يتناول هذا المقال الوضع الراهن في سوريا، بناء على الوعي بخلفيات ما يدور فيها ونوعية القوى الخارجية والجماعات الداخلية المشاركة فيه من ناحية، وفي ضوء تجربة العراق المريرة من ناحية أخرى. وينبه في الوقت نفسه لزحف الاستبداد الحثيث للاستيلاء على المشهد وقطع الطريق أمام أي تحول ديموقراطي مدني فيها.

أي سوريا يريد السوريون؟

بين سيناريو العراق وإعادة إنتاج الماضي

فــؤاد إبــراهـيـم

 

في تقييم مكثّف لما جرى في سوريا قبل 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 أن حالة إنكار عاشها صانع القرار الأول، بشار الأسد، على مدى أربع عشرة سنة وحتى الساعات الأخيرة من حياته السياسية. كل نصائح الحلفاء، الروس والإيرانيين وحتى القوات الرديفة، بأن النظام على وشك الانهيار وأن سوريا تواجه خطر التفكك، قوبلت بالعمى السياسي، ولم يعد يرى الأسد ما هو أبعد من أنف جبروته. حالة سابقة مماثلة عاشها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وفريقه قبل 9 نيسان (إبريل) 2003، كما عكس ذلك مشهده وهو ببزته العسكرية يعتلي سيارة في أحد شوارع بغداد مخاطباً بعض أنصاره بعد خطاب متلفز موجّه إلى جيشه المنهار: «عاش الجيش العراقي صاحب السفر الخالد»، ونسي إغلاق الكاميرا حيث خاطب المصوّر «شلونها القراءة شي على شي»، الذي يؤشر إلى أن الرئيس لم يكن نفسه مقتنعاً بما قاله، وفقد حتى القدرة على التحكّم في أقرب دائرة منه.

كان 9 نيسان 2003 يوماً فاصلاً في تاريخ العراق السياسي الحديث. سجّل هذا اليوم نهاية سلطة أوليغارشية دامت لأكثر من سبعة عقود، كان فيها الحكم أقلوياً، عائلياً وحزبياً وأيديولوجياً، وفيما كان الجمع الغالب منغمساً في بناء سلطة بديلة، تحملُ بعضاً من سمات السلطة البائدة، فإن تهدّم بنى الدولة على نحو متسلسل كان يمهد لاحتراب داخلي مترافق مع شحن غرائزي منفلت.

قلّة كانت تفكّر في بناء الدولة على أسس جديدة، وطنية وجامعة وتشاركية، وكثرة كانت ملتحمة في معارك جني الأرباح المباشرة، والقصيرة المدى، وفي الغالب الشخصية، على وقع تفكك مؤسسات الدولة وانهيارها. كان الجيش، المؤسسة الأكبر في عراق البعث، في طليعة استهدافات قوات الاحتلال الأميركية. ومنذ الساعات الأولى لسقوط العاصمة بغداد، فرض المحتل الأميركي سيطرته على وزارة النفط وحفظ ديمومة عملها، وفي الوقت نفسه عمد إلى تفكيك الجيش العراقي. وفي 23 أيار (مايو) 2003، أصدر بول بريمر الحاكم الأميركي المؤقت في العراق أمراً رقم 2، بحل الجيش العراقي وكيانات أخرى تابعة للدولة العراقية السابقة. وعليه، تمّ تسريح مئات الآلاف من الضباط والجنود الذين فقدوا مصدر رزقهم، وأصبحوا عاطلين عن العمل.

كانت التنظيمات السلفية المتطرفة تنشط في مناطق متفرقة من العراق، بما في ذلك العاصمة، بغداد. أفادت هذه التنظيمات من الحملة الإيمانية التي أطلقها صدام حسين منذ التسعينيات، فغذّت الميول الاعتراضية لدى مجاميع غاضبة ومحبطة من عناصر الجيش العراقي السابق، ثم تحولت إلى قوة مناهضة للنظام الجديد، وشكّلت الرأسمال البشري لتنظيم «الدولة الإسلامية» وتالياً «داعش».

تجدر الإشارة إلى أن إضافة «الشام» إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» كان بعد قرار إبراهيم عواد البدري السامرائي (أبو بكر البغدادي) في 9 نيسان (أبريل) 2013، توحيد تنظيم القاعدة في العراق وتنظيم «جبهة النصرة» بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) تحت اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» الذي عرف باختصار «داعش»، وانتقل الجولاني من العراق إلى سوريا بتفويض من البغدادي لقيادة فرع «الدولة» في سوريا. ضم «داعش» في بنيتة القيادية زمرة رفيعة المستوى من قيادات الجيش العراقي السابق، من بينهم المقدّم ميسر علي موسى عبد الله الجبوري (أبو ماريا القحطاني) الذي صار شرعيَّ عام «جبهة النصرة» بقيادة الجولاني.

عاد عشرات الآلاف من ضباط وجنود الجيش العراقي بأسلحتهم إلى بيوتهم نتيجة قانون «اجتثاث البعث»، والتقى معهم ساخطون من الإسلاميين السنّة العراقيين وكوادر من تنظيم «القاعدة»، على تشكيل تنظيم مسلّح يهدف إلى إقامة دولة رديفة (إسلامية) للدولة العراقية الناشئة. إنّ ما تلفت إليه هذه السرديّة، أن كثيراً من ضباط وعناصر النظام السابق تحوّلوا إلى التديّن في شكله السلفي (التكفيري)، كونهم وجدوا فيه الأيديولوجية الضدّية التي تؤمّن لهم مخرجاً لأزمة الهوية، والدور، والمصير المجهول الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد سقوط النظام. كل ما سبق يشكّل تجربة عملية بالغة الدلالة، وفي الوقت نفسه جرس إنذار لما يمكن أن تؤول إليه حال مئات الآلاف من الجنود والضباط السوريين (وغالبيتهم من الطائفة العلوية) الذين قرّرت الإدارة السورية الجديدة تسريحهم بل وملاحقتهم (كما جرى في الأسابيع الأولى) بنيّة الانتقام والتصفية، والذي ظهر في شكله الدموي والصادم في «مجزرة الساحل» في 7 آذار (مارس) 2025.

لجأ النظام الجديد إلى تدابير «اجتثاث البعث» وإن لم يسبغ عليها الدمغة ذاتها. وعلى خلاف ما يشاع عن مجرد سياسة تمييز طائفية ضد العلويين، فإن «الاجتثاث» طاول، وعلى أفق واسع، كل الشرائح التي عملت في مؤسسات الدولة السابقة: المدنية والعسكرية. وبحسب أرقام «المرصد السوري لحقوق الإنسان» فإن الحكومة السورية الحالية فصلت أكثر من 100 ألف موظف من المؤسسات الرسمية التابعة للدولة. وإن حكومة الشرع، رغم كونها انتقالية، تقوم بعمليات تفريغ لكل مؤسسات الدولة من الموظفين، وتقوم بإحلال آخرين مكانهم، وشرط تعيينهم هو الولاء لـ«هيئة تحرير الشام» أو كانوا داعمين لها. وحتى موظفو الجمارك في الحدود البرية جرى استبدالهم، وجيء بطاقم من المقرّبين من «الهيئة»، ومن محافظة إدلب على وجه الخصوص.

يتهكّم أحد المسافرين عبر الحدود السورية اللبنانية بأن الموظف الجديد الموكل بختم جوازات السفر يبدو أنه حديث عهد بلوح المفاتيح على الحاسوب، فكان يجول ببصره بحثاً عن كل حرف وقد تستغرق عملية البحث وقتاً طويلاً. وينطبق ذلك على موظفي المؤسسات المدنية، وحتى المصرف المركزي جرى تسريح كل الموظفين فيه، وهناك من يديرون الشؤون المصرفية والمالية على طريقة الهواة. للمبتهجين بارتفاع سعر الليرة، وبخلاف ما يعتقدون أن الارتفاع ناجم عن عدم صرف الرواتب وفرض قيود صارمة على ضخ الأوراق النقدية بالعملة السورية في السوق، وضخ كميات كبيرة من الدولارات بهدف رفع قيمة العملة السورية، وهذا تكتيك مالي ليس جديداً فقد اعتمده النظام السابق في سنوات سابقة، ولكن المفعول كان قصير المدى وعواقبه خطيرة لأن ارتفاع سعر العملة يكون مفصولاً عن الدورة الاقتصادية، ولا سيما مستوى الصادرات للبضائع الوطنية للخارج، وتدفق العملة الأجنبية (الدولار) إلى السوق المحلية.

ثمة أوليغارشية أخرى تتشكل ولكن ما هو أخطر من هذا التطوّر هو «دفتر شروط» من الحجم الكبير المفروض على قيادة الحكم الجديد وأول تلك الشروط هو التموضع السياسي وفقاً لضوابط الغرب. كان السقوط السلس للنظام السابق مبشّراً بأن مرحلة الانتقال إلى الدولة المدنية الجديدة سوف تكون سريعة ومريحة. ولكن، وللأسف، بتنا أمام أحد تجليات إعادة إنتاج الماضي في شكل جديد، وربما في شكل أشد تشوّهاً. وعليه، لا يمكن الحديث في سورياً عن «مجتمع المشهد»، المفهوم الذي ابتكره الفيلسوف وصانع الأفلام الفرنسي غي ديبور، في أواخر ستينيات القرن الماضي على أساس أن المشهد العام هو تجسيد للمجتمع نفسه، أو جزء منه، وهو محور الرؤية والوعي. على العكس، إن المشهد السوري الراهن، مبتور، مجتزء ولا يشبه سوريا ولا السوريين على تنوّع أطيافهم، فثمة انفلاش في المشهد السوري يفقد القدرة على توصيف الواقع، وكأننا أمام شكل شائه من أشكال «الاستعمار الداخلي».

في 29 كانون الثاني (يناير) 2025، وفي حركة أشبه باجتياح الريف للمدينة، قرّرت الفصائل المسلحة التي ضمّت سوريين وأجانب «تفويض رئيس الجمهورية بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت للمرحلة الانتقالية إلى حين إقرار دستور دائم». كما أُلغي العمل بدستور 2012، وحل حزب البعث ومجلس الشعب والجيش والأجهزة الأمنية. وذلك إجراء مألوف، ولكن ليس هنا النهاية. تجدر الإشارة إلى أن أحمد الشرع قرّر في 21 كانون الأول (ديسمبر) 2024 إدماج الفصائل المسلّحة في الجيش الجديد، تحت إدارة وزارة الدفاع. وهذه الفصائل تكاد تكون نُسخاً كربونية عن «السلفية الجهادية»، تحت إطار «القاعدة» و«داعش»، وبعضها متورّط بمجازر مروعة، وتهجير قسري للسكان، واستيلاء على الممتلكات مثل فرقتي «العمشات» و«الحمزات» المرتبطة بالمخابرات التركية والمنضوية في وزارة الدفاع السورية.

وحين الحديث عن الفصائل المسلحة، تصبح الطريق مقطوعة من دون ربطها بالعامل التركي. وتمتلك تركيا (وعلى وجه الخصوص جهاز المخابرات، وكان بقيادة هاكان فيدان وزير الخارجية الحالي) الرصيد الأكبر من تفاصيل وخبايا الفصائل السورية المسلّحة التي عملت معها على الأقل منذ عام 2011 وحتى الآن. خبرت نشأة كل فصيل، وميوله، ونقاط قوته وضعفه، وارتباطاته، وتحالفاته، وحتى مغامراته. ودائماً ما تحالفت مع فصائل وخاصمتها (ومن بينها «هيئة تحرير الشام» الحاكمة الآن)، وأعادت تشكيل فصائل ودمجتها، وكانت مثل عجّانٍ ماهر. وليس هناك من فصيل مسلّح في شمال سوريا وغربها وشرقها إلا كان لتركيا نصيب في تشكيله، وتمويله، وتسليحه، وحتى استغلاله في عمليات تهريب نفط وبضائع، بل وحتى استدراجه إلى معاركها.

باختصار: هناك دمغة تركية في سجل كل الفصائل السورية المسلّحة العاملة اليوم على الساحة السورية. فقد لعبت تركيا دوراً في تأهيل «هيئة تحرير الشام»، فجمعت الأخيرة بين سلفية العقيدة بنزعتها التكفيرية، والبراغماتية الإخوانية وفقاً للنموذج الإردوغاني. خضع فوز «الهيئة» باللوتو التركي لامتحانات متعدّدة قبل أن تجد فيها الجهة المؤهلة لقيادة مرحلة ما بعد سقوط الأسد.

العمشات والحمزات: «زعران» النظام:

إنّ عملية الإدماج للفصائل المسلحة في وزارة الدفاع كان رمزياً أكثر منه عملياً. وهذه الفصائل كانت ولا تزال تحت الرعاية التركية. حتى بعد سقوط النظام. وفيما تعلن الوزارة الحالية عن أنّ القائد العام للفرقة 62 هو محمد حسين الجاسم (أبو عمشة)، يتبيّن أن القائد العسكري لها هو فهد الجاسم (أبو عمشة)، ومحمد وفهد شقيقان يقودان فرقة سليمان شاه المعروفة باسم «العمشات» التي كانت تنتشر في مناطق مختلفة من ريف حلب الشمالي. أمّا فرقة «الحمزات»، فهي أيضاً فصيل مسلّح تمّ إدماجه في وزارة الدفاع السورية، وهي أحد الفصائل المسلّحة المدعومة من تركيا، وتعرف بـ«فرقة الحمزة» ويقودها سيف بولاد (أبو بكر). والأخير ملازم أول منشق عن الجيش السوري السابق، وانضم إلى «الجيش الحر» قبل هزيمة «داعش» في 2016 ثم هرب إلى تركيا.

وهناك أعلن عن تشكيل «فرقة الحمزة»، ثم عاد لقتال تنظيم «داعش» وهذه المرة بدعم أميركي. وبعد هزيمة التنظيم انضم إلى صفوف «الفيلق الثاني» التابع للجيش الوطني، وشارك في عمليات «درع الفرات» إلى جانب الجيش التركي ضد «قسد» و«داعش» في المدة ما بين 2016 - 2017 وأدت إلى احتلال تركي لشمال سوريا. وأرسل بولاد لاحقاً كتيبة للقتال مع قوات تركية في ليبيا، وتورّط بتجارة التهريب مع النظام السابق وقوات سوريا الديموقراطية «قسد». ويدير مقرّبون من بولاد معملاً لتصنيع حبوب الكبتاغون، وتمّ ضبطه في مدينة عفرين ويتهمه نشطاء بالمسؤولية عن اغتيال عدد من «الثوّار».

في تشرين الأول (أكتوبر) 2022  قررت فرقتا «الحمزة» و«السلطان ملك شاه» تشكيل تحالف مع «هيئة تحرير الشام» بعد خصومة طويلة وعنيفة، فكان خبر التحالف صادماً للأهالي في شمال غربي سوريا. يقال إن أحد أسباب التحالف هو رغبة «هيئة تحرير الشام» في تقاسم العائدات المالية الضخمة التي بحوزة الفرقتين «العمشات» و«الحمزات» من تجارة التهريب وبيع المخدّرات وتصنيعها وأجور القتال خارج سوريا (ليبيا على سبيل المثال)، والقدرة التسليحية الضخمة والمتطوّرة التي بحوزتهما. ما سبق يفسّر، جزئياً على الأقل، النزعة البراغماتية لدى أحمد الشرع، وهي نزعة قديمة، وغير خافية على رفاقه في السلاح. مجلة «ذي إيكونوميست» نقلت في مقالة مطوّلة عن الشرع في عددها الصادر في 5 آذار (مارس) 2025 عن أحد قادة الفصائل المسلّحة قوله «إنه - أي الشرع - ليس إسلامياً، الدين مجرد أداة بالنسبة إليه. سوف يبيع البلاد للشيطان إن كان ذلك سيمنحه السلطة». وهي نتيجة خلص إليها باحثون سوريون وأجانب في تنظيمات السلفية الجهادية وفي «هيئة تحرير الشام» على وجه التحديد، وقالوا إن مقاتلي الجولاني يقاتلون بلا أيديولوجيا نهائياً.

ما يخشى منه السوريون، وهو ما عكسه كثير من الديبلوماسيين الأجانب الذين زاروا الشرع في الأشهر الماضية، حيث كان الانطباع السائد في أوساطهم إيجابياً ووصفوه بأنه «ذكي جداً» و«مراوغ» و«ملمّ بالتاريخ الإقليمي»، و«واسع الاطلاع»، و«مستمع جيد»، والأكثر تكراراً، «براغماتي»، ولكن في الأسابيع الأخيرة، بدأت كلمة أخرى تتسلل إلى وصفهم له: إنه «حاكم مستبد»، بحسب مقالة في صحيفة «فايننشال تايمز» في 7 مارس 2025 بعنوان: «التاريخ السرّي لقائد سوريا الجديد: أحمد الشرع».

الإعلان الدستوري: وصفة مستبد:
في الثاني من آذار (مارس) 2025 أعلن الشرع عن تشكيل لجنة صياغة الإعلان الدستوري الذي ينظم المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد سقوط الأسد. وانبثقت اللجنة من مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد يومي 24-25 شباط (فبراير) 2025. غلب على أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر لون واحد، وهو السلفية، وعلى وجه الخصوص «هيئة تحرير الشام». وبعد عشرة أيام فقط سلّمت اللجنة الإعلان الدستوري إلى الشرع من أجل الموافقة عليه. وقالت اللجنة إن الإعلان الدستوري يستمد مشروعيته من مؤتمر الحوار الوطني ومؤتمر النصر، بناء على أن «مختلف مكونات الشعب السوري توافقت على ضرورة وجود إطار قانوني ينظم المرحلة الانتقالية، ويحدد أسس الحكم ويضمن الحقوق والحريات». وإن الإعلان الدستوري هو وثيقة قانونية تحدد صلاحيات السلطات الثلاث.

ومع أن الإعلان الدستوري ليس بديلاً من الدستور الدائم، ولكن تحديد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات بدلاً من سنتين كفيل بـ«تعويد» الناس على النظام الجديد، وجعل المواد الواردة في الإعلان بمنزلة خارطة طريق لتوجهات الإدارة الجديدة لمراحل مقبلة. وبحسب وثيقة الإعلان الدستوري الموقّعة من قبل الشرع في 13 آذار (مارس) 2025، فإن المواد الواردة فيه حمّالة أوجه. فمن جهة، هناك مواد تكفل حرية الرأي، والاعتقاد، والتنقل، واحترام الخصوصيات، وحماية التنوّع الثقافي واللغوي، ومنع التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين، وهذا الجانب المشرق في حدّه النظري على الأقل. ومع ذلك، لا ضمانات مؤكّدة على صون تلك الحقوق والحريات، لأن ثمة قيوداً وشروطاً ضمنية مفروضة على الحريات وإن الدولة هي الناظم لها، كما وردت في المادة 23 «تصون الدولة الحقوق والحريات الواردة في هذا الباب، وتمارس وفقاً للقانون، ويجوز إخضاع ممارستها للضوابط التي تشكل تدابير ضرورية للأمن الوطني أو سلامة الأراضي أو السلامة العامة أو حماية النظام العام ومنع الجريمة، أو لحماية الصحة أو الآداب العامة».

من جهة ثانية، فإن ثمة وجهاً مظلماً في الإعلان الدستوري بما يتضمّنه من مواد تمثل وصفة مكتملة الأركان لصناعة المستبد. وهذه المواد جسّدت رغبة الجماعة الغالبة وليس إرادة الشعب السوري. في الفقرة الرقم 1 من المادة (3) من الأحكام العامة جاء: «دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع». إن التفريق بين «الفقه» و«الشريعة» هو كالفرق بين المذهب والدين. ومع أن الشطر الأول من المادة قد ورد في دستور 1973، ولكن بدلالة تختلف عن دلالته الحالية، فحين جعلت من دين رئيس الجمهورية الإسلام فإنّها، بحسب سياق عمل النظام الحالي، فتحت الباب أمام غير السوري لتولي منصب رئاسة الجمهورية، بلحاظ تجنيس عدد كبير من الأجانب (المسلمين) بالجنسية السورية، وبعضهم يتبوأ مناصب رفيعة في الإدارة الجديدة.

كما إن اعتماد «الفقه الإسلامي» بصفته «المصدر الرئيس للتشريع» (وليس مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع كما في دستور 1973) يسمح للنظام الجديد فرض أحكام مذهب محدد في الفقه، وقد لا يكون هذا المذهب هو السائد في سوريا. ومن المعلوم أن 60% من الشعب السوري يتبعون المذهب الحنفي، ويأتي من بعده المذهب الشافعي، وأمّا المذهب الحنبلي الذي تعود إليه الفصائل المسلحة، وخصوصاً «هيئة تحرير الشام»، فلا يمثّل سوى نسبة ضئيلة جداً في سوريا. في المواد المتعلّقة بالسلطة التشريعية المتمثّلة في مجلس الشعب، يتقاسم الرئيس واللجنة التي يعيّنها سلطة تعيين أعضاء المجلس، بحسب المادة 24 من الإعلان الدستوري. وفي ضوء تجربة التعيينات في الإدارة الجديدة، فإن المعايير المعتمدة في تعيين الأعضاء شديدة الخصوصية وتنطبق في الغالب على أعضاء «الهيئة» أو المقرّبين منها. علاوة على ذلك، فإن رئيس الجمهورية، بحسب الفقرة 3 من هذه المادة، يعيّن «ثلث أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة».

وفي هذه الفقرة إشارة خطيرة لأنها تنقل ضمانة التمثيل من الدستور (وتالياً المحكمة الدستورية) إلى رئيس الدولة، بما يمنحه سلطة إضافية ونفاذاً على السلطة التشريعية، كما يشي بقصور الشعب عن اختيار ممثليه. في الواقع، إنّ ما غاب في الإعلان الدستوري هو أكثر مما حضر، وأوّل الغائبين وأهمه مبدأ «السيادة الشعبية» المستند إلى القاعدة الذهبية: «الشعب مصدر السلطات». إن خضوع الدستور لاستفتاء الشعب للمصادقة عليه أو رفضه هو ضمانة عدم انحراف السلطة. ولأن الشفيع الدائم لغياب مفاهيم محورية في دولة القانون وسلطة الشعب، هو أن الإعلان الدستوري مؤقت ويقتصر على المرحلة الانتقالية، فإن الرهان على «المؤجل» و«القادم أجمل» سوف يبقى اللغم الأخطر في طريق حرية الشعب واستقلاله.

إنّ اختلال ضوابط السلطة وروادعها في مقابل صلاحيات الحاكم وسلطاته توفّر فرصاً للتفرّد بالقرار واحتكاره وتمدّده. على سبيل المثال، في 12 آذار (مارس) 2025، أعلنت الرئاسة السورية عن تشكيل مجلس للأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية، وهذه الهيئة مستحدثة ولم تكن موجودة من قبل. ويضطلع المجلس بمهمة «تنسيق وإدارة السياسات الأمنية والسياسية». وجاء في القرار أن تشكيل المجلس يأتي «بناء على الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية العربية السورية». المجلس يضم وزير الخارجية ووزير الدفاع ومدير الاستخبارات العامة ووزير الداخلية، وجميعهم أعضاء قيادية في «هيئة تحرير الشام»، إضافة إلى مقعدين استشاريَّين لم يكشف عن هويتهما، مع إشارات إلى اقتصار دورهما على المتابعات التقنية. السؤال: من الذي منح الشرع الصلاحيات بحسب ما ورد في نص القرار (بناءً على الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية)، في غياب برلمان (مجلس شعب) منتخب، أو حتى مؤتمر وطني جامع تتمثّل فيه الأطياف كافة، وهو ينشأ قبل تعيين رئيس انتقالي، وقبل مجلس وطني انتقالي؟

‏في حصيلة أولية لمناصب الشرع، بحسب الإعلان الدستوري:
ـ رئيس الجمهورية
ـ القائد العام للقوات المسلحة
ـ رئيس الوزراء وتعيين جميع الوزراء
ـ رئيس مجلس الأمن القومي، وهو يتولى تعيين أعضاء المجلس (وإجمالي العدد سبعة)، خمسة من «هيئة تحرير الشام» بمن فيهم الرئيس.
-
تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب
ـ تشكيل لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب (ثُلثا الأعضاء)
ـ إصدار اللوائح التنفيذية والتنظيمية ولوائح الضبط والأوامر والقرارات الرئاسية وفقاً للقوانين.
-
تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا.
ـ تعيين رؤساء البعثات الديبلوماسية لدى الدول الأجنبية وإقالتهم، وقبول اعتماد رؤساء البعثات الديبلوماسية الأجنبية.

وكل ما سبق يتعارض مع مضمون المادة الثانية من الإعلان الدستوري:
«تؤسس الدولة لإقامة نظام سياسي يرتكز على مبدأ الفصل بين السلطات، ويضمن الحرية والكرامة للمواطن».
في الواقع، ثمة أوليغارشية أخرى تتشكل في سوريا الجديدة، ولكن ما هو أخطر من هذا التطوّر هو «دفتر شروط» من الحجم الكبير المفروض على قيادة الحكم الجديد في سوريا. وأول تلك الشروط هو التموضع السياسي وفقاً لضوابط الغرب ومقاساته من أجل نيل المشروعية الدولية، لا سيما بالنسبة إلى جماعة لا تزال مدرجة على قائمة الإرهاب. وهناك التزامات سياسية واقتصادية وأمنية إزاء: التركي والأميركي والقطري، وربما الإسرائيلي، وكل الأطراف الضالعة في إسقاط النظام السابق. وهناك التزامات أخرى إزاء: المقاتلين الذين شاركوا في «العمليات العسكرية» بمن فيهم الأجانب: العرب (المصريون والأردنيون والتونسيون) والآسيويون (الشيشانيون، والأوزبكيون، والتركمان). وهذه الالتزامات بقدر ما تأكل من استقلالية القرار السيادي السوري فإنّها تؤسّس لمرحلة خطيرة، تجعل سورية رهينة «طلبات» مفتوحة من الحليف والعدو.

في النتيجة، ما يريده السوريون لا يتطابق بحال مع ما يريده سواهم، وإنّ الانتقال الديموقراطي لا يتحقق من دون التحرر من نشوة السقوط والتأسيس المتين لسورية ديموقراطية، تعدّدية، حرّة، مستقلة، ليتحقق حلم السوريين.

 

كاتب من الجزيرة العربية

 

عن (الأخبار) اللبنانية