هذه مواجهة أخرى تكشف عما يتعرض له كل صاحب موقف او ضمير إذا ما وقف مع الحق الفلسطيني، حتى في عاصمة الأنوار باريس يتعرض المسرحي الجزائري المناضل من أجل وضع الحق على خشبة المسرح الناطق بالفرنسية للكثير من العراقيل والاتهامات. هذا حوار مهم عن مسيرة مسرحي يواصل الإبداع وإبراز الوجه المضيء لقوى الخير والإنسانية.

حمة ملياني: الوحدة الوطنية قضية مقدسة بالنسبة للجزائريين

بوعلام رمضاني

 

المسرحيُّ والشاعرُ الجزائريُّ حمة ملياني لم يتفرجْ على إبادةِ غزَّةَ في فرنسا المكارثيةِ الجديدةِ على طريقةِ أميركيين صادروا الرأيَ الحرَّ المختلفَ في الخمسينياتِ، رغمَ أنفِ فولتيرَ الأنوارِ، وسميراميسِ، سيدةِ تمثالِ الحريةِ في واشنطن. في ضاحيةِ "إيفري سور سان"، التي تبعدُ عن جنوبِ باريسَ أربعةِ كيلومتراتٍ، حوَّلَ حمةُ إبادةَ غزَّةَ إلى فرجةٍ مسرحيةٍ وشعريةٍ، أحيا من خلالها سادةَ التراجيديا الإغريقيةِ والشكسبيريةِ بمقاربةٍ فنيةٍ تؤكد فعلًا مفهومَ الإبادةِ.

تجاوزَ حمةُ غيرَ المعادي للساميةِ، والذي غادرَ الجزائرَ مكرهًا، المستوى المسرحيَّ الخالصَ في نصه «محورُ العالم... يومياتُ إبادةٍ»، الذي قرأه كاتب هده السطور مستمتعًا بنزوعه الشعري الخارجِ من رحمِ مسرحٍ شعري كلاسيكيٍ أعطاه حلةً فنيةً معاصرةً لم تجدْ طريقها إلى إعلامٍ فرنسيٍّ يرفضُ أمثالَ حمةٍ باسمِ حمايةِ أمنِ إسرائيل. في هذا الحوارِ، الذي يرعبُ حراسَ المعبدِ الصهيونيِّ، يكتشفُ القراءُ مثقفًا عضويًا بأتمِّ معنى الكلمةِ، في زمنٍ مثقفين فرنسيين يرون فيه خطرًا على التنويرِ الباريسيِّ الذي أصبحَ مرادفًا لتعتيمٍ غيرِ مسبوقٍ على كلِّ مؤيدي القضيةِ الفلسطينيةِ، حتى وإن كانوا من غيرِ المتفقين أيديولوجيًا مع "حماس الإرهابيةِ"، في نظرِ بنيامين نتنياهو، ومعظمِ معارضيهِ اليساريين.

أهميةُ الحديثِ فرضّتْ علينا حلقتينِ تعرفانِ بهويةٍ ومسارِ فنانٍ ومواقفِ مثقفٍ خرجَ من رحمِ شهامةِ آبائه وأجداده الذين يلهمون الفلسطينيين الذين يرفضون الإذلالَ جائعينَ ومشردينَ في عزِّ رمضانٍ، وعلى مدارِ كلِّ الفصولِ. هنا الحلقةُ الأولى التي ستليها حلقةٌ ثانيةٌ تحدث فيها ملياني عن المثقفين الفرنسيين الذين يساهمون في التعتيمِ عليه، رغم أنه غيرُ إسلامي، ويدافعُ عن غزة باسمِ أنوارٍ فرنسيةٍ أخرى ما زالت مشعلَ الأحرارِ مثله، ولا يمكنها أن تتحوّلَ إلى ظلاميةٍ أيديولوجيةٍ تتقاسمها تياراتٌ يمينيةٌ ومتطرفةٌ ويساريةٌ مخمليةٌ. تياراتٌ يؤمنُ قادتها بطرحِ نتنياهو مرتدي ثوبِ إرنست رينان، أكبر منظري الاستعمار الفرنسي الاستيطاني الضروريِّ لإخراجِ شعوبٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ من التخلفِ الحضاريِّ، على حدِّ تعبيره:

(*) يُفرضُ علينا في البداية السؤالُ الذي يطرحُ عنوةً في حالتكَ باعتبارك مسرحيًا جزائريًا فرنكفونيًا يجهلك العالمُ العربيُّ والإسلاميُّ، وكثيرٌ من الفرنسيين الواقعين في تخديرٍ إعلاميٍّ يحولُ دون التفطنِ لاسمكَ؛ من أنتَ شخصيًا وفنيًا؟
وُلِدتُ في شهرِ مارس/ آذار عامَ 1950 في عينِ مليلة الواقعةِ شرقَ الجزائر. وأنا موزعٌ مهنيًا بين الإخراجِ والتأليفِ في المجالينِ السينمائيِّ والمسرحيِّ، والكتابةِ الروائيةِ والشعريةِ. نشرتُ أكثرَ من عشرينَ كتابًا في فرنسا وسورية. أشرفُ منذ عامِ 1977 على فرقةٍ مسرحيةٍ مدرسيةٍ قدمتُ أعمالًا كثيرةً في شتى الضواحي الفرنسية، وعلى تنشيطٍ ثقافيٍّ وتربويٍّ وترفيهيٍّ عامٍّ يشملُ أساسًا التكوينَ المسرحيَّ في مناطقِ باريسيةٍ شعبيةٍ صعبةٍ ومهمشةٍ اجتماعيًا. تتعايشُ من خلالِ إشرافي على تكوينِ مسرحيين شبابٍ وشاباتٍ باللغاتِ الفرنسيةِ والعربيةِ والأمازيغيةِ في تناغمٍ لافتٍ. وهو التنوعُ اللغويُّ الذي ينطقُ بتصورٍ ثقافيٍّ شاملٍ يراعي الواقعَ الاجتماعيَّ الثريَّ، ويقدمُ صورةً مشرقةً عن تلاقحٍ إنسانيٍّ بعيدًا عن الكليشيهاتِ السياسيةِ الضيقةِ، واللصيقةِ إعلاميًا في معظمِ الأحيان بالمهاجرينَ المنحدرينَ من أصولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ. في ضاحيةِ "إيفري سور سان"، ما زلتُ أقدمُ أعمالي المسرحيةَ أمامَ جمهورٍ يعكسُ طاقاتٍ فنيةً هائلةً وحالاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ متنوعةٍ خلاقةٍ لا علاقةَ لها بالتشويهِ الذي ازداد، وأخذَ أبعادًا خطيرةً غيرَ مسبوقةٍ تصبُّ في عنصريةٍ موصوفةٍ تجاوزتِ الحدودَ الفرنسيةَ، كما تثبتُ ذلك مسرحيتي "محورُ العالم... يومياتُ إبادةٍ".

(*) دخولُكم السجنَ العسكريَّ عامَ 1972 في الجزائر هو الذي أدى إلى هجرتكم. أليس كذلك؟
بلى... بلى، وشكرًا على تذكيركم قراءَ "ضفةٍ ثالثةٍ" التي سأبقى ممنونًا لها ما حييت بعد تقديمي للقراء العرب الكثر ليس للحديثِ عن تجربتي الثقافيةِ والمسرحيةِ في فرنسا فحسب، ولكن للحديثِ عن إبادةِ غزة في مسرحيةٍ ما زالت تلقى التعتيمَ الإعلاميَّ المبرمجَ، كما هو شأنُ كلِّ أعمالِ أصحابِ المواقفِ المؤيدةِ لنضالِ الشعبِ الفلسطيني كما تعرفون. لم أترك الجزائرَ طواعيةً، ودخلتُ السجنَ فعلًا بعد إنجازي فيلم طويلٍ "جنين" (جوناز بالفرنسية)، الذي تناولتُ فيه النضالاتِ العماليةِ.
"أنا أمازيغي، ككل الجزائريين، والجزائر واحدة غير قابلة للتقسيم. ترعرعت في أحضان ثقافة بلدي، وهي الثقافة الغنية بروافد رومانية، وعربية، وتركية، وفرنسية، وبروافد أخرى." استحالةُ عملي بحريةٍ إثرَ إطلاقِ سراحي أجبرتني على الهجرةِ إلى أوروبا، مثلَ كثيرِ من شبانِ جيلي يومها. لا أفهمُ إلى حدِّ اليومِ سببَ سجني بسببِ فيلمٍ أنجزته وأنا في سنِّ العشرينِ تحت إشرافِ مصلحةِ السينما التابعةِ للمحافظةِ السياسيةِ للجيشِ الشعبيِّ الوطني.

(*) لكنك عدت إلى الجزائر بعد عشرين سنة من المنفى بدعوة من المسرح الجهوي لباتنة. كيف كان وقع ذلك عليك؟
أنت تعرف الردَّ باعتبارك مهاجرًا يتنفس الجزائر مثلي (يضحك). عودةٌ لا يمكنُ وصفُ وقعها على نفسي بعد غيابٍ طويلٍ عن وطنٍ ليس ككلِّ الأوطانِ، وارتباطه التاريخي النضالي بفلسطين شامخٌ شموخَ جبالِ الأوراسِ في مسرحيتي المذكورةِ التي أتمنى تقديمها ليس في الجزائرِ فقط، بل في البلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ التي ستسمحُ بعرضها. لقد عدتُ إلى وطني لكي أشاركَ كعضوٍ في لجنةِ تحكيمٍ مهرجانِ المسرحِ الأمازيغيِّ، الأمرُ الذي سمحَ لي بإحياءِ علاقاتي مع الزملاءِ والأصدقاءِ الذين ساندوني في أوقاتٍ عصيبةٍ عكستها تراجيديا سجني.

(*) وحللت ضيفًا مجددًا على مدينة الشيخ عبد الحميد بن باديس قسنطينة الحضارية والتاريخية عام 2009 كمسرحي معترف به
أنت تعرف مساري....

(*) يعني... كتبتُ عن المسرح الجزائري لعقدٍ كاملٍ قبل هجرتي مثلك (ضحكنا تكريسًا لمقولة "إذا عمّت خفّت"). وللتاريخ، أقول مضيفًا "إنني أعرفك مهنيًا وشخصيًا بفضل صديقنا المشترك الصحافي الرياضي والمحب للمسرح عبد الرزاق دكار".
بالفعل، عبد الرزاق فنان وصاحب حس مرهف، وليس صحافيًا رياضيًا فحسب، وبالفعل يعرف مساري وأنا مشتاق إليه. في قسنطينة، وبدعوة من مسرحها الجهوي، ساهمتُ بتواضعٍ عام 2009 في تكوين ممثلين شبان، وفي إخراج مسرحيتي "غضب العشاق" عام 2009 في المسرح الجهوي في قسنطينة، والتي ترجمتها من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية الأستاذة زبيدة قاضي في جامعة حلب بسورية، و"حليب أبي" التي ترجمها من اللغة نفسها إلى العربية الجزائرية المحكية (الدارجة) صديقي كمال دين فراد لصالح المسرح الوطني بالجزائر العاصمة عام 2012 بدعوة من مديره الراحل الكبير محمد بن قطاف.

(*) هل استمر إيقاع تعاونك مع مسرحيين جزائريين لاحقًا، ومتى، وكيف؟
نعم، ولو بفتراتٍ متقطعةٍ. تمَّ ذلك عام 2010 في المسرح الجهوي لمدينة أم البواقي الواقعة شرق الجزائر بإخراج مسرحية "اش هل غر طماتينات" (باللهجة الشاوية الأمازيغية)، "الحب حتى الموت" باللغة العربية، حيث كتبت نصها باللهجة الشاوية في سياق إشرافي على تكوين المسرحيين الشبان، وتكريس المسرح الناطق باللغة الأمازيغية. الشيء نفسه قمت به في المسرح الجهوي لمدينة بجاية عام 2011 بتكريم صديقي الراحل أحمد أزقاق بتركيب شعري مزجت من خلاله اللغات العربية والأمازيغية والفرنسية. ومن المنطلق المسرحي والشعري نفسه، قمت بتكريم الأديب الكبير مولود فرعون في المسرح الجهوي لتيزي وزو عام 2012، في إطار التكوين الشباني المستمر بتقديم نصه الشهير "الأرض والدم". في المسرح المذكور نفسه، أخرجت نصي المسرحي "أسفي على باريس" عام 2011، والتي ترجمها من اللغة الفرنسية إلى اللغة الأمازيغية صديقي حسين هارون.
"ما زلتُ أقدمُ أعمالي المسرحيةَ أمامَ جمهورٍ يعكسُ طاقاتٍ فنيةً هائلةً وحالاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ متنوعةٍ خلاقةٍ لا علاقةَ لها بالتشويهِ الذي ازداد، وأخذَ أبعادًا خطيرةً غيرَ مسبوقةٍ تصبُّ في عنصريةٍ موصوفةٍ تجاوزتِ الحدودَ الفرنسيةَ"
تناولت المسرحية المجزرة التي تعرض لها المهاجرون الجزائريون في السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1961 في باريس. وفي إطار تكوين المسرحيين الشبان، جدّدت مواعيدي المسرحية في وطني الجزائر لاحقًا في جامعة سينيا في وهران، ثم في المسرح الجهوي في سعيدة، بالتعاون مع زميلي وصديقي عيسى مولفرعة. مع الأسف الشديد، توقف مسار التجارب الذي سمح لي بتكوين العشرات من الممثلين والممثلات. كلهم ما زالوا مدينين لي بالعرفان، ويتمنون عودتي إلى الجزائر.

(*) لماذا لم تعد إذا كان الأمر كذلك؟ علمًا أنك لست مصنفًا سياسيًا كمعارض شرس للسلطة الجزائرية. وهل أفهم حتمًا أن شروط العودة لم تتوافر، وما هي؟
أبدًا... أبدًا ليست لدي مشكلة سياسية مع أحد، ولا مانع من العيش والعمل في وطني. لقد طلبت مرات عدة فتح مدرسة لتعليم المسرح، أو لإدارة مسرح ما، ومع الأسف الشديد، لم ترد الجهات المعنية على طلباتي، رغم أن أعمالي المذكورة لاقت استحسان الجميع. روح أفهم؟ (تعبير جزائري محض)... يا إلهي. كدتُ أرتكب جريمة في حق المسرحي الكبير والمدير السابق للمسرح الوطني الراحل محمد بن قطاف. لقد احتفى بي واستقبلني في مكتبه قبل عرض مسرحيتي "حليب أبي" عام 2011. رحمه الله. سيبقى اسمه مثلَه مثل المسرحيين الكبار أحد المبدعين الذين كتبوا تاريخ المسرح الجزائري بأحرف من ذهب.

(*) سؤال أخير قبل أن نختم الحلقة الأولى من حوارنا قبل نشر حلقة ثانية عن مسرحية "محور العالم... يوميات إبادة"، وعن تعتيم الإعلام الفرنسي عليها، هل يعقل ألا تقدم هذه المسرحية في وطنك الذي ألهم ثوار العالم، بوجه عام، والشعب الفلسطيني، بوجه خاص، ببطولات نضالية ما زالت تقض مضاجع الاستعماريين الفرنسيين، وخاصة أولئك الذين ما زالوا يروجون للاستعمار باسم الحضارة الغربية والتنوير الفكري والحرية، كما تشهد على ذلك مواقف معظم المثقفين الذين خانوا شعوبهم؟

أرجو أن يقرأ سيادة الوزير المعني زهير بللو حوارك، ويتوقف عند سؤالك الأخير بوجه خاص. أنتظر اتصالك الثاني على أحر من الجمر للرد على أسئلة اتفقنا بطلب منك على دورانها حول إبادة غزة التي خلدتها في مسرحية ستجلب لي تهمة معاداة السامية كما تعرف.

(*) هذا تم بإيعاز من برنار هنري ليفي زعيم المثقفين المزيفين، على حد تعبير باسكال بونيفاس الذي منع من إلقاء محاضرته مؤخرًا في جامعة فيلتانوز.
أسماؤهم لا تعد ولا تحصى، وهم الضيوف الذين يتحدثون على مدار النهار والليل في قنواتٍ تلفزيونيةٍ وإذاعيةٍ كثيرةٍ مستمرةٍ في التعتيم على المؤيدين لنضال الشعب الفلسطيني، حتى وإن كانوا من اليهود.

ملصق مهرجان ربيع فلسطين الذي يدخل في اطار نشاطات فرقة حمة ملياني

(*) ألا تخشى من أن يفسر تركيزك على الهوية الأمازيغية مسرحيًا في فرنسا بموقف سياسي يلامس موقف أنصار الحركة الأمازيغية الانفصالية التي يتزعمها فرحات مهني، المعارض الجزائري المؤيد لإسرائيل؟
أنا أمازيغي، ككل الجزائريين، والجزائر واحدة غير قابلة للتقسيم. ترعرعت في أحضان ثقافة بلدي، وهي الثقافة الغنية بروافد رومانية، وعربية، وتركية، وفرنسية، وبروافد أخرى. يقوم عملي الأدبي والفني على التحسيس بأهمية الثقافة الأمازيغية كثقافة أجداد، وهي الثقافة التي تتكامل مع إنجازاتي ونشاطاتي التي أعمل على تطويرها باعتبارها ثقافة ثرية ومتنوعة. لست بربريًا بالمعنى الأيديولوجي (بربريست كما يقول الجزائريون) للتيار الذي تمثله الحركة الانفصالية التي أشرت إليها (الماك). أنا بربري من قبيلة سقنياس، والوحدة الوطنية الجزائرية قضية مقدسة في نظر كل المنتسبين إليها.

(*) مسرحيتك الجديدة "محور العالم... يوميات إبادة" التي قرأتها وقلبي يدمي (وكأنني عشتها في غزة)، لافتة أدبيًا ومسرحيًا باعتماد صاحبها مقاربة يونانية وشكسبيرية لتجسيد أحدث أبشع مآسي العصر. مقاربة تعكس موهبتك الشعرية والمسرحية في الوقت نفسه في تناغم مع توجهك الفكري والإنساني. مقاربتك لم تكن سياسية فحسب، بل عكست منظورًا فنيًا يتماشى مع طبيعة المأساة الفلسطينية التي تنفذ بتواطؤ عالم غربي كشف عن زيف شعاراته. أليس كذلك؟
نعم، هذا بالضبط ما أردتُ الوصول إليه. أعتقد أن المأساة الفلسطينية هي تعبير عن ألمٍ إنساني عميق يتجاوز السياسة إلى ما هو أكبر من ذلك: هو الصراع بين الحق والباطل، بين الوجود والزوال. أردت أن أجسد هذا الصراع بأسلوب فني يُمَكِّن المتلقي من فهم الحقيقة الإنسانية وراء ما يحدث، بعيدًا عن الأيديولوجيات التي تحاول أن تحجب الرؤية.

لا تجوز أيّ ازدواجية بمقاربة مفهوم الإبادة:

هنا يعبر حمة ملياني عن امتنانهُ لمن مكَّنوهُ ــ بشكلٍ لم يكنْ يتوقَّعهُ ــ من التعبيرِ عن تأييدِهِ المطلقِ لنضالِ الشعبِ الفلسطينيِّ من أجلِ حريتِهِ المسلوبةِ، على مَرأى ومسمعِ عالمٍ غربيٍّ متفرِّغٍ لتحريرِ أوكرانيا، وآخرَ عربيٍّ وإسلاميٍّ قضى السابعُ من أكتوبر على صمتِهِ وتفرُّجِهِ. إنَّهُ النضالُ الذي يُعَدُّ مبرِّرَ وجودِهِ، ليس بالشعاراتِ كما يفعلُ تجارُها الكُثُر، ولكنْ بالفعلِ الدراميِّ والشعريِّ، الذي جعلَ منهُ نجمًا رغمَ أنفِهِ في الضواحي الباريسيةِ التي خانَها معظمُ الإعلاميينَ والمثقفينَ والمسؤولينَ الفرنسيينَ ــ على حدِّ تعبيرِهِ. إنَّها الخيانةُ نفسُها التي طاولتِ الشعبَ الفلسطينيَّ الأعزلَ، الصامدَ رغمَ جبروتِ عدوٍّ صهيونيٍّ وجدَ في مثقَّفينَ متواطئينَ وآخرينَ صامتينَ، الدعمَ الذي لم يكنْ يحلُمُ بهِ.
ملياني، الذي يحلمُ بدورِهِ بتقديمِ مسرحيتهِ "محورُ العالمِ... يوميّاتُ إبادةٍ" في الجزائرِ وطنِهِ، وفي العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ، مترجمةً إلى اللغةِ العربيَّةِ، أنهى حوارَهُ بتقديمهِ هديَّةً لـ"ضفَّةٍ ثالثة"، وهي إحدى شخصيَّاتِهِ المسرحيَّةِ التي هتفتْ قبلَ مغادرتِها الرُّكحَ: "تحيا فلسطينُ حرَّةً"، بعد أن خاطبَ وزيرَ الثقافةِ في وطنِهِ، الذي يسري في دمِهِ.
(*) ألا تعتقدُ أنَّ هويتَكَ الشعريَّةَ المتأصِّلةَ فيكَ هي التي سمحتْ لكَ بتفجيرِها من خلالِ مسرحيةِ «محور العالمِ... يوميّات إبادةٍ»؟ إنَّها المأساةُ الحديثةُ والواقعيَّةُ والعبثيَّةُ التي عالجتَها بقالبٍ يونانيٍّ وشكسبيريٍّ كلاسيكيٍّ يُحيلُنا إلى سياقِ ولادةِ المسرحِ في كنفِ الشعر؟
بالضبطِ. وكلامُكَ قراءةٌ تسعدُني وتشرِّفُني بشكلٍ غيرِ مسبوقٍ وأنا أتحدَّثُ لقرَّاءِ موقعِكم العربيِّ الهامِّ، في سياقِ مأساةٍ أراها فاجعةً شخصيَّةً. المسرحيَّةُ تدخلُ في إطارِ الاستعجالِ الذي تفرضُهُ إبادةٌ مكتملةُ الأركانِ، وكتبتُها وأخرجتُها بالشكلِ الذي أشرتَ إليهِ مُجبرًا، لعلاقتِها التاريخيَّةِ بمسرحٍ يونانيٍّ خرجَ من رحمِ التراجيديا. قُدِّمتِ المسرحيَّةُ في ديسمبر/ كانون الأول من عامِ 2023، بقيادةِ مناضلينَ ومناضلاتٍ من جمعيَّةِ "فلسطين استعجال"، وهي نتاجُ عملي التكوينيِّ لممثِّلينَ وممثِّلاتِ فرقتي المسرحيَّةِ التي تحدَّثتُ عنها في الحلقةِ الأولى.
المسرحيَّةُ ردٌّ على مرتكبي إبادةِ غزَّةَ، التي أكَّدتْ صحَّةَ السياقِ التاريخيِّ للاستعمارِ الإسرائيليِّ لفلسطين. هذه الإبادةُ المُرادفةُ للتطهيرِ العِرقيِّ فتحتْ بابَ جهنَّمَ على فلسطينيِّي غزَّةَ، للانتقامِ من مقاومينَ لم تكنْ عمليَّةُ السابعِ من أكتوبر إلا تجسيدًا لانسدادٍ سياسيٍّ فرضَهُ الاحتلالُ الإسرائيليُّ.
ملاحظتُكَ المتعلِّقةُ بالمقاربةِ في محلِّها، والقالبُ التراجيديُّ الذي تبنَّيتُهُ خرجَ من رحمِ المسرحِ الإغريقيِّ والشكسبيريِّ، كما أشرتَ في سؤالِكَ، واعتمادي خاصِّيَّةَ "الكوريف" والجوقِ كان وراءَ تجسيدٍ حقيقيٍّ لتراجيديا شعبٍ يرفضُ تسليمَ أرضِهِ لاستعمارٍ استيطانيٍّ صهيونيٍّ. لقد تلقَّفَ الجمهورُ مقاربتِي، وعاشَ هذهِ التراجيديا على رُكحٍ يقضُّ مضاجعَ المكارثيِّينَ الفرنسيِّينَ.

(*) لاحظتَ أنك وظّفتَ الشعر ليس فقط لتخليد كفاح الشعب الفلسطيني فحسب، ولكن لترسيخ التزامك بقضايا الإنسان العادلة في الضواحي الفرنسية التي ألصق بها الإعلام الفرنسي الطاغي والمضلِّل كلَّ الموبقات الاجتماعية...
نعم، هذا صحيح. وكلّ مساري التزامٌ بالدفاع عن المظلومين الفلسطينيين الواقعين تحت سطوة إعلاميين ومثقفين يعملون على تشويه تاريخهم، كما يفعلون مع المهاجرين العرب والمسلمين في الضواحي، التي تُعَدّ رافدًا ثقافيًا واجتماعيًا يخدم فرنسا، وليس العكس. التزامي لا يتجزأ، وهو نابعٌ من تاريخ ثورة جزائرية ناهضت فرنسا الاستعمارية، وتوظيفي مسرحيتَي "غضب العشاق"* (2010)، و"البرتقالي"** (2020) في مسرحيتي الجديدة عن إبادة غزة دليلٌ على مزاوجتي بين الشعر والمسرح. الشيء نفسه قمتُ به في ورشاتي المسرحية في الضواحي الباريسية، انطلاقًا من المقاربة نفسها، ردًّا على تصاعد اليمين المتطرف عام 1988. وكانت مسرحية "المنعطف الخطير"، التي قُدّمت مرات عدة في مهرجان أفينيون الدولي الشهير، تصبُّ في مجرى محاربة توجُّهٍ أخذ بُعدًا خطيرًا غير مسبوقٍ فرنسيًا وأوروبيًا وعالميًا.
وبوعلام صنصال، مثلًا، ثمرةُ اليمين المتطرف والصهيونية، والمعروف عن الأول معاداةُ السامية، وزعيمه الراحل جان ماري لوبان قاتل الجزائريين، هو الذي قال: "غرف الغاز النازية تفصيلٌ تاريخيٌّ". بالروح الفكرية الملتزمة نفسها، قدّمتُ مسرحية "جهنم الملائكة" عام 1996 في قالب كوميدي ساخر وموسيقي. نالت المسرحية الجائزة الأولى، وجائزة لجنة التحكيم، في مهرجان المسرح المتنوع في ضاحية كلامار الباريسية عام 1996. والمسرحية نفسها قدّمتُها مجددًا، بنزوعي الشعري، مع طلبة ماليين ومغاربيين وفرنسيين في التجمّع الاجتماعي العالمي بجامعة باماكو عام 2006، وصدرت لاحقًا مطبوعةً تحت عنوان: "هنا الماضي لم يصبح ماضيًا بعد".

(*) نبقى منهجيًا في سياق مسرحيتك "محور العالم... يوميات إبادة" قبل توقّفنا لاحقًا عند دفاع مثقفين ليسوا بالضرورة من اليمين المتطرف عن بوعلام صنصال، كتعبيرٍ أسمى عن خدمته أجنداتٍ فرنسية تقف وراءها الصهيونية، وليس كل اليهود، كما يقول الصحافي الكبير سيلفان سيبال في كتابه "إسرائيل ضد اليهود". أسألك: "هل تعتقد أنك وُفِّقتَ في تعبئة جمهورٍ فرنسيٍّ خارج الضواحي حيال نضال الشعب الفلسطيني، علمًا أن السياق السياسي والثقافي والإعلامي أصبح يمنع أمثالك من حريةٍ دعا فولتير إلى حمايتها وتكريسها: "أختلف معك... لكن أُضحّي بنفسي لتعبّر عن رأيك بحرية"؟
أعتقد أنني وُفِّقتُ في إخراج المسرح الاستعجالي من الضواحي الباريسية لتوعية الجمهور بخطورة التفرّج على إبادة غزة. الشكل الذي اعتمدتُه سمح لي بضمان مقارباتٍ تخاطب مختلف الفئات الاجتماعية، والشباب بوجه خاص، بعيدًا عن الخطابة الأيديولوجية المحضة، وإمكانية تقديمه خارج القاعات أمام جماهير شعبية، تؤكد نهجي المسرحي المدروس فنيًا مسبقًا. مسرحيتي حول إبادة غزة لاقت دعمًا من جمعية "استعجال فلسطين 84"، وقدّمت في مهرجان أفينيون العام الماضي، وفي مدن شومبيري، وأنماس، وغرونوبل، وفي مناسبات التضامن مع الشعب الفلسطيني.

(*) أنت تعيش على إيقاع التراجيديا الفلسطينية، ممارسًا رقابةً ذاتيةً مفروضةً عليك، ومجازفًا بوجودك الشخصي في الوقت نفسه، و"يوميات إبادة" العنوان الفرعي لمسرحيتك غير موجود على غلاف الكتاب...
أحسنتَ التعبير حينما قلتَ في سؤالك: "إنني أعيش على إيقاع المأساة الفلسطينية التي تمزّق كلَّ منطقة الهلال الخصيب، وليس فلسطين فقط". صحيحٌ أيضًا أنني أمارس رقابةً على نفسي، مُجبرًا، لتمرير ما أمكن من رسائل يمنع الإعلام تمريرها بنعومة، بدعمٍ وتواطؤٍ من المثقفين التلفزيونيين الذين تعرفهم جيدًا، بحكم تناولكم إياهم في أكثر من مقال وكتاب.

(*) رغم الرقابة الذاتية التي تتحدث عنها بحزن... تطاولك من دون شكٍّ تهمة معاداة السامية، وتُمنع من التعبير الحر والكامل على أرض فولتير، حينما يتعلق الأمر بفلسطين، على حد تعبير ألان غريش...
أدافع عن نضال الشعب الفلسطيني المظلوم، وليس هناك ما يثبت عكس ذلك في أعمالي المسرحية والشعرية، وفي تصريحاتي. أنا صوتٌ جزائريٌّ مناهضٌ للظلم بكل أنواعه، وللظلم الإسرائيلي التاريخي في فلسطين بوجه خاص. مع الأسف الشديد، ليس في قدرتي توصيف الأوليغارشيا الصهيونية كما يجب، تفاديًا لتهمةٍ جاهزةٍ طاولت حتى اليهود المعارضين للإبادة المستمرة، بشتى الأشكال، على مرأى ومسمع مثقفين ومسرحيين ومبدعين كُثُرٍ يتشدّقون بحرية التعبير في فرنسا الأنوار.
بدعوى مبرّر معاداة السامية، أصبحت الثقافة في فرنسا أسيرة "عسس الفكر والفنون"، وأصحاب المصالح الداعمة للصهيونية، ونعيش ذلك في لجان القراءة وعبر شروط تقديم الإعانات ودور النشر وشبكات الاتصال بضروبها كافة.

(*) كيف تردّ على معظم المثقفين الفرنسيين الذين يرفضون تطبيق مفهوم الإبادة على غزة، ومن بينهم إليزابيت بادنتير التي تعد فيلسوفة في الإعلام الفرنسي؟ هذه السيدة اليسارية، المنحدرة من عائلةٍ راحت ضحية النازية، انتفضت في لقاءٍ تلفزيوني مؤكدةً أن مفهوم الإبادة ينطبق فقط على ما تعرّض له اليهود على يدي هتلر...
ليس هنالك ازدواجيةٌ في مقاربة مفهوم الإبادة، وما تعرض له اليهود هو إبادةٌ بشعةٌ، كما حدث في مناطق أخرى من العالم (الجزائر، والبوسنة، ورواندا... إلخ) وكما يحدث في فلسطين. السيطرة الصهيونية في المجالين الثقافي والإعلامي وراء هذه الازدواجية المقيتة، ويحزنني أن أرى مثقفين مغاربيين يعملون على تكريس هذا المنظور العنصري الذي راح ضحيته اليهود أنفسهم، باسم محاربة التطرف الإسلامي. ووقوع كتاب جزائريين في أسره يضاعف حزني ويدمي قلبي.

(*) هل أفهم أنك تشير إلى بوعلام صنصال، وقبله كمال داوود الجزائريَّيْن، والمتحالفين مع الطاهر بن جلون المغربي...
ليس فقط من ذكرتهم، ولكن بوعلام صنصال دميةٌ أصبحت شهيرة بفضل اليمين المتطرف المعروف تاريخيًّا بمعاداة السامية، كما ذكرت، والمدعوم صهيونيًّا (يا لمفارقة التاريخ) لضرب الجزائر، وتأزيم العلاقات بينها وبين فرنسا. توظيف كاتب مغمور غير مؤثر إبداعيًّا في عزّ التحوّل السياسي الذي تعرفه سورية حقيقة مكشوفة ومخطط استراتيجي فشل في جزائر اكتسبت مناعةً قويةً ناتجةً عن درس العشرية السوداء. الجزائر لم تقع في الفخ المنصوب، بتخطيها خلفيات أصحاب الأجندات الجيو ــ استراتيجية الخطيرة. من هو هذا بوعلام صنصال حتى تقوم القيامة للدفاع عنه باسم الحرية التي حُرم منها الصحافي جان ميشال أباتي بعد تأكيده نازية الجيش الفرنسي في الجزائر؟
وإذا سمحت لي، سأُهدي قرّاء منبركم، قبل أن نفترق، مخاطبةَ سجينٍ فلسطينيٍّ جلاديه، وكل أعداء نضال شعبه:
"رغم رعبكم وقوة تسلّحكم، وضجيج وتشويه إعلامكم، وقنابلكم التي تسقط على رؤوسنا، وجهنمية بطشكم، وسجونكم، وأسلاككم الشائكة، وجدرانكم التي تغطي الأفق وتقسم الإنسانية إلى عالمين، وقتلكم أطفالنا ونسائنا، وتهديم بيوتنا ومدارسنا، وقتل رضعنا، وعمى نخبكم... سنبقى نقاومكم. فلسطين حرّة. عاشت فلسطين".

(*) ماذا تنتظر لتقديم مسرحية "الساعة الفلسطينية التراجيدية غير المسبوقة في العالم العربي والإسلامي"، مترجمةً من اللغة الفرنسية؟ إنها فرصة لتعرية القادة العرب والمسلمين أكثر من أي وقت مضى، أولئك الذين يتحسسون مسدساتهم عند سماع كلمة (فلسطين).
أعمل على ذلك كما تعرف، بكل ما أوتيت من قوة. أتمنى أن يكون نشر حديثك في (ضفة ثالثة) فرصةً ودعوة موجّهة للشعوب الغيورة على حرية الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها الشعب الجزائري. بالمناسبة، أؤكد أنني أرسلتُ ملفًّا لعرضها في الجزائر، وفي مهرجان أدرار المسرحي في أقصى جنوب الجزائر. مع الأسف الشديد، أُلغي المشروع بسبب نقص الإمكانات. وأرسلتُ طلبًا لوزارة الثقافة، وللوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي. لكنْ، لا ردّ إلى حد الساعة. أحلم بتقديم المسرحية في كل البلدان العربية والإسلامية، في إطار مشروع ورشة تكوين إبداعي. لقرّاء منبركم أضيف أن مسرحيتي حول إبادة غزة قد تُرجمت إلى اللغة الإيطالية.

 

عن (ضفة ثالثة)