تابع جمهور المسرح في تونس خلال الفترة الماضية، عرضًا مسرحيًا بعنوان "تسعة (9)" من إنتاج شركة فنون التوزيع الريو بمساهمة وزارة الشؤون الثقافية.
تولى معز القديري دراماتورجيا وسينوغرافيا وإخراج العمل عن نص لهيثم المومني الذي شارك في الأداء إلى جانب مريم بن حميدة ومروان الميساوي.
هذا العرض الذي احتضنته قاعة الأوديتوريوم بقصر المسرح في ساحة الحلفاوين، ضمن فعاليات الدورة الثالثة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع"، دام 64 دقيقة جاءت حُبلى بالرموز والتأمل الفلسفي، حيث انطلقت المسرحية من فرضية خيالية تقوم على بقاء آخر إنسان على وجه الأرض بعد أن انطفأ كلّ شيء، ليجد نفسه وحيدًا في عالم مُهدم وزمن مُتجمد يواجه مصيره المحتوم ويُحاور العدم في محاولة يائسة لتأجيل النهاية.
وفي هذا الإطار، يطرح العمل أسئلة وجودية حول معنى البقاء وجدوى المقاومة أمام حتمية الفناء وحول طبيعة الخوف الذي يسكن الإنسان من فكرة الموت، وهل هو تعبير عن حب للحياة أم عن عجز عن تقبّل نهايتها.
وترتكز المسرحية على رؤية فنية تنتمي إلى المسرح الوجودي المعاصر لكن بروح تونسية جعلت من الخشبة منصة للتفكير في الإنسان وفي المعنى الوجودي له.
وترجمت "تسعة" حكاية شخص يرفض الموت ليكون مرآة تعكس صراع الإنسان الأزلي مع فكرة العدم وتدفع المُتفرج إلى إعادة النظر في معنى الوجود ذاته وفي حدود الإرادة أمام قدر محتوم لا يمكن تأجيله إلا على خشبة المسرح.
ورغم أن المسرحية تقوم على بُعد فلسفي واضح، فإنها تشتغل أيضًا على البُعد النفسي للشخصية الرئيسية التي تتشبث بالذكريات الأولى لأب وأم وجدة. وتستعيد أصوات الماضي عبر تقنية "التعليق الصوتي" مُتكررة تشكل خلفية سمعية مشحونة بالحزن والنوستالجيا.
وهكذا يتحول الحنين إلى سجن داخلي وتصبح الذاكرة وسيلة مقاومة عبثية ضد الزوال، وهو ما يجعل العرض يتأرجح بين الأزمة النفسية والأزمة الوجودية في آن واحد.
ويلاحظ المتفرج في البنية الدرامية للعمل أن الحضور الفعلي على الخشبة يقتصر على ثلاث شخصيات، غير أن الفعل المسرحي يرتكز أساسًا حول شخصية واحدة تُمثل الإنسان في جوهره دون ملامح أو اسم أو هوية محددة، في إشارة إلى أن القضية المطروحة لا تخص فردًا بعينه بل تمس الإنسان في بُعده الوجودي الكوني.
ولذلك تحوّلت الخشبة إلى فضاء رمزي جامع حيث تجسّدت الأزمة الإنسانية في بُعدها الشامل وهي الخوف من الفناء والانفصال عن الذات والعالم. لقد اعتمد المخرج معز القديري في بناء الفضاء المسرحي على سينوغرافيا مُكثّفة تقوم على الإيحاء أكثر من الإيضاح. فالمشهد يطغى عليه اللون الرمادي القاتم، وصندوق ضيق بطول جسد الإنسان يرمز إلى القبر أو العزلة القصوى، فيما يتناوب القمر على الإضاءة والخفوت ليعكس التوتر بين الأمل والانطفاء.
أما المؤثرات الصوتية، فقد شكلت بدورها عنصرًا دراماتورجيًا أساسيًا في العرض، إذ تم تضخيم الأصوات وتكرارها حتى تفقد معناها اللغوي وتتحول إلى أنين بشري متواصل وهو ما عمّق الإحساس بالاختناق والعزلة.
وتقوم المسرحية على توازي فضاءين اثنين هما الفضاء الواقعي الذي يجسد الجسد المحتجز في عالم مادي مُتداعٍ، والفضاء النفسي الذي يستعرض الصراع الداخلي والهواجس والأسئلة التي تلاحق الشخصية.
وهذا التداخل بين الواقعي والمُتخيَّل منح العرض بُعدًا دائريًا، حيث تتكرر الأزمة دون انفراج في دلالة على استحالة الفهم أو الخلاص. وبالرغم من طغيان الطابع الوجودي، فإن العمل لا يغفل البُعد الإنساني الملموس، فهو يعبّر عن حالة عامة يعيشها كل إنسان حين يواجه فكرة النهاية.
إنّه تأمل في معنى الحياة وفي جدوى الاستمرار حين يصبح الموت يقينًا لا مفرّ منه. ومن خلال هذا الطرح الجمالي، تتحول مسرحية "تسعة" إلى تجربة فكرية وجمالية في آن واحد في تزاوج بارع بين عمق السؤال الفلسفي وتجريب اللغة المسرحية المعاصرة. وفي تصريحات له، يقول مخرج العمل معز القديري إن "9، هو الرقم الذي يُشير إلى نهاية دورة وفجر بداية جديدة... إنها مسرحية عن البحث والذاكرة والبعث".