أولا: مهاد أولي:
أستهل هذه الورقة بمقولة للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق مقتطفة من روايتها: "اكتشاف الشهوة" إذ تقول: "الكتابة تعويض جيد لخسائرنا"[i]، ويتصادى معها إسحاق داينزن، المرابط في الأقاصي البعيدة، فيعيد صياغة مضمون هذه القولة بطريقته إذ يقول: "يمكن تحمل كل الأحزان إذا ما جعلناها في قصة، وإذا ما رويناها في شكل حكاية"[ii]. إن استهلالنا بهذا القول ذي النبرة السوداوية، والناضحة بالأوجاع والحزن، لهو اختيار مقصود وله مسوغاته، ونحن نتحدث ههنا عن موضوع شائك متشعب المسارب، شغل، وبشكل محموم، الكثير من الكتاب، خاصة في العصر الحديث، إنه موضوع الأدب النسائي، أو الكتابة النسائية، أو كتابة المرأة، أو النسوية.
تتعدد الأسماء وتبقى القضايا والارتهانات وخيوطها كلها مشدودة إلى المرأة، التي هي قسيمة الرجل في الشرائع والأحكام، ونصف المجتمع، كما أن هذا التقسيم، أو التصنيف، قد يربك النظرة للأدب والإبداع، ويؤدي إلى التعسف عليه، حيث يتم تقسيمه وتصنيفه بناء على الجندر أو الجنس وليس على أسس أدبية، وفنية، وجمالية. وهي التي تحفظ للأدب هويته المائزة. ثم إن تقصدنا البدء بتلكم الكلمات راجع إلى أن أغلب الدراسات في هذا المجال تنطلق من شبه قناعة مسبقة مفادها: أن المرأة ضحية الظلم والقهر والاستلاب والتبعية للرجل، وللخطاب الذكوري، والثقافة الذكورية بكل تمثلاتها وتصنيفاتها، وأنها قد تم تحجيمها، وتقزيم أدوارها في الحياة والمجتمع، ومصادرة حقوقها، ومنها، في هذا السياق، حقها في الكتابة والإبداع، وشغل مساحة ورقعة الأضواء في المنتديات والمناسبات العالمية.
وقد نصب أصحاب هذه الدراسات أنفسهم مدافعين عن المرأة وحريتها، مبرزين أهم انشغالاتها وقضاياها وتطلعاتها في المجمعات المعاصرة، ومنهم من ارتهن بالموضوعية، وقارب هذه القضايا بنوع من الرزانة، والهدوء، والروح العلمية ما أمكن، دون انفعالات فائضة عن اللزوم والحاجة، فقدم استقصاءات فذة حول المرأة وعلاقتها بالكتابة، وأهمية الأدب النسائي في خريطة وجغرافية الإبداع إن عربيا أو حتى عالميا. ومن تلكم الأحياز نتساءل: هل كل تاريخ المرأة مظلم ومحزن، أليس هناك حيز للفرح والنجاح في تاريخ المرأة بشكل عام؟ أم أن الكتابة والإبداع لهما مدخل وحيد وأوحد هو الحزن؟ ألا يعتبر الفرح والحب والنجاح مداخل تطلق أعنة الكتابة وترسل أشرعتها في بحر الإبداع بكل تياراته وأمواجه؟ أليس الميسم الجوهري للإبداع هو الحرية والامتداد؟ وإذا كانت اللغة هي أداة الإبداع الأدبي والسردي الأولى والأهم، يعتمدها الرجل والمرأة، فإننا نتساءل والحالة هاته: ما هو الأدب النسائي؟ وما قضاياه وآفاقه؟ وما خصوصيات الكتابة النسائية؟ وكيف يعالجها الكِتَاب الذي ارتهنت هذه الورقة البحثية بمقاربته؟ وهل ترهن النسوية نفسها بالكوني والمشترك الإنساني؟ أم هي توجه يرضي نزوعا إيديولوجيا مرتبطا بشرط تاريخي واجتماعي وثقافي ما، سرعان ما يتم خفوته بمجرد انتفاء هذه الشروط؟ إلى آخره من الأسئلة التي تطرحها الكتابة النسائية.
ثانيا: الأدب النسائي وشرعية الحضور
لعله من نافل القول: إن الحضارة العربية والإسلامية قد عرفت وتعرف إسهامات غنيّة من الدراسات الخاصّة بالأدب الذي أنتجته المرأة عبر العصور، عكفت عليه بالدراسة، والتمحيص، والاستقصاء، والمساءلة. وقد تقصدت توضيح جماليات الكتابة النسائية، ودور المرأة في إثراء الثقافة العربية. فالإبداع النسائي ساهم في إعطاء صورة أكثر إنسانية للعالم، وكشف جوانب من التجربة الإنسانية كانت خبيئة، ولم تعرف إلا من منظور المرأة. ولعل هذا القول لا يقرر بشكل قطعي أن الأدب يغيّر الواقع السياسي والثقافي، لكنه يساعد على فهمنا لهذا الواقع ومن ثم العمل على تغييره بتدخل ميكانزمات وآليات أخرى متعددة، إلى جانب الأدب الذي يعتبر "مخلوقا مقاوما بامتياز، يقاوم ثقافة السلبية والتحلل والانكفاء على الذات، ويجاهد في مجال الفكر الحديث من أجل فرض حقائقه المرجعية التي لا يمكن إنكارها أو التنكر لها مهما بعدت أو بهتت ضمن إجراءات الأسلبة والتنصيص"[iii] -حسب محمد خرماش.
وهذه الحقائق تكون ماثلة بقوة في الأدب الرفيع، ومنها: الحق والخير والقيم الإنسانية الخالدة مثل العدل والإنصاف والمودة والمساواة والتقارب والتفاهم والحوار والتواصل. وقد نجحت المرأة العربية على مستوى الكتابة الشعرية والروائية في التّأسيس لبُنى فكرية جديدة، تخدم تلكم القيم الإنسانية، وتعمل على ترسيخها في الحياة والتجربة المعيشية، كما تؤسّس للرفع من مستوى الذائقة الإنسانية بما ينسجم مع هذه القِيَم العُليا. ولا أحد ينكر صلة الشعر والرواية بالسياق التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي تشيدت عبره وضعية المرأة كمنتجة وكاتبة للنصّ الإبداعي والأدبي، وبهذا تضعنا أمام جدوى السؤال: هل نحن فعلاً في حاجة دائماً إلى الشعر وإلى الرواية لتجديد الحوار مع ذواتنا ومع العالم وهمومه؟ ويدفع الناقد محمد بوجندار بهذه الفكرة إلى تخوم قصية في التأكيد على المهمة الرسالية للأدب والشعر - دون تغييب قيمته وشرطه الجمالي- لما يصرح: أنه لو كان الوحي ينزل لنزل على ألسنة الشعراء[iv].
وباستقرائنا لتاريخ الأدب العربي -وخاصة الشعر- "ديوان العرب وعلمهم الذي لم يكن لهم علم أصح منه" -حسب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه- سنجد أن الساحة الأدبية كانت حكرا على الرجل، ولا يحق للمرأة قول الشعر إلا لماما، لهذا لم تحفظ كتب التاريخ ولا الذاكرة الشفوية لحماد الراوية وخلف الأحمر وغيرهما إلا القليل القليل من شعر النساء، فالمرأة كانت موضوعا للإعجاب والحب والإنجاب والوظائف المنزلية الأخرى. بل الشاعر يحتفي بالمرأة في شعره حبيبة ومعشوقة وليست زوجة، ولما تكون زوجة لا يكتب فيها الشعر اتقاء للفضيحة وإخراج أسرار البيت والزوجية للعلن؟ ولا أدري كيف تسرب إلى هذه الثقافة مبدأ (حرمان الشاعر من الزواج بالفتاة التي ذكرها في شعره)، فيتم تهجيرها تحت جنح الظلام حتى لا يهتدي إليها الشاعر ... إلخ. ورغم ما كان لهذا التصرف من حسنات، كأن ترك لنا شعرا كثيرا في الغزل تحت طائل: أن كل ممنوع مرغوب، كما قرر ذلك الشاعر الأموي جميل بن معمر في إلحاح شديد لما قال:
"ولو تركت عقلي معي ما طلبتها **** ولكن طلابيها لما فات من عقلي"[v]
ومن جهة أخرى، فإننا نجد هذا المبدأ أو التصرف (العرف الثقافي والاجتماعي) ينتقص من المرأة، ولا يعتبرها إلا موضوعا للذة والحب والمغامرة، أما لما يحين الجِد وبناء مؤسسة الزوجية، فإن شيطان الشعر يُلجَم، ويتسيد خطاب القيم والحشمة الموقف، ويحجم الشاعر ويتعفف عن الغزل في زوجته. من هنا، فالمؤسسة الرسمية لم تعترف بالمرأة شاعرة ولا مبدعة. وحتى ألف ليلة وليلة، باعتبارها علامة ومحفلا سرديا، يحتفي بالمرأة بقوة، ويبرز قدرتها على الثورة ضد الوضع القائم، وتغيير الأوضاع، وتحرير نفسها من قيود التقاليد وأعراف الثقافة الذكورية وظلمها، وذلك بتوسل الثورة الناعمة التي تمتطي فيها صهوة السرد والإبداع عبر الحكي، فحتى هذا الكتاب تمت محاربته ورفضه من طرف المؤسسة الأدبية الرسمية، الممجدة للشعر، والحامية له.
فانتظرنا زمانا طويلا حتى تتغير تدريجيا البيئة وشروط التلقي ومعايير النقد الأدبي، فيتم الاعتراف بالحكي والسرد فنا أدبيا مكينا، فيعاد اكتشاف ثروتنا التاريخية الكبيرة. فيتم الاحتفاء بشهرزاد، وتمتدح قدراتها السردية الهائلة، وآثارها الثقافية والاجتماعية وحتى النفسية، أليست بالسرد تمكنت من علاج عقدة الرجل شهريار؟ وأعادت له طبيعته، وحررت بني جنسها من مقصلة الجلاد؟[vi] ... ولهذا اعتبر الكثير من النقاد السرد فنا نسائيا، والمرأة كائنا سرديا بامتياز. ويتأكد لنا إجحاف النسق الثقافي للمرأة في مقابل الإعلاء من الرجل المذكر، في قصة الخنساء التي أنشدت شعرها للنابغة حَكَما، فأعجب بشعرها وقال: "لولا أن أبا بصير (الأعشى) أنشدني قبلك، لقلت: إنك أشعر الناس. وما يفتأ حتى ينتبه إلى اضطراب قوله السابق وعدم انسجامه ووفائه للنسق الفحولي المعمول به في الثقافة العربية، وضوابط الصنعة الشعرية، واعتباره شرطا مكينا للبراعة والتفوق الشعري.
أي أن المرأة مهما كانت جودة شعرها وإبداعها فإنها تبقى في المرتبة الدنيا من الرجل، وكأن لسان الحال يقول: إن أجود ما تجود به القريحة النسائية من إبداع يعتبر، والحالة هاته، أقل مكانة حتى مما يبدعه أضعف رجل يُعترَف بأدبه، فقال لها النابغة: "أنت والله أشعر من كل أنثى"، فتقول الخنساء مباشرة وقد أدركت ما يحدث: "والله من كل رجل"، فيتدخل حسان بن ثابت الذي كان حاضرا، وقد اشتد احتجاجه وغضبه فقال: "أنا والله أشعر منها"... ورغم تبدل حال الأمة والأدب وازدهاره في العصر الأموي، فقد بقيت النظرة للمرأة على حالها، يقرر ذلك الفرزدق الذي قيل له: إن فلانة تقول الشعر. فقال: "إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتُذبح"[vii]. لكن ألا نجد ولو صوتا رجاليا ينصف المرأة، ويقر لها بالشعرية والأحقية بالإبداع والريادة في تاريخ الشعر العربي؟
لعل بشار بن برد كان هو الذي نبحث عنه، يمثل لحظة مضيئة ولو قليلا بهذا الصدد، وقد سُئل عن الخنساء فقال بأنها خارج تصنيف النساء تقريبا وأنها بزت شأو الرجال[viii]، وإن قالت الشعر فهي به أحق وأجدر. وقد تطورت الظروف والشروط التاريخية والثقافية، وتبدلت الحياة الاجتماعية، وتغيرت النظم ومجموعة من القيم، خاصة في العصر الحديث، وأقصد القرن العشرين، عالميا وعربيا، مع الاستعمار والاحتكاك الثقافي، والهزات القوية لما بعد البنيوية وما بعد الحداثة بكل تياراتها وأعلامها. ومع الحاجة إلى التغيير والخروج من شرنقة التخلف والتبعية، فتعددت المحاولات الساعية إلى تغيير الثقافة والوعي داخل المجتمع العربي، وأخذت تظهر محاولات جادة في الكتابة النسائية، من طرف ثلة من المبدعات، إن في الشعر أو في السرد (القصة والرواية).
ويذهب البعض إلى أن المرأة كانت سبقت الرجل في الكتابة الأدبية الحديثة في الساحة العربية، فنازك الملائكة سبقت السياب في ابتكار الشعر الحديث والحر بنظام التفعيلة، و"أن باكورة الرواية العربية -لا تتحدد في رواية "زينب" لمحمد حسنين هيكل- وإنما تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، بنصوص عديدة موقعة من طرف نساء عربيات، وفي مقدمتهن رواية "نتاج الأحوال في الأقوال والأفعال" التي نشرت عام 1885م، للكاتبة المصرية عائشة التيمورية (1840 ـــ 1902) أخت الأديب أحمد تيمور، والتي تعتبر اليوم أول إنتاج روائي عربي موقع بقلم نسائي، ثم رواية "صائبة" للكاتبة اللبنانية أليس بطرس البستاني التي نشرت عام 1891م، ورواية "فابيولا" للكاتبة عفيفة آظن الدمشقية التي طبعت عام 1895م"[ix].
ثالثا: ممكنات الدراسة النقدية للأدب النسائي:
لقد انتقلت الكتابة النسائية من الغياب إلى الحضور، ومن الهامش إلى المركز، ومن حيز الجحود والإنكار إلى أرضية الاعتراف والاحتضان. فأصبح من مؤثثات المشهد الأدبي العربي والمغربي -كما أخصه هنا- سيان بينه وبين ما يكتبه الرجل، وذلك بعد تحديات وجهود جبارة من الكاتبات الأوائل اللواتي حملن مشعل الثورة والتمرد، وأبين إلا إبراز صوت المرأة وقدرتها الإبداعية، وصياغتها سرديتها الخاصة التي تنماز بها عن الرجل، وتحفظ لها حقها في الوجود والخلود، ما دام الأدب الجيد طريق الإنسان -المبدع (ة)- إلى الخلود. ومع أواخر القرن العشرين ومستهل الألفية الثالثة، نشط الأدب النسائي كثيرا وبرزت في الساحة العربية كاتبات كثيرات، منهن على سبيل المثال: الزهرة رميج، فاتحة مورشيد، زهور كورام، وئام المددي، خديجة المسعودي، سلوى ياسين، سكينة حبيب الله، فاطمة الميموني، بهاء طرابلسي، ليلى السليماني ... إلخ.
أسهمت إبداعاتهن في إبراز مكانة المرأة، وحاجة الثقافة الإنسانية وكونيتها إلى إبداع المرأة إلى جانب إبداع الرجل، فيصير الأدب أكثر اقتدارية على رصد التجربة الإنسانية بكل اشتراطاتها، ونقلها بشكل فني جمالي متعدد المياسم والرؤى، وهذا ملمح إيجابي فيه وليس منقصة، فيسهم في خلق مساحات للتلقي متعددة ويحشد إليه الكثير من القراء. وفي هذا الصدد، يمكننا تشبيه المرأة المبدعة والكاتبة ببروميثيوس سارق الشعلة المضيئة، كناية على العلم والمعرفة والتنوير والوعي، والتي يريد بها إنقاذ بني جلدته (وهنا، ترغب المبدعة في إنقاذ كل النساء) وأن يطلعهم على أسرار الآلهة، علهم يخلدون. من تلكم المنطلقات، يصير بمكنتنا القول: إن الإبداع النسائي، بصفة عامة، له أهمية كبرى في التّعبير عن التجربة الإنسانية وخاصة المرأة وعوالمها بقدر قد لا تستطيعه أمهر الأقلام الإبداعية الرجالية.
إذ يسهم هذا الأدب في بناء الكونية والمشترك الإنساني. وبهذا نجحت الكاتبات في إيجاد طرق للخروج من دائرة الرجل أو صورته، من خلال اتجاههن إلى تشكيل خطاب أنثوي، لا يمكن تقييده فكرياً ونسبته إلى تراث نظري معترف به أو أن يكون نتاجاً رجالياً، بل له فرادته وتميزه، ومن أجل التحرر من سلطة أو حقيقة مذكرة انجذبت جل الكاتبات لنظرية ما بعد البنيوية وموجات ما بعد الحداثة... لإذكاء روح التمرد والدفع بالنزوع للحرية إلى أقصى التخوم الممكنة، خاصة عند الرافضات منهن الجزم بالسلطة والحقيقة الذكورية أو التي هي من إنتاج وتشييد الرجل. من هنا، وفي ظل التجاذبات الفكرية والمعرفية لما بعد الحداثة وعلاقتها بقضية الكتابة النسائية، تغدو الأخيرة ظاهرة جماهيرية تهدف إلى إضفاء الشرعية على التجربة النسائية التي كانت مهمشة عبر التاريخ في المجتمع الإنساني ككل، وكانت تعد تجربة ثانوية.
لقد كانت النساء محرومات من التعبير عن أنفسهن ومنهن من كن يكتبن بأسماء رجالية مستعارة مثل مودي إيتون - رولنغ – إليوت- فيرنون لي- كاترين برادلي وإيديث كوبر[x]. لكن الكتابة النسائية اليوم، أضحت واقعا فرضه تحرر المرأة وكرسه الخطاب المعبر عن النوع الاجتماعي، والذي هو شكل من أشكال تعبير المرأة عن ذاتها وعن رؤيتها للعالم. في ظل هذا الربط، يمكن أن نتبين الملامح المميزة لهذا الخطاب. لأنه حينما نربط هذا الخطاب بالنوع الاجتماعي، فهذا يمكننا من النظر إليه باعتباره ظاهرة اجتماعية ثقافية معقدة تختزل الوعي الأنثوي الذي له خلفية جندرية. ولعل هذه النقطة الأخيرة المحملة بالنزعة الإيديولوجية، والتي يتلبس بها خطاب الحركة النسوية، التي كانت جزءا من نسق عام يؤسس نفسه اعتمادا على التطورات والنقلات التي كانت تحدث في ميدان المعرفة والعلوم الإنسانية والسياسية منذ الستينيات.
هذه الملابسات هي التي جعلت البعض ينفر من النسوية وخطاباتها، نظرا لما يبشر به المفهوم من تغيير وتحول في نسق العلاقات الاجتماعية على أساس المساواة، ومراجعة جذرية لمسألة النوع في أبعادها الثقافية، والتربوية، والإعلامية، والاجتماعية، والسياسية، وحتى والقانونية. وهذا "حال النسوية في الثقافة العربية، وما يرتبط بها من نقد وكتابة نسائيين، لا يمكن الخوض فيهما بمعزل عن التيارات الفكرية والفلسفية واللسانية التي كانت تفرض نفسها على أهل الفكر والثقافة باعتبارها إبدالات وتشييدات فكرية قمينة بتأسيس فهم جديد بالظواهر والممارسات الثقافية العربية"[xi]. وعموما، ليس بمكنتنا إلا الإقرار بفاعلية الكتابة النسائية، وأهميتها في الواقع المعاصر اليوم، لأنها تسهم في تقديم رؤى مختلفة عما يقدمه الرجل للظواهر والعالم والأشياء، وتفاعل الإنسان معها.
فمشروع فاطمة المرنيسي، تمثيلا لا حصرا، انطلاقا من "ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية"، أو "شهرزاد ترحل إلى الغرب"، أو "الإسلام والديموقراطية: الخوف من العالم الحديث"، مشروع غني، يقدم استقصاءات فذة حول قضية المرأة وطبيعة التمثيل الذي تُقدم به إن اجتماعيا، أو ثقافيا، أو دينيا، أ تاريخيا. إذ تعمل على لفت الانتباه لقيمة المرأة في المجتمع، وإزاحة التصورات الخاطئة حولها والتي شيدها الفكر الذكوري عبر التاريخ، مستعصما بمكانته الريادية والسلطوية في التدبير عبر التاريخ، فشيد تصوره للمرأة وفق ما يخدم أهدافه ونزوعاته الذكورية دون أن يأبه لخصوصية المرأة وعالمها النفسي والوجداني وحتى الثقافي الذي يحفظ لها كرامتها وحريتها، والتعبير عنها مثلها في ذلك مثل الرجل. ويمكن تعميم هذه المخرجات، وإن بنسب متفاوتة، على المشاريع الإبداعية سواء في السرد أو الشعر للكاتبات المغربيات في المغرب المعاصر اليوم. مما يؤكد مدى خدمة هذا الأدب لخريطة الآداب العالمية، وإسهامه في إغناء المشترك الإنساني، وتقديم رؤى جديدة للعالم والوجود والأشياء، تغني الثقافة والمعرفة الإنسانية لا أن تُحجِّمها وتطبعها بمياسم السلبية.
على سبيل الختم:
إجمالا يمكن القول إن الكتابة النسائية أو الأدب النسائي، فرض نفسه وأثبت وجوده بجدارة وقوة في معترك الأدب عالميا وقطريا أو حتى وطنيا، وهو أدب ما زال يشهد تناميا مطردا، إن على مستوى الكم أو على مستوى الكيف. في المواضيع المطروقة والمخيال الذي تصاغ به وعبره، وأيضا في تقنيات الكتابة: كاللغة، والرمز، وتوظيف الشخصيات والصراع بينها بما يخدم ارتهانات هذا الأدب، وقضاياه التي نذر نفسه لها وتبليغها لكل أوساط القراء. إذ "من المعلوم أن الأدب خطاب يجمع بين الفن والفكر أو بين المتعة والفائدة، ونظرا لأنه يعتمد الخيال كما يعتمد الوقائع والحقائق، ويستنفر الانفعالات والعواطف كما يستفز الأفهام والأوعاء، فقد اختلف في تقديره وتقويمه بحسب غلبة هذا العنصر أو ذاك وبحسب وجهة النظر التي ينطلق منها الكاتب أو التي ينطلق منها القارئ أو الناقد، ولذلك فهو الخطاب الذي يمكنه أن يتمثل سائر الخطابات في داخله أو من خارجه"[xii].
ومن هنا، يصير الأدب وثيق الصلة بالثقافة وواحد من مكوناتها ورافد من روافدها. وهذا واضح بشكل جلي لما نجد جميع التيارات الفكرية والسياسية والثقافية تركب صهوة الأدب من أجل تمرير خطاباتها وتبرير مواقفها وتأكيد نزوعاتها ونزعاتها، إيمانا منها بأن الأدب هو بؤرة الثقافة ومركز تقاطعاتها والممثل الجامع لروح العصر -كما يقول دلتاي-. وفي هذه الأوفاق تتحدد القيمة الكبرى للأدب النسائي، وجدوى حضوره، بل وشرعيته في الوجود إلى جانب أدب الرجل، لإغناء الثقافة والمعرفة الإنسانية.
نؤكد في الأخير أن كل هذا التنامي والتطور، وزخم الحضور وتوالد الأعمال الإبداعية النسائية وتنوعها. يعكس جوانب جديدة لدور المرأة ومكانتها في العالم. مما يعد مؤشرا على أنها تزيل الملامح العامة المحددة للصورة النمطية للمرأة ودورها التقليدي في المجتمعات الإنسانية، لتبنى صورة نمطية جديدة، نعتقد أنها في طور التشكل، لأنها ما زالت متغيرة باستمرار باعتبار المتحقق في هذا الأدب والأعمال الجديدة التي تظهر بعد على الساحة أيضا. وبالتالي فإن هذا يجعلنا ننتقل من الإبدال الفكري القديم إلى إبدال جديد يتقصد ضبط العلاقات بين الرجل والمرأة على أسس نوعية جديدة، تراعى فيها التسنينات الثقافية والاجتماعية والسياسية والحقوقية الآنية على المستوى العالمي، ومدى الحوار والتفاعل المعرفي والثقافي والإبداعي المغربي معها.
المراجع المعتمدة في المقال:
- إبراهيم أحمد ملحم، الأنثوية في الأدب النظرية والتطبيق، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2016م.
- جميل ابن معمر، ديوان جميل بن معمر، دار بيروت للطباعة والنشر، 1982م.
- حنة إرندت، الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، مكتبة الفكر الجديد.
- ربيعة العربي، هل الكتابة النسائية موجودة، جريدة الحوار المتمدن، العدد 7209، بتاريخ: 02/04/2022م.
- سعيد يقطين، الأدب والمؤسسة نحو ممارسة أدبية جديدة، منشورات الزمن، الرباط، مارس 200م.
- عبد العزيز كوكاس، الكتابة النسائية والإخصاء الذكوري.. والحمض النووي المستلهم، موقع جريدة المدائن.
https://almadayinpost.com/3570.html
- عبد الفتاح كيليطو، المقامات السرد والأنساق الثقافية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2001م.
- فضيلة الفاروق، اكتشاف الشهوة، رواية، منشورات رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2006م، ص:130.
- محمد بوجندار، جريدة السعادة، ع 16 -3- 1923. عن (الفكر الأدبي العربي المعاصر بين ثقافة المقاومة ومقاومة الثقافة، محمد خرماش، مجلة علامات، العدد 32، ص: 125).
- محمد خرماش، الفكر الأدبي العربي المعاصر بين ثقافة المقاومة ومقاومة الثقافة، مجلة علامات، العدد 32.
- محمد كمال، النسوية الأكاديمية تجنح إلى تفكيك أنساق الهيمنة والتواطؤ الثقافي، جريدة الأيام، العدد 8279، بتاريخ 10/12/1011م. الموقع الإلكتروني:
https://www.alayam.com/alayam/Variety/123726/News.html
[i] فضيلة الفاروق، اكتشاف الشهوة، رواية، منشورات رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2006م، ص:130.
[ii] حنة إرندت، الوضع البشري، ترجمة هادية العرقي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، مكتبة الفكر الجديد، ص: 197.
[iii] محمد خرماش، الفكر الأدبي العربي المعاصر بين ثقافة المقاومة ومقاومة الثقافة، مجلة علامات، العدد 32، ص: 125.
[iv] محمد بوجندار، جريدة السعادة، ع 16 -3- 1923. عن (الفكر الأدبي العربي المعاصر بين ثقافة المقاومة ومقاومة الثقافة، محمد خرماش، مجلة علامات، العدد 32، ص: 125).
[v] جميل ابن معمر، ديوان جميل بن معمر، دار بيروت للطباعة والنشر، 1982م، ص: 36.
[vi] ينظر في هذا، أعمال عبد الفتاح كليطو المشتغلة على السرد والحكي القديم، خاصة ألف ليلة وليلة. وكذلك: سعيد يقطين، الأدب والمؤسسة، منشورات الزمن.
[vii] إبراهيم أحمد ملحم، الأنثوية في الأدب النظرية والتطبيق، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2016م، ص: 10.
[viii] إبراهيم أحمد ملحم، الأنثوية في الأدب النظرية والتطبيق، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2016م، ص: 11.
[ix] عبد العزيز كوكاس، الكتابة النسائية والإخصاء الذكوري.. والحمض النووي المستلهم، موقع جريدة المدائن.
[x] ربيعة العربي، هل الكتابة النسائية موجودة، جريدة الحوار المتمدن، العدد 7209، بتاريخ: 02/04/2022م.
[xi] محمد كمال، النسوية الأكاديمية تجنح إلى تفكيك أنساق الهيمنة والتواطؤ الثقافي، جريدة الأيام، العدد 8279، بتاريخ 10/12/1011م. الموقع الإلكتروني:
[xii] محمد خرماش، الفكر الأدبي العربي المعاصر بين ثقافة المقاومة ومقاومة الثقافة، مجلة علامات، العدد 32، ص: 121.