يطرح الصحفي الفلسطيني هنا فكرة جميلة نتجت عن أبرز إنجازات مقاومة غزة الباسلة، وفضحها لعري آلة الإبادة الجماعية من كل القيم الإنسانية. وهي فكرة «الأمّة الفلسطينية»، ممن يؤمنون بالعدالة وتجمعهم أهداف ومبادئ وقيم عليا بعيداً عن الجنسيات والدين والطبقات المجتمعية. لأن القضية الفلسطينية تتصاعد في سلم العاطفة الجمعية في العالم.

الأمّة الفلسطينية

زاهــر أبـو حـمـدة

 

حين أحرق الطيار الأميركي آرون بوشنيل (25 عاماً) جسده قبل عام، رفضاً للإبادة الجماعية في غزة، كان فلسطينيٌ يقول إنه ضابط طيار يهاجم أبناء شعبه على الهواء مباشرة. ولم يكتفِ بذلك، لا بل حمّل الضحية مسؤولية ذبحها وحرقها وتهجيرها. ومن هنا، ليس كل من ولد لأبوين فلسطينيين هو فلسطيني بالضرورة البيولوجية. يحصل مثلاً أن المغني العالمي روجر ووترز فلسطينيٌ بالقول والفعل أكثر من فلسطينيين لا يعنيهم ما يحصل في بلادهم أو يتابعون عبر الهاتف أو التلفاز من دون أي تحرك.

وما لا شك فيه أن جواسيس الاحتلال لا يمكن وضعهم في خانة الفلسطيني ولو كانت أسماؤهم مدونة في السجل المدني الفلسطيني أو عند وكالة «الأونروا». وبالتالي، فلسطين هوية نضالية وليست بطاقة تعريفية عن الشخص فقط. ومن المؤكد أن الفدائي الياباني كوزو أوكاموتو، فلسطيني الهوى والهوية، وكذلك الفدائية أولريكا ماينهوف، الأسير إلييتش راميريز سانشيز (كارلوس)، الشهيدة راشيل كوري، الشهيد فرانكو فونتانا، الشهيد تسويوشي أوكودايرا، الشهيد ياسويوكي ياسودا، الشهيد عمر شريف خان … وغيرهم من العرب مثل الشهيد محمد الزواري، الشهيد خالد أكر، الشهيد ميلود نجاح، الشهيد عصام الجوهري … وغيرهم الكثير من المعروفين في السماء.

وحالياً، ملايين المناضلين ينتشرون في كل الدول يؤيدون الحق الفلسطيني من مبدأ إنساني، وهؤلاء لديهم ولاء للقدس أكثر بكثير من بعض الفلسطينيين والعرب. ويصح أن نطلق عليهم «الأمّة الفلسطينية»، وهم جماعة يؤمنون بالعدالة وتجمعهم أهداف ومبادئ وقيم بعيداً عن الجنسيات والدين والطبقات المجتمعية. وإذا كان مفهوم الأمّة يميل إلى اعتبار التاريخ والجغرافيا والعرق واللغة والدين كأساسيات لجماعة أو مجموعة شعوب لتكوين أمّة، فالحق أولى بأن يكون المدماك الأساسي لـ«الأمّة الفلسطينية» المكونة من دول وأحزاب وقوى وجمعيات وشخصيات عابرة للقارات. ويمكن بكل سهولة التنسيق والتشبيك فيما بينها لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والأميركي والغربي عموماً.

من هنا، مصطلح «الأمّة الفلسطينية» يمكن أن يكون التعريف الواضح لمناصري الحق الفلسطيني والمؤمنين بعدالة قضيته وواجب العمل من أجلها. لذلك يمكن إعادة تعريف مفهوم القضية باعتبارها صراعاً إنسانياً في المقام الأوّل. ودائماً ما اعتبر الإسلاميون أن القضية إسلاميةٌ بأبعادها الدينية الفقهية الشرعية، واعتبر القوميون القضية قوميةً بأبعادها العرقية العربية. لكن من الأفضل اعتبارها إنسانية لكسب أكبر قدر ممكن من الجمهور.

مصطلح «الأمّة الفلسطينية» يمكن أن يكون التعريف الواضح لمناصري الحق الفلسطيني والمؤمنين بعدالة قضيته وواجب العمل من أجلها. لذلك يمكن إعادة تعريف مفهوم القضية باعتبارها صراعاً إنسانياً في المقام الأوّل

فتعداد المسلمين 1.8 مليار شخص ويشكلون حوالى 24.1% من سكان العالم، وبالتالي خسرنا بقية الكوكب إذا اعتبرناها إسلامية أو عربية على مستوى أقل. وللأسف، أن الأمّة الإسلامية بشعوبها المنتشرة في القارات تملك قدرات في التأثير ولكنها في الغالب لا تفعل شيئاً. ومن دون الدخول في الأسباب، ظهر الطلاب «الكفرة» في الجامعات الغربية والتظاهرات الشعبية في لندن، على سبيل المثال، أكثر إيماناً ممن يصلي خمس صلوات يومياً! طبعاً هذا ليس مقياساً لناحية الإيمان الشخصي إنما لشرح أهمية التأثير في صناعة القرار أو الترويج لفكرة ما. فهولاء، رغم خسائرهم الشخصية، تظاهروا في معقل الغرب فكشفوا عورة أنظمتهم الديموقراطية ووضعوها في خانة نظام التطهير العرقي في فلسطين. في المقابل، الشعوب الإسلامية ربما تكتفي بالدعاء، على أهميته، ولكن قيمته المادية لم تظهر على صناعة القرار في بلدانهم على أقل تقدير.

أمّا الأمّة العربية، فتبدو شعوبها في اتجاهات متباعدة. فما يفعله أهل صنعاء من تظاهرات أسبوعية دعماً لغزة، لماذا لم يفعله أهل تونس والجزائر إذا ما قلنا القاهرة والرياض والدوحة وأبو ظبي؟ هي تظاهرة أسبوعية لها تأثير نفسي وإعلامي أكثر من المؤتمرات الصحافية والقمم الرئاسية. أمّا حول الدعم العسكري أو المالي أو حتى بالأكفان البيضاء كما فعلت جهة عربية بداية العدوان، فلا يمكن معرفة حقيقة العواصم واستقلال قراراتها عن البيت الأبيض والبنتاغون و«السي أي إيه». ولكن تبقى الشعوب صانعة حكامها، ولذلك البلوى ليست بالحكام فقط إنما بالشعوب ونخبها.

ما يمكن تأكيده الآن، أن القضية الفلسطينية تتصاعد في سلم العاطفة الجمعية في العالم، وهذا سينعكس سياسياً على الاحتلال لا سيما بعد انكشاف السردية الصهيونية والاستمرار في لعب دور الضحية المدافع عن يهود العالم. ففي زمن «التيك توك»، أصبحت الفيديوات الحقيقية وغير المفبركة لجرائم الاحتلال تصل إلى كل من يملك إنترنت، ولن تستطيع الحكومة الإسرائيلية التي ترصد مليار دولار لتسويق سمعتها من جديد أن تنتصر في المعركة الإعلامية والأخلاقية. وذلك كلّه لأن مَن يرى الجريمة يتعاطف من مبدأ إنساني قبل أن يقرّر معرفة هوية الضحية أو دينها وأسباب ومكان الجريمة.

ولذلك «الأمّة الفلسطينية» المشاركة في التظاهرات في المدن الأميركية والأوروبية والآسيوية والأفريقية، ستكبر مع الوقت لرفع الغطاء السياسي والأخلاقي عن إسرائيل كدولة إرهاب وفصل عنصري، وبشائر ذلك تهل رويداً رويداً وهذا ما يجب أن يتلقفه الفلسطينيون قبل غيرهم. صحيح أن الفلسطينيين يعرفون أنفسهم بشعب ينتمي إلى أمّة أكبر هي العربية وأشمل هي الإسلامية، ولكن في هذه الأيّام المصيرية وجب التوجّه نحو تعريف عالمي جديد وهو «الأمّة الفلسطينية» التي تضم كل مَن يناصر حق الشعب في تقرير مصيره واستقلاله، ووقف الإبادة، وذلك أضعف الإيمان.

 

عن (الأخبار) اللبنانية