الحياة على حافة زلزال
أعيشُ على حافّة شِقّ الزلازل المسمّى:
أخدود القدّيس أندرياس...
يا لهُ من قدّيس!
يتخاطَفُ، بين آونةٍ وأخرى
تحتَ أساساتِ بيتي
فيرتَجُّ لهُ
البيتُ.
بيتي،
عبر خلفيّات الحديقة
صغيرٌ، على وقْعِ تلّة الانحدارات
نحو البحر.
ذاتَ يوم سأقولُ لأمواجه:
سوف أطفو فيكَ على قُفَّتي أيها المحيط الهادي
وبضعة من كتُبي المفضّلة
مَحمولةٌ على ظهري
عائداً من جديد إلى قصة الطوفان!
أنا من يَشقى
ليوحِّدَ الشقّين، في أحلامه
بين الزلازلِ والسكينة.
بعمودي الفقَريّ إن لزمَ الأمور، أُسندُ
انزياحةَ التشَقّق الأرضيّ الذي ستشاؤهُ الطبيعة.
أو تتهجّاهُ ألواح المصير.
كنتُ أمشي، في الأماسي، وبيتي
يتكدّر من الأنباء
والتوقُّعات
والتوجّسات والنذائر
تكاد حجارتهُ أن تشيخ في وجه
الانهيارات المقبلة.
كنتُ أمشي لأنظرَ إلى
المشهد التالي، وأشهدَ للغرابة.
عندما جئتُ إلى هذا المكان
كنتُ أحلم بأنّ كلّ شيء في انتظاري:
الطبيعة بكلّ بهائها، رفوفٌ عَلتْها كتُبي.
أسماءُ حيّةٌ تجتاحني. ذلك المعنى
الذي سأقولهُ، أنا
وحدي.
هكذا فكّرت، أنا البريء
الأكثرُ خضرةً من أعشاب والت ويتمان
في حديقة السذاجة.
كان ذلك منذُ وقتٍ سحيق
مَرّ في رمشة عين. واليومَ أعرفُ
أنني حقاً أعيشُ على
حافّةِ زلزال.
رسام الأهوار
في حُلمهِ صرخةُ الحصان على أسوار غيرنيكا
عينه المذعورة تفّاحةٌ رازَها البرقُ.
في حلمه عينا المرأة الباكية
في "نصب الحريّة" لجواد سليم.
وهو يُفضّلُ فتاة سلفادور دالي إذ تسلخُ فَروةَ البحر
عن رمال الشاطئ كأنها منديل
على زرافاته البلهاء المتراصفة حتى آخر الأفق
تتدلى من صدورها أدراجٌ مليئة
بألسنة اللهب...
في الحلم أو في اليقظة
في ساعات طوافه بين المكاتب
بسطلٍ وممسحةٍ، يُلمّعُ البلاطات وهو يُغنّي
أبوذيّةً حزينة، في بنوك تطنُّ بوحشة ليل التجارة
مطّلاً أحياناً من شرفةٍ ما في مدينةٍ ما
(مدريد، لندن الرطبة كمُخاط بزّاقة
ديسَتْ تحت القدم، أو ربّما باريس)
حالماً من يدري بماذا
من يدري بمَن، قبلَ أن
يعودَ ثانيةً
إلى مهمّة التنظيف
بوجوم من يدري
أنه أبداً لن يعود الى الأهوار.
وكلّما قرأ الأخبار
(جاء في الأخبار أن طيوراً معيّنة في جزر الهبريدس باسكتلندا اعتادت ان تهاجر في الشتاء الى منطقة الأهوار في جنوب العراق منذ آلاف السنين، وجدت منذ بضع سنوات أن الأهوار التي كانت تشتّي فيها، لم يعد لها وجود، فتشردّت وضاعت ولا أحد يعلم مصيرها).
كلّما ردموا هوراً، كلّما أحرقوا خريطةً
وأزالوا عالماً من الوجود، بدأ يرسمُ محموماً
لوحةً جديدةً تستلهمُ الأهوار:
كلَّ جُرّيٍّ، جاموسةٍ، غُراب
كل شبكةٍ مفرودة للصيد في الريح
كل مشحوفٍ طافٍ كالمهد أو التابوت
على بحرٍ من الغِرْيَن، في غرفته ذات الكوّة الوحيدة
كزنزانة ناسك، حيث يرسم الأهوار
عندما يصطاد أهلها وقوفاً في المشاحيف
بالفالة أو بالشِباك
في الشمس، أو على ضوء الفوانيس.
الملاك الحجري
حتى ذلك اليوم الذي لن أعودَ فيه
إلى قصدير الأيام المحترقة، والفأس المرفوعة
في يد الريح، أجمعُ نفسي، بكلّ خِرَق الأيام ونكباتها، تحتَ
سقفِ هذا الملاك الحجري.
هذا الحاضرُ المجَنَّح كبيتٍ يشبهُ قلبَ أبي
عندما سحَبتهُ المنيّة من رسغه المقيَّد إلى جناح الملاك
في تـُراب الملكوت.
حتى ذلك اليوم، عندما يصعدُ العالمُ في صوتي
بصهيل ألف حصان، وأرى بوّابة الأرض مفتوحةً أمامي
حتى ذلك اليوم الذي لن أعودَ فيه
مثلَ حصان مُتعَب إلى نفسي، هذا الملاكُ الحجريّ:
سمائي، وسقفي.
سقط الرجل*
في وسط الساحة
سقط الرجلُ على ركبتيه.
– هل كان متعَباً إلى حدّ
أن فقدَ القُدرة على الوقوف؟
– هل وصلَ إلى ذلك السَـدّ
حيثُ تتكسّر موجةُ العمر النافقة؟
– هل قضى عليه الحزن بمطرقةٍ يا تـُرى؟
هل كان إعصارُ الألم؟
– ربّما كانت فاجعة لا يطيقُ على تحمّلها أحد.
– ربّما كانَ ملاكُ الرحمة
جاء ببلطته الريشيّة عندما حانَ له أن يجيء.
– ربّما كان اللّـه أو الشيطان.
في وسط الساحة
سقطَ الرجلُ فجأةً مثلَ حصان
حصدوا رُكبتيه بمنْجَـل.
تحولات الرجل العادي
أنا في النهار رجل عادي
يؤدي واجباته العادية دون أن يشتكي
كأي خروف في القطيع لكنني في الليل
نسر يعتلي الهضبة
وفريستي ترتاح تحت مخالبي
*
حمامة مسافرة.. إليك
لك كل الدفء،
‘هذه الساعة التي ستدنينا
أو تفرقنا، أو تذكرنا بأن ليلتنا هذه
قد تكون الأخيرة، وتعرف أنها خسارة أخرى
سيعتاد عليها القلب مع الوقت’
فالوقت ذلك المبضع
في يد جراح مخبول سيعلمنا ألا ننخدع
بوهم الثبات:
‘أقل مما يكفي، أكثر مما نحتاج’.
أقل مما يكفي هذا الأرث الفائض من مكمنه
في صيحة الحب الأولى
أولى في كل مرة.
أكثر مما نحتاج طعم الرغبة هذا
كما لم نذقه من قبل
لم نذقه من قبل
*من ديوان: عظمة أخرى لكلب القبيلة
سركون بولص شاعر عراقي من مواليد سنة 1944م ، في بلدة الحبانية بالعراق، انتقل في سن الثالثة عشر الى كركوك، وبدء كتابة الشعر وشكل مع مجموعه من الشعراء "جماعة كركوك"، نشرت له في 1961 بعض القصائد عن طريق يوسف الخال.. ثم عادر الى بيروت قاصداً المكتبة الأمريكية، ليعد ملفات عن الشعراء المفضلين لديه.. أسهم برفد المكتبة العربية بترجمات مهمة وأمينة لشعراء كثر ونشرتها بعض المجلات العربية.. أصدر مجموعته الشعرية الأولى عام 1985م وهو في الحادية والأربعين من عمره، وكان عنوانها "الوصول إلى مدينة أين" أعقب الشاعر تلك المجموعة الأولى بثلاث مجموعات صدرت متتالية، وضمت قصائده التي توالت خلال سنوات. . توفي في برلين بعد صراع طويل مع مرض السرطان عام 2007م.