مهدي حارث الغانمي، شاعر عراقيّ من الطبقة الأولى، بحسب تصنيف ابن سلام في طبقات فحول الشعراء!! وأنا أضعه في هذه الطبقة على الرغم من قلة نشره، بل زهده في النشر!! لم يكتب عنه الكثير، لكنّ رسالة ماجستير في كلية التربية، جامعة القادسية، لباحث نابه استطاع أن يدرسه بعناية مع شاعرين آخرين هما: عماد جبار، وعارف الساعدي، وفي هذا العدد يجد القارئ مقالتين عن (المملوه) ديوان الشاعر.

على هامش مَمْلُوه الغانميّ

عبد الكاظم جـبـر

 

قد تتهيّأ للمرء أحيانًا فرصة سانحة لأن يتلقّى منجزًا يجد فيه، أو في أغلبه، من سمات (الشعرية) الشيء الكثير، بل الكثير جدًّا، فينفعل له وبه، ويضع يده على مواطن الجمال فيه، ويقف عند خصائصه العامة وما تحقق فيه من عنصر المتعة الفنية، ولمّا كان هذا العنصر ليس جزءًا من طبيعة تكوين الأدب، بل هو أثر له، فإنّه قد يحدث لشخص يتلقّى عملًا أدبيًّا ولا يحدث لشخص آخر يتلقّى العمل نفسه، كما أنّنا قد نجد المتعة في أشياء ليس لها صلة بالأدب، وقد لا نجدها في هذه الأشياء.

أقول: لقد تهيّأ لي أن أطّلع على منجزٍ لشاعر أصيل هو الدكتور مهدي حارث الغانميّ؛ وهذا المنجز هو ديوانه الأخير (المَمْلُوه)، فوجدتُه يتوافر على عنصر المتعة الفنية، وأنّي لأجد في الذي وقع بين يدي من نصوصه وحدة فكرية عامة تشتملها جميعًا، حتى انه ليخيّلُ إليّ أنّني بإزاء نص واحد أو نصين أو ثلاثة – في أكثر تقدير – وإن اختلفت الأشكال والقوالب الفنية.

ولقد اصطبغت نصوص الغانميّ بالصبغة التراجيدية بإثارتها عاطفتي الشفقة والخوف بصورة مباشرة أحيانًا، وبصورة رمزية أحيانًا أخرى، ليجعل ذلك مسرباً للاضطراب العاطفي وتحقيق الرضا الجمالي في النفس، باعثًا على الراحة والهدوء، منذ عنوانه - المَمْلُوه - وهكذا ينبثق من عمق هذا الجوّ القاتم صوت الرفض الذي يتّجه به اتّجاهًا دراميًّا، كما في قوله:

البلادُ الجَحودْ

البلادُ

التي أرضعتني خُرافاتِها والسجودْ

البلادُ

التي أسلمتني إلى أُختِها في برودْ...

البلادُ الكنودْ

لمْ تدعْ بُقعةً في دمي

لمْ يطأْها الجنودْ

البلادُ الرَّقودْ

غافلتني - كعاتها-

وزنتْ

في سبيل الخلودْ

أو كقوله :

وإذ يصيرُ الأسى بيتًا لِمن تعِبوا

من دورة الأرضِ

أو سيئوا بما كسبوا!

وإذ يجفُّ على أشجارِهِ النسبُ

وتأكلُ الطيرُ من رأسي فأنصلِبُ

لغير ذنبٍ، سوى تصديق ما كتبوا!

وإذ يكفُّ المغنِّي، والصدى يثبُ

ملء الفيافي ويُستحلى ويُرتغبُ

وإذ .. وإذ..

لمْ يعُدْ بابٌ يُطِلُّ على المعنى،

ولا طُرُقٌ تُفضي إليكَ، ولا منفى،

فيُرتكبُ

ولعل هذا الاتّجاه أو المنحى التراجيديّ هو الذي سلك به إلى أن يكون متناصًّا مع الموروث، لاسيّما الموروث الدينيّ والموروث الشعبيّ، فلا تضيق به الفضاءات الاستعارية والرمزية، وهو الأمر الذي يسوّغ حضور جملة من الصيغ اللغوية التي تسهم في إعلاء هذه السمة الجمالية أو يفسرها، كما في قوله:

 أفتِّشُ: أين (الحُرُّ) فيَّ

فتنبري يدُ (الشمر) في وجهي

ويبرقُ نابُ

كأنّي على الرمل المريب -

بلا أخٍ يواري شموشي الغارباتِ-

غُرابُ...

(ألفْ لامْ ميمْ  الحسينُ)

صراطُهُ قويمٌ..

وعقبى السائرينَ ثوابُ

إذ جاء يومُ الحشرِ

أُلفيتُ واقفاً

وملءُ يميني للحسينِ كتابُ...

أُبشِّرُ:

هاؤمْ فاقرؤوهُ كتابيهْ

فما بعد قرآنِ الحسينِ حسابُ

تقولون:

غالى.. يعلم اللهُ أنّه فؤادٌ رأى

ما ليس فيه كِذابُ

أو كقوله:

ليس لأُمِّكَ - بنتِ العمِّ المهجورةِ

تكنسُ باحةَ قصرِ أبيكَ السُلطانْ

كي تحبلَ من حبّةِ رُمانْ

ولا لأبيكَ الأعمى

لتُعيدَ بعشبِ السحرِ بريقَ فحولتِهِ

لينامَ مَهيباً بينَ النسوانْ

ليس لِتُثبتَ - يا ابن المنسيّةِ -

ما يعجزُ عنهُ الإخوانْ

بل لكَ أنتَ:

تزوَّدْ

وادخُلْ دربَ (الصَّــــــدْ ما رَدْ)

وما اصطباغ نصوصه بالصبغة التراجيدية إلّا لِما نجده في كثيرٍ من نصوصه من نزعة رفض واضحة ، ولعل مردّ ذلك أنه لا يثق بالواقع الذي يحياه ولا يعوّل عليه كثيراً، فهو يقبع في أعماق ذاته في عالم خفيّ، وقد تلقّى دروسًا في الأعماق منذ زمن الطفولة، إنّه واقع موجود لكنه في داخله في لا شعوره ولا وعيه، ويظهر بين الحين والآخر في لحظة انعدام رقابة الشعور، أي حين تعلّقه بالماضي، وهو يغترف من أعماقه ويواشجها مع معطيات واقعه الواعي، وهو يؤمن-  كما السرياليون- بأن الواقع الواعي قشور يجب أن تُنسف ليتفتَّح الإنسان الحقيقي ويبني عالمه الحقيقي ومستقبله الجديد منطلقًا من أرض بيضاء في عالم من الحبّ والحرية والسعادة، كما في قوله:

طلقاءُ مكةَ يحكمون شِعابَها

وقريشُ سيدةٌ على البحر الطويلْ

.. وكذا أنا !

فليذهبِ الموتى إلى النسيانِ

حتّى أستطيعَ الإلتفاتَ إلى الذُّبولْ

جيلًا فجيلًا

كلُّ ذاكرةٍ تخونُ تُراثَها

وتقيمُ مأدبةً لخيلِ الريحِ

وهي تدوسُ خاصرةَ الحقولْ

كي يستعيدَ الربُّ سطوتَهُ

وينجوَ من مُلاحقةِ الشبيهِ المستحيلْ!

...

واكنسْ من التاريخ أخطاء القرونِ الغابراتْ

لا سيّما خطأَ انتصار العنكبوِتِ

على قريشْ!!

ولا يفوتنا القول إن نصوص الغانميّ توشّحت بومضات مفعمة بالمفارقة- كما في النصوص المتقدّمة - وقد شكّلت هذه المفارقة عصب الإبداع عنده، في سياقه اللاشعوريّ، وإنه لا علاقة لهذا اللاشعور بفكرة الزمن، إذ إنه لا يوجد في تلك المرتبة من مراتب العقل أيُّ توقيت أو زمن، وهكذا يساعد انعدام الزمن في اللاشعور على (التكثيف) الذي يمكن عن طريقه أن يلمح اللاشعور الحوادثَ المتباعدة بعضها عن بعض في الزمن كأنّها مجتمعة بعضها إلى بعض.

وبعدُ، فقد استطاعت نصوص الغانميّ أن تكسب الرهان مؤكدة أن وضوح اللغة وشفافية البوح باقيان ما بقي الشعر وما بقي الإنسان، متنازلة عن بذخ النصوص المتاخمة أو المعاصرة لها، دون أن يعني ذلك قعودها عن مواكبة إنجازات الحداثة الشعرية أو السقوط في السطحية والمعالجة الساذجة، إذ توسمت برصيد عالٍ من الوعي وعمق الرؤى في طرح المضامين الإنسانية، فكانت صوتًا شعريًّا أصيلًا يُضاف إلى رصيد الشعر العربيّ المعاصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • أكاديميّ عراقيّ، متخصص في النحو، وهو شاعر وناقد، له عدة بحوث وكتب في الشعر العربي القديم والمعاصر.