يرى الكاتب أن أشرطة الكاسيت أتاحت الفرصة أمام أعداد كبيرة من المصريين للتعبير عن الرأي، وقدمت رواية مضادة للروايات الرسمية عن كثير من المواقف، وأسهمت بالتالي في إعادة كتابة التاريخ مع قدر من الإنصاف للثقافة الشعبية التي واجهت عبر هذا الوسيط عمليات تهميشها.

الكاسيت وأرشيف الظل منطلقان لكتابة تاريخ مصر الثمانيني

سيد محمود

 

في كتابه "إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر" يركز أندرو سايمون بصفة خاصة على تكنولوجيا الكاسيت التي أحدثت ثورة خلال السبعينيات والثمانينيات، تزامنت مع فترة حكم الرئيسين الراحلين أنور السادات (1970–1981) وحسني مبارك (1981–2011).

صدر الكتاب بترجمة بدر الرفاعي عن دار الشروق في القاهرة، وهو في الأصل رسالة دكتوراه نشرتها جامعة "ستانفورد"، ويقدم تاريخاً بانورامياً لتلك الفترة التي شهدت تحولات عميقة شملت انتقال مصر من نظام اشتراكية الدولة ومركزيتها إلى اقتصاد السوق والانفتاح الاقتصادي ونهج الخصخصة وتصفية القطاع العام، متسائلاً: كيف يمكننا إعادة تصور أمة ما من خلال تقنية يومية.

وينظر الكتاب في كيفية استخدام تكنولوجيا الكاسيت كنافذة تاريخية للحياة اليومية، ويقدم تاريخاً مضاداً للإنتاج الثقافي في مصر خلال ما يقارب نصف قرن، ويضع الأصوات التي ترعاها الدولة وتلك التي لا ترعاها في حوار مع بعضها بعضاً، فضلاً عن إدخال المؤدين والمنتجين التاريخيين ممن لا يتمتعون بسير ذاتية شاملة، أو آثار عامة، أو حضور طويل في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، بغرض الحصول على صورة دقيقة لثقافة مصر السمعية خلال تلك الحقبة أقرب إلى "تاريخ الوجدان". وينتهج المؤلف نهجاً مختلفاً في تناول التاريخ المصري المعاصر، أو "التاريخ القريب"، عبر دراسة ما يطلق عليه "أرشيفات الظل"، اعتماداً على مجموعة من المواد البصرية والنصية والسمعية الموجودة خارج الأرشيفات الرسمية، إضافة إلى استعمال الأفلام والمذكرات والصحف الأجنبية والتقارير القنصلية والصور الشخصية والأوراق الخاصة والمقابلات الشفوية.

تاريخ حي

وعلى خطى علماء الأنثروبولوجيا الذين استخدموا المقابلات الشفوية لكتابة تواريخ مبتكرة للشرق الأوسط، يسترشد المؤلف بالمؤرخين الذين استخدموا الطرق الإثنوغرافية للكشف عن صورة أكثر حيوية للماضي، ويلتقي مصادر بشرية متنوعة تضفي على الكتاب حيوية بالغة، تأتي من قدرته على تقديم نمط من السرد الاستقصائي المشوق، ليغدو كتابه أقرب إلى الدراسات الثقافية أو السرديات الصحافية الحيوية التي تتسم بثراء المصادر فضلاً عن تنوعها.

ويذكر استعمال مفهوم "أرشيف الظل" بمفهوم استعملته المؤرخة لوسي ريزوفا حول أرشيف سور الأزبكية في كتابها "عصر الأفندية"، بقصد الإشارة إلى الأرشيفات التي تُجمع من باعة الكتب وتجار الأوراق، وكلها مصادر تسهم في خلق أرشيفات بديلة تواجه عمليات التضييق والحظر المفروضة على الوثائق الرسمية. ويلفت سايمون إلى الإمكانات الكامنة للصحافة المصرية بوصفها مصدراً تاريخياً غير مدرك.

ويواصل المؤلف العمل على تنمية "أرشيفات الصوت"، وفي سبيل ذلك يشير إلى ما أنجزه المؤرخ المصري زياد فهمي بغرض الاستعانة بمنتجات تلك الأرشيفات واستعمالها مصدراً للتأريخ، إذ لم تعُد المصادر التقليدية شافية، من وجهة نظره، في الدراسات الأوسع للشرق الأوسط. ومن ثم يدعو إلى استكشاف واستنطاق المشهد الصوتي للماضي وتضاريسه.

ويواجه ادعاء بعضهم بأن "التاريخ الصوتي دخل المجال المعرفي بصورة مبهرة"، مؤكداً أن تاريخ الشرق الأوسط لا يزال على هامش هذه الأبحاث النامية، إذ جرى إهمال "الماضي الصوتي" للمنطقة تماماً، كما أغفل المؤرخون الصوت بوصفه موضعاً للتفاعل الجاد، وقدموا "روايات الماضي العازلة للصوت والخالية من المعنى"، بالتعبير الذي يستعمله المؤرخ زياد فهمي. بالتالي يفتح الكتاب مساراً جديداً لتناول "منعطف صوتي" يسهم في فهم التاريخ وكتابته بتصورات مختلفة.

زعزعة معايير السلطة

على مدى ستة فصول، تدور حول أفكار الاستهلاك والقانون والتذوق والتوزيع والتاريخ والأرشيفات، يضع الكتاب شرائط الكاسيت وأجهزة تشغيلها ومستخدميها المختلفين في حوار مباشر مع التطورات الثقافية والسياسية والاقتصادية الأوسع التي حدثت ما بين منتصف وأواخر القرن الـ20.

ويتتبع المؤلف دخول أجهزة الكاسيت مع المصريين الوافدين من الخارج في البداية، ثم تهريبها على نطاق واسع عبر منافذ الموانئ والمطارات المصرية، ويدرس توسع هذه الظاهرة بعد ظهور المنطقة الحرة في بورسعيد، لافتاً إلى أنه مع تنامي سياسة تشجيع الاستهلاك التي صاحبت سياسة الانفتاح تحولت أجهزة الكاسيت من كماليات إلى ضرورات جعلت الحياة اليومية أكثر متعة.

وبحسب الكتاب لم تكُن المشكلة في أجهزة الكاسيت بحد ذاتها، بل في الأشرطة ومحتواها الذي خضع لما يسمى "ديمقراطية الوسائط"، إذ أصبح بمقدور أيّ كان تسجيل ما يختار ووقت ما شاء، أو نسخ أي محتوى على هذه الأشرطة.

وهنا ظهرت مشكلة أخرى تتعلق بحقوق الأداء، وتنامت عمليات القرصنة وطاولت أعمال كبار الفنانين، لذلك سعت بعض المؤسسات والنقابات الفنية إلى التوصل لتشريعات للتصدي لـ"القرصنة"، وظهرت إدارات أمنية لمكافحة تزييف الأشرطة.

ويناقش المؤلف العلاقة الديناميكية المثيرة للاهتمام بين تقنية الكاسيت والتلوث الضوضائي خلال العقود الأخيرة من القرن الـ20، عندما انتقد النقاد المصريون الأشرطة الصوتية "المبتذلة" حصراً لتلويثها المشهد الصوتي في مصر. ثم ينتقل إلى السياق الثقافي الأكبر الذي تكشفت فيه هذه المناقشات، من خلال التدقيق في كيفية سعي مسؤولي الدولة إلى تشكيل مواطنين "مثقفين"، في وقت كانت تكنولوجيا الكاسيت ومستخدموها تزيد من تعقيد سيطرتهم على الإنتاج الثقافي. ويقوم كذلك بمسح وتحليل بعض محتويات تلك الأشرطة للوقوف على معايير تقيمها من الناحية الجمالية، مؤكداً أن المعضلة الكبرى التي واجهها النظام الرسمي تمثلت في وجود أصوات مؤثرة تنتج خارج المنظومة الرسمية.

ويبرز الكتاب الكيفية التي غيرت تكنولوجيا الكاسيت من خلالها المشهد الثقافي المستقر، بعد أن أصبح بمقدور أي شخص يمتلك جهاز تسجيل أن يتحول، بضغطة زر، من مجرد مستهلك ثقافي إلى منتج للثقافة، وهو الإجراء الذي صنع تهديداً لمركزية التحكم في المنتج الثقافي من جانب الدولة وأجهزتها الأيديولوجية، حتى قبل ظهور الإنترنت ومنصاته المفتوحة.

وأتاحت تلك الأشرطة الفرصة لأعداد كبيرة للتعبير عن الرأي، وقدمت رواية مضادة للروايات الرسمية عن كثير من المواقف، وأسهمت في إعادة كتابة التاريخ. واستمع الناس إلى ما اعتبرته السلطات الثقافية الرسمية أعمالاً "هابطة" و"مبتذلة"، بداية من المطرب الراحل أحمد عدوية مروراً بالراحل الشيخ إمام عيسى الذي جسد سياسات معارضة وعبر عنها وشجعها من خلال التعبير عن الناس العاديين والسخرية من القادة الأجانب وانتقاد حكام مصر، وواجه السلطات السياسية والقصص التي نسجتها، وبذلك وجد إمام جمهوراً يقظاً، وبصورة خاصة في اليسار المصري والعربي على نطاق أوسع، أولئك الذين بدأوا بإعادة تصور تاريخهم المتشابك، في وقت كانت الحركة الإسلامية تكتسب مزيداً من الأرض.

وقام الراحل بهذا الدور في ضوء حقيقة أنه لم يكُن لديه إمكان الوصول إلى المنصات الرسمية نفسها التي أتيحت لأقرانه. وعلى رغم أن إمام لم يصل إلى جمهور واسع على المستوى الوطني، فإنه فتح آفاقاً جديدة لإعادة تشكيل الروايات الوطنية.

ويؤمن الكتاب أن المعركة التي نتجت من تلك التحولات لم تكُن بين فن هابط وفن رفيع، أو حول الحفاظ على القيم الجمالية كما حاول حماة الثقافة والأخلاق تصويرها، بقدر ما كانت صراعاً حول من له حق صنع الثقافة والفن في مجتمع متغير، رسمت تفاصيله جانباً من تاريخ مصر.

اشتباك معمق

يبني المؤلف تصوراته استناداً إلى معرفته العميقة بالواقع المصري، فقد حظي خلال فترة تكوينه الأكاديمي بتأهيل جيد مكنه من إجادة اللغة العربية الفصحى والعامية المصرية التي يتحدثها بكفاءة، وشارك سايمون في زمالة لمدة عام بمركز الدراسات العربية بالخارج في مصر، وشهد خلال فترة إقامته في القاهرة أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 التي انتهت بسقوط حسني مبارك.

 

عن (اندنبدنت) عربية