خريفٌ أَشْفَى به نَفْحٌ لذيذٌ مِن رِيحِ تِشْرِينِ الأوّلِ، والصَباحُ دروبٌ طويلةٌ طَوَتْها زَهرا بسيّارةٍ مع العَوَامِّ، لَكَم ثَقُفَتْ سَرِيرَتُها أن تترشّحَ خلالَ تحديقِها في النّافذِة خَطَفَاتٍ هَي بعضُ ما نَبتَ من عُشْبِ الدّنيا وشَجرِ المُنى وشَوكِ الصَحْبِ و ... . ثَمّةَ وِجْهَةٌ تَرَتّبت في برنامَجِها لِتقصدَها، وحِينَ الظهيرة انتبذتْ طاولةً مُطِلّة على نهر دِجلة في المَطْعَم، وأَخَذَت ترمي نظراتِها إلى الأفقِ البعيد، كأنّها تبحثُ عن غيرِ الحشائشِ التي نَمَتْ في قلبِ النَّهر، وَ غيرِ وَهَنِ لَونِ الجِسر، و إذا امتدَّ بصرُها إلى غَورِ الماء، فَلم يلمحْ موجة عاليةً، ولا زوارقَ، وَحدها النّوارِسُ تصطفقُ أجنحتُها لبعضِ أَيدٍ تُطعمها الـ (chips) ثُمّ لمّا كانَ دُخانُ الأركيلة قد تكاثَف في غَماماتٍ، ما تَكادُ واحدةٌ تنحلّ حتّى تنعقدُ أخرى؛ تنفثُهُ إلى ناحيةِ زهرا صبيّةٌ كانت تجالسُ صديقتَها في الطاولةِ المجاورة، حاولتْ زهرا أن تصرفَها عن نَفْثِها الكَرِيه، لكنَّ ضَعفَ السلوكِ كان أقوى ما لَدى هذه الفتاة العصريّة! لمّا كانَ ذلك خرجتَ زهرا من المطعم، وتمشّت في الشّوارع الفرعيّة لتقوّي مَعِدَتَها الضعيفة، ولتتحفّز إلى نشاطٍ لاحقٍ، وإذا خطواتُها تَتَّئدُ، وعيناها تشخصُ إلى واجهةٍ من الزُّجاجِ الأسود ضخمة كتبوا عليها The Gallery) ) انسلَّت خيوطُ الشّمس إليها، ونَفَضَتْ أغصانُ شجرةٍ فَتيَّةٍ بعضَ أوراقِها حول تمثالِ نصف امرأة عارِيَة، دَلَفت زهرا إلى صالةِ العَرضِ أوّل ما دَفَعَت يدُها البابَ الفَخْم، توسطت الصّالة، واستطابَت جدرانَها اللؤلؤية الصقيلةَ، وراقَها خُلُوُّها مِن الزُّوّار إلا اثنين أو ثلاثة. عيناها تدورُ بين لوحاتٍ وتماثيل اتَّسقت في رشاقةِ المَنْظَر ووحدة الأشكالِ والألوان والثيمات؛ ساعات منبّه سوداء أو خطوط تَشِي بِها، وكُتَل برونزيّة خضراء وزرقاء ذُرِّيت بِوَهَجِ الذّهب لِتلتَصِفَ وتلتزَّ بِبصرِ النّاظر، ما هذه؟ سألَت نَفسَها، قد أَلِفتُ مِثل هذه الساعات يستيقظُ على رنين أجراسِها أخوتي للدوامِ، ورُبّما رأيتُ بعضَ أشلائها تباعُ في سوق الجُمعة للأشياء البالِية ... .
اقتربَت زَهرا من لوحةٍ معلّقة في أقصى الصالة لِمُنبّه رُسِمَ بضربتينِ لونيتينِ من السوادِ بدونِ عَقَارِب خلا موضِعها، أَعْجَبَتْني هذه لِمَ لا ابتاعُها وأنصبُها في فراغٍ ببيتِنا الكبير، ههه ستكونُ أضحوكةً ... ثُم انعطفت يسارًا عمّا كانت تَقفُ لترى لوحةً كبيرة تدلّت من سَقْفِ الصّالةِ الداخليّة؛ ساعةٌ مدوّرةٌ صُمِمتْ من قِماشٍ ورِيشٍ وخيوطٍ سوداءَ تستدعي البيضاءَ وهكذا، هذا الشّكلُ لا، إنّما هذا العالمُ أَعْرِفُهُ مستقرًّا في ذِهني، وَلَدى سِرْدابي القديمِ بيتٌ بَقِيَت بتولٌ تسكنُهُ ... تَأَمَلَت زهرا المعروضاتِ، وَسَرّها أنّها استنبَطَت لأيٍّ منها معانِيَ اطمأنَتْ لها نَفسُها، جَلَسَت على مِصْطَبة الاستراحة تَتتَرَشَفُ من كأسِ الماءِ الذي أقراها به موظّفُ الكاليري، بَيْنَا حَدَقاتُ عينيها تضيقُ وتنزوي يسارًا تريدُ أن تقبضَ على هذا النّظير الصاخِب من انكسارات المنبّهات وتواتر الأشكال السوداء، إلا أنّ صوتًا قَطَعَها عمّا أخذَ يتشكّل في مُخَيِّلَتها؛ سيدةٌ، سَألتْها: أنا وزوجي لا نعرفُ من الفنّ شيئًا، هذه التماثيل من أيّ شيءٍ صُنِعت؟ زهرا أَجَابَتها: من البرونز، وعادت تصلُ انغماسَها العفويّ فيما بَقي من شُغورِ الجُدران بينَ اللّوحاتِ، تحَفِزُ وجدانَها مُصادفاتٌ وأقدارٌ إذا شاءت التعبيرَ عنها ، فَمن تكونُ إلا بِلَحْمِ بتولٍ وشَحْمِها ، وهُزالِ الأخرس عقيلٍ ولِحيته التّي أطلَقها لتجذب إلى صَنعتِهِ النُّسوانَ اللواتي يتجوَّلنَ في سُوق حَيِّ الميلاد، والصّبيّات حيث يسلُكْنَ طريقَ المَدْرَسة مِن هناكَ، يطشُّ حَصًى انتقاها بألوانٍ وحُجومٍ متنوعة ليقرأَ حظوظَ زبائنه، هذه الواقفةُ على رأسِه تريدُ أن تعرفَ قِسمةَ ابنتِها زَيْنَة أم شَينة، وتلكَ تستخيرُ كبرى حَصاة في الطشّة آملةً أن تجري معاملةَ راتب الرِّعاية مجرى سهلًا في الدائرة الحكوميّة ... والتّي لم يأتِ دورُها ما أقلّ حظَّها بقيت تتحيّنُ أَوبَةَ الأَخرسِ إلى السُّوق! فَقَدْ غابَ لأيامٍ عَن مَكانِهِ المعهودِ " كُومة هَيْبَة المسودنة " تُرجِّعَ صُراخَهُ: دعفر دعفر ماتَ حيطانُ غُرفةٍ إذا هي جزءٌ من دارٍ، فَلِمَ انتزعَ الجيرانُ جثّةَ (جَعفر) من بينِ المِرحاضِ والدُّولاب الوحيد المخلّعِ مِلكَ بتولٍ ابنتهُ؟! وهذه ما تكادُ تنهضُ لتنتحبَ على جثّة أبيها حتى يقعدَها كُساحُ قَدَمِها اليُمنى، وإن أرادَت أن تُكفكِفَ دموعَها مَنَعَها عَضْبُ يدِها اليُسرى، وتواترت تفصيلاتٌ الدّفن وعناصِرُ مِحنٍ جديدةٍ في الفِصّ المسؤول عن تأليفها في ذِهنِ زَهرا ، بحيث لم تكلّ أن تحفرَ على اللّوحات وأيِّ فراغٍ يصادفُه شرودُها نداءَ مُحتبِسٍ صوتُ صاحبِه، قد ثَنى الجوعُ لأيامٍ أضلاعَهُ على بَطنهِ، ولوى فَقْرُ سبعينَ عامًا أطرافَه ولَمَّها إلى جِسمهِ، فَكأنَّ بِسائقِ الدّبابةِ أيامَ جَبَهات إيرانَ حياءً من الحَياةِ وأُهبةً من وِسْعِ نَفسهِ لِلَفْظِ الرّوح، ابناه بتول وعقيل ـ يريانَهُ ولا يدركانَ أنّه .. ينادي: عَ عَعَينك عللى ببتول ...
النجف ٣/ ١٠/ ٢٠٢٥
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سحر هادي سعيد شُبَّر.
دكتوراه في فلسفة اللّغة العربية وآدابها.
التخصّص: الأدب الحديث ونقده.
ـ تدريسيّة في جامعة الكوفة.
الصورة في شعر نزار قباني دراسة جمالية، دار المناهج، 2011
ـ خبيرة اللّغة والثقافة العربية بجامعة شانغهاي للدراسات الدوليّة من عام ٢٠١٩حتّى ٢٠٢٣.