هذا كتاب مهم صدر بالانجليزية والفرنسية في وقت واحد. ولأن الكتاب صادر عن أستاذ جامعي فإنه يضع القضية في أبعادها الأعمق، ويبلور التغير الجذري في الخطاب حولها. ولذلك تعرض لحملة من الصهاينة المكارثيين في فرنسا وعلى رأسهم وليام غولدنيل، برنار هنري ليفي، إريك زمور، رفائيل أنتوفين، وألان فينكلكروت.

غزة: عن إبادة معلنة

بوعلام رمضاني

 

تعدُّ الإبادةُ المُعلنة التي ما زال يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة، في تقديرِ الكاتب والمحلل السياسي الفرنكولبناني جلبير أشقر تحولًا في التاريخ العالمي. الإبادة المستمرة، أو النكبة الجديدة، هي أفظع من نكبة عام 1948، حسب البروفيسور الفخري في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن، والمتعاون المنتظم مع صحيفة "لوموند ديبلوماتيك"الفرنسية الشهيرة.
في كتابه الهام "غزة: إبادة معلنة... تحول في التاريخ العالمي" (241 صفحة من القطع المتوسط ـ دار لاديسبوت في باريس)، يُؤكد ما ذهب إليه بعض الكُتّاب الفرنسيين القلائل الذين ما زالوا يفنّدون أطروحات الإعلاميين والكتّاب المكارثيين (ألان غريش، إدوي بلينيل، جان بيار فيليو، باسكال بونيفاس، ودومينيك فيدال ضد وليام غولدنيل، برنار هنري ليفي، إريك زمور، رفائيل أنتوفين، وألان فينكلكروت). أثبت الأستاذ أشقر بالأدلة والتحاليل والحقائق التاريخية ما كشف عنه قبل كثير من الكتّاب الفرنسيين المؤرخ اليهودي إيلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، الذي صدر في باريس عام 2005 عن دار فايار، قبلَ أن يُسحب من السوق في قالب ناعم، وظهوره مُجدّدًا في حُلّة إخراجية مُتواضعة تواضع دار لافابريك المحدودة الإمكانات.

بعيدًا من حجة "السابع من أكتوبر"
يُعلن أشقر في مقدمة كتابه، الذي يجدر أن يُترجم إلى اللغة العربية، عن مُقاربته التي لا تَدع مَجالًا للشكِّ. ينطلِق الكاتب مُفنّدًا زعم إسرائيل أن ردَّ فعلها الحربي، غير الإبادي في تصوُّرِ قادتها، كان ردًّا على مذابح السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. لا علاقة مُباشرة لإبادة غزة بالشكل غيرِ المسبوق الذي تمت به هجمات السابع من أكتوبر، الأولى من نوعها في تاريخ المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية في تقدير الكاتب أشقر، وهي المُواجهة غير القابلةِ للمُقارنة بالإبادة التي ردّت بها إسرائيل على النحو الذي يُؤكد شرعية مُقاربتها فكريًّا كتَكريس للسجل الإبادي القديم للدولة الصهيونية منذ تأسيسها.
كما كان مُنتظرًا من مُحلل حصيف ونبيهٍ ومُتخصص دارس للموضوع، عاد أشقر إلى المسار التاريخي الذي أدى إلى الكارثة المستمرة، مُستندًا إلى بحثٍ توثيقي عميق مكّنه من الخروج باستنتاجات دراماتيكية لم تَطَل الفلسطينيين فحسب، بل شعوبُ المنطقة العربية في علاقتها بعالم غربي تواطأَ جهرًا مع دولة صناعية مُتقدمة للقيام بأول إبادة شكّلت تحوّلًا في التاريخ العالمي.
تحت وطأة حس منهجي متقدم، تمكن الكاتب من بلورة خطة محكمة ومتينة تضمّنت ثلاثة فصول، عالج فيها إبادة غزة فكريًّا وبعدها التاريخي العالمي، والماضي السياسي للمشروع الصهيوني (الفصل الأول) الذي أدى منطقيًّا إلى النكبة الثانية، أو الكارثة (الفصل الثاني)، وتعاليقه عنها وأفقها المستقبلي المرادف أساسًا لسيناريو "إسرائيل الكبرى" بقيادة بنيامين نتنياهو الماضِي في نهجه الإبادي باسم معاقبة الفلسطينيين "الإرهابيين الهمجيين"، على حد تعبير أنصاره من اليمين المتطرف، وتجسيدًا لضغطهم السياسي المستمر (الفصل الثالث).

إدخال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كممثل لأقوى دولة تدعم إسرائيل، في الخاتمة جاء كأمر واقع من منطلق المقاربة التاريخية الكاملة، أما ملحق التصريح حول معاداة السامية والقضية الفلسطينية فهو أمر واقع آخر يفسّر الدعم الغربي لإبادة تدخل في صلب المشروع الصهيوني، كما جاء في صلب كتاب أشقر، ولا علاقة له بوهم معاداة السامية، كتجارة سياسوية ستسمح لنتنياهو بالاستمرار في الحكم والهروب من حكم العدالة. حسب أشقر، لم تعد شعبوية المتاجرين بمعاداة السامية تُقنع إلا أنصار الظلم الاستعماري كهمجية أولى ردّ عليها المظلوم بالعنف الهمجي المتاح رغم أنفه، كما أكد ذلك المؤلف في كتابه "صدام الهمجيات"، مُختلفًا مع فرانتز فانون في التعبير عنه رغم إيمانه بفكره المناهض للاستعمار كظالم أول.

جمع مقالات بشكل منهجي
المقالاتُ السياسية التي نشرها المُؤلف باللغات العربية، والفرنسية، والإنكليزية (ومن بينها تلك التي نشرها في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك") بعد السابع من أكتوبر في صحفٍ ومواقع أجنبية وعربية، مقالات أضحت مادةً فكرية عميقة تم تبويبُها في فهرسٍ مدروس وضعَ صاحبه إبادَة غزة في سياقها التاريخي السابق بكثير لهجماتِ السابع من أكتوبر. للكشف عن ذلك، بمُقاربة تاريخية شاملة تعكِس النية المُبيّتة لنشأةِ كيان يستهدفُ السيطرة ليس على فلسطين فقط، سعى المؤلف جلبير أشقر من خلال كتابه إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة. تمثّلت هذه الأهداف في تحليل المسار التاريخي التراجيدي الذي سبق إبادة غزة، وفعَل ذلك بعودته إلى أصول الصهيونية، وإلى سياقِ بُروز حركة حماس كمُقاومة ضد احتلال استعماري تاريخي يستهدفُ البلاد الفلسطينية من دون تفرقة دينية، أو أيديولوجية، طالبًا الاستسلام، أو السلام الذي يُكرّس وجوده العنصري والاستعماري. وتمثّل الهدفُ الثاني في تحليل السياق الذي أدّى إلى أحداث السابع من أكتوبر بعينٍ قريبةٍ فاحصة لكلِّ المُعطيات التي أدت إلى بروزه كرد فعل، حتى وإن كان يراه إرهابيًّا إذا استندنا إلى معيارِ قتلِ مدنيينَ لا يحملُون السلاح كما كتب المُؤلف، وهو نفسه الذي كتبَ أنَّ إبادةُ غزة ما هي إلا حلَقةٌ جديدةٌ في مسارِ دولة إرهابية قامت بالتطهير العرقي لمدنيينَ مُسالمين قبل ثمانينَ عامًا تقريبًا، وتقومُ بالشيء نفسه اليوم.

مسؤولية حماس
أخيرًا، وبعد وضعِ إبادةِ غزة في أفقٍ مُستقبلي لا يعني الفلسطينيين وحدهم، بل يعني كلَّ الشعوبِ العربية والإسلامية المُكبَّلة في تقديره، والتي يجبُ أن تتوحّدَ ضدَّ الصهيونية الاستعمارية ما دامت كلها مُستهدفة؛ راحَ المؤلف يقفُ عند تداعياتِ السابع من أكتوبر من منظورٍ نقديٍّ لحركة حماس. أراد المؤلف، وهو يتحدث عن الهدف الثالث من كتابه، أن يأخُذَ المسافة الفكرية، أو العقلية البعيدة عن العاطفة، مُعتمدًا على تحليلٍ سياسي بارد. في تصوره، السابع من أكتوبر تسبَّبَ في تكلُفة كبيرة وغير مسبوقة للشعب الفلسطيني، وليس بالعقيدة الدينية لحماس يُمكن تحريرُ فلسطين، ولكن بإشراكِ وتوحيدِ كل الفلسطينيين في إطار ديمقراطي لقطع الطريقِ أمام يمينٍ مُتطرف عنصري نجح بقيادة بنيامين نتنياهو في توحيد الإسرائيليين بنسبة كبيرة خلافًا لما سبق من قبل، بفضل الانتفاضات الثورية السابقة. فساد القادة الفلسطينيين "الوطنيين"، واستسلام مُنظمة التحرير، وفشلِ اليسار قبل بروزِ حماس، ليست مُبررات للانفرادِ بمُقاومة وقعت في فخِّ العدو التاريخي في تقديرِ الكاتب.
الأستاذ أشقر، الذي قدّم نفسه أيديولوجيًّا أُممي النزعة، اتخذ من مثالي قتال "اتحاد سكان أنغولا" عام 1961 (الذي تحوَّل لاحقًا إلى "جبهة التحرير الوطني لأنغولا" تكريمًا لجبهة التحرير الجزائرية)، و"نمور التاميل في سريلانكا" كنموذجين لـ"إرهاب طاول آلاف المدنيين"، ولم يأتِ بنتيجة سياسية ملموسة في تصوّره، وأعطى لسلطتين دكتاتوريتين مُبرر القضاء على "إرهابيين" لبسوا ثوبَ المُقاومة بشكلٍ بشعٍ يُشبه ما فعلته إسرائيل عقِب هجمات السابع من أكتوبر رغم استحالة المُقارنة بين الطرفين. "الإرهاب" الذي ينطبق على حركة حماس، في تقدير الكاتب، سمحَ لنتنياهو بتطبيقِ ما يُسميه أنصاره "مذهبَ النصر"، تجسيدًا لسيناريو "إسرائيل الكبرى" الأسوأ بكثيرٍ من نتائجَ معاهدة "أوسلو" (فصل "سيناريوهان لغزة... إسرائيل الكبرى ضد أوسلو").

الكاتب نفسه كتب قبل ذلك: "هل عنصرية الأنغوليين ضد البرتغاليين البيض هي التي دفعت بهم إلى ما قاموا به ضدَّ البرتغاليين، أم أن السبب كان الحقد الناتج عن اضطهاد استعماري، وهل يمكن تشبيهه بما فعَلته حركة حماس ضد استعمار استيطاني عُنصري بغيض؟". كان رد الكاتب أشقر: "الإجابة عن ذلك بديهية، إنه الحقد الناتج عن عقود من الاضطهاد الاستعماري، ومُعاداة السامية لم تكن وراء السابع من أكتوبر".

 

 

عن (ضفة ثالثة)