لحظة إنسانية، حين يكتشف الإنسان أنه لم يقل ما كان يجب أن يقال، فيعيش بقية حياة يقولها للصدى، يقولها للغيب، للأبناء الصغار، بعد أن غاب الأب إلى المجهول. تلك المشاعر تحولها الكاتبة من مجرد الأحاسيس، واللحظة الشعرية، إلى حركة وفعل لتصبح قصة قصيرة، ولتثبت أن القصة القصيرة، هى أقرب الفنون إلى الشعر وموسيقاه.

انتظار مختلف

سـميّة عبدالمنعم

 

كنتَ دائما تخبرني بأن كل فتاة أحببتها لم تكن تبادلك حبا إلا بعد فراق، وحين تحاول العودة كنت أنت ترفض، هكذا إذن كنت دائم الهجران لي وكنت تتحين أي خلاف تافه لتحوله إلى كارثة تستوجب الفراق، وكنت أنا أندهش كيف تزعم كل هذا الحب وفي الوقت نفسه تسعى لهجري؟! لم أكن أعلم أن هدفك هو أن أحبك، أن أحقق حلما طالما راود صحوك، أن أهيم بك مثلما تهيم بي، لم أكن أعرف.. ولكنني الآن عرفت، عرفت بعد أن حان الفراق، حتى لو كان فراقًا مؤقتًا، لكنه البُعد الذي أبدًا لم يكن بيدي أو بيدك، بل كان رغمًا عن كلينا، بُعد أحرق قلبي، حتى صرت أهيم في الطرقات تنساب دموعي ولا أبالي بنظرات الناس حولي، أبحث عنك في كل مكان جمعنا يوما، أفتقدك في كل كلمة أو موقف كان يمر بنا، وفي لحظات ألمي التي كنت تحملها عني، كنت تتألم أكثر مني، تذرف عيناك دمعا لمجرد شعورك بمعاناتي، الآن صرت أتألم في صمت ولا أحد يشعر بي. أما فرحتنا فكانت ضحكاتنا تهدر في الشوارع، بين إشارات المرور، نتقافز متشابكي الأيدي غير عابئين باستنكار أناس لم تعتد أعينهم مثلينا، كانت لهفتنا على أن نحيا عظيمة، كأنما كنا ندرك أنه يجب أن نغتنم لحظاتنا معا حتى النهاية. الآن أدركت أنك على حق، فالفراق كفيل بأن ينبت بقلوبنا حبًا هادرًا ما كنا نظنه سيولد يوما. الآن فقط أشعر بالندم، لماذا انعقد لساني في كل مرة كان عليّ فيها أن أقول لك أحبك، ولم أكن أفعل؟ كنت محض غبية، رغم علمي أن بتلك الكلمة حياتك، وأنها كل ما تتمنى سماعه. الآن أصرخ بها في الطرقات وعلى الأرصفة وبين الناس.. أحبك، أقولها وأنا وحيدة، أقولها لأطفالي فتتسع أعينهم دهشة وتحاول قلوبهم الصغيرة استيعاب ضعف أمهم ومواساتها، صرت أقولها في كل لحظة لكنك لا تسمعني. وإن سمعتني فلا أظنك ستصدقها، كعادتك معي، ما كنت تصدقها، نعم فلم تكن في الماضي نابعة من قلبي، لكنها الآن هي كل قلبي، أشعر كأني تحولت كليا إلى تلك الكلمة فحسب، صرت كتلة شاهقة من "أحبك". أحبك.. سأظل أقولها، لا تقلق فما عدت أخجل، ذهب عني خجلي أخيرا، وخبا ترددي وما عاد قلبي حجرًا يخشى السقوط في الحب، قد صرت امرأة أخرى، امرأة طالما تمنيتها، امرأة غارقة فيك حتى قدميها، امرأة أصبح جل أحلامها أن تقولها لك بينما تحتضن أنت كفيها، وتنظر هي إلى عينيك بحب، صرت امرأة تنتظرك..لكنه انتظار بحب...