلة فيلادلفيا بـ"رأس الممحاة"، ويرجّح أنّ إجابة لينش بشأن الإمبراطورية هذه ربما تكون هوليوود. هذا في مقالة تمدح كلّ دقيقة في الساعات الثلاث للفيلم. بات لينش يؤمن هنا بأنّ الحياد والبراءة في هوليوود "سيقوّضان حريته كفنّان، وأنه، شاء أمْ أبى، مُجبرٌ على اتّخاذ موقف سياسي. وإذْ نشاهد لورا ديرن تتقيّأ دمًا على ممشى المشاهير في هوليوود، (يكون) الموقف هنا واضحًا تمامًا".

إعادة خلق الذات
ما تبدّى من النصوص الأصلية للينش الفضاء الأنسب لإعادة خلق نفسه كفنان بصري بامتياز. ففي "رأس الممحاة"، لم يجترّ رموزًا قابلة للتفكيك، بل مفتوحة للتأويل، أي ضد التأويل، ومن دون الاستغناء كلّيًا عن السرد وإنْ بدا غائبًا. فالفيلم ليس ترفيهيًا أبدًا، ولا تجريبيًا أيضًا، بل يوائم الساحة التي جاب فيها جان ـ لوك غودار وتلاميذه. وحين "اخترع" لقطات بصرية في بعض أفلامه، لم يُركّب فذلكات موازية على غرار تلك التي يهاجمها منتقدوه (الحلقة الثامنة في "توين بيكس: العودة" نموذجًا على الاختراع ذاك). أما عندما تقشّف تمامًا في فيلمه الأخير، لم يؤلّف مانيفستو لصنع الأفلام، كما الحال في "دوغما 95".

أحيانًا، استبدل طاقته البصرية بنصوص حالت بينه وبين الإطار. وأحيانًا أخرى، صارت نصوصه الأصلية نفسها مرجعًا، فصارت "سورياليته" محسوبة وجامدة، تسعى إلى إرضاء معجبيه عندما يُغذّيهم بمحتوى لينشي كلّ مرة. ربما يظلّ أعظم إنجازاته ماثلًا في شخصياته الأبهى، تلك المؤمنة بأنّ معرفة الذات كلّ المعرفة، فتصير الطريق إلى اكتسابها رهينة الأحلام والاستيهامات اللذيذة والكوابيس. نهجٌ لا ينتهي سوى بالموت، ولا ينشغل سوى بالمعرفة.

 

عن (ضفة ثالثة)