الترقب وحبس الأنفاس
الصورة الشعبية في قطاع غزة بعد التوقيع على خطة ترامب لوقف العدوان الإسرائيلي عليها، تختلف كلياً عن الصورة التي سادت خلال عامين كاملين من العدوان والقصف والغارات الحربية الكثيفة المتواصلة، التي خلفت ما يزيد عن 250 ألف شهيد وجريحٍ، وأكثر من مليوني نازحٍ ولاجئٍ، نزح أغلبهم من مناطقهم الأصلية، ومن المناطق الجديدة التي لجأوا إليها أكثر من مرةٍ، مما زاد في معاناتهم، وفاقم مأساتهم، وضاعف آلامهم، وعرضهم لمخاطر كبيرة خلال محاولاتهم البحث عن ملاذاتٍ آمنة وملاجئ محمية، إلا أن هذه ولا تلك لم تحمهم من الغارات الإسرائيلية، وعمليات القصف وتفجير الروبوتات المسيرة المفخخة.
ما بعد الحرب المدمرة يختلف كلياً عما قبلها، ولا يشبهها في شيء رغم مشاهد الدمار والخراب على امتداد القطاع، بغض النظر عن بعض الخروقات المتعمدة التي جرت، والتي ستجري حتماً، بالنظر إلى طبيعة العدو الإسرائيلي الخبيث المكار، وطبيعة نتنياهو الكذاب المراوغ، المصر على مواصلة العدوان واستمرار الحرب، واستخدامها في معاركه الداخلية، وتوظيفها لصالحه في معركته الانتخابية التي باتت قريبة، والتي يخشى أن تجرده من مجده الكاذب، ومن انتصاره الزائف، وأن يساق بعدها مداناً إلى المحكمة التي طال مثوله أمامها دون حكمٍ بسبب الحرب، وإرجاءٍ بدعوى المسؤولية والمهام وإدارة الحرب وشؤون البلاد.
جاء الإعلان عن دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بعد أكثر من 24 ساعة من التوقيع على الوثيقة الدولية، التي رعاها وأشرف عليها الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب، والمصري عبد الفتاح السياسي، في مدينة شرم الشيخ الساحلية السياحية بمصر، وحضرها وشارك فيها أكثر من عشرين ملكاً ورئيساً ورؤساء حكومات ووزراء خارجية، وقد حبس الفلسطينيون في قطاع غزة أنفاسهم وهم يتابعون الأخبار المتعلقة بجلسة الحكومة الإسرائيلية، التي أرجئت أكثر من مرةٍ قبل المصادقة على خطة ترامب والموافقة عليها، والإعلان رسمياً عن دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، إلا أن الغارات الحربية، وعمليات القنص والقتل لم تتوقف خلال مدة ألــــ 24 ساعة، التي فصلت بين التوقيع الدولي والالتزام الإسرائيلي.
التزم المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة أماكنهم في العراء وتحت الشمس، وفي الخيام البالية والتخشيبات المتصدعة، وفي بقايا البيوت التي ما زالت بعض جدرانها قائمة، وسقوفها موجودة، واجتمع كثيرٌ منهم أمام بوابات المستشفيات القليلة المتبقية، يتابعون الأخبار، وينتظرون مصادقة حكومة الكيان، والقلق يساورهم من انقلاب العدو وعدم التزامه، إذ أنها طبيعته وجبلته، والخشية لا تفارقهم من تهديدات بن غفير وسموتريتش ونتنياهو ووزير حربه كاتس، الذين يرفضون إيقاف الحرب، ويصرون على مواصلتها، ويدعون جيشهم إلى استخدام القوة المفرطة وأثقل الأسلحة في الغارات على السكان الفلسطينيين.
تصاعدت الخشية الفلسطينية من غدر العدو في الساعات، بل في الدقائق الأخيرة، التي تسبق دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وتعالت الأصوات بضرورة أخذ الحيطة والحذر، وعدم التسرع والعجلة بالخروج إلى الشوارع، والتظاهر فرحاً بانتهاء الحرب وتوقف العدوان.
ولعل المقاومة الفلسطينية بكل تشكيلاتها، قد امتنعت نتيجةً لخبرتها السابقة وتجاربها الكثيرة، عن الظهور في الشوارع، والحركة العامة بين الناس، حتى يتم التأكد من دخول وقف إطلاق النار حيزه رسمياً، وثبات الهدنة والتزام جيش العدو بها، فهذا العدو لا ينفك يغدر، ولا يزال يجمع المعلومات ويجدد بنك أهدافه حتى اللحظات الأخيرة، وهو غالباً يستفيد من هذه الأجواء في تحديث بياناته، وتجديد معلوماته، انتظاراً لأي فرصةٍ ينكث فيها عهده، وينقض فيها وعده، وينقلب على كل الاتفاقيات والمعاهدات.
لعل هذه هي بعض المشاهد والصور التي سبقت مصادقة حكومة العدو على الخطة، وهي صور اتسمت بالخوف والقلق، والحيطة والحذر، والترقب والخشية، ولكن الصور المشاهد التي تلتها كانت كثيرة وعديدة، لكنها كانت مختلفة ومغايرة، ولافتةً ومميزةً، وهي التي سنسلط الضوء عليها قليلاً في المقالات التالية.
تأهيل الشوارع وتعبيد الطرق واستعادة الحياة
لم يضيع مواطنو قطاع غزة وقتهم، ولم يتأخروا ساعةً عن العودة إلى مناطقهم، وبعث الحياة في قطاعهم المدمر من جديد، فما إن دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وربما قبل ذلك بساعاتٍ، حتى تدافع عشرات آلاف المواطنين عبر شارع الرشيد الساحلي، للعودة إلى مدينة غزة ومناطق الشمال التي أجبروا على النزوح منها، وتركوا بيوتهم فيها مكرهين بعد الحملة العسكرية الجديدة على مدينة غزة.
وتشير احصائيات غير رسمية، أن أعداد العائدين إلى غزة والشمال تزيد عن نصف مليون مواطن، فضلاً عن مئات آلافٍ آخرين بقوا في مناطقهم ولم يخرجوا منها، وقد نجح العائدون في الوصول إلى مناطقهم، مشياً على الأقدام، أو على العربات التي تجرها الحيوانات، ومن أسعفه الحظ وكان قادراً، فقد عاد بالسيارة إلى مدينة غزة وشمالها، وقد استغرقت عودتهم جميعاً ساعاتٍ طويلة، بالنظر إلى المخاطر التي كانت تعترضهم، وتهديد جيش العدو باستهدافهم وإطلاق النار عليهم، وفعلاً قام بقتل العشرات منهم خلال رحلة العودة.
لم ينتظر العائدون إلى بيوتهم ومناطقهم المساعدات الحكومية غير المتوفرة، بالنظر إلى قلة الإمكانيات نتيجة تدمير العدو لها، وكثرة المهام الموكلة بها، والتي تعجز عن القيام بها، ولا المساعدات الدولية الممنوعة بقرارٍ إسرائيلي وعجزٍ عربي ودولي، فبادروا بأنفسهم رغم الحزن الذي يكسو وجوههم، والألم الذي يدمي قلوبهم، والفقد الذي يكسر ظهورهم، إلى إزاحة الركام حول بيوتهم المدمرة، ونصب خيامٍ بسيطةٍ فوقها، علها تسترهم عند نومهم، وتقيهم برد الشتاء القادم، وتحميهم من الأمطار المرتقبة، وتنقذهم من غول غلاء استئجار بضعة أمتارٍ من الأرض في مناطق النزوح لنصب خيامهم فيها.
تعاون الجميع في إعادة الحياة إلى البيوت المدمرة، وتسوية الشوارع المخربة، وإزالة الركام من الطرق العامة، وتلك التي في الحواري والأحياء وبين البيوت والمنازل، لتيسير الوصول إلى مناطقهم، واشترك في تهيئة الأماكن وجمع ما بقي من حاجياتهم تحت الركام، الأطفال والنساء والشيوخ، إلى جانب الرجال والشبان، الذين تعهدوا المهام الصعبة والأعباء الثقيلة، فكانوا كخلايا النحل يعملون بدأبٍ وأمل، فالعودة إلى الديار عزيزة، والسكن في البيوت كرامة، والجلوس على أطلال المنازل وبقايا الحواري والأحياء سعادة، ولعل الفرحة التي كست الوجوه، والدموع التي ملأت المآقي والعيون، كانت دليلاً على الفرح والسعادة، رغم أن بعض سكان البيوت لن يعودوا إليها، وبعضهم ما زال مدفوناً تحت ركامها.
تعالت أصوات بعض السكان، تحدو الناس وتشجعهم، وترفع عقيرتها بالأناشيد والأهازيج، وتنادي عليهم وتتقدمهم، وتحثهم على العمل لإعادة إعمار مناطقهم، وبث الحياة فيها رغم أنف عدوهم، الذي دمرها وخربها وعاث فيها فساداً، إلا أن فرحة العودة إليها كانت أكبر، ولم يغب الأطفال عن المشهد، بل لعلهم كانوا أكثر الفرحين، وأشد المتحمسين، فتراهم يقفزون فوق الركام، ويعتلون ما بقي من الأسطح، ويحاولون التشبه بالكبار، والمساعدة في إزاحة الركام، وغيرهم يحمل الماء إلى أهله والعاملين، ويحاول المساهمة وتقديم شيء، وكأن العمل في هذا المكان شرف، والمنافسة فيه رفعة.
لم ينس العائدون إلى مناطقهم إعمار مساجدهم، وتهيئة مكانٍ لأداء الصلاة فيه جماعةً، والعودة إلى صلاة الجمعة التي حرموا منها طويلاً، ومنعوا من أدائها عامين كاملين إلا ما نذر وفي بعض المناطق لا في كلها، ولعل الفلسطينيون يعلمون أن المساجد تكيد العدو وتغيظه، ولهذا قصفها ودمرها، وأراد إزالتها وتعمد شطبها، فكانت هم العائدين الأول ومهمتهم المشتركة، فالمسجد هوية وعنوان، وهو رسالة ومنهج، وهو مدرسة وجامعة، ومنارة وهداية، ولعل سكان غزة يعيدون بناء كل المساجد التي دمرت وهدمت، ويستعيدون مسجدهم العمري العريق والهاشمي العزيز، وأكابر مساجدهم وأشهرها.
لن يتوقف الفلسطينيون عن العمل، ولن يفقدوا الأمل، ولن يمنعهم أحدٌ من إعادة تجذرهم في أرضهم وبقائهم فيها، فهم لن يخرجوا منها، ولن يتخلوا عنها، ولن يسمحوا للعدو باقتلاعهم منها، وهي التي رووها بدمائهم، وفيها يسكن عشرات الآلاف من شهدائهم، وفيها ذكرياتهم وحصاد أعمارهم، لهذا فإنهم سيعيدون إعمارها، وسيستعيدون ألقها، وسيرسمون وحدهم غدها، وسيقررون بأنفسهم مستقبلها، وسيعود قطاعهم أجمل مما كان، وسيندم عدوهم وسيموت من غيظه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.
سمعة الكيان وصورته تتردى وحاضنته الدولية تتشظى
يحاول العدو الإسرائيلي استعادة الصورة التي اغتر بها وتغطرس في اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى، عندما تداعى قادة وزعماء دول العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ورئيس الحكومة البريطانية والرئيس الفرنسي، وعشرات المسؤولين والرؤساء، الذين هبوا للتضامن معه، وغطوا حربه على قطاع غزة، وأيدوا رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، ودعموا حربه المفتوحة المسعورة، وزودوه بكل ما يحتاج إليه من عتادٍ وسلاحٍ وصواريخ وذخائر، وأيدوه في المحافل الدولية، ودافعوا عنه من أعلى المنابر السياسية والإعلامية، واستخدموا لصالحه حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي مراتٍ عديدة، وأيدوا استمرار الحرب ومواصلة القتال حتى تحقيق الأهداف الإسرائيلية التي تبنوها.
لكن صورة التضامن الدولي قد تبددت، وحجم التأييد الشعبي للكيان قد تشتت، وذريعة المشروعية الدولية قد سقطت، ودعوى المظلومية قد انهارت، ولم تعد دولة تؤيده وتسانده، وتقف إلى جانبه وتساعده، بل باتت تشعر بالخزي من دعمه، والعار من الدفاع عنه، وتنأى بنفسها عن سياسته، وتعلن البراءة من جرائمه، وانفضت من حوله رسمياً الدول والحكومات، وتخلت عنه وابتعدت، واستنكرت حربه ودعت إلى وقف عدوانه، وانتقدت سياسته وسعت إلى عزله دولياً، وهو مشهدٌ دوليٌ لم يشهد الكيان مثله منذ أن تأسس، ولم يكن يتوقع أن يأتي يومٌ يكون فيه منبوذاً سياسياً ومكروهاً شعبياً.
لكن الجانب الأسوأ الذي يعاني منه الكيان الصهيوني اليوم، وإن انتهت الحرب وتوقف القتال، وفرضت خطة ترامب للسلام عليه بالقوة، هو الانفضاض الشعبي العالمي، وتراجع التأييد له في صفوف الأجيال الشابة الأمريكية والأوروبية، إذ تشير استطلاعات للرأي أن أكثر من 56% ممن هم دون ألـــ 45 سنة في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا باتوا ينتقدون السياسة الإسرائيلية ويتظاهرون ضدها، ويؤيدون القضية الفلسطينية ويقفون إلى جانب غزة وأهلها.
ولعل فوز الشاب المسلم اليساري زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك هو الإشارة الأوضح لمدى التراجع الشعبي الأمريكي في تأييده التاريخي للكيان الصهيوني، خاصةً في هذه المدينة الأمريكية الأولى، عاصمة الاقتصاد، ومدينة كبار رجال الأعمال المؤيدين للكيان، والمدينة التي تضم أكبر تجمع يهودي في العالم بعد فلسطين المحتلة، التي انتخبت بأصواتٍ يهودية أيضاً شاباً مسلماً يعارض سياسة رئيس بلاده دونالد ترامب، ولا يخفي تضامنه مع الفلسطينيين وتنديده بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بل وإعلانه الصريح خلال حملته الانتخابية عن عزمه في حال فوزه بمنصب عمدة نيويورك، اعتقال رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في حال دخوله نيويورك.
لا يبدو أن الأوضاع ستعود كما كانت ذهبية وردية حالمة مع الكيان الصهيوني، فالزمن "الجميل" الذي تمتع به لسنواتٍ منذ تأسيسه قد وَلَّى ولا أظنه سيعود كما كان، وهذا ما يدركه الإسرائيليون أنفسهم، الذين باتوا يتوارون عن الأنظار، ويبتعدون عن الأضواء، ويخفون هويتهم ولا يظهرون جنسيتهم، ويمتنعون عن الحديث أمام العامة باللغة العبرية، وهم الذين كانوا يفاخرون بجنسيتهم، ويتعالون بديانتهم، ويتمايزون بساميتهم، ويفرضون على دول العالم "أتاواتٍ" تكفيراً عن دورهم في "الهولوكوست"، ويجبرونهم على تلاوة أسفار التوبة والندامة، ويحملون الأجيال القادمة أثماناً هم براء منها وفي غنى عنها.
أمام هذه الحقيقة الدامغة، التي تثبتها الوقائع، وتظهرها الأحداث التي باتت تتكرر في مختلف المناسبات، كالملاعب الرياضية التي يطرد منها الرياضيون الإسرائيليون، ويسقط على الأرض علم كيانهم، ويستبدل بالعلم الفلسطيني الذي أصبح يرفرف في سماء الملاعب الدولية، وكذلك الحال في المحافل العلمية والثقافية والفنية، حيث يطرد الإسرائيلي منها ويحرم من المشاركة، فضلاً عن الملاحقات الجنائية الدولية لعددٍ كبيرٍ من جنود جيش كيانهم وضباطه، الذين باتوا يخشون السفر، ويعودون إلى الكيان تهريباً بأسماء وهمية وجنسياتٍ أجنبية.
إزاء هذه المستجدات والوقائع عمدت حكومة العدو عبر وزارة الخارجية وغيرها، إلى التعاقد مع كبرى الشركات الدولية المعنية بالترويج وإعادة رسم الصورة، وخلق محتوى إيجابي جديد، وشركات التواصل الاجتماعي مثل التظوك توك والفيسبوك وتويتر (X) وتليجرام وإنستاجرام ويوتيوب وغيرها، لبث صور جديدة عن الكيان الصهيوني، تظهر مظلوميته، وتشرع عدوانه، وتبرز ما تعرض له مستوطنوه، وتعيد نشر صور السابع من أكتوبر2023، وتسلط الضوء على ما قامت به كتائب عز الدين القسام، وقوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ولخلق رأي عامٍ جديد يؤيد سياستهم ويتفهم ما قام به جيشهم، ويدين الفلسطينيين وينتقد ما قامت به مقاومتهم،
الإسرائيليون يسخرون من نتنياهو وذوو الأسرى يتوعدونه
يظن نتنياهو أنه نجح في خداع مستوطنيه، وأن حججه قد انطلت عليهم وأسكتتهم، وأنهم رضوا عنه وقد أرضاهم، وأنهم سكتوا عنه وقد أعاد إليهم أبناءهم، وأنه استطاع بخطاباته المتكررة وإطلالاته الإعلامية المقصودة أن يقنعهم أنه من حرر الأسرى واستعادهم، وأنه من أجبر حركة حماس وقوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على التخلي عنهم وتسليمهم، وأنه بذلك يكون قد حقق أحد أهم شروط حربه على غزة، واستعاد الأسرى جميعاً كما وعد وتعهد، وأنه لولا الضغط العسكري ومواصلة الحرب، وعدم الإنصات للضغوط الدولية والاحتجاجات الشعبية والاستجابة لها، لما كانت حماس لتقبل بتسليم الأسرى وإعادة رفاة الجنود القتلى، والالتزام بالمهلة الزمنية المحددة لهم ضمن المرحلة الأولى من خطة السلام.
المستوطنون الإسرائيليون يعلمون أن رئيس حكومة كيانهم يعلم نفسه أنه كاذب، وهم يعلمون أنه كاذبٌ ومستمرٌ في كذبه، وهو ليس غبياً ليظن أنه حقق هدف الحرب بالضغط العسكري، ولعله أكثر من يعلم أنه فشل في تحقيق أيٍ من أهدافه التي أعلن عنها وتشدق بها، إذ أظهرت الوقائع أن عدداً من رفاة جنوده كانت تحت أقدام جنود جيشه وهم لا يعلمون، وأن بعض الأسرى كانوا قريباً منهم، وفي أنفاقٍ دخلوها، ومناطق احتلوها، ورغم ذلك لم يكتشفوا أمرهم، ولم يتبادر إلى أذهانهم أن أحدهم لو نظر إلى قدميه لرآهم، ولكن الله عز وجل أعمى بصيرته وبصيرتهم، وأضلهم وأضل أعمالهم، وأخزاهم وكشف عورتهم وأظهر سوءتهم، وبين عجزهم وضعف حيلتهم، وأحرجهم أمام شعبهم وعائلات الأسرى.
أضحى نتنياهو الكذاب الأشر، المحتال المكار، الغارق في أوحاله والضائع في مهامه، المتهم بالفساد والملاحق بالمحاكمة، والعاجز عن تحقيق النصر واستعادة القوة والهيبة، مثار سخرية الإعلام الإسرائيلي وتهكم الإعلاميين، ومحل استهزاء المستوطنين ومادة نكاتهم المستفزة وتعليقاتهم اللاذعة، وقد تجرأوا عليه وتجاوزوا حصانته، ولم تمنعهم مكانته أو تخيفهم سلطته، فكانوا لا يترددون في انتقاده وتوجيه اللوم له، وتحميله المسؤولية واتهامه بالتقصير، ولا يخفون استخفافهم به وسخريتهم منه، وهو يحاول إقناعهم بحركة جسده قبل لسانه، أنه البطل المحرر والقائد الصادق، وذهب بعض الإعلاميين والمستوطنين إلى تصويره كفأرٍ وقع في مصيدة، يتخبط يميناً ويساراً ويحاول الخروج منها بلا جدوى، والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية يجد العجب فيها، مما يغيض نتنياهو وفريقه، إذ أن أغلبها مشاركات تهكمية لاذعة.
يعرف المستوطنون الإسرائيليون جميعاً، والحكومة والجيش والإعلام الإسرائيلي، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤهم في العالم، أن نتنياهو لم يستعد بالقوة العسكرية ومن الميدان في قطاع غزة سوى ستة جنودٍ، وقد استطاع تحريرهم بعد أن دك جيشه المناطق التي كانوا فيها بآلاف الأطنان من المتفجرات، ودمر مبانيها وقتل المئات من سكانها، وأجبرهم على النزوح منها والرحيل عنها، ورغم ذلك فإن من استعادهم كانوا آحاداً، ومن قتلهم كانوا عشراتٍ، وأن من عاد منهم خلال السنتين قد عاد بالمفاوضات وبجهود الوسطاء، الذين استطاعوا بالسياسة والصفقات، مبادلة الأسرى الإسرائيليين بأسرى فلسطينيين ووقف الحرب لأيام معدودات، ولولا الوسطاء والجهود الكبيرة التي بذلوها ما عاد منهم أحد.
وقد كان للصفقة الأخيرة التي أبرمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضمن خطة السلام التي اقترحها بين العدو الإسرائيلي والفلسطينيين، الدور الأكبر في فضح نتنياهو وإظهار عجزه وبؤسه، إذ يعود للرئيس الأمريكي وحده الفضل في استعادة الأسرى الإسرائيليين وتحريرهم، واستعادة رفاة الجنود ودفنهم، وهو الذي سمع صرخات ذويهم، وأصغى إلى دعواتهم له بالتدخل، وأرسل مندوبه ستيف ويتكوف للقائهم أكثر من مرة، وسمع منهم أنهم لا يأملون في نتنياهو ولا يصدقونه، ولا يعولون على جهوده ولا يؤمنون بوعوده، بل إنهم يحملونه المسؤولية الأولى عن مقتل أبنائهم وتعذر الإفراج عن الأحياء منهم.
لا يكتف المسؤولون الإسرائيليون، السياسيون والعسكريون والأمنيون والإعلاميون وغيرهم، سواء ممن هم في المعارضة السياسية، أو من المتقاعدين الأمنيين والعسكريين، باتهام الحكومة بالعجز والتقصير، وأنها لم تبذل جهداً في استعادة الأسرى الذين عادوا رغماً عنها، بل إنهم يحملونها المسؤولية الكاملة عن مقتل عشرات الأسرى الإسرائيليين، وأن الجيش كان يتعمد قصف المناطق التي كانوا يحتجزون فيها، ولا يمتنع عن مهاجمة أماكن وأهداف كان من الممكن أن يكون الأسرى فيها، وذهب بعضهم إلى اتهام نتنياهو بسعيه لقتلهم والتخلص منهم، ليفلت من المحاسبة، وليطلق يد جيشه وطائراته في الغارات والقصف والتدمير، ولمواصلة الحرب بلا حدود ولا غايات، وبلا أهداف أو نهايات.
يعرف الإسرائيليون وقد استعادوا أسراهم من غزة أحياءً وأمواتاً أنه ليس لنتنياهو فضل فيها سوى أنه كان سبباً في تأخير عودتهم، وأنه يتحمل وحده وحكومته مسؤولية مقتل بعضهم، وهو ما كان يتمنى للمفاوضات أن تنجح وللجهود الدولية أن تستمر، ولخطة ترامب أن تمضي، بل لو ترك الخيار له فإنه كان سيعطلها وسيفشلها ككل مرةٍ سبقت.
وهو الآن بات يعلم أن وقت الحساب قد اقترب، وأن ساعة المساءلة قد أزفت، وأن صناديق الانتخابات ستحاسب، وأصوات مستوطنيه لن تصب في صالحه، وأن أي انتخاباتٍ برلمانية قادمة، مبكرة أو في وقتها، فإنها لن تفضي إلى عودته، ولن تكون نتائجها لصالحه، وهي إن لم تخرجه فإنها ستضعفه، وستقصي أغلب حلفائه، وستعاقب كل شركائه، ولن يعود لأغلبهم مكانٌ تحت قبة الكنيست الإسرائيلية.
استحقاقات ما بعد انتهاء الحرب ترعب الإسرائيليين وتقلق حلفاءهم
ما إن تم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وبداية مسار إنهاء الحرب الإسرائيلية الغاشمة عليها، وإن كان رئيس حكومة الاحتلال يحاول التلفت منها والانقلاب عليها وعدم الالتزام بها، إلا أن أغلب المؤشرات تؤكد إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمجتمع الدولي على إنهائها، وإكراه نتنياهو على القبول بها وعدم تهديدها، حتى أدرك الإسرائيليون، مسؤولين ومستوطنين، سياسيين وعسكريين، أمنيين وإعلاميين، أن مرحلة الحرب قد انتهت، وأن يد نتنياهو في قطاع غزة قد كفت، وأنه لن يستطيع أن يواصل حربه ولا أن يبرر عدوانه، وأنه سيكون مضطراً للالتزام بخطة ترامب للسلام، وإن كان يعمل على تغييرها لصالح كيانه، والمماطلة في تنفيذ بعض بنودها لتجييرها لصالحه، وتأخيرها قدر المستطاع للسماح ببعض التغييرات التي قد تخدمه.
يدرك الإسرائيليون أن اليوم التالي المتعلق بهم قد بدأ، وأن تداعياته قد استحقت، وأنه بات عليهم لزاماً أن يواجهوا نتاج ما اقترفت أيديهم على مدى سنتين وأكثر في قطاع غزة، الذي خاضوا ضده حرباً وحشيةً لا تمت للإنسانية بصلةٍ، شوهت صورة كيانهم الكاذبة لدى دول العالم كله، وأظهرت حقيقته العنصرية، وصورته العدوانية الوحشية، وأخرجته من دائرة الحضارة والمدنية والديمقراطية التي يدعي انتسابه إليها وتميزه بها، وأحرجت حلفاءه في أوروبا وغيرها، وأضرت بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعمه وتؤيده وتسانده، وتقف معه وتؤازره، إلا أن استمرار الحرب على غزة هددت المصالح الأمريكية وجعلت منها صورة مشابهة للكيان ومتساوقة معه، تتحمل كامل المسؤولية عنه وعن تصرفاته، وتشاركه في حربه وعدوانه.
اليوم أصبح الإسرائيليون، حكومةً ومستوطنين، في مواجهة دول العالم القريبة والبعيدة، الصديقة والحليفة، العربية والإسلامية، والغربية واللاتينية، فعلاقاتها مع أغلب هذه الدول قد تغيرت وتأثرت، ولم تعد كما كانت قبل الحرب، فبعضها ينتقدها علناً ومن أعلى المنابر السياسية والدولية، وبعضها قطع علاقاته الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها معها، وطالب بمقاطعتها وعدم مشاركتها أو إشراكها في مختلف الفعاليات الدولية، وبعضها يطالب بملاحقة مسؤوليها ومحاسبة قادتها، واعتقال جنودها وضباطها الذين ثبت تورطهم في الحرب، وارتكابهم جرائم وفظائع بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
بات على الإسرائيليين اليوم أن يفكروا جيداً قبل التفكير في التخطيط لرحلاتهم، وعليهم أن يدرسوا جيداً خياراتهم، والمطارات التي تحظ فيها طائراتهم، بل والأجواء التي تعبر فيها، فالأمر لم يعد سهلاً كما كان، وصورتهم التي خدعوا العالم بها سنين طويلة قد انكشفت، حتى أنهم باتوا يخفون هوياتهم، ولا يظهرون جنسيتهم الإسرائيلية، ويتمسكون بجنسياتهم الأخرى، حتى أنهم في المطارات وفي رحلاتهم على متن الطائرات، وفي الأسواق والأماكن السياحية، باتوا لا يتحدثون اللغة العبرية فيما بينهم، وأخذوا يتخلصون من إشاراتهم وعلاماتهم التي تميزهم، فلا قلنسوة يعتمرونها، ولا سوالف يطيلونها، ولا "نجمة داوود" يعلقونها، ولا شيء يدل عليهم يبرزونه علناً أمام الآخرين، وقد باتوا على يقينٍ بأن كل العيون ترقبهم، وكل النفوس تكرههم، وكل القلوب حاقدة عليهم.
كما أصبح من العسير عليهم أن يبددوا التأييد العالمي للقضية الفلسطينية، والتضامن الدولي والشعبي مع الشعب الفلسطيني، الذي بات الانحياز إليه كرامة وإنسانية ونبل وشرف، وغير ذلك خسة ونذالة واختلال معايير وقلة أدب، ولعل المظاهرات الشعبية التي ملأت شوارع عواصم القرار الدولية، فضلاً عن عواصم دول العالم كلها، التي كان العلم الفلسطيني فيها يرفع، وفي سمائها يرفرف، والكوفية الفلسطينية تزين الجباه والأكتاف، ويعتمرها العرب وغيرهم، والمتضامنون الجانب وحتى اليهود المعارضين، بينما العلم الإسرائيلي يمزق ويحرق ويداس بالأقدام، ودمى رئيس حكومة العدو ووزير حربه ورئيس أركان جيشه تشوه وتلطخ وتعلق على أحبال المشانق وتُجرَّس.
وأصبح من الصعب عليهم أن يكذبوا السردية الفلسطينية التي باتت على كل لسان، ويؤمن بها كل إنسانٍ حرٍ وشريفٍ، وأصبح إطارها يتسع ومفرداتها تسود، وروايتها تصدق، بينما تراجعت رواية العدو وانكفأت، ولم يعد يصدقها أحد أو يؤمن بها، بل لا يجرؤ أحدٌ غير المتشدقين باسم الكيان والمتحالفين معه على سردها، وإعادة طرحها على مسامع العالم، الذي بات ينكرها ويستنكرها، ويرفضها وينفر منها، ولعل هذا آخر ما كان يتوقعه الإسرائيليون، أن يصبحوا هم المنبوذين في العالم، والمكروهين بين الأمم، وغير المرحب بهم في البلاد، بينما تفتح الدنيا كلها للفلسطينيين أبوابها، وتقدمهم على غيرهم وتصدقهم، وتدعو لنصرتهم ومساعدتهم، بل لإنصافهم وإكرامهم، وتمكينهم وإعادة حقوقهم.
لن يقف الأمر عند هذا الحد أبداً، ولن تقتصر تداعيات الحرب على غزة على الجانب الإسرائيلي على ما ذكرت، بل سيصحو المستوطنون الإسرائيليون حتماً على واقعٍ جديدٍ مختلف، وسيجدون أن السد قد نقب، وأن الجدار قد سقط، وأن كوةً من نور قد فتحت على الفلسطينيين وأن لهباً من نارٍ قد اندلع في جه الإسرائيليين، فالغد أبداً لن يكون كما اليوم، وهو بالتأكيد ليس كما كان بالأمس ولن يكون بإذن الله إلا لصالحنا نحن ومعنا ضدهم.
الجرحى جرحٌ عميقٌ وهَمٌ كبيرٌ
لا شيء ينزع فرحة الفلسطينيين العائدين إلى مناطقهم المدمرة، ويفسد عليهم أجواء السعادة والرضا بتوقف الحرب وانتهاء العدوان، رغم أنهم لم يجدوا بيوتهم، ولم يعرفوا مناطقهم، ولم يميزوا بين شوارعهم، إلا أنهم سعدوا بالعودة، وفرحوا بالجلوس فوق ركام بيوتهم وأطلال منازلهم، واعتبروا أنفسهم قد انتصروا على عدوهم الذي خطط لاقتلاعهم من أرضهم وطردهم منها، وقتل معالم الحياة فيها وأعدم سبل العيش لمن بقي فيها، ليجبرهم على الهجرة والخروج منها، إلا أنهم عادوا وفرحوا، ودخلوا مناطقهم وحمدوا الله عز وجل وسروا، وهيأوا فوق ركام بيوتهم أماكن تؤويهم، وجهزوا ما استطاعوا وبما توفر لديهم من أدوات بعض ما يحتاجون إليه.
ترحم الأهل العائدون إلى مناطقهم على شهدائهم ومن فقدوا في الحرب على مدى عامين، ودعوا الله عز وجل أن يتقبلهم شهداء عنده في عليين، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ، وأن يجمعهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والشهداء الذين سبقوهم، وعددهم ربما سيتجاوز بعد تمام العد والإحصاء، واستخراج رفات المفقودين وحصر الغائبين، المائة ألف شهيدٍ، وإن كان التعداد الرسمي حتى الآن هو أقل من هذا العدد بقليل، لكن الحقيقة التي ستظهر بعد أيامٍ قليلةٍ، والأرقام التي سيتم الكشف عنها ستثبت أن هذا العدو قد أجرم كثيراً في حق الشعب الفلسطيني، وارتكب من الجرائم والموبقات ما لا يقوى ضميرٌ بشري سويٌ عاقل على احتماله.
لكن الجرح الذي لا يدمل، والحزن الذي لا ينتهي، والهم الكبير الذي يسكن النفوس ولا يفارقها، وينتزع الفرحة من القلوب ويكبتها، والقلق الذي لا يفارقهم، والخوف الشديد الذي يساورهم ويسيطر عليهم، إنما هو موضوع الجرحى والمصابين، وعددهم يفوق بكثير المائتي ألف جريحٍ، إلا أن المستعصية حالتهم، والبالغة جراحهم، والمتعذر في قطاع غزة علاجهم، والمطلوب خروجهم لتلقي العلاج في مستشفيات دول العالم، يكاد يفوق عددهم ألـــــ 25 ألف جريحٍ، إلا أن حالتهم وبسبب استمرار الحرب والحصار، ومنع إدخال الأدوية والأدوات والمستلزمات الطبية، تتفاقم سوءً يوماً بعد، وكثيرٌ منهم يستشهدون بعض طول معاناة، ويفارقون الحياة بعد صراعٍ من الألم والعجز، واستسلامٍ مفجعٍ أمام الحصار والحرمان.
لا شيء يقلق أهلنا في قطاع غزة اليوم مثل موضوع الجرحى والمصابين، فهو شغلهم الشاغل وهمهم الدائم، وهم قطاعٌ كبيرٌ من شعبنا ومن كل الفئات العمرية، ومن الجنسين، ومن المدنيين والعسكريين على السواء، فمنهم أطفال وشيوخ ونساء، وحالات الكثير منهم صعبة وقاسية، بل ومؤلمة ومحزنة، ممن فقدوا أطرافهم، وفقئت عيونهم، وتمزقت أحشاؤهم، أو كسرت ظهورهم وشلت أجسادهم فباتوا طريحي الفراش لا يتحركون، وعاجزين لا يستطيعون خدمة أنفسهم ولا يقدرون، في ظل انعدام فرص العلاج في مستشفيات القطاع المدمرة، وندرة الأدوية والعقاقير الطبية، وانقطاع الكهرباء واستمرار الغارات الحربية.
كما ستكشف الأيام القادمة عن أسماء كثيرة، وسيكون من بين الجرحى أعلامٌ كبيرةٌ، ورموز وقادة وشخصياتٌ نحبها كنا نظنهم في عداد الشهداء، وقد أعلن العدو قتلهم، ممن أصيبوا خلال العدوان وجرحوا، إلا أن معاناتهم كانت أكبر وألمهم كان أشد بسبب الإجراءات الأمنية التي اتخذت لملائمة ظروفهم، حيث نقلوا إلى بيوت غير آمنة، وتفتقر إلى كل وسائل الراحة، وتخلو من كل مستلزمات العلاج، أو أجبروا على البقاء في الأنفاق حيث الرعاية متعذرة والعلاج فيها شبه مستحيل، وحتى الآن لا تستطيع المقاومة إخراجهم من مكامنهم، أو الإعلان عم حالتهم، خشية استهداف العدو لهم وإعادة قصفهم ومحاولة قتلهم، إذ ما يزال يراقب ويتابع، ويرصد ويسجل، قبل أن يغير عليها ويصفها بأنها "صيد ثمين".
ربما لا يستطيع أهل غزة وحدهم تجاوز هذه المحنة والانتصار على هذه الأزمة، فقدراتهم محدودة، وإمكانياتهم ضيقة، والعدو يتربص بهم ويغير عليهم، ولا يدع لهم فرصة للشفاء من جروحهم، ولهذا نرى خلف الفرحة حزناً، وفي العيون البراقة ألماً، وفي القلوب حسرةً ووجعاً، وهم وقد نسوا شهداءهم وتعالوا على أحزانهم، وعضوا بصبرٍ على جراحهم، لا يستطيعون الصبر طويلاً على معاناة الجرحى والمصابين، الذين يئن بعضهم ألماً ويشكو وجعاً، ولا يستطيع الاحتمال ضعفاً.
لهذا فإننا نهيب بكل الدول العربية والإسلامية، القريبة والبعيدة، الفقيرة والغنية، أن تفتح مستشفياتها، وأن تهيئ مراكزها الطبية لاستقبال بعض الجرحى والمصابين الذين يؤمل شفاؤهم، ويرجى علاجهم، وأن توفر لدعم اللازم والمال الضروري لاستكمال علاجهم، وتغطية تكاليف سفرهم وانتقالهم ومرافقيهم، فهذا لعمري عملٌ عظيمٌ وجهدٌ مبارك، ولا جزاء له ولا يكافئ فاعله إلا الله عز وجل، وبه نبرأ إليه عز وجل من تقصيرنا وعجزنا، ونستعيذ به سبحانه وتعالى من ضعفنا وخورنا، ويستدرك المتخاذلون بعض الدور الذي فاتهم، وينالون بعض الشرف الذي كان سيكون لهم لو أنهم سبقوا وما تأخروا، وأعطوا وما حبسوا، ودافعوا وما جبنوا، وأنفقوا وما منعوا.
خروقاتٌ إسرائيلية متعمدة وغاراتٌ عدوانيةٌ مقصودةٌ
وضعت الحرب في قطاع غزة أوزارها، وتوقف العدو الإسرائيلي مرغماً عن غاراته الجوية وقصفه المدفعي، اللهم إلا من خروقاتٍ يتعمدها، واعتداءاتٍ يقصدها، يبررها كذباً بالرد على المقاومة، بدعوى خرقها الاتفاق وعدم التزامها بالخطة، والتعامل الميداني الآلي مع التجاوزات الشعبية الفلسطينية، بحجة تجاوزهم للخط الأصفر المتفق عليه، بينما الحقيقة أنه يستهدف في كلِ مرةٍ "صيداً ثميناً"، ويقصف أهدافاً محددة جمع معلوماتٍ عنها، وعرف هويتها وحدد مكانها، فقرر استباقاً للزمن، وخوفاً من ضياع الفرصة وعدم تكرارها، قصفها وقتل الأشخاص المقصودين، رغم عدم وجود عمليات عسكرية تبرر خرقه.
كما يكذب العدو الإسرائيلي وقد خبرناه وعرفناه، تكذب الإدارة الأمريكية التي تدعي بأنه لا علم مسبق لها بالغارات الإسرائيلية، وتقول أنها تعارضها ولا توافق عليها، وترى أنها تهدد الاتفاق وتعرض "خطة ترامب" للخطر، وتدعو الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على الهدوء، وعدم القيام بعملياتٍ تهدد استمرار وقف إطلاق النار، وتعرض خطة السلام لخطر الانهيار، إلا أن الحقيقة أنهما ينسقان معاً، ويتفقان على كل غارةٍ وعمليةٍ، فالولايات المتحدة الأمريكية التي تزود الكيان الصهيوني بكل أنواع السلاح، تعرف أين وكيف ومتى يستخدم سلاحها، وتعرف أثره وتدرس نتائجه، بما يؤكد علمها المسبق بالمخططات الإسرائيلية، ومباركتها لها، واستعدادها الدائم للدفاع عنها إن تطلب الأمر ذلك.
إزاء هذه الخروقات المتعمدة، وفي مواجهة أباطيل وأكاذيب هذا العدو الكاذب الخبيث المكار، ولتفويت الفرصة عليه وإحباط خططه وإفشال عملياته، وفضح سياسات الإدارة الأمريكية المنحازة والمتعددة المعايير، ينبغي على المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وكتائبها، ومجموعاتها وتشكيلاتها، أخذ كامل الحيطة والحذر قبيل وبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، والالتزام التام بالضوابط الأمنية، وعدم التخلي عن الإجراءات المعتمدة في مثل هذه الظروف والأوضاع، ذلك أن العدو الإسرائيلي قد عودنا دائماً على تحديث بنك معلوماته خلال فترات وقف إطلاق، تمهيداً للغارة عليها وقصفها، ولعل تجاربنا السابقة معه خلال كل الحروب الكثيرة التي شنها ضدنا، تعلمنا أنه لا يغير عاداته، ولا يبدل سياساته، ويصر دوماً على انقلابه على الاتفاقيات، ونكثه للعهود، وعدم التزامه بالمواعيد.
لا ننكر شوق المقاومين إلى أهلهم، وحنينهم للاتصال بهم والحديث معهم، وسماع أصواتهم والاطمئنان عليهم، وأملهم في رؤيتهم والجلوس معهم، فقد مضى على أغلبهم الذين فاتتهم الشهادة، سنتان طويلتان قاسيتان مؤلمتان، لم يروا أهلهم، ولم يسمعوا أخبارهم، وهو الإحساس نفسه الموجود لدى أسرهم وعائلاتهم، وأطفالهم وأهل بيتهم، الذين يستغلون وقف إطلاق النار للسؤال عنهم والاطمئنان عليهم، وهو الأمر الذي من شأنه كشف أماكنهم، أو خروجهم من مكامنهم، وتحديد الدوائر الضيقة المحيطة بهم، مما يمكن العدو منهم، ويسهل وصوله إليهم.
لا ينبغي الاستخفاف والتهاون في اتباع الإجراءات الصارمة خلال المراحل الانتقالية، والفترات الفاصلة بين محطات وقف إطلاق النار، فهي مراحل خطرة وقاتلة، ولا يفجعنا المقاومون الفرحون بتوقف الحرب، بنيل العدو منهم، ووصوله إليهم، فهم وإن كانوا يتوقون إلى الشهادة ويسعون لها، ولا يهابون الموت ولا يفرون منه، ذلك أن الخسائر في الساعات الأخيرة مؤلمة وقاسية، ويصعب تحملها والصبر عليها، إذ أن الفقد بعد الأمل موجع، والخسارة شهادةً أو إصابةً ونحن نتهيأ للعودة واستعادة الحياة صعبة جداً، وهي تترك في النفس حسرةً وكمداً، وألماً ووجعاً، تفوق بكثير جداً ما أصابنا خلال الحرب وأثناء العدوان.
فاللهم احم غزة وأهلها، وصن شعبها وسكانها، وعوضهم خيراً وأكرمهم عوضاً، وأحسن نزلهم وأجزل عطاءهم، وأعدهم إلى بيوتهم دورهم، ومناطقهم وأحيائهم، واجعلها عودة كريمة ميمونة، واحفظ اللهم مقاومتها ورجالها ولا تفجعنا في آخر الساعات بهم، واجعل بينهم وبين عدوهم سداً يمنعهم منه، ويحول دون وصوله إليهم، ومكن اللهم لهم في الأرض عزةً وثباتاً، وأرهم نصرك، ومتعهم بفضلك، وأذقهم حلاوة العودة إلى الديار، والثبات في الأرض، وسعادة إعادة الإعمار، وجمل الشمل واستعادة الأمل، وأمت اللهم العدو غيظاً بحياتهم، وكمداً بنجاتهم، كما وعدتهم والمجاهدين، وبشرتهم والصابرين "قل موتوا بغيظكم".
استمرار التدمير الممنهج والنسف المنظم
قد تكون الحرب الطاحنة على قطاع غزة قد توقفت، وانتهت الغارات اليومية الجوية العنيفة، وتوقفت المسيرات الآلية المفخخة، وتراجعت حدة عمليات القصف المدفعي، وتوقف عداد الشهداء اليومي والجرحى، لكن العدو الإسرائيلي الذي لا زال موجوداً بكامل آلياته العسكرية خلف الخط الأصفر في 53% من مساحة قطاع غزة، ما زال يطلق النار على المواطنين الذين يقتربون من الخط الأصفر، التي هي مناطقهم التي كانوا فيها وأجبروا على الخروج منها، وفيها بيوتهم ومساكنهم أو ما تبقى منها، فيقتل بعضهم رغم أنهم لا يشكلون خطراً عليه، حيث يبدو عليهم من بعيد وإذا اقتربوا، أنهم أطفالٌ ونساءٌ وشيوخٌ وشبانٌ، مدنيون نازحون عابرون، ولا يحملون معهم غير ما استطاعوا الحفاظ عليه من فراشٍ ومواعين.
ما زال جيش العدو يصر على ارتكاب المزيد من جرائمه رغم إعلان انتهاء الحرب، والاتفاق على خطة ترامب للسلام، والتزام قوى المقاومة الفلسطينية وحركة حماس بها، ومباشرة تنفيذهم الأمين والدقيق لبنود مرحلتها الأولى، لكنه يتحجج ويخلق الأعذار ويخرق الاتفاق ولا يلتزم ببنوده، فيقصف ويطلق النيران غزيرةً على جموع الفلسطينيين فيقتل بعضهم ويصيب آخرين بجراحٍ، وكأنه يريد العودة إلى الحرب واستئناف العدوان السافر، بعد أن استعاد أسراه الأحياء وأغلب جثامين قتلاه، الذين ما كان ليستعيدهم بالقوة لولا الاتفاق، وبالحرب لولا المفاوضات، ومع ذلك فهو يدعي أنه حقق أهداف الحرب التي أعلن عنها.
لكن الجريمة الكبرى التي ما زال العدو يمارسها بصمتٍ وبعيداً عن الأضواء، فهي تلك التي ينفذها في المناطق التي يسيطر عليها شرق القطاع وجنوبه، حيث تقوم وحداته العسكرية الهندسية وغيرها، بعمليات تدميرٍ ممنهجٍ ومنظم لما بقي من مباني ومنشآت الفلسطينيين في المنطقة، حيث تعمل جرافاته الضخمة فيها ليل نهارٍ، تهدم وتجرف، وتقوم وحداته الهندسية بتفخيخ المباني وتفجيرها، ويحتفي الجنود بمشاهد التفجير والتدمير، ويتباهون بنقل صورها ومظاهر ابتهاجهم بها، ويرسلون مقاطع الفيديو التي توثق جرائمهم إلى عائلاتهم وأصدقائهم، وإلى بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تنشرها وتعلق عليها.
لا يكتفي العدو الإسرائيلي بتكليف جيشه الهمجي بتدمير ما بقي من المساكن والبيوت والمساجد والمدارس والأسواق والمحال التجارية وغيرها، وإنما يسمح للمستوطنين بممارسة هواياتهم المريضة ورغباتهم الخبيثة والمساهمة بأنفسهم في عمليات النسف والتدمير، والهدم والتجريف، فضلاً عن شركاتٍ أخرى، إسرائيلية ودولية، تمتلك معداتٍ وآلياتٍ ضخمة، تعاقدت مع جيش العدو على القيام بأوسع عملية تدمير وتخريب في مناطق القطاع التي يسيطر عليها، ولعل الصور الفضائية التي تلتقط على مدى الساعة لهذه المناطق تبين بوضوحٍ حجم التغيير اليومي الحادث فيها، نتيجة عمليات النسف والتدمير والجرف والهدم والتخريب.
ربما كانت مدينتا رفح وخانيونس وبلداتهما الشرقية، وأحياء الشجاعية وتل المنطار والصبرة والزيتون ومناطق الشريط الشرقي كلها على امتداد الخط الفاصل، هي من أكثر المناطق التي تتعرض لعمليات النسف والتدمير الممنهج، وكأن العدو يسابق الزمن ويتحدى المجتمع الدولي قبل استحقاقات المرحلة الثانية، التي ستفرض عليه الانسحاب من كامل أرجاء قطاع غزة، فأخذ يعمل بجنونٍ على تدمير كل مظاهر الحياة في المنطقة، ليجعل العودة إليها صعبة والحياة فيها مستحيلة، خاصةً في موسم الشتاء الذي بدأت تباشيره، وأخذت نذره تحذر من صعوبة الحياة في المنطقة، التي أصبح أغلبها ركام مبانٍ، وتلال رمالٍ، وشوارع محفرة، وأكوام قمامة ونفاياتٍ مبعثرة ومنتشرة في كل مكان.
أو كأنه ينفذ اتفاقاً سرياً ربما لا نعلمه، بينه وبين الإدارة الأمريكية، وقد يكون هذا هو الأرجح، يخلي فيها المنطقة التي يسيطر عليها خلف الخط الأصفر من السكان، ويدمر ما بقي فيها من مبانٍ، تمهيداً للبدء في مشاريع إعمار وإسكان منظمة، تخضع لقوانين وضوابط أمنية صارمة، يشرف عليها الكيان وحلفاؤه، وتنفذها القوات الدولية المنوي انتشارها في القطاع، وخلال فترة إعادة الإعمار فيها يحشر المواطنون في المناطق الأخرى قبل انتقالهم إلى المناطق المعمرة، بالشروط الأمنية الجديدة، التي تراعي المصالح الإسرائيلية، وتجور كثيراً على الفلسطينيين وحقوقهم، وتقيد حريتهم، وتحرمهم من حقهم في الحياة الكريمة في أرضهم وفوق تراب وطنهم.
نزع سلاح المجموعات المسلحة وتفكيك بنيتها العسكرية
يشعر المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة بقلقٍ جديدٍ من المليشيات "الفلسطينية" المسلحة التي شكلتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وزودتها بالأسلحة والمعدات والآليات وأدوات القتال المختلفة، ووفرت لها المال والمؤن والمساعدات، وأمنت مناطقها وجهزتها بوسائل اتصالٍ حديثةٍ وآمنةٍ، وشكلت حمايةً لها ولعناصرها ومقراتها، وسهلت حركتها وانتقالها وسياراتها وعرباتها، ونظمت لها دورات عسكرية وأخرى أمنية، وأجرت معها مناوراتٍ مختلفة، وأنشأت لها غرف عملياتٍ ومراكز تنسيقٍ واتصالٍ مع الضباط المكلفين بمتابعتها والمسؤولين عن عملها وتوجيهها، وسهلت انتقال بعض مسؤوليها وسفرهم، إذ شوهد بعض قادتها خارج فلسطين المحتلة، إلى جانب سياراتٍ تحمل لوحاتٍ "أجنبية".
ومكنت بعضهم من نشر مقالاتٍ وعرض تصوراتهم عن مستقبل قطاع غزة، في كبريات الصحف والمجلات الدولية، والظهور على وسائل الإعلام والحديث عن أدوارهم وعرض مهامهم بكل خسةٍ ونذالةٍ، وضِعةٍ ووقاحة، في مواجهة عناصر حركة حماس والقوى الفلسطينية الأخرى المقاتلة، والاعتراف بالمهام التي نفذوها، والجرائم التي ارتكبوها، والأهداف التي يتطلعون إليها ويعملون على تنفيذها، ولا يتورعون عن الظهور إلى جانب العربات العسكرية والدبابات الإسرائيلية.
لا يشعر قادة هذه المجموعات التي تشبه مليشيا العميل اللبناني أنطوان لحد، قائد جيش لبنان الجنوبي الذي أنشأه العميل سعد حداد، بأنهم خونة وعملاء، وأنهم يعملون جواسيس ضد شعبهم، وأدواتٍ قذرة لدى عدوهم، الذي لا تعنيه حياتهم، ولا يهتم لمصيرهم، ولا يقلق على مستقبلهم إذا تم الاتفاق وثبت وقف إطلاق النار، ومضت خطة السلام المطروحة، فهو أول من سيتخلى عنهم ويتركهم لمصيرهم المحتوم، بل قد يقوم بقتلهم وتصفيتهم والتخلص منهم، لأنهم سيكونون عبئاً عليه دون جدوى، وسيكلفونه الكثير دون طائل لهم أو حاجة ترتجى منهم، بعد أن فضحت أدوارهم، وكشفت شخصياتهم، وعرفت أسماؤهم وعائلاتهم ومناطق إقامتهم وعملهم.
لا يدعم الاحتلال الإسرائيلي هذه المليشيات القذرة وحدة، بل تدعمها جهاتٌ أخرى تتعاون معه، وتتفق وإياه على الهدف والغاية من تشكيلها، وتحاول هذه الجهات المشبوهة الدفاع عنها وتحسين صورتها، وتلميع قادتها، وتلطيف مهامها، وتستخدم لغايتها الخبيثة أقلاماً مأجورةً وأبواقاً أجيرة، ومنصاتٍ قذرة، ولعلها جهاتٌ معروفة لدى الشارع الفلسطيني، إذ سبق لها القيام بمهام تشبهها، ورعت جهاتٍ تعمل عملها، فخربت وأفسدت وقتلت ودمرت، وأظن أنها تراهن على هذه المجموعات، وتتأمل في أن يكون لها دورٌ في مستقبل قطاع غزة، يمكنها من بسط نفوذها، ونشر مفاهيمها، وتحقيق أهدافها، ولو أنها كانت ضد مصالح الشعب وتتعارض مع آماله وتطلعاته.
باتت هذه المجموعات المأجورة المدسوسة، العميلة الخائنة القذرة، تعمل في جنوب قطاع غزة وشماله، وتنتشر في المناطق الذي يتواجد فيها جيش الاحتلال خلف الخط الأصفر، وتستفيد من الحماية التي فرضها على المنطقة، لكنها تخشى مغادرتها والخروج منها، ولا تأمن على حياتها وأمنها خارجها، إذ تتربص بها المقاومة ويلاحقها رجالها، ويدل المواطنون عليهم ويبلغون المقاومة عنهم، في الوقت الذي تلاحقهم عائلاتهم وعشائرهم، التي أعلنت البراءة منهم والتخلي عنهم، وهي تتوعدهم بالقتل والتصفية، وقد أباحت سفك دمائهم والقضاء عليهم، إذ قاموا بعملٍ عارٍ أضر بسمعة عائلاتهم ولطخ شرف عشائرهم، وشوه الصفحات الناصعة لبعضهم، ممن كان لهم فضلٌ وسابقة، ودور رائد في المقاومة.
أمام خطر هذه المجموعات وقذارة أدوارها، وقطعاً للطريق على مستقبل عملهم وتشريع وجودهم، فإنه ينبغي على المفاوضين الفلسطينيين في الدوحة والقاهرة، أن يفرضوا على الطاولة وجوب تفكيكها وتجريدها من سلاحها، وإخراجها عن القانون واعتبارها مجموعاتٍ مارقة ومليشياتٍ خائنةً، وعدم الرأفة بها والتهاون في أمرها، فوجودها خطر يضر بمصالح الشعب الفلسطيني، إذ ستبقى أدوات للاحتلال، تنفذ سياسته، وتؤدي المهام القذرة نيابةً عنه، وتواصل قتل واستهداف قادة ورموز المقاومة الفلسطينية.
يجب أن يكون ملف هذه المليشيات ملفاً أساسياً على طاولة المفاوضات، فهم جزء من الاحتلال وتبع له، فإما أن يتخلوا عنهم وتفكك المجموعات ويسلم قادتها وعناصرها أنفسهم للعدالة الثورية الفلسطينية التي تنظر في أمرهم، وتحكم في جرائمهم، وتنفذ في حقهم الأحكام التي يستحقون، وإما أن يسحبها جيش الاحتلال مع فلول قواته، ويجرها مع عرباته، ويفرد لها حظائر تليق بها بعيداً عن المواطنين الفلسطينيين ومناطقهم، وحذارٌ على المقاومة أن تتهاون معهم، أو تستخف بهم وتغض الطرف عنهم، فهؤلاء سرطانٌ لا علاج له ولا شفاء منه إلا بالاستئصال، ولا نجاة منه إلا بالقضاء عليه، وإلا انتشر واستفحل، وسيطر وتمكن، وفتك وقتل.
بن غفير يلاحق الأسرى المحررين في منفاهم
كأنهم لم يتحرروا من السجون والمعتقلات الإسرائيلية، التي خرجوا منها بموجب صفقة تبادل الأسرى الأخيرة مع المقاومة الفلسطينية، التي قضت بالإفراج عن مائتين وخمسين معتقلاً من المحكومين بالمؤبد لمرةٍ واحدةٍ أو أكثر، إلى جانب مئاتٍ آخرين من معتقلي قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر، إلا أن سلطات الاحتلال التي قتلت المئات من الأسرى وأعدمتهم، خلال جلسات التحقيق وأثناء التعذيب، وأثناء عمليات النقل والترحيل، لم تلتزم بالمعايير المتفق عليها بموجب خطة السلام، ولم تنفذ الالتزامات التي وافقت عليها وتعهدت بها، بل تلاعبت بالمعايير، وعدلت في القوائم، واعترضت على أسماء، واستبدلت بعضها وفق هواها، ورفضت الإفراج عن الأسرى الكبار والقادة والرموز، وامتنعت عن تقديم كشوفٍ بأسماء المعتقلين لديها، حيث قتلت الكثير منهم وما زالت تقتل، ورفضت تسليم جثامين الشهداء واحتفظت بها.
فرح الأسرى الفلسطينيون المحررون بخروجهم من السجون والمعتقلات الإسرائيلية، واستبشروا خيراً بالحرية التي رأوا شمسها وتنسموا عبيرها، ومنَّوا أنفسهم بأيامٍ سعيدة وليالٍ جميلة يعوضون بها ما فاتهم في سنوات اعتقالهم المريرة الطويلة، فلا قيود ولا أغلال، ولا سلاسل ولا أكياس، علهم ينسون فيما بقي من عمرهم مرارة السجن وقسوة السجان، وعتمة الزنازين، وخشونة جدرانها وسماكة أبوابها، ورداءة طعامها وسوء أحوالها، وقد ظنوا أنهم أصبحوا بمأمنٍ من السجان الإسرائيلي الذي كان يسومهم سوء العذاب، ويمارس ضدهم شتى أنواع الضرب والقهر والقمع والتعذيب، وأنهم تخلصوا وإلى الأبد من قوانين السجون والمعتقلات القاسية، فلم يعد لسلطات الاحتلال وجلاوزة السجون والمعتقلات عليهم أي سلطة أو سطوة.
وكانت الصفقة قد قضت بإبعاد عشرات الأسرى المحررين خارج حدود فلسطين، ومنعت خروجهم إلى الضفة الغربية، ورفضت إقامتهم في قطاع غزة، ما اضطرهم للقبول بالنفي والإبعاد، فظنوا أنفسهم أنهم أصبحوا في كنفٍ أهلٍ ورعاية إخوانٍ، وأنهم في أماكن إقامتهم الجديدة في مأمنٍ وسلامٍ، لن يضاموا ولن يظلموا، ولن تصل إليهم يد بن غفير ولن تطالهم سياساته التي أوغل فيها وتطرف، وقسى فيها وتشدد، ولن تتمكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي من التغول عليهم والتدخل في شؤونهم، وستنسى وقد خرجوا من سجونها أمرهم، ولن تطالب بتقييد حريتهم والضغط عليهم، وحجزهم في غيتوات مغلقةٍ، يخضعون فيها للرقابة والمتابعة، والمحاسبة والسؤال، ولا يسمح بزيارتهم ولا يؤذن لهم بالخروج بأنفسهم.
اغتاظ العدو الإسرائيلي من إقامة الأسرى المحررين في فندقٍ في القاهرة، ووصف إقامتهم فيه بأنها مرفهة، وأنها سبع نجوم، فطالب بإخراجهم منه، ومنع استضافتهم فيه وفي غيره من الفنادق المصرية، وإخضاعهم للرقابة الأمنية المشددة، وكان قد مارس ضغوطه على الكثير من دول العالم للامتناع عن استضافتهم، وعدم السماح لهم بالإقامة في بلادهم، ومن قبل منع عائلاتهم وأسرهم في الضفة الغربية من السفر لمصر ولقاء أبنائهم في القاهرة، وهم الذين لم يروهم منذ سنواتٍ طويلة، حيث لا يسمح العدو بزيارتهم، وكأن الذي يصدر الأوامر هو نفسه المتطرف الصهيوني إيتمار بن غفير، الذي جعل همه الأول في وزارة الأمن القومي التضييق على الأسرى والمعتقلين، وسحب الامتيازات منهم، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، ومنعهم من الفورة والتعرض للشمس، ومصادرة كتبهم وأوراقهم وأقلامهم، وغير ذلك من الإجراءات التي تشدد فيها ونفذها.
لعل هؤلاء الأسرى الأحرار، الأبطال الشجعان، عمالقة الصبر ورجال الأمة الأفذاذ، الذين قضوا عشرات السنوات من زهرة أعمارهم في السجون والمعتقلات، وضحوا بحياتهم في سبيل قضيتهم ومن أجل شعبهم، وتخلوا عن أطفالهم ونسائهم، وعائلاتهم وأسرهم، وتركوا الدنيا ومتع الحياة خلف ظهورهم، ورفعوا بصمودهم وثباتهم وشموخهم وكبريائهم رأس الأمة عالياً، لعلهم يستحقون منا كل وفاءٍ وتقديرٍ، وعرفانٍ وإكرامٍ، وأن نرفعهم على أكفنا، ونتسابق في خدمتهم والاحتفاء بهم، وحسن استقبالهم وكريم معاملتهم.
وليعلم العالم كله أننا أمة حرةً، نكرم أبناءنا ونقدر أسرانا، ولا نقبل بإهانتهم، ولا نعطي العدو فرصةً للتطاول عليهم، ولا نسكت عمن يسيء إليهم، ولا نحترم من يوصي بالتضييق عليهم، ولا نسمح لأحدٍ أياً كان بالتدخل في شؤونهم، والاعتراض على أوضاعهم، أو توجيه النقد لمن يستضيفهم أو يرغب في استقبالهم، فكرامة هؤلاء الأسرى من كرامتنا، وشرفهم هو شرفنا، وما كانوا أعزاء فإننا أعزاء، وما كانوا مكرمين فإننا كرماء.
خَلف الخط الأصفر أسرارٌ ومخططاتٌ
شيءٌ ما غريبٌ مريبٌ مشبوهٌ وغير عادي يجري على الأرض هناك في المنطقة التي تقع خلف الخط الأصفر على امتداد الجانب الشرقي لقطاع غزة، التي تشكل نسبة 53% من مساحته، حيث يتواجد وفق خطة ترامب للسلام في مرحلتها الأولى، جيش العدو الإسرائيلي وينشط، إلى جانب مجموعات العملاء التي تنسق معه عملياتها في المنطقة وخارجها.
حصر العدو قواته في هذه المنطقة، وحشد فيها دباباته وآلياته العسكرية وجرافاته الضخمة، التي تعمل كافة فرقها العسكرية البرية، وخاصةً الفرق الهندسة وقطاع المتفجرات، وفرق النخبة والوحدات المختصة، ليل نهار في المنطقة وفق خطط معدة مسبقاً، وخرائط مفصلة توضح مناطق العمل، ومربعات التدمير والتفجير، والمباني والمنشآت المستهدفة بالنسف والإزالة.
ينفذ جيش العدو عملية تدمير شامل لكل ما هو فوق الأرض وتحت الأرض، ويعيد تسوية المباني بالتراب، وينهي كل مظاهر البناء والعمارة أياً كانت، صغيرة أو كبيرة، سكنية أو خدمية، وينفذ مخططاته بموجب خرائط معدة ومدروسة، وعمليات مسح جوي وتصوير تقوم بها الطائرات المسيرة، التي تنقل عمليات التدمير، وتصور المباني الأخرى المرشحة للنسف والتدمير، ولعل صور الأقمار الاصطناعية تظهر حجم التغيير اليومي على سطع الأرض.
ما الذي يريده العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية من منطقة ما قبل الخط الأصفر، وماذا يخططون لها ولماذا يدمرون كل شيء، ولماذا كل هذه التجهيزات والآليات والمعدات، لماذا يدمرون المدمر، ويخربون المخرب، وينسفون ما قد نسفوا من قبل، أفلم يكتفوا بما دمروه على مدى عامين كاملين، إذ لم يبق مكان لم تطاله غاراتهم الجوية وقصفهم المدفعي، لكن الأمر يتعدى التدمير الشكلي، ويتجاوزه إلى المخططات والنوايا، والتصورات والأحلام، بما يؤكد أن وراء هذه المخططات مشروعٌ ما، وتصور لمستقبلٍ آخر لقطاع غزة وسكانه.
لكن هل أن الإدارة الأمريكية منخرطة في هذه المخططات وشريكة فيها، وتتم بعملها وموافقتها، وبما يتناسب مع الخطط التي أعدتها، والتصورات التي تنوي تنفيذها، وتأتي ضمن أحلام ترامب التي تحدث عنها سابقاً، وتنسجم معها وتتوافق، وتتكامل معها وتتساوق.
أم هي عمليات إسرائيلية محضة في سباقٍ محمومٍ مع الزمن لتدمير كل ما تبقى في المنطقة من مبانٍ وأنفاق وبنى تحتية، وخاصة أنفاق المقاومة الاستراتيجية ومقراتها القيادية، لئلا تكون قادرة بعد تمام الانسحاب من المنطقة، على إعادة تأهيل أنفاقها، وتجهيز مقراتها، وترميم قوتها، وتعويض ترسانتها من مختلف الأسلحة.
من الواضح جداً أن ما يجري إنما هو بالتنسيق بين الطرفين، وأن الإدارة الأمريكية تنوي مع حكومة الكيان الإسرائيلي، تأكيد تقسيم قطاع غزة إلى مناطق ثلاث، الأولى غرب القطاع ويقيم فيها أكثر من 95% من سكان قطاع غزة، وتمثل نسبة 47% من مساحة القطاع، وأخرى تمثل الشريط الفاصل، وهو بعمق يتراوح بين 500-1000 متر على امتداد الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، ولن يسمح فيها بأي وجود فلسطيني، وتكون بمثابة منطقة عازلة، والقسم الثالث وهو الأهم، الذي يقع قبل الخط الأصفر، ويمثل ما نسبته 53% من مساحة القطاع، ويقيم فيه بضعة آلاف من المواطنين الفلسطينيين، إلى جانب العصابات المسلكة التي أنشأها الكيان ويشرف عليها.
تتطلع الإدارة الأمريكية مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة إعمار المنطقة الثالثة، وفق شروط ومواصفات خاصة، تكون مؤهلة لإقامة مئات آلاف المواطنين الفلسطينيين، بعد شق الطرق فيها وتعبيدها، وبناء شبكة خدمات مدنية وبنى تحتية ومجاري صحية، ومستشفيات ومدارس وأسواق، وربطها بشبكة الكهرباء الإسرائيلية وربما المصرية، على أن ينتقل إليها من القسم الأول من شاء من المواطنين الفلسطينيين، الذين سيجدون أنه قد سبقهم إليها أنظمة محكمة وقوانين خاصة، وأجهزة أمنية وشرطية ومؤسسات إدارة مدنية مدربة ومؤهلة، يشرف عليها مجلس السلام، الذي ينوي ترامب ترأسه، الذي سيقوم بتمويل مشاريعها وتنفيذ خططها، والإشراف على إدارة شؤونها وخدمة سكانها، وستكون هذه المنطقة منزوعة السلاح، وخالية من كل مظاهر العنف ووسائل القوة.
أما المنطقة الأولى التي تقع خلف الخط الأصفر، فستبقى محرومة من كل شيء، فلا خدمات ولا مساعدات ولا مشاريع، وسيترك فيها الفلسطينيون لقدرهم ومصيرهم، فإما أن يقبلوا بالهجرة واللجوء الذي سييسر لهم، وسترحب دولٌ عدة باستقبالهم، وستفتح أبوابها لهم، أو أن ينتقلوا إلى القسم الآخر، ويخضعوا لشروطه، وينزلوا عند أحكامه، وبذا تكون غزة الجديدة قد تشكلت وفق تصوراتهم، ونشأت تحت عيونهم وبرعايتهم، بما لا يجعلها منطقة خطرة، وبما يؤكد عدم جنوح سكانها إلى أي شكلٍ من أشكال المقاومة.
هذا المشروع وهذه المخططات ليست الأولى التي يعلن العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية الراعية، والتي يجري العمل بها والترويج لها، بدءً من الميناء الأمريكي العائم، الذي أنشئ لتسهيل الهجرة، وصولاً إلى أحلام الطرد والتهجير، فضلاً عن الانتصار المطلق، والتفكيك الكامل، والاستسلام ونزع السلاح، وقتل القادة وترحيل المقاتلين، فكما فشلت كل المشاريع السابقة، وأجهضت تلك التي لم يعلن عنها، فإن هذا المشروع سيسقط وسيفشل، وسيجد العدو وحلفاؤه، أنفسهم مضطرين ومجبرين، ومكرهين رغم إرادتهم، على الخضوع لإرادة الشعب، والاعتراف بحقوقه.
المقاومون داخل الخط الأصفر صمودٌ وبقاءٌ
لا أحد يعرف عنهم شيء، أين هم وكم عددهم، وكيف يقاتلون ومتى يخرجون، وماذا يأكلون وكيف ينامون، أو هل عندهم ما يأكلونه وما يشربونه، أم أنهم حرموا الماء والغذاء كما الدواء والإيواء، فباتوا يخرجون من مواقعهم للحصول على ما يقيم أودهم ويبقي على حياتهم، كما لا أحد يعرف من يقودهم وكيف ينسقون عملياتهم، وما إذا كانوا يتواصلون فيما بينهم وينسقون جهودهم، ومن يوجههم وكيف تصل إليهم المعلومات، وما إذا كانوا يعلمون أن الاتفاق قد تم وأن خطة ترامب قد دخلت حيز التنفيذ، وأن قطاع غزة قد تم تقسيمه إلى قسمين، داخل الخط الأصفر وحتى الحدود الشرقية للقطاع، وخلف الخط الأصفر وحتى البحر غرباً.
إنها مجموعات من عناصر المقاومة الفلسطينية، التابعة لمختلف القوى الفلسطينية المقاتلة، التي كانت عشية التاسع من أكتوبر/تشرين أول تقاتل داخل مدينة رفح وفي مناطق مختلفة من مدينة خانيونس، وترابط على خطوط النار، وتؤدي الواجب المكلفة به قتالاً ورصداً وملاحقة، قبل أن تسلخها خطة ترامب للسلام، وتفصلها عن غرب القطاع، وتصنفها منطقةً صفراء، يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي وينشط فيها وحده مع مجموعات العملاء التي أنشأها وكونها وأشرف عليها، وبات يوجهها ويطلب منها تنفيذ عملياتٍ قذرة ضد الشعب الفلسطيني.
حق لهذه المجموعات أن تظن أن الحرب ما زالت قائمة، وأن وقف إطلاق النار لم يدخل حيز التنفيذ، فهي ترى من مكامنها بين المباني المدمرة، ومن أنفاقها السرية تحت الأرض، عربات وآليات ودبابات وجرافات جيش الاحتلال تجوب مناطقهم، وأصوات دوي الصواريخ وهدير الدبابات وأزيز المسيرات تصم آذانهم، وترى أن عمليات جيش العدو في المناطق التي يتواجدون فيها لم تتوقف بعد، فهو يفجر المباني، وينسف البيوت، ويجرف الشوارع، ولا يتوقف عن عمليات التدمير المنظمة المروعة، ما جعل جميع المقاومين في هذه المناطق يظنون أن الحرب ما زالت مستمرة، وأن جيش الاحتلال مازال باقياً، يقتل ويدمر ويغير، وأنه ينبغي مقاومته وقتاله، والقيام بعملياتٍ عسكرية ضده، لصده وحَدِه، ومنعه من التغول والإيغال في مناطقهم.
ولعل المقاتلين الفلسطينيين داخل الخط الأصفر ليسوا نسيج وحدهم، وليسوا أول من تأخر علمهم بانتهاء الحرب وتوقف القتال، فقد كشفت وسائل إعلامٍ دولية، قبل سنواتٍ قليلة، أن مقاتلين يابانيين ما زالوا في الغابات والأحراج، يحملون بنادقهم، ويرابطون في مناطقهم، ظناً منهم أن الحرب العالمية الثانية ما زالت مستمرة، وأن عمليات القتال لم تتوقف، فلهذا لم يلقوا سلاحهم، ولم يتخلوا عن مهامهم، ولا يقتصر الأمر على المقاتلين اليابانيين فقط، بل تكرر الأمر نفسه ولو بدرجةٍ أقل في فيتنام والجزائر وغيرهما.
من المؤكد أن هذه المجموعات قد فقدت اتصالها بقيادة المقاومة المركزية، وأنها لم تعد تتلقى الأوامر منها، وبهذا أصبحت مضطرة للتعامل مع الواقع الميداني وفق ما هو، وحسب الأحداث الجارية، وتقرر وتنفذ ما تراه مناسباً، وهو الأمر الذي يفسر قيامها بتنفيذ عدة عملياتٍ ضد جيش العدو، ما أسفر عن مقتل وإصابة عددٍ من جنوده، وما جعله يعتبر هذه العملية خرقاً للاتفاق، ومبرراً له لتنفيذ غاراتٍ جويةٍ ومدفعية عنيفة ضد ما أسماه بأهداف تابعة لحركة حماس، بينما كانت غاراته الحقيقية هي ضد عامة المواطنين الفلسطينيين.
قد لا نستطيع أن ننفي قطعاً أن هذه المجموعات لم تسمع بدخول الاتفاق حيز التنفيذ، فقد تكون قد علمت به واستعدت له، إذ لديها بلا شك أجهزة مختلفة تتيح لها سماع الأخبار ومتابعة الأحداث، لكن من المؤكد أن هذه المجموعات قد فقدت الطرق الآمنة التي تسطيع أن تسلكها للخروج من المناطق التي تتواجد فيها، ولا يوجد جهات دولية أو منظمات تنسق لخروجهم وتضمن لدى العدو سلامتهم، وهي لا تثق بالعدو أبداً ولا تأمن مكره، ولا تصدق وعده، في الوقت نفسه فقد فقدت القدرة على التنسيق مع قيادتها، وفق البيان الذي أصدرته الحركة وأكدت فيه انقطاع اتصالها بمجموعاتها العاملة داخل الخط الأصفر.
أما اللافت في الأمر، والمثير للدهشة والإعجاب، فهو أن هذه المجموعات المقاتلة، رغم قسوة الظروف التي تعيشها، وضيق الأماكن التي تتواجد فيها، ونشاط جيش العدو المسعور في المنطقة، وقلة الإمكانيات ونقص الطعام والشراب وربما انعدامه، فإنها ما زالت تقاتل بشراسة، وتقاوم ببسالة، وتخطط بدقة، وتهاجم بقوة، وتصل إلى أهدافها بإصرارٍ وعنادٍ، وتحقق في صفوف جيش العدو إصاباتٍ مؤكدة، الذي يعجز رغم قدراته عن الوصول إليهم، والسيطرة عليهم، فلا يجد إلا أن يفاوضهم عبر وسطاء، ويقبل بعمليات تنسيق تضمن خروجهم الآمن، وتوقف عملياتهم ضد فلول جنوده وأرتال آلياته، فألف تحية إلى هؤلاء الرجال الأماجد المقاومين الأبطال، المقاتلين الشجعان، الصِيد الكُماة الأباة، أبناء هذا الشعب الفلسطيني المقاوم العظيم، الصابر المحتسب العنيد.
رادعٌ وحسمٌ مثالان في غزة على الحسم والأمن
إلى جانب الحرب القاسية الضروس التي شنها العدو الإسرائيلي على قطاع غزة على مدى عامين كاملين، لم يتوقف خلالهما إلا لأيامٍ قليلةٍ يجدد فيها بنك أهدافه، ويحدث معلوماته، ويتوثق من إحداثياته، ويحدد أهدافه الجديدة، ويستبدل قواته، ويحرك قطاعاته، ويبدل مناطقه، ويحصن ثكناته ويحمي تجمعاته، قبل أن يستأنف حربه الهمجية، وغاراته الوحشية، وعدوانه المدمر، على مدى عامين طويلين قاسيين مضنيين مؤلمين متعبين، مارس خلالهما كل أشكال القتل والإبادة، وارتكب أفظع المجازر وأسوأ المذابح التي شهدها التاريخ الحديث، وبطش إلى أبعد مدى بالبشر والحجر والشجر، في محاولةٍ منه مقصودة لإبادة سكان قطاع غزة، أو طردهم وتهجيرهم وإخراجهم من قطاعهم الحبيب إلى شتات الأرض البعيد.
إلى جانب ذلك كانت هناك أنواعٌ أخرى من الحروب والفتن، والأدواء والأمراض، والظواهر السلبية والسلوكيات السيئة، والمجموعات المريضة والنفوس الخبيثة، التي حرص العدو على زراعتها وتنشئتها، ورعايتها ومتابعتها، وتعميقها والتأكيد عليها، ليضمن تفكك المجتمع الفلسطيني وتفسخه، واضطرابه وانقلابه على أخلاقه وقيمه، وخلق الفتنة بين صفوفه، ونشر الرذيلة بين أبنائه، وحرمانهم من الأمن والأمان، والطمأنينة والسلام المجتمعي، الذي كان يميزهم بتضامنهم وتكافلهم، وتعاونهم واجتماعهم، وتوافقهم واتحادهم.
من هذه المفاسد التي رعاها العدو وما زال في قطاع غزة، وحرص على تكريسها وتعميق جذورها، إلى جانب المجموعات المسلحة العميلة، التي تعمل عنده أجيرة، وتنفذ له مهام قذرة وضيعة، كان هناك جشع بعض التجار الذين رفعوا الأسعار واحتكروا المواد التموينية والسلع الغذائية، ومكاتب تحويل الأموال التي نشطت في كل مناطق القطاع، وخلقت جيشاً من السماسرة والعاملين، الذين يسرقون أموال المواطنين بالعمولات الكبيرة التي يفرضونها، والأموال البالية التي يسلمونها، والرديئة التي يفرضونها على المستفيدين من التحويلات بعد خصم نسبٍ كبيرةٍ منها.
إلى جانب عصابات السرقة والنهب، العامة والمنظمة، الذين يسرقون البيوت والأثاث، ويعتدون على الحقوق والممتلكات، وينهبون المؤن والمساعدات، ويعتدون على القوافل والشاحنات، ويسرقون ما فيها ويحرمون المواطنين وأصحاب الحقوق منها، ثم يقومون بعرضها في الأسواق بالأسعار التي يريدون، والشروط التي يفرضون، فيجبون من جيوب الفقراء والمعدمين آخر ما تبقى فيها، وما فيها قليل جداً مما يصلهم من حوالاتٍ منقوصةٍ، ومساعداتٍ منهوبةٍ.
لهذا وأمام هذه الظواهر السلبية التي باتت تهدد أمن وسلامة المجتمع الغزي المكلوم، والتي يرفضها بكليته، ويعارضها بأغلبيته، ويستغرب وجودها في مجتمعه وفي بيئته، وبين أهله وأبنائه، إذ تتناقض مع قيمه وأخلاقه، وتتصادم مع مفاهيمه وموروثاته، ولا تتفق مع دينه وإيمانه.
كان لابد للحكومة في قطاع غزة، وأجهزتها الأمنية والشرطية والبلدية، وكل المسؤولين والغيورين، أن تضرب بيدٍ من حديدٍ على المارقين والمخالفين، والمسيئين والمفسدين، والمعتدين والمخربين، وكل من تسول له نفسه الإساءة إلى شعبه، واستغلال الحرب ومحنته في الاغتناء السريع، والاستغلال الوضيع، والجشع المقيت، ومحاولة التغول على الضعفاء وأكل مال الفقراء، والاستفادة من غياب السلطات في الكسب غير المشروع، وممارسة أعمال البلطجة والاستقواء بالعدو والعائلة والعشيرة.
لهذا تحركت المقاومة الفلسطينية والحكومة في قطاع غزة، وشكلت قوى ضاربة وأجهزة أمنية ضابطة، كوحدة "السهم"، التي لاحقت التجار الجشعين والمحتكرين الفاسدين، وأصحاب مكاتب التحويل وغيرهم ممن استغلوا غياب السلطة وتعطل القوانين، فعاثوا في الأرض فساداً وبين الناس خراباً، ونهبوا وسرقوا وقطعوا الطريق وقتلوا أحياناً، فكان قرار الحكومة الحاسم وتحركها السريع، وفرض الأمن والنظام بالقوة، مما كان له أبلغ الأثر في ضبط الشارع، وتنظيم المناطق، وعودة الحياة تدريجياً إلى المناطق المدمرة.
وإلى جانب وحدة سهم السرية الحركة، والنافذة القوة، والحاسمة القرار، والسريعة الوصول، والواسعة الانتشار، كانت وحدة "رادع" التي لاحقت العملاء والمندسين، والخونة والمتعاملين، والجواسيس وعناصر المجموعات العسكرية المتعاونة مع العدو الإسرائيلي، وتعاملت معهم بكل قوةٍ وشدة، وضيقت عليهم وحاصرتهم، وعرفت أماكنهم ومقراتهم، وأماكن اجتماعاتهم ولقاءاتهم، فداهمتهم على عجل، ودخلت إلى أوكارهم بسرعة، واشتبكت معهم وأطلقت النار عليهم، واعتقلت بعضهم وأودعتهم السجون للتحقيق معهم ومحاكتهم، وفي الوقت نفسه قتلت مسؤوليهم وقضت على رؤوسهم الكبيرة، واستطاعت خلال أيامٍ أن تقضي عليهم في المنطقة المصنفة خلف الخط الأصفر، وهو المصير نفسه الذي ينتظر الهاربين منهم إلى مناطق الخط الأصفر.
رحب المواطنون الفلسطينيون بجهود وإنجازات الأجهزة الأمنية والشرطة وعناصر البلديات، ولاقت جهود الحكومة في غزة ترحيب واحترام المواطنين، الذين اكتووا كثيراً بسياط هؤلاء المارقين الفاسدين المندسين، وبدأ الغزِّيون يشعرون ببعض الأمان الذي فقدوه، والطمأنينة التي يبحثون عنها، وحصلوا على المؤن والمساعدات التي كانت تنهب، وأصبح باستطاعتهم الذهاب إلى الأسواق، وشراء بعض الحاجيات، واستلام حوالاتهم المالية دون اقتطاعٍ كبيرٍ منها، وغدوا جميعاً عيوناً للسلطة، وحراساً للوطن، وأمناء على الحقوق.
يا مسلمي العالم وأحراره أغيثوا أهل غزة
أما وقد قام الفلسطينيون بما يجب أن يقوموا به بعزةٍ وشرفٍ، وكبرياءٍ وشموخٍ، وإباءٍ وشممٍ، وصمدوا سنتين كاملتين في مواجهة آلة القتل الأمريكية الخرقاء، التي زودت بها الإدارات الأمريكية جيش الكيان اللقيط ومكنته، وسمحت له باستخدامها في حرب الإبادة والتطهير، ومحاولات القتل والتهجير، واستطاعوا بتضحياتهم الجسام وصمودهم الأسطوري واحتسابهم العجيب رفع رأس الأمة التي فاخرت بهم وتشرفت، واعتزت بهم وتقدمت، إذ قاتلوا نيابةً عنها ومثلوا إرادتها، وجعلوا لها اسماً يذكر ويوقر، وحجزوا لها تحت الشمس مكاناً، وتحملوا ما لم يتحمله شعبٌ آخر في التاريخ، بالنظر إلى حجم الحمم البركانية، والصواريخ المدمرة، والقصف المهول الذي تعرضوا له.
يأتي اليوم دور الأمة العربية والإسلامية، شعوبها لا دولها، ومؤسساتها لا حكوماتها، وهيئاتها لا نظمها، وقد تأخرت مهما قدمت، وقصرت مهما أعطت، ولم تؤد ما عليها مهما اجتهدت، ولتعلم أنها ستسأل عما قدمت وأخرت، وستحاسب عما منعت وحبست، وستبوء الخيبة والخسران إن تأخرت وقصرت، وقد جاء دورها اليوم لتبرأ أمام الله عز وجل بالوقوف إلى جانب سكان قطاع غزة ونصرتهم ومساعدتهم، ودعمهم ومساندتهم، وإكرامهم والإحسان إليهم، وهم اليوم لا يطلبون من الأمة دماً ولا سلاحاً، ولا يريدون منهم قتالاً ولا مقاومة، ولا تضحيةً أو بذلاً، ولا يحملونهم فوق طاقتهم، ولا يحرجونهم ويكشفون عجزهم، ويفضحون ضعفهم.
إن المطلوب من الأمة اليوم، بشطريها العربي والإسلامي ومعهما أحرار العالم كله، المناضلين الشرفاء، والمناصرين الأوفياء، الذين تحدوا حكوماتهم وخالفوا سياسة بلادهم، وأيدوا الشعب الفلسطيني وناصروه، وساندوه وتضامنوا معه، وهم ليسوا عرباً ولا مسلمين، وإنما هم دعاة حق وأنصار العدالة، على وجه السرعة وبالعجلة القصوى، وبجرأةٍ وشجاعةٍ ودون خوفٍ، وبعزمٍ وإصرارٍ وبلا تردد، وبتحدٍ وعنادٍ ومواجهة، تقديم كافة أشكال الدعم المادي بلا حدود إلى سكان قطاع غزة، الذين باتوا جميعاً، بلا استثناء، فقراء معدمين، ومعوزين محتاجين، جرحى وجوعى ومرضى وبلا مأوى، فلا بيوت بقيت لهم، ولا قوت عندهم، ولا خبز يأكلونه، ولا ماء يشربونه أو يستخدمونه، ولا مساجد ولا مدارس ولا مراكز صحية ولا مستشفيات، ولا شيء من مقومات الحياة ومظاهر التمدن أبقى عليه جيش العدو بلا قصفٍ أو دمارٍ.
لا عذر اليوم لقاعدٍ أو قادرٍ، ولا لممتنعٍ أو حابسٍ، ولا لمقصرٍ أو عاجز، ولا لغنيٍ أو فقير، ولا لمواطنٍ أو مغترب، ولا لمن يملك بيتاً أو يستأجر سكناً، ولا لتاجرٍ أو موظف، ولا لمسؤولٍ أو عاملٍ، فكل الأمة العربية والإسلامية بخير، فهي تعيش في بلادها، وتأمن في أوطانها، وتسعد مع أولادها، وتملك قوت يومها، وطعام أولادها، وعندها ما يسترها ويحفظ حياتها، بينما أهل غزة لا يملكون شيئاً، وقد فقدوا الأب والأم والأخ والشقيق والولد والطفل والرضيع، فأفيضوا عليهم أيها العرب والمسلمون مما أفاض الله به عليكم، وأدوا زكاة أموالكم لهم، بل زكوا أنفسكم بأموالكم وأرسلوها لهم، وباركوا بيوتكم واحفظوا أولادكم، وإلا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله، ولعنةٍ منهما لا تزول ولا تحول إلى يوم القيامة.
لم تعد الأبواب مغلقة، ولم يعد تحويل الأموال إلى قطاع غزة متعذراً، فلا يتعلل أحد بصعوبة إدخال المال وتعذر توصيله إلى أصحابه والمحتاجين إليه، فقد انتهى الجشع والاحتكار، وحاربت الحكومة أصحاب مكاتب تحويل الأموال وتجار الحروب، الذين كانوا يفرضون عمولةً كبيرة على الأموال المحولة إلى قطاع غزة، وأصبح بإمكان كل من يرغب في المساعدة أن يحول من أي مكانٍ ما يريد، وسيكون واثقاً أن المال سيقع في أيدي مستحقيه، وسيستفيد منه أهل غزة، فهو في أي أرضٍ وقع فسينبت، وسيزهر وسيثمر في أرضنا المباركة ومع شعبنا الفلسطيني العظيم، ولا تستقلوا أي مبلغٍ مهما صغر، ولا تحقروا أي مساعدة مهما ضئلت، فالقليل ينفع والكثير يجدي.
لا تعيبوا على أهل غزة حاجتهم، ولا تعيروهم بفقرهم، فقد والله قدموا أغلى ما عندهم، وضحوا بأنفس ما يملكون، وقد تآمر العالم كله مع العدو عليهم، فحاصرهم وجوعهم، وقتلهم وحاول إبادتهم، ولكنهم أصروا على البقاء، وأقسموا على الثبات، ورفضوا الهجرة والشتات، فلا تردوا سائلهم، ولا تمتنعوا عن إجابة طالبهم، ولا تغلقوا الأبواب في وجوه المحتاجين منهم، وكلهم في حاجة ويشكو من جوعٍ وفقرٍ وفاقةٍ ومرض، ويتألم من فقدٍ وشهادةٍ وإصابةٍ ووجع.
وأنتم أيها العلماء والأساتذة والكتاب والمفكرون والمحللون والمثقفون والمبدعون والمسؤولون، شجعوا الأمة كلها على التضامن مع المواطنين الفلسطينيين، وعلى تقديم العون لهم، وانشروا بينهم هذه الثقافة، وادفعوهم نحو هذا الواجب، وذكروهم بأن أهل غزة الذين أصابهم ما أصابهم وما ركعوا ولا خنعوا، ولا هانوا ولا استسلموا، يستحقون أن نضحي من أجلهم، وأن نقتسم معهم ما نملك حتى ينهضوا من كبوتهم، ويقفوا على أقدامهم.
واعلموا أن التاريخ لن يرحمكم، والله عز وجل لن يغفر لكم، وأمتكم لن تسامحكم، والأجيال القادمة ستزدريكم وستحتقركم، وستلعنكم وستتبرأ منكم، إن قصرتم في الدعوة، أو جبنتم عن التحريض، وخفتم من حاكمٍ أو سلطانٍ، ولتكونوا أنتم القدوة والمثال، والنموذج الذي يحتذى، ولتتبرعوا ببعض أموالكم ليتأسى بكم شعبكم، وتتعلم منكم أمتكم، تطهرون بها قلوبكم، وتسمو بها أرواحكم، وتزكون بها أنفسكم، ويبارك الله لكم بها في نسلكم وأولادكم ورزقكم وأموالكم، ويمد في أعماركم ويرفع قدركم ويحفظ مقامكم.
رسالةٌ إلى المفاوضين والوسطاء من معتقلي سدي تيمان
انتهى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتوقفت الحرب الخشنة القاسية فيه، وبدأ المواطنون في القطاع يتحسسون أحياءهم ومناطق سكناهم المدمرة، يتلمسون فيها حياتهم، ويستعيدون أشكالها البسيطة وصورها المتواضعة، ويبنون بأيديهم العارية وإمكانياتهم البسيطة المتواضعة، بل المعدومة فعلاً، بيوتهم التي يرجون أن تؤويهم فيها وتسترهم، خياماً وأكواخاً وبيوتاً من شعرٍ وخشبٍ وألواح وصفائح، لكن بأملٍ وثقةٍ ورجاء، لا يقلل منه الجوع والفقر والضعف والعوز والفاقة والحاجة، ولا يفتر همة العمل فيها الفقد والخسارة، والجرح والإصابة، وأخيراً الشتاء والمطر والبرد والزمهرير والعواصف والرياح العاتية، وتسلل المياه إلى خيامهم، وجريانها سيولاً تجرف متاعهم وثيابهم المتبقية.
إلا أن الحرب الخشنة القاسية، الظالمة الحاقدة، القمعية المستبدة، السادية العنصرية، ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين عموماً في مختلف السجون والمعتقلات الإسرائيلية، وفي معتقل سدي تيمان السيئ السمعة والصيت على وجه التحديد، الذي تجاوز في سيرته السيئة وفحش معاملته وقسوة حراسه، معتقلات غوانتانامو وأبو غريب وقاعدة بانغرام، لم تنته بعد، ولم تتوقف إجراءاتها القاسية وسياساتها المتشددة ومعاملة إدارتها العنيفة، بل ازدادت عنفاً وتطرفاً، واتسع نطاقها وشملت كل الأسرى، وبالغت إدارتها وهي الخاضعة لجيش الاحتلال وسلطات وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، في ممارسات التعذيب والقمع والإهانة، وتمادت في اقتراف الموبقات وارتكاب مختلف أشكال الجرائم الفاحشة بحق الأسرى والمعتقلين.
ربما سلطت المدعية الإسرائيلية التي نشرت تسجيلاً يوثق جريمة اغتصاب معتقلٍ فلسطيني في معتقل سدي تيمان، على أيدي مجموعة من حراس المعتقل، الذين استقبلوا يوم أمس خلال محاكمتهم الهزلية بالهتافات والأغاني والأهازيج، تأييداً لهم، ودفاعاً عنهم، وابتهاجاً بما قاموا به، وتشجيعاً لغيرهم، الضوء من جديد على هذا المعتقل السيئ الذي أنشئ خصيصاً لمعتقلي قطاع غزة بعد عملية طوفان الأقصى، وأخرج بأوامر مباشرة ومقصودة عن دائرة الرقابة والتفتيش التابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية، فأصبح كل حارسٍ وسجانٍ فيه حراً فيما يفعل، وغير مسؤولٍ عما يتصرف، إذ لا يعاقبه القانون ولا يدينه، ولا يحاسبه المسؤولون على تصرفاتهم، ولا يعيبون عليهم ما يقومون به، وكأن الأسرى والمعتقلين ليسوا بشراً، بل هم دون "الحيوانات" بكثيرٍ، فلا حرمة لهم ولا حقوق، ولا رحمةً معهم ولا رفق بهم، ولا اهتمام بشأنهم ولا تقدير لظروفهم.
في هذا المعتقل لا يحرم المعتقلون من الطعام والشراب وحسب، بل يشبحون فيه إلى السقف من أيديهم المكبلة خلف ظهورهم لساعاتٍ طويلةٍ، ويقيدون إلى حلقاتٍ مثبتة على الأرض وفي الجدران، ويعزلون في زنازين ضيقة، ويتعرضون للضرب الموجع والتعذيب المتواصل، وتشج رؤوسهم، وتكسر عظامهم وتهشم أسنانهم، وتسيل دماؤهم، ويقتل تحت التعذيب بعضهم، ويعاني من نجا منهم من أوجاع لا تفارقهم، وتباريح لا تغادرهم، فلا فراش يريح أجسادهم، واليوم في ظل البرد والشتاء لا غطاء يدفئهم، ولا ثياب تحميهم، وكانوا في فصل الصيف يعانون من حرارته العالية.
في هذا المعتقل المنافي للإنسانية، والمخالف لكل القوانين والاتفاقيات والأعراف الدولية المرعية الإجراء، والمعزول عن العالم، والممنوع على اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارته، وعلى لجان حقوق الإنسان متابعته، والمحروم معتقلوه من المثول أمام المحاكم العادلة، والشكوى من المظالم وسوء المعاملة، يعاني فيه الأسرى والمعتقلون من سياسة التجويع والتعطيش، والحرمان من أبسط حقوقهم في الطعام والشراب والنوم والدواء والعلاج، إذ يشكو من فيه ومن خرج منه وتحرر، من النحافة والضعف، ومن المرض وسوء التغذية، إذ يحرمهم السجانون من الطعام أياماً طويلة، وإن سمحوا لهم به فيكون بكمياتٍ قليلة جداً، لا تكفي حاجتهم ولا تنفع صحتهم، ويمتنعون عن علاجهم قصداً، ويتركونهم في جراحهم يعانون عمداً، وهم يعلمون أن حرمانهم من العلاج والدواء هو حكمٌ مؤكدٌ بالإعدام.
رسالة الأسرى المحررين من هذا الباستيل الإسرائيلي اللعين، إلى المفاوضين الفلسطينيين في القاهرة والدوحة، وإلى كل الوسطاء العرب والأجانب، رسالةٌ صريحةٌ واضحةٌ من الأسرى والمعتقلين الذين ما زالوا في معتقل سدي تيمان، مفادها ضرورة إدراج هذا المعتقل ضمن جدول أعمال المفاوضات، وفرضه على طاولة المفاوضات كملفٍ أول، وموضوعٍ أساسٍ لا يمكن الانتقال إلى غيره قبل حله ووضع نهايةٍ حقيقية له.
والمطالبة بإصرار بإغلاقه، وتحرير من فيه من الأسرى والمعتقلين، وتخليصهم مما يطلق عليه الإسرائيليون أنفسهم "جهنم" و "الجحيم"، حيث يتفنن الحراس والسجانون في ابتداع أساليب التعذيب والإهانة، النفسية والمعنوية والجسدية، ويبتكرون وسائل شيطانية وأساليب وحشية، في محاولةٍ للانتقام منهم ومحاسبتهم على ما قاموا به يوم السابع من أكتوبر 2023، ولعلهم يعلمون أنهم أجبن من أن يواجهوهم طلقاء، وأن يتصدوا لهم في الميدان، فغلاف غزة يشهد على الرجال المسربلين بالسلاسل والأغلال، كيف كانوا أسود الوغى وأبطال الطوفان.
الإسرائيليون يسخرون من نتنياهو وذوو الأسرى يتوعدونه
يظن نتنياهو أنه نجح في خداع مستوطنيه، وأن حججه قد انطلت عليهم وأسكتتهم، وأنهم رضوا عنه وقد أرضاهم، وأنهم سكتوا عنه وقد أعاد إليهم أبناءهم، وأنه استطاع بخطاباته المتكررة وإطلالاته الإعلامية المقصودة أن يقنعهم أنه من حرر الأسرى واستعادهم، وأنه من أجبر حركة حماس وقوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على التخلي عنهم وتسليمهم، وأنه بذلك يكون قد حقق أحد أهم شروط حربه على غزة، واستعاد الأسرى جميعاً كما وعد وتعهد، وأنه لولا الضغط العسكري ومواصلة الحرب، وعدم الإنصات للضغوط الدولية والاحتجاجات الشعبية والاستجابة لها، لما كانت حماس لتقبل بتسليم الأسرى وإعادة رفاة الجنود القتلى، والالتزام بالمهلة الزمنية المحددة لهم ضمن المرحلة الأولى من خطة السلام.
المستوطنون الإسرائيليون يعلمون أن رئيس حكومة كيانهم يعلم نفسه أنه كاذب، وهم يعلمون أنه كاذبٌ ومستمرٌ في كذبه، وهو ليس غبياً ليظن أنه حقق هدف الحرب بالضغط العسكري، ولعله أكثر من يعلم أنه فشل في تحقيق أيٍ من أهدافه التي أعلن عنها وتشدق بها، إذ أظهرت الوقائع أن عدداً من رفاة جنوده كانت تحت أقدام جنود جيشه وهم لا يعلمون، وأن بعض الأسرى كانوا قريباً منهم، وفي أنفاقٍ دخلوها، ومناطق احتلوها، ورغم ذلك لم يكتشفوا أمرهم، ولم يتبادر إلى أذهانهم أن أحدهم لو نظر إلى قدميه لرآهم، ولكن الله عز وجل أعمى بصيرته وبصيرتهم، وأضلهم وأضل أعمالهم، وأخزاهم وكشف عورتهم وأظهر سوءتهم، وبين عجزهم وضعف حيلتهم، وأحرجهم أمام شعبهم وعائلات الأسرى.
أضحى نتنياهو الكذاب الأشر، المحتال المكار، الغارق في أوحاله والضائع في مهامه، المتهم بالفساد والملاحق بالمحاكمة، والعاجز عن تحقيق النصر واستعادة القوة والهيبة، مثار سخرية الإعلام الإسرائيلي وتهكم الإعلاميين، ومحل استهزاء المستوطنين ومادة نكاتهم المستفزة وتعليقاتهم اللاذعة، وقد تجرأوا عليه وتجاوزوا حصانته، ولم تمنعهم مكانته أو تخيفهم سلطته، فكانوا لا يترددون في انتقاده وتوجيه اللوم له، وتحميله المسؤولية واتهامه بالتقصير، ولا يخفون استخفافهم به وسخريتهم منه، وهو يحاول إقناعهم بحركة جسده قبل لسانه، أنه البطل المحرر والقائد الصادق، وذهب بعض الإعلاميين والمستوطنين إلى تصويره كفأرٍ وقع في مصيدة، يتخبط يميناً ويساراً ويحاول الخروج منها بلا جدوى، والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي الإسرائيلية يجد العجب فيها، مما يغيض نتنياهو وفريقه، إذ أن أغلبها مشاركات تهكمية لاذعة.
يعرف المستوطنون الإسرائيليون جميعاً، والحكومة والجيش والإعلام الإسرائيلي، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤهم في العالم، أن نتنياهو لم يستعد بالقوة العسكرية ومن الميدان في قطاع غزة سوى ستة جنودٍ، وقد استطاع تحريرهم بعد أن دك جيشه المناطق التي كانوا فيها بآلاف الأطنان من المتفجرات، ودمر مبانيها وقتل المئات من سكانها، وأجبرهم على النزوح منها والرحيل عنها، ورغم ذلك فإن من استعادهم كانوا آحاداً، ومن قتلهم كانوا عشراتٍ، وأن من عاد منهم خلال السنتين قد عاد بالمفاوضات وبجهود الوسطاء، الذين استطاعوا بالسياسة والصفقات، مبادلة الأسرى الإسرائيليين بأسرى فلسطينيين ووقف الحرب لأيام معدودات، ولولا الوسطاء والجهود الكبيرة التي بذلوها ما عاد منهم أحد.
وقد كان للصفقة الأخيرة التي أبرمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضمن خطة السلام التي اقترحها بين العدو الإسرائيلي والفلسطينيين، الدور الأكبر في فضح نتنياهو وإظهار عجزه وبؤسه، إذ يعود للرئيس الأمريكي وحده الفضل في استعادة الأسرى الإسرائيليين وتحريرهم، واستعادة رفاة الجنود ودفنهم، وهو الذي سمع صرخات ذويهم، وأصغى إلى دعواتهم له بالتدخل، وأرسل مندوبه ستيف ويتكوف للقائهم أكثر من مرة، وسمع منهم أنهم لا يأملون في نتنياهو ولا يصدقونه، ولا يعولون على جهوده ولا يؤمنون بوعوده، بل إنهم يحملونه المسؤولية الأولى عن مقتل أبنائهم وتعذر الإفراج عن الأحياء منهم.
لا يكتف المسؤولون الإسرائيليون، السياسيون والعسكريون والأمنيون والإعلاميون وغيرهم، سواء ممن هم في المعارضة السياسية، أو من المتقاعدين الأمنيين والعسكريين، باتهام الحكومة بالعجز والتقصير، وأنها لم تبذل جهداً في استعادة الأسرى الذين عادوا رغماً عنها، بل إنهم يحملونها المسؤولية الكاملة عن مقتل عشرات الأسرى الإسرائيليين، وأن الجيش كان يتعمد قصف المناطق التي كانوا يحتجزون فيها، ولا يمتنع عن مهاجمة أماكن وأهداف كان من الممكن أن يكون الأسرى فيها، وذهب بعضهم إلى اتهام نتنياهو بسعيه لقتلهم والتخلص منهم، ليفلت من المحاسبة، وليطلق يد جيشه وطائراته في الغارات والقصف والتدمير، ولمواصلة الحرب بلا حدود ولا غايات، وبلا أهداف أو نهايات.
يعرف الإسرائيليون وقد استعادوا أسراهم من غزة أحياءً وأمواتاً أنه ليس لنتنياهو فضل فيها سوى أنه كان سبباً في تأخير عودتهم، وأنه يتحمل وحده وحكومته مسؤولية مقتل بعضهم، وهو ما كان يتمنى للمفاوضات أن تنجح وللجهود الدولية أن تستمر، ولخطة ترامب أن تمضي، بل لو ترك الخيار له فإنه كان سيعطلها وسيفشلها ككل مرةٍ سبقت.
وهو الآن بات يعلم أن وقت الحساب قد اقترب، وأن ساعة المساءلة قد أزفت، وأن صناديق الانتخابات ستحاسب، وأصوات مستوطنيه لن تصب في صالحه، وأن أي انتخاباتٍ برلمانية قادمة، مبكرة أو في وقتها، فإنها لن تفضي إلى عودته، ولن تكون نتائجها لصالحه، وهي إن لم تخرجه فإنها ستضعفه، وستقصي أغلب حلفائه، وستعاقب كل شركائه، ولن يعود لأغلبهم مكانٌ تحت قبة الكنيست الإسرائيلية.
حال غزة على أبواب فصل الشتاء وهطول الأمطار
تخلص أهلنا في قطاع غزة من الحرب الدموية التي شنها العدو الإسرائيلي عليهم مدة عامين كاملين، كانتا عليهم قاسيتين كالصريم، وهوجاء كريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ، ما أتت على شيءٍ إلا جعلته كالرميم، وارتاحوا نسبياً من الغارات العنيفة، والقصف المدمر، والقتل اليومي، والنزوح المستمر، وباتوا يرممون ما بقي من بيوتهم، وينصبون خيامهم البالية فوق ركام بيوتهم المدمرة، ويحاولون بجهودهم الشخصية استعادة الحياة ولو قليلاً، وتأمين أماكن إقامتهم المتواضعة البسيطة، والتي هي بالنسبة لمن عاد إلى منطقته، ووجد فيها مكاناً يأوي إليه ويقيم فيه، ويجمع فيها من بقي من أفراد أسرته ويسترهم، وكأنها قصور مشيدة ومنازل فخمة.
لكن غزة مقبلة خلال هذه الأيام على فصلي الخريف والشتاء، وإن تأخر نسبياً هطول المطر، وما زالت حرارة الجو أعلى من معدلاتها في هذا الوقت من العام في المنطقة عموماً، وما من دولة أو منطقة إلا وتتهيأ قبل فصلي الخريف والشتاء من كل عام، وتتفقد جاهزيتها لأي طوارئ، واستعداد فرقها الفنية والعاملين فيها، وتجري صيانة للمجاري الصحية، وتعبد الطرق وتردم الحفر، وتطوف على المناطق وتجوب الأحياء، وتسأل عن الحاجات والنواقص، وتجهز طواقم الدفاع المدني، وتطمئن إلى جاهزيتها لأي طوارئ، وتفرض على السيارات نظمها للسلامة العامة وإجراءات الأمان المرعية الإجراء.
لكن قطاع غزة اليوم، الذي يعيش في أقل من نصف مساحته قرابة مليوني مواطنٍ، بلا مساكن أو أماكن إيواء، وبلا مبانٍ أو بيوت، لا يجد ما يستقبل به فصل الشتاء، ولا ما يواجه به طوارئه، أو يسد به نوائبه، أو يلبي به سكانه، فمبانيه مدمرة، وشوارعه محفورة، وطرقه مغلقة، وخيام سكانه ونازحيه بالية، لا تحمي من تحتها ولا تقيهم المطر ولا ترد عنهم البرد، وغيرهم في العراء بلا مسكنٍ أو مأوى، وشبكة المجاري الصحية فيه منهارة، إذ جرف جيش العدو الأرض بكل ما فيها، وأتى على أنابيب المجاري وقنوات الصرف الصحي، وأكوام القمامة صارت تلالاً تملأ الشوارع والطرقات، وتتسبب في الأوبئة والأمراض، وتنشط فيها وتتكاثر مختلف الحشرات، ولا مياه شربٍ نقية، أو مياه خدمةٍ كافية، فضلاً عن غياب المنظفات والمعقمات ولوازم الصحة والنظافة، في ظل غياب الكهرباء التي تتوقف عليها مختلف الخدمات.
كما لا ينسى سكان قطاع غزة إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغراق وادي غزة بالمياه العادمة والفضلات الآدمية خلال فصل الشتاء، بصورة متعمدة ومقصودة، في ظل غياب القدرات العملية لتكرير المياه وتصريفها أو جرها إلى البحر، مع ما يترتب على ذلك من انتشار الروائح الكريهة جداً، والحشرات القارصة المؤذية، وتلويث مياه البحر والمناطق القريبة، وأثر ذلك على المستحمين والصيادين والثروة السمكية الضئيلة المسموح للصيادين الفلسطينيين باستغلالها.
هذا إلى جانب وجود جثامين آلاف الشهداء تحت ركام المباني المدمرة، حيث لا يمكن الوصول إليهم وانتشالهم من تحت الأنقاض بسبب غياب الآليات الثقيلة، فضلاً عن تحلل الجثث والجثامين، وانتشار الكلاب الضالة التي تنهش ما بقي منها، وما يترتب على ذلك من تلوث البيئة، وانتشار الأوبئة والأمراض، وتلوث المياه الجوفية التي يتعذر الوصول إليها، وفساد مياه الآبار السطحية التي يحاول المواطنون الفلسطينيون الاستعاضة بها عن سياسة التعطيش التي يمارسها العدو ضدهم.
أما البلديات المكلفة بالتجهيز والإعداد، والمسؤولة عن المواجهة والتصدي لكل طوارئ الشتاء وعواصف الخريف والأنواء، فهي مدمرة أيضاً، واستشهد العشرات من موظفيها، وتم قصف مقارها ومراكزها وآلياتها ومعداتها، ولا يسمح العدو بإدخال معداتٍ وآلياتٍ جديدة إليها، حتى أضحت البلديات ضعيفة لا إمكانيات لديها ولا قدرات عندها، مما اضطرها للعمل بالوسائل البدائية والمجارف والمعاول والمهدات اليدوية، التي يلزم الإنجاز فيها أياماً وليالي طويلة، مع الإشارة مجدداً إلى غياب الكهرباء التي تعمل بها الكثير من الآليات، وانعدام الوقود أو نذرته المشغل لبعض الآليات البديلة.
يجب أن يكون معلوماً لجميع دول العالم، خاصة تلك الدول التي ساندت الكيان الصهيوني وأيدته، ودعمته بالمال والسلاح والعتاد والذخيرة، أن قطاع غزة ما زال يعيش مأساةً حقيقية وإن انتهت الحرب وتوقفت العمليات الحربية، وأن موسم الشتاء القادم سيكشف حجم المعاناة وعمق الأزمة التي خلقها وتسبب بها العدو الإسرائيلي بحربه المجنونة على قطاع غزة، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي أن يتصدى لهذه التحديات، وأن يلتزم بالتخفيف من معاناة الفلسطينيين، الذي كان سبباً وشريكاً فيها.
الإسرائيليون يزرعون الحقد وينشرون الكره ويحصدون الثأر
يعلم الإسرائيليون جيداً هول ما صنعوا، ويدركون تماماً فداحة ما ارتكبوا، ويعرفون أن الجرائم التي اقترفوها أكبر من أن تنسى وأعمق من أن تدمل، وهي لفظاعتها أكثر فحشاً وأشد وحشية وقبحاً من أن تغفر، فالتاريخ لم يشهد مثلها دمويةً، ولم تعرف حروبه أمداً طويلاً ضروساً مثلها، وهي لكثرتها واتساع نطاقها وشمولها أوضح من أن تنكر نتائجها أو تخفى معالمها، فقد شهدها العالم كله الذي صمت عليها، وتابعها وشجع عليها، وشارك فيها وساهم، ودعم الكيان المجرم بالمزيد من الأسلحة لاستمرارها، وهي لذلك لن تشطب من صفحات التاريخ مهما تقادمت، ولن يتجاوزها الفلسطينيون أو يغضوا الطرف عنها مهما تتابعت الأجيال وتوالى الأولاد والأحفاد.
الإسرائيليون يعرفون ذلك جيداً ويتحسبون منه، ويخشون تداعياته وتبعاته، ويخافون من أيام الحساب العصيبة القادمة، ويدركون أنها ستأتي مهما تأخر الزمن، وستكون قاسيةً عسيرةً ولن يحميهم منها أحدٌ، ويدركون أن بقاء الحال على حاله هو من المحال، فلا كيانهم سيبقى قوياً إلى الأبد، ولا حكوماتهم المتطرفة ستقوى على حمايتهم والدفاع عنهم، ولا الولايات المتحدة ستبقى قوية موحدة وقادرة ومهيمنة، فسيأتي زمان فيه تنهار أو تضعف، وتتعدد الأقطاب وتتنافر، وتتصارع وتنافس، وتفقد الولايات المتحدة الأمريكية ثقلها في المنطقة، وتأثيرها على حكوماتها وسياساتها، كما لن يبقى العالم مخصياً ضعيفاً عاجزاً يتفرج ولا يملك القدرة على الضغط والتأثير، أو التغيير والتبديل.
والأهم من هذا كله، والأكثر واقعية والأقرب أملاً، وهي ليست طوباوية أو أحلام وردية أو خيالٌ جامح، أن الأمة العربية والإسلامية، لن تبقى ضعيفةً إلى الأبد، ولن تبقى مستخذيةً مدى الحياة، ولن يستمر هوانها، ولن يطول ذلها، ولن يبقى حكامها عبيداً يطيعون، وقطيعاً يساقون، وأدواتٍ يستخدمون، وعصا بها يهشون ويلوحون، ويضربون ويبطشون، ويرهبون بها شعوب بلادهم ويقمعونهم، ويمنعونهم من الثورة على الظلم ورفض الذل والتطلع نحو الحرية والمستقبل، والعزة والكرامة والاستقلال الناجز، والحرية الذاتية في تقرير المصير، ورسم السياسات، واتخاذ المواقف، والتعبير عن الأماني والرغبات.
يدرك الإسرائيليون ومعهم دول العالم قاطبةً أن سبات الأمة العربية والإسلامية لن يطول، وأن نومها لن يكون أبدياً، وضعفها لن يبقى سرمدياً، بل سيأتي اليوم الذي فيه ينهضون من كبوتهم، واليوم الذي فيه من نومهم يهبون ومن سباتهم يبعثون، والتاريخ على أحوالهم شاهد وعلى صروفهم حاضر، فما استكانوا يوماً على ظلمٍ، ولا رضوا بذلٍ، ولا خنعوا لمستعمرٍ ولا ضعفوا أمام متجبرٍ، ولا قبلوا بالتسليم والتنازل عن حقوقهم لعدوٍ غازٍ، مهما بلغت قوته، وسادت سلطته، وطغا جبروته واستبد حكمه، وشعوب هذه الأمة ولادة، وعلى ظلامها ثائرة، وما من حاكمٍ استبد بهم إلا اندثر، ولا سلطانٍ حاول إذلالهم إلا سقط، إلى أن يأتي من بينهم قائدٌ يمضي بهم نحو نصر حطين وعين جالوت جديد، وفتحٍ للقدس وتطهيرٍ لفلسطين.
يعرف الإسرائيليون أن هذا اليوم إن أتى، عليهم أو على أجيالهم التالية، وهو لا محالة آتٍ بإذن الله، فهذه سنة الحياة وسيرة الشعوب وحياة الدول ومصارع الملوك ونهايات الممالك، فإن الفلسطينيين ومعهم العرب والمسلمين لن ينسوا جراحاتهم، ولن يطووا الصفحة على معاناتهم، ولن يغفروا أو يسامحوا، ولن يصفحوا ويعفوا، بل سيفتحون كل الدفاتر القديمة، وسيستعيدون كل المذابح التي تعرضوا لها، والمظالم التي عانوا منها، وسيحاسبون ظلامهم ومن اعتدى عليهم وارتكب في حقهم الجرائم والمذابح، وستكون أيديهم خشنة وأقدامهم ثقيلة، فلا عاش من سامح وغفر وفرط في دماء الأهل والشعب، وغض الطرف خلقاً وأدباً، وشهامةً ونبلاً، فهذه الشيم لن يكون لها مكان، ولن يكون لأصحابها وجود، وإلا تكررت المذابح وعادت بعد حينٍ المجازر، وعاد العدو بعد استعادة القوة وبناء الذات إلى العدوان من جديد، والاستعلاء مرةً أخرى، والقتل والإبادة، والبطش والقمع والإساءة.
حتى لا تبقى هذه مجرد أحلام وأماني، ورغبات ودعوات، ونركن إليها ونطمئن أنها ستأتي دون جهودٍ تبذل، وبلا خطط ومشاريع تعد وتدرس، وبلا عملٍ وإعدادٍ وتجهيزٍ متواصلٍ، وحتى يخشى العدو منها ويخاف، ويتحسب منها ويستعد لها، ويدرك أنها قادمة حتماً وواقعة لا ريب، فإنه ينبغي علينا العمل لهذا اليوم، والسعي الجاد لهذا الهدف، وإعداد الجيل المناسب للنصر، وتهيئة البيئات التي تستحق الفوز، وعليها تنعقد الآمال وتتحقق الأحلام، والتضحية في سبيل هذا الهدف النبيل الذي سيذكره التاريخ وستخلده الأيام، فليس أعظم يوماً من يومٍ نسترد فيه كرامتنا، ونستعيد فيه أرضنا، وندحر عدونا، ونثأر منه لشهدائنا، وننتقم منه لسوء ما جنته يداه، ويدفع وأجياله ضريبة جرائمه، تشرداً وتيهاً، وتشرذماً وضياعاً، جزاءً نكالاً عدلاً وإنصافاً.
العدو الإسرائيلي يواصل حربه ويستمر في عدوانه
مضى منذ ظهر يوم الجمعة العاشر من أكتوبر وحتى اليوم، اثنان وأربعون يوماً على دخول خطة الرئيس الأمريكي للسلام في قطاع غزة حيز التنفيذ، والإعلان الرسمي الدولي عن انتهاء الحرب ووقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وإعلان رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو التزامه بوقف العمليات الحربية بعد موافقة الحكومة الإسرائيلية على خطة ترامب، التي استبشر بها الفلسطينيون والعديد من شعوب المنطقة والعالم خيراً، وأملوا بوقف الحرب على غزة، وانتهاء العدوان، والمباشرة في تنفيذ بنود الخطة.
ورأى الكثير منهم أن الجمهرة الدولية التي دعا إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمدينة شرم الشيخ المصرية الساحلية، بالتعاون مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، هي خير ضمانٍ لالتزام الحكومة الإسرائيلية بالخطة، وخضوعها لإملاءات الرئيس الأمريكي الذي وضع كل ثقله في الخطة التي أعلن عنها وحملت اسمه، وأوفد لمراقبة تنفيذها وضمان استمرارها كبار مساعديه ومستشاريه، وأنشأ مركز قيادة عسكرية أمريكية في قرية "عراق المنشية" ببلدة الفالوجا الفلسطينية المحتلة "كريات جاد"، وأعلن بنفسه في العديد من تصريحاته أن "الحرب قد انتهت، قد انتهت، قد انتهت".
إلا أن الواقع على الأرض كان بخلاف ذلك تماماً، فقد تحدى نتنياهو الرئيس الأمريكي وقادة دول العالم، وخرق الاتفاق أكثر من مرة، واختلق المبررات الواهية الكاذبة لبرير خروقاته، وتشريع عدوانه، والتأسيس لاستمرار العمليات العسكرية في ظل الاتفاق، وتكريس صورة جديدة في غزة تشبه آلية عمله في جنوب لبنان، إذ لم توقف هدنة يوم 27 نوفمبر من العام 2024 عملياته العسكرية العدوانية على لبنان عامةً وحزب الله خاصةً، إذ نفذ على امتداد الأراضي اللبنانية على مدى عامٍ كاملٍ مئات الخروقات، وقتل ما يقارب من 400 مواطنٍ لبناني، اغتيالاً مقصوداً وقتلاً عمداً، دون مراعاةٍ لمدنيين وأطفالٍ ونساءٍ وعامة الناس.
لا تبدو عمليات جيش العدو الإسرائيلي في قطاع غزة خروقاتٍ للاتفاق، أو ردود فعلٍ على ما يدعيه بأنها عمليات مقاومة ضد عناصر جيشه، أو أنها عمليات وقائية استباقية مشروعة للدفاع عن جنوده ومقار جيشه المنتشرة في أنحاء متفرقة من المنطقة الصفراء شرق قطاع غزة، لإجهاض أي عملياتٍ متوقعة وتحييد منفذيها ومنظميها والمشرفين عليها، بقدر ما هي استمرار حقيقي للحرب على قطاع غزة، ومواصلة عملية وقحة للعدوان، ومحاولة لتأكيد تفوق وسيادة جيشه في المنطقة، وإصراره على تنفيذ الأهداف التي أعلن على مدار عامين من عمر حربه على غزة، والتي تمثلت في استعادة الأسرى بالقوة وقد فشل، وفي نزع سلاح المقاومة وسيفشل، وفي تهجير الفلسطينيين وقد فشل، وفي فرض نظامٍ حكمٍ تابعٍ له وعميل وسيفشل.
المجزرة المروعة التي ارتكبها العدو الإسرائيلي يوم أمس في غزة وخانيونس، والتي ذهب ضحيتها 35 شهيداً فلسطينياً وعشرات الجرحى الآخرين، ودمرت بقايا البيوت والخيام التي كانت بالكاد تؤويهم وتحفظهم من برد ومطر الشتاء، لم تكن الأولى ولا الوحيدة التي يقترفها بحق أهل غزة بعد إعلان الاتفاق حيز التنفيذ، فقد قتل فعلاً خلف الخط الأصفر، وفي المساحة الضيقة جداً التي يقتطعون منها يومياً أجزاءً جديدة يضيفونها إلى المنطقة الصفراء، ويطردون من فيها ويحشرونهم مع قرابة مليوني نازحٍ آخر، حتى اليوم قرابة 350 فلسطينياً، في غاراتٍ وحشيةٍ عامة، وفي استهدافاتٍ مقصودة وعمليات اغتيالٍ مختارة، ما يعني أن عدوانه ما زال مستمراً، ومنهجه في القتل والإبادة ما زال ماضياً.
إلا أن استمرار عدوانه على قطاع غزة، وخروقاته الدائمة للاتفاق، لا يقتصر على الغارات الجوية والقصف المدفعي بالدبابات والمدافع، بل أخذت خروقاته أشكالاً عديدة تخالف كلها بنود الاتفاقية وتنتهك شروطها، وتحرج الضامنين لها والشاهدين عليها، وتؤكد أن حربه على قطاع غزة ما زالت مستمرة، وهي تتواصل بعلم الإدارة الأمريكية التي تراقب وحدتها العسكرية أداء جيش العدو في غزة، وترصد مخابراتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية كل ما يجري في القطاع، وتتابع أخبار الفلسطينيين والصور التي ينشرونها، والبيانات التي يقدمونها، والتي تثبت أن الحرب الإسرائيلية على غزة لم تنتهِ، وأن عملياتها القتالية لم تتوقف.
تعلم الإدارة الأمريكية والضامنون أن ادعاءات حكومة الكيان الإسرائيلية باطلة، وأن معلوماتها كاذبة، فجيشها لا يتعرض لعمليات إطلاق نار، وقواتها المتمركزة في المنطقة الصفراء والمحتشدة على طول الحدود الشرقية للقطاع لا تتعرض للخطر، ورغم ذلك فإن جيش العدو يواصل عدوانه بأشكال مختلفة، قصفاً وتدميراً، وقتلاً وترويعاً، وطائراته المسيرة لا تتوقف عن التحليق فوق مناطق القطاع المختلفة.
وفي الوقت نفسه يصر على استمرار إغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر وعدم فتحه، وعدم السماح لقوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية وشاحنات الدواء والغذاء والخيام والوقود وغاز الطهي بالعبور إلى قطاع غزة، فضلاً عن السماح لها بالتوجه شمالاً نحو مدينة غزة ومخيمات الشاطئ وجباليا، وبلدات جباليا وبيت حانون وأحياء مدينة غزة المختلفة.
ليس هناك أدنى شك بأن نتنياهو وحكومته لا يريدون وقف حربهم على قطاع غزة، ويرفضون الالتزام ببنود الاتفاق، ويتحدون العالم كله، ويقفون في وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويتحدون إدارته، ويتجاهلون الوسطاء الدوليين ويحرجون الدول الضامنة، ولا يملون من اختلاق الذرائع وخلق المبررات وارتكاب الجرائم والمجازر، ومواصلة حرب الإبادة والتهجير، ليقنعوا دول العالم كذباً وافتراءً أنهم يدافعون عن أنفسهم، ويحمون جنودهم، الأمر الذي يفرض على كل الذين اجتمعوا في شرم الشيخ، مضيفين ورعاةً، وضامنين وشهوداً، أن يبطلوا ادعاءات حكومة العدو ويلزمها بالاتفاق، وأن يضغطوا عليها لاحترام المواثيق ووقف الحرب والكف عن العدوان.