هذه مناسبة حقيقية للاحتفال. لأن المعجم التاريخي للغة العربية كان حلما لمثقفي هذه اللغة طال انتظاره. وها نحن بإزاء مُعْجمٌ تاريخيّ تأصيليّ تطوّريّ: يجتهد في إثبات أصل اللّفظ القديم بمعناه القديم وصورته الأقدم المثبتة في نصّ مكتوب، ثمّ يرصد مراحل تطوّراته البنيوية والدلالية اللّاحقة ضمن تسلسل تاريخيّ من الأقدم إلى الأحدث.

اكتمال معجم الدّوحة التاريخيّ للّغة العربيّة

نهضة لُغويّة ومِنصّة مفتوحة

حسـين الزراعي



يُمكّن معجم الدّوحة التّاريخيّ للغة العربية من رصد مراحل تطوّر الألفاظ والمعاني، ويستشهد لها بشواهد تؤكّد صحّتها، في مدّ تاريخيّ وحضاريّ متّصل. وهو بهذا يعين على ردم هُوَّةِ القطيعة المعرفيّة بين الماضي والحاضر، القطيعة الّتي أوجدت انقسامات كبيرة بين المفكّرين والمثقّفين في مستويات مختلفة من تاريخ الأمّة. وفضلًا عن ذلك، فهذا المعجم يمكّن الأمّةَ من فهم لغتها الفهم الصّحيح، وإعادة قراءة النّصّ وتأويله بأدوات معرفيّة ثاقبة وراسخة، ويعين على تحصيل الفهم الأقرب إلى الصواب للألفاظ والمعاني في سياقات زمنيّة تمثّل زمن استعمالاتها التقريبي الذي ظهرت فيه بمعانيها الأقدم.

ومن ناحية أخرى، لم يضع منهج المعجم قيودًا على الشّواهد، أو المستعملين، أو الألفاظ، أو قيودًا على عضويّة الألفاظ والمعاني والشّواهد والمستعملين؛ فشواهده مختارة من الأديان والمذاهب والاتّجاهات والمعتقدات كافة، وشواهده منتخبة من المراحل الزّمنيّة عبر التاريخ كافة، ومصادره ممثّلة تمثيلًا زمنيًّا وجغرافيّا ومعرفيًّا؛ فالمعيار لرصد هذه الألفاظ وشواهدها هو أقدميّة الاستعمال، وأنّ الشاهد واضح الشهادة على صحّة جميع المعلومات.
يُنتظر من هذا المُنجز الحضاري أن يمثّل مرجعيّة شاملة للّغة العربيّة ومؤسّسات المجتمع العربيّ، لضبط وتوحيد لغة القانون والتّعليم والإعلام والاقتصاد والسّياسة، وأن يكون منصّة عالمية للانتفاع من المعجم، ومن مدوّنته المهيكلة المرقمنة المربوطة بالتاريخ والمصادر، وللإفادة منه في إعادة توصيف برامج اللغة العربيّة خصوصًا، والعلوم الإنسانيّة الأخرى عمومًا، وتحديثها في جميع مستوياتها. ويمثّل المعجم أيضًا أرضيّةً مناسبة لبدء شراكة وتنسيق دائمين بين المؤسّسات العربيّة كافة، ممن تُعنى باللّغة والتّراث والحضارة والهويّة والتّاريخ، ومرجعيّةً عربيّة موحّدة لحماية اللغة العربيّة والنّهوض بها والتخطيط لسياساتها. والمعجم بهذه المواصفات يؤسس لنهضة لغوية شاملة للأمّة في المستويات المعرفية كافة، التي مرّت بها الحضارة العربية عبر التاريخ الممتدّ الطويل.

المزايا والخصوصية وطرق مقترحة للإفادة من المعجم
أوّلًا: هو مُعْجمٌ تاريخيّ تأصيليّ تطوّريّ: يجتهد في إثبات أصل اللّفظ القديم بمعناه القديم وصورته الأقدم المثبتة في نصّ مكتوب، ثمّ يرصد مراحل تطوّراته البنيوية والدلالية اللّاحقة ضمن تسلسل تاريخيّ من الأقدم إلى الأحدث، فيُدرك من خلاله الباحث ـ مثلًا ـ أنّ أصل كلمة (الذَّرِيعَة) التي يشيع استعمالها بمعنى الوَسِيلَة وَالسَّبَب لِبُلُوغِ أَمْرٍ، قد جاء من كلمة الذَّرِيعَة التي ظهرت قديمًا بمعنى: البعير الّذَي يَسْتَتِرُ بِهِ الصَّائِدُ. وأنّ أصل كلمة الشبكة في سياق (شَبَكَة الهَاتِفِ) هو الشّرَك الذي ينصبه الصّيّاد في البرّ، أو في الماء. وأنّ أصل كلمة (الصّفقة) في التّجارة قد انتقل من ضَرْب اليَدِ عَلَى اليَدِ عند إِمْضَاء للبيع.
ثانيًا: هو معجمٌ معزَّز بالشّواهد الّتي تشهد على صحّة استعمال الألفاظ ودلالاتها في زمنها وتاريخها. ويورد المعجم لكلّ لفظ ومعنى شاهدًا واحدًا يتمتّع بصلاحية وموثوقية عُليا في الاستشهاد؛ وينتقي من بين عشرات، أو مئات، أو آلاف السّياقات، الّتي يتردّد فيها اللّفظُ في المدوّنة العربيّة سياقًا واحدًا ليكون هو الشّاهد الّذي له القدح المُعلّى في الاستشهاد به، لكونه يتوفّر على المواصفات العلميّة والمنهجيّة الّتي تجعل منه شاهدًا رصينًا. وقد عرف العرب منهج الشّاهد والاستشهاد على معنًى ما، أو بنية ما، ولكنّ ذلك لم يكن مطّردًا لكلّ الألفاظ، وقد كُتب لمعجمنا هذا أن يكون هو أهمّ عمل تاريخيّ من نوعه يورد شواهد لكلّ ألفاظه ومعانيه بهذه المواصفات الدّالّة على صحّة الاستشهاد.

وتقدّم هذه الشّواهد معلومات محايدة يفيد منها الباحث في اختصاصه، ففي مادّة (صدق) ـ مثلًا ـ ما يؤكّد على أنّ الناس كانوا يتصدّقون قبل الإسلام، ويظهر ذلك في شاهد شعر رصده معجم الدّوحة لعمرو بن قميئة البكريّ أثناء رحلته إلى امرئ القيس مادحًا له سنة 85 ق.هـ/ 539م، يقول فيه:
تَصَدَّق عَلَيَّ فَإِني امرِؤٌ... أَخافُ عَلى غَيرِ جُرمِ نَكالا.
وهذا المعنى ورد في الجاهليّة في غير هذا الشّاهد، ومن ذلك ما نُسب للأعشى في العين، وليس في ديوانه ـ وشعر الأعشى في الجاهليّة كثير يمتدّ إلى زمن النّعمان بن المنذر ـ يقول فيه:
ودّ المُصَدِّق من بني عمروٍ... أنّ القَبائِل كُلَّها غَنَمُ.
والمُتَصَدِّقُ والمُصَدِّقُ هو المعطي للصدقة. وتطوّر عن الفعل الجاهليّ (تصدَّقَ) مصطلحُ (الصّدقة) في الإسلام بمعنى العطاء تقرّبًا لله، وتأخّر ظهوره إلى حين نزول الآية الكريمة من سورة (البقرة: 263): (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ). أمّا لفظ (الزّكاة) فهو لفظ إسلاميّ، ولم يُعرف قبل ذلك بمعناه المعروف في الإسلام، ولكنّه تطوّر عن الفعل (زَكَا)، الذي ورد بمعنى الصّفاء والنقاء. جاء ذلك في قول ابن الحُداديّة الخُزاعيّ (قيس بن منقذ):
خُزاعَةُ قَومي فَإِن أَفتَخِر... بِهِم يَزْكُ مُعتَصَري وَالنَّسَب.
عرف مجتمع العصر العبّاسي ـ على سبيل المثال ـ تطوّرًا ملحوظًا تكاد لا تظهر فيه ملامح البادية على قرب عهده منها، يظهر ذلك جليًّا في ألفاظ واسعة استشهد لها المعجم بشواهد غنيّة في مواضع مختلفة، وأذكر منها كلمة (التّحايا)، التي هي جمعٌ للمفرد (تحيّة). ورُصد أول استعمال لها في معجمنا سنة 250هـ/ 864م، بمعنى الطَّاقَة مِنَ الزَّهْرِ وَالرَّيَاحِينِ، تُقَدَّمُ فِي مَجَالِسِ الشَّرَابِ، وشاهدها مقتبس من كلام للحسين بن الضّحّاك الباهليّ، ذكره ابن عبد ربّه الأندلسيّ في كتاب العقد الفريد:
"
فَأَمَرَ المُتَوَكِّلُ شَفِيعًا أَنْ يَسْقِيَنِي، وَبَعَثَ مَعَهُ إِلَيَّ بِتَحَايَا فِي عَبِيرٍ وَشَمَّامَاتٍ".
وظهر في هذا العصر استعمال جديد لكلمة (الأغنية) سجّلها معجمنا سنة 255هـ/ 869م، بمعنى: مَا يُؤَدَّى مِنَ الكَلَامِ مُوَقَّعًا بِالصَّوْتِ عَلَى أَوْزَانٍ مَخْصُوصَةٍ، مَصْحُوبًا بِمُوسِيقَى الآلَاتِ، أَوْ مُجَرَّدًا، مستشهدًا لها بشاهد من كلام للجاحظ جاء فيه:

"فَإِنَّ الأَسْمَاعَ قَدْ تَمَلُّ الأَصْوَاتَ المُطْرِبَةَ، وَالأَوْتَارَ الفَصِيحَةَ، وَالأَغَانِيَّ الحَسَنَةَ، إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا".
يقدّم هذا الاستشهاد معلومات محايدة عن مستوى الترفّه، كما يعبّر عن نوع من فنّ التعامل، أو الإيتيكيت الخاصّ بطبقة اجتماعيّة معيّنة. ولم يكن هذا العصر عصر ترفّه وتطوّر اجتماعيّ فحسب، بل كان عصر نهضة علمية ومعرفية في علوم مختلفة، منها علم الفلك. تفصح عن ذلك ألفاظ استشهد لها معجمنا بشواهد تعبّر عن مستوى يكشف عن درجة من التطوّر الفكري المبكّر، من ذلك كلمة (المزولة) التي هي آلَةٌ لِقِيَاسِ الزَّمَانِ رصد لها معجمنا أوّل استعمال سنة 500هـ/ 1106م، من شاهد يعكس لنا التقدّم الذي حصل في اكتشاف آلاتٍ لتنظيم الوقت، ولمعرفة أوقات ساعات النّهار. ومن ذلك كلمة (العنكبوت)، التي هي صَفِيحَةٌ مُخَرَّقَةٌ عَلَى هَيْئَةِ شَبَكَةٍ مُثَبَّتَةٍ عَلَى وَجْهِ الأَسْطُرْلَابِ، وقد استعيرت من اسم حشرة العنكبوت، وهي حشرة عُرفت بهذا الاسم منذ القدم، ولها دلالات عميقة تعكس نمط بيئة عتيقة في الرّمال، وهي الحشرة التي تطوّر عنها ما يُعرف اليوم بالشبكة العنكبوتية المرصودة في معجمنا ضمن شواهد أواخر القرن العشرين.

توضّح دلالاتُ العنكبوت ببساطة الفارقَ الزّمنيّ والفكري بين الحضارات، وفي الوقت ذاته تنقل لنا معلومات دقيقة عن البيئة والتطوّر الفكريّ والتقدّم العلميّ من خلال كلمة واحدة، وهنا تكمن مزيّة حيويّة للمعجم التاريخيّ تجمع بين حيادية المعلومات المستقاة من ألفاظ بريئة استُعملت استعمالات بريئة تمثّل قيمة معرفيّة محايدة تكشف عن علم، أو عن بيئة، أو عن حضارة، أو إنسان، من ناحية، والحفاظ على سلسلة التطوّر والامتداد الحضاري والمعرفيّ من ناحية أخرى، فالكلمة الواحدة مخزونٌ كبير من المعلومات المعبّرة عن شيء ما جدير بالاكتشاف والاهتمام، وجدير بتقديم الأفكار الملهمة التي قد تعيد الاستكشافات في أحداث التاريخ، من خلال كلمات قد تُنصف الحقيقة. فالكلمات في معجم الدّوحة التاريخيّ لا تُقاس بمعانيها وحسبُ، كما هو الحال في المعاجم العامّة، وإنما تقاس بعمرها الطويل الممتد عبر ألفي عام؛ بحيث تراكمت المعاني الكثيفة عبر الزّمن على لفظ واحد، مما جعل اللفظ الواحد مكتنزًا بدلالات لغوية واجتماعية وفكرية وحضارية، وهذا التراكم هو الذي جعل هذه الألفاظ تتسم بالعمق والتدفّق، بما يغري الباحثين في اختصاصاتهم المختلفة، ويدفعهم إلى محاولة استنباط مخزونه الثقافي الغامض، أو المندثر.

وكثير من الألفاظ لا يُلحظ عليها التطور كثيرًا، ولا تزال تُستعمل بالاستعمال نفسه الذي كان لها قبل مئات السنين. وهذا يدل على أن هذه الألفاظ لا تزال تعيش بيننا في بيت واحد، وفي مجتمع واحد، نتقاسم معها ثقافة الآباء والأجداد، ‏رغم أنها تكبرنا بمئات السنين.
وفي هذه الأمثلة تتجلّى أهمّية معجم تاريخيّ يُنتظر منه حماية منجز الأمّة الحضاريّ واللّغويّ من الضياع والتشتّت، أو الاختلاط.

ثالثًا: معجم معزَّز بمعلومات عن النّقوش الأثريّة والنّظائر السّاميّة، كالسبئية، والآراميّة، والأكّاديّة، والكنعانيّة، والعبريّة، وغيرها. يحرص على أن يكون مرجعيّة أساسيّة للّغات الّتي تفرّعت عن الأخوات السّاميّات الّتي قد تحتضن واحدةٌ منها الأصلَ الذي جاء منه لفظٌ ومعناه، أو تتقاسمه مع غيرها من هذه اللغات، ويُظهر الارتباطُ بين هذه العائلات في عدد كبير من الألفاظ والمعاني أهمّيّةً في دراسة الظّواهر اللّغويّة ووصفها وتفسيرها تفسيرًا جديدًا، فاللّون الأزرق ـ مثلًا ـ من الألوان الغامضة الّتي يصعب فهم دلالاتها القديمة من دون ربطه بنظائره في اللّغات السّاميّة الّتي تشترك مع العربيّة في استعماله. واللون الأزرق طبقات، ويصعب معرفة أنّ المقصود به هو السّماويّ، أو الفاتح، وليس سائر طبقات اللون الأزرق إلا إذا قرأناه من خلال عشرات النصوص. يُعرف ذلك من خلال معنى هذا اللون في اللغة السريانية، وهو ما نقتبسه من معجم الدّوحة التاريخيّ للتوضيح:
 السُّرْيَانِيَّةُ
z-r-q
ܙܪܰܩ zәraq (رَشَّ بِالمَاءِ)
ܙܳܪܩܳܐ zārqā  أَزْرَقُ العَيْنِ، أَزْرَقُ سَمَاوِيٌّ.
أما الأزرق الدّاكن فلم يكن يُعبّر عنه بالأزرق، وإنّما هو ضرب من اللون الأسود، شأنه شأن بعض معاني اللون الأخضر الدّاكن الذي يعد نوعًا من الأسود في الاستعمالات القديمة.
وتشترك نظائر أخرى، ومنها الجعزية مع العربية في المِزْراق الذي يعني الرُّمح. وهذا يفسر انتشار معنى النّفاذ في مادّة (زرق)، وهذا مثال آخر مقتبس من معجمنا للتوضيح:
الجِعْزِيَّةُ
z-r-q
 mәzrāq ምዝራቅ رُمْحٌ
وفي المَهْرِيَّةُ
z-r-q
zērәq /zәwәrrәq ضَرْبٌ مِنَ الثُّعْبَانِ السَّرِيعِ.

وفي الغالب، متابعة أصول المادّة المتعددة الأصول من دون الرّجوع إلى نظائر هذه المادّة؛ فمادّة (زرق) غنيّة بدلالاتها التي ترجع أصولها إلى نظائر مختلفة؛ المادّة تستمدّ أصول معانيها ومبانيها من فروع مختلفة من المشترك بين العربيّة والنّظائر السّاميّة، مع إبدال أو تعاقب بين أصوات الكلمة في كثير من المقابِلات لها، وتقوم على معانٍ أصول ومعانٍ فرعيّة أهمها الدلالة على: الحالة، أو اللّون الأزرق الصّافي، الذي من بين دلالاته القديمة (البياض والخضرة والصفاء) والدّفع والنّفاذ في الشّيء والسّرعة والانقلاب والتّحوّل والمكر والخداع والعداوة وحدّة البصر، وهذه المعاني مشدودة إلى أصول من اللغة العربيّة وأصول أخرى من نظائرها في اللغات السّاميّة على النحو الذي أثبته معجمنا لكلمة (النّظام) التي تنضح بمعانٍ ودلالات واسعة يُفهم منها أنّ عددًا من اللغات السّاميّة تشترك في معانيها الأصول كما تشترك في طريقة استعمالها بالمعاني الحديثة، فكان استعمال كلمة (النظام) لمعانٍ منها: إدخال اللّؤلؤ، وغيره، وترتيبه في خيط واحد، وثقب الأنف، أو الأذن، لوضع حلية، وبَيْض الضب المتّناسق، وتطوّر اللفظ إلى معانٍ جديدة منها: ترتيب الألفاظ، وترتيب الأفكار، ونظام أو قانون، وطريقة في الشعر الموزون، ونظام كتابة، ونظام حكم سياسي، أو آليّة سلطة، أو حكم، وقد احتفظت اللغة العربية بأغلب هذه المعاني ورصدها المعجم التاريخي بجميع دلالاتها وتواريخ تطورها.
رابعًا: معجم تأثيليّ تأصيليّ يعكس حجم التّفاعل الحضاريّ والعالميّ مع الأمم والحضارات الأخرى، من خلال إدراجه للألفاظ المعرّبة عن أصل أعجمي، مع رصد تاريخ دخولها إلى العربيّة ومحطات تحولاتها الحضاريّة، وقد انصهرت منذ آلاف السّنين ألفاظ عدّة في نسيج اللّغة العربيّة، ودرج استعمالها على الألسنة فصيحَةً مُفصَّحةً، حتّى ليظنّ بعض المختصّين أنّها عربيّة محضة، وهذه الألفاظ رغم أنّها ترجع إلى أصول غير عربيّة، إلّا أنّ ذلك لم يمنع من أن تكون جزءًا من تركيب لغة القرآن الكريم، والشّعر العربيّ، والنّصوص الأخرى كافة، وكان من الضروريّ في منهج معجم الدّوحة التاريخيّ أن يميّز هذه الألفاظ، وأن يُجنّد لها مختصّون في لغات الحضارات الشرقية، كالفارسيّة، والتركية، والهنديّة، ومختصّون من لغات الحضارات الأوروبية، كاللاتينية، واليونانية، وغيرها، والغاية من ذلك ليس هو تمييز اللفظ العربيّ من غيره لمجرّد التمييز، وإنّما لغايات أهمّها تنظيم العائلات اللّغويّة في أنساق صحيحة، بحيث لا تختلط اختلاطًا يؤدّي إلى تضليل الفهم اللّغويّ، أو انحراف مسار النتائج العلميّة؛ فمعرفة أنّ أصل كلمة (ديباج) فارسيّ، وليس عربيًّا يحول من دون وقوع التباس في أنّ اللفظ من مادّة (دبج) العربيّة، وأنّ معرفة أصل كلمة (الطُّنّ) بمعنى المقدار يمنع وقوع استنتاج أنّ الطُّنّ له صله بالطّنين، ومن أهمّ الغايات لمسألة التأثيل، وتمييز الألفاظ المعرّبة اكتشافُ الرّوابط التاريخيّة للحضارة العربيّة مع الحضارات الأخرى؛ بحيث نفهم أنّ لفظ (الأصطرلاب) اليونانيّ الأصل، ودخوله إلى العربيّة كان في وقت يعكس درجة من التلاقح الفكري بين علماء العرب واليونان، كما يعكس تقدّم الترجمة وخدمات المعارف في وقت مبكّر.

خامسًا: معجم معزَّز بالمعلومات الموثّقة والموثوقة: يَستشهد على كلّ لفظ ومعناه ووسمه بشاهد له يشهد على صحّته، مع ذكر المستعمل له وتاريخ وفاته، أو تاريخ استعمال الشّاهد، وذكر معلومات المصدر الموثّق منه والمؤلّف ومكان وتاريخ صدوره. وهذه الموثوقية تجعل الباحث دومًا مطمئنًّا إلى مصادره، وتجعله قادرًا على التوصّل إلى نتائج جيّدة، وهذا أنموذج لتوثيق شاهد شعر للفظ (سندس) من المصدر المستشهد منه، وتسبقه معلومات غنيّة عن تأثيل أصله من اللغة اليونانية، كما ورد في معجم الدوحة التاريخي.

اليُونَانِيَّةُ σάνδυξ ,sándux
سُنْدُس: ضَرْبٌ مِنَ رَقِيقِ الحَرِيرِ، نَبَاتٌ يُصْبَغُ بِعُصارَتِهِ الكتّانُ لِيَتَّخِذَ اللَّونَ الأَحْمرَ الفَاتِحَ.
السُّنْدُسُ: ضَرْبٌ مِنْ نَسِيجِ الحَرِيرِ، أَوِ الدِّيبَاجِ، وَتَذْكُرُ بَعْضُ المَصَادِرِ العَرَبِيَّةِ أَنَّ أَصْلَ لَفْظِ سُنْدُسٍ فَارِسِيٌّ، وَلَعَلَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ مِنْ أَصْلٍ يُونَانِيٍّ، وَأَنَّهُ دَخَلَ العَرَبِيَّةَ مُبَاشَرَةً، أَوْ عَنْ طَرِيقِ الفَارِسِيَّةِ. الفَارِسِيَّةُ
zardūz, sangdūz:  ضَرْبٌ مِنْ رَقِيقٍ حَرِيرٍ.
الجواليقيّ، المعرّب، 361؛ عليّ 2001: 427-428 —
Fraenkel 1982: 41; Jeffery 2007: 179-180; Asbaghi 1988: 168; Cheung 2017: 328
قبل 13 ق.هـ/ 609 م السُّنْدُسُ: نَوْعٌ مِنَ الحَرِيرِ؛ وَهُوَ الدِّيبَاجُ الرَّقِيقُ.
قَالَ يَصِفُ شِدَّةَ عِنَايَتِهِ بِفَرَسِهِ:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا أَنَّ شِكَّةَ حَازِمٍ... لَدَيَّ وَأَنِّي قَدْ صَنَعْتُ الشَّمُوسَا
وَدَاوَيْتُهَا حَتَّى شَتَتْ حَبَشِيَّةً... كَأَنَّ عَلَيْهَا سُنْدُسًا وَسَدُوسَا؟

يزيد بن الخَذّاق الشَّنّيّ العَبْديّ.
شعراء عبد القيس وشعرهم في العصر الجاهلي: جمع وتحقيق ودراسة: عبد الحميد المعيني، مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، الكويت، (2002م)، 355.
سادسًا: يتيح المعجم مدوّنة مهيكلة مربوطة بالمصادر والتاريخ يتردد فيها اللفظ مرّات عديدة، ومن مزايا هذه الخاصّيّة: إمكانية الحصول على معلومات محايدة عن الألفاظ؛ فبإمكان الزّائر البحث بنفسه ليستوثق من تردّد الألفاظ، أو ليتيقّن من التعريف، أو ليعيد جمع معلومات كافية عن التعريف من خلال استقراء ورودات اللفظ في حقل معرفيّ معيّن، أو في حقبة زمنية معينة، أو ليحلّل معطيات معيّنة تعينه في اختصاصه؛ ولذلك يمكن للبحاثين الحصول عن معلومات محايدة عن مفهوم من المفاهيم، كما يمكن له أن يُجري بحثًا عن معاني (الظلم)، أو (الغضب)، أو (الكرم)، أو (التعميد)، أو (التحليل)، وماذا يعني كل منها في الثقافة العربيّة. وأنثروبولوجيًّا، من الأهمية بمكان إجراء تقصّ إحصائيّ حول ظاهرة ثقافية مؤثرة في المجتمع، مثل ثقافة الطّرَب، أو ثقافة الفروسيّة، أو ثقافة التّداوي بالأعشاب، أو يجري تقصٍّ عن نمط من الأطعمة، أو يجري إحصاءً حول مرض من الأمراض، أو طائر من الطيور؛ فالذي سيبحث عن لفظ (الببغاء) في أوّل مئتي سنة قد لا يجد له ذكرًا، في مقابل ألفاظ: الغراب والصقر والنسر الّتي تتردّد آلاف المرّات. وهذه معطيات محايدة حول البيئة العربية القديمة وتاريخ ظهور مسميات هذه الطّيور، يَستخلص من ذلك الباحثُ أنّ الببغاء لا يمثّل جزءًا من البيئة العربيّة في زمن ما، أو أنه لم يكن ليعرف. وكذلك يمكن استخلاص تعريفات من النصوص التي تظهر للباحث في مجالات معرفية مختلفة، مثل مصطلح: (الاستدخال)، أو (التصوّف)، أو(الولاية)، أو الشعر ـ أو النقد، فهذه من الألفاظ التي يصعب حصر خصائصها بتعريف جامع مانع، ويجب فهمها ليس من خلال الشاهد الذي رُصد لها في معجم الشّواهد، بل أيضًا من خلال نصوص أخرى في مصادر أخرى، وهذا يمكّن من الإفادة من هذه المعلومات والإحصاءات في إعادة فهم النّصّ برؤية أوسع وأشمل.

ويجري باستمرار تحديث المعجم ومنصّتة ومدوّنتة وبياناته كافة لأجل أن يصبح منصة تفاعلية تتيح للباحث سهولة الوصول إلى المصادر التي تتضمّن الألفاظ المبحوث عنها، وتسمح للزائر بالحصول على معلومات إثرائية من مصادر مختلفة، وتمكّن أيضًا من تصحيح المعلومات الّتي قد لا تكون من وجهة نظرٍ ما صحيحة.

معجم الدّوحة التاريخيّ وعلم اللغة المقارن وتحديث معاجم اللغات الساميّة
يعين معجم الدّوحة التّاريخيّ على رفد علم اللّغة المقارن والدّراسات السّاميّة وقضايا علم الفيلولوجي/ philology بالشّواهد والأمثلة على ألفاظ مشتركة بين اللّغات السّاميّة، وعلى تقديم شواهد أخرى لنظام الأسرة الدّلاليّة، والعلاقات التّطوّريّة بين الجذور. ويؤسّس هذا المعجم لدراسات جديدة في علم اللّغة التّاريخيّ والبحث في التّأصيل والتّأثيل الإتيمولوجيّ/ etymology على أسس تُحاصر حُدود الحدس والتّخمين، وتقترب من درجة الإثبات العلميّ، كما يؤسس المعجم في هذا السّياق لإعادة قراءة المعاجم السّاميّة قراءة أكثر عُمقًا في ضوء معاني اللّفظ وتطوّرها داخل المادّة المُعجميّة في علاقتها بأسرتها السّاميّة.

معجم الدّوحة التاريخيّ وإرهاصات النّحو التاريخيّ واللّسانيات التاريخيّة
ولنا أن نتوقّع أيضًا أنّنا أمام ميلاد جديد لعلم النّحو التّاريخيّ الّذي لا نعثر له على دراسات مُعمّقة؛ لأنّ النّحاة كان لهم نهج وغاية أخرى صرفتهم عن الهمّ التّاريخيّ، لعلّ أجلّها خدمة كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ، وكان من حقّ النّحو التّاريخيّ أن يكون أسبقَ ظُهورًا من المُعجم التّاريخيّ؛ لأنّه أكثر ارتباطًا بالمباني والتّراكيب والصِّيَغ الصّرفيّة الّتي يُفترض أنّها تسبق ظُهور المعاني. ويسهل، اليوم، أن يُعاد وصف هذه المباني والصِّيَغ والتّراكيب بالعودة إلى مدوّنة هذا المعجم لمعرفة سلوك هذه الألفاظ في مبانيها، ولمعرفة الأقدم منها في الظّهور، مبنًى مبنًى، وصيغة صيغة، لتقديم حجج مستقلّة ومنطقيّة وعلميّة، ولإيجاد تفسير علميّ للظّواهر الّتي اختلف فيها النّحاة اختلافًا واسعًا (كخلافهم في أسبقيّة المصدر والفعل والاسم وبعض الصِّيَغ والأزمنة على بعضها) من دون أن يُثبِت أحدُهم حُجّته بدليل منهجيّ وعلميّ يعتمد على تردّد هذه المباني في سياقات المدوّنة المرتّبة ترتيبًا تاريخيًّا على منصّة معجم الدّوحة التّاريخيّ.

وقد رصد معجم الدّوحة لكلّ صيغة صرفية، أو وحدة اشتقاقيّة، شاهدًا يؤكد استعمال اللغة لها بمعنى من المعاني، واستوعب جميع الصِّيَغ الصرفية المجرّدة والمزيدة، القديمة والجديدة، فنتج عن ذلك ما يمكن أن يُعدّ به المعجم مرجعيّة شاملة لجميع البنيات الصرفيّة التي ولّدها مستعملو اللّغة، وأصبح متاحًا للباحثين أن يقدّموا أبحاثًا جديدة لقضايا نحوية وصرفية، خاصّة مع وجود المعلومة التاريخيّة التي تؤرّخ لظهور هذه البنية، أو لتلك، مع مراعاة المعجم لوسومها من جهة التعدّي واللزوم، أو الاسمية، أو الوصفيّة، أو المصدرية، أو الظرفيّة، وغيرها.

والآن، يستطيع الباحث مثلًا أن يتعقّب صيغة (فِعَالَة) مثلًا بغرض التوصل إلى تعميمات حول الدلالة التي تختصّ بها (فِعَالة) كدلالة الحرفة نحو (تجارة)، و(زراعة)، و(رعاية)، ويتعقّب دلالات صيغ ولّدها الاستعمال الجديد على المصدر الصّناعيّ نحو (فعلانية)، و(فعوليّة)، (وتفعيليّة)، و(مفعالية)، أو على المصدر الذي تنصهر فيه سمة التعدّي، مثل (فعلنة)، التي تولّد ألفاظًا مثل (عقلنة)، و(صورنة)، و(عصرنة)، و(فعللة)، التي تولّد ألفاظًا مثل (برمجة)، و(حوسبة)، و(قولبة)، و(نمذجة)،... وهكذا. فهذه القوالب الجديدة وسّعت من استعمالات اللّغة، وفرضت واقعًا جديدًا للنّحاة وعلماء المورفولوجيا لتزويد علم النّحو التاريخي، أو علم التركيب اللسانيّ بالمعطيات اللازمة، بل في مقدورها أن تقدّم للسانيات الحاسوبيّة وبرامج تحليل النّصوص الوسائل المناسبة لتحليل اللّغة وحوسبتها، وتساعد كثيرًا في نقل اللّفظ المعرّب، أو الدخيل، إلى العربية، وتقديم حلول جديدة لتعقيدات الترجمة. وللأقسام العلميّة أيضًا ما لم يكن لها من قبل في خدمة توليد المصطلح، وفي استثمار نظريّات التّحليل والبناء الصّرفيّين في خدمة الألفاظ المُستحدثة الّتي تتدفّق إلى معجم الدّوحة التاريخيّ مصحوبة بشواهده وتواريخ استعمالاتها.

معجم الدّوحة التاريخيّ وآفاق الدّراسات الوصفية واللّسانيات النظرية والتطبقية
لا يصعب على المتابع التّنبّؤ بتدفّق سيل من الدّراسات اللّسانيّة والمُعجميّة، في مجالات: الصّناعة المعجميّة والقاموسيّة، ولسانيّات المدوّنات، واللّسانيّات النّصيّة السّياقيّة والتّداوليّة، واللّسانيّات الإحصائيّة الحاسوبيّة. أضف إلى ذلك ما سيقع من انفتاح الباحثين على قضايا الدّلالة التّصوريّة في تطوير دراسات المعنى وصياغة التّعريف والحدود، وأوّليّات المعنى، وقضايا المُصطلح النّحوي في السّياق المعجميّ الوصفيّ بعيدًا عن المعياريّة، وإنتاج أفكار جديدة لتصميم المحلِّلات الصّرفيّة الدّقيقة التي تخدم أغراض الكفاية الوصفيّة والتّفسيريّة في كلّ قضايا اللّغة ومكوّناتها ومستوياتها، كلّ ذلك سيكون للمعجم فيه فضلٌ وإسهام، قليلًا، أو كثيرًا.

ومن مزايا هذا المُعجم أنّه عُني في معرض إنجازه بتشخيص قضايا الانتحال، ودراسة مسائل التّصحيف والتّحريف والرّوايات المختلفة على أساس أكثر براغماتية وعلميّة، وهذا التّشخيص يأتي من الأسس التي قام عليها، وهي مبذولة لكلّ المنتفعين من هذا العلم على مستوى مدوّنته ومصادره وموادّه المنشورة، ومنهجيّة عمله، لإعادة النّظر في مستويات خدمة المصادر والنّصوص الموثوقة والكشف عن غير الموثوق منها.

وعلى مستوى المضامين الكُبرى، فالمعجم يعين على تعميق إدراكنا لمسائل الهُويّة اللّغويّة، ليس على مستوى اللّغة إجمالًا وحسب، وإنما على مستوى ما يضيفه كلّ لفظ لمعاني الهويّة العربية والانتماء والتجذّر، على اعتبار أنّ لكلّ لفظ مخزونٌ من القيم والثقافات التي تعدّ جزءًا من انتماء المتكلمين إلى لغتهم. ويعين المعجم أيضًا على تعميق البحث في مسائل التّفاعل الحضاريّ بين اللّغات من خلال حركة ألفاظ (الاقتراض والدّخيل والمعرّب)، وربّما هاجر بعضها، أو وفد علينا من اللّغات الّتي تعايشت مع حضارتنا، كالفارسيّة، واللّاتينيّة، والسنسكريتيّة. إنّ كلّ لفظ من هذه الألفاظ كفيل بتوليد دراسات وافية تبدأ من الأصل الّذي رصده المعجم، ومن المعنى الّذي وُلد به، أو انتقل إليه.

وهنالك طيف واسع آخر من الموضوعات البالغة الأهميّة الثّاوية خلف الحقول الدّلاليّة، فطريقها هو دراسة ألفاظ هذه الحقول دراسة تاريخيّة تعاقبيّة وتزمّنيّة، من جديد؛ لأنّ دراستها منتظمة في سياقات مُحدّدة تاريخيًّا، تُنصِف الدّارسين وتروي ظمأهم؛ ففي هذا المعجم، على سبيل التّمثيل، تطول قوائم ألفاظ الألعاب والأطعمة والأشربة والملابس والعادات والحيوانات والحشرات والنّباتات، وغيرها، وهي في حاجة ماسّة إلى استثمار المعجم التّاريخيّ لفهم أسرار حياة النّاس في الزّمن الغابر، وطُرق تحوّلاتها الدّلاليّة بما يخدم طيفًا من العلوم والدّراسات الّتي تعتمد منهج الحفر والتّنقيب، وترصد التّطّور الحاصل في أبحاثها.

ومن الموضوعات الواعدة التي يمكن أن يفيد منها الباحثون المستمدِّون العون من هذا المعجم ما يتّصل بمصادر جمع المدوّنات الرقمية العملاقة، وبدراسات التّركيب والمعجم، وبدراسة اللّغة بوصفها توليدًا وإغناءً للمعجم الذّهنيّ الّذي يفتح آفاقًا للّسانيّات الأحيائيّة، ودراسات المعاجم التّاريخيّة المقارنة وأثرها في تقريب حقيقة التّراث الإنسانيّ بين البشر، وكذا بالدّراسات الإنسانيّة (تاريخ، أنَاسة، اجتماعيّات...)، وقضايا أخرى عظيمة المنافع في مجالات اللّغة العربيّة لغير النّاطقين بها.

معجم الدّوحة التاريخيّ وتحديث برامج التعليم وتأليف القواميس المختلفة
بات من المممكن الاستعانة بمعجم الدّوحة التّاريخيّ في توصيف مناهج بعض الاختصاصات ومقرّراتها، على مستوى تخصّص اللّغة العربيّة وآدابها، وتخصّص اللّسانيّات بفروعها المتنوّعة، أو على مستوى اختصاصات أخرى بينيّة تربطها باللّغة روابط عميقة، كالفلسفة والتّاريخ والعلوم الاجتماعيّة وعلوم التّربية وعلوم الحاسوب والبرمجة اللّغويّة، وغيرها. كما يمكن الإفادة من المعجم في خلق برامج علميّة جديدة تزيد من فاعليّة هذه الاختصاصات لتصبح محلّ رضى وقبول لدى المنتسبين إليها، وتُعلي من أدوار هذه الاختصاصات في خدمة المجتمع والدّراسات العلميّة المُعمّقة، وترفع نسبة الإقبال عليها. ومن المتوقع ظهور قواميس جديدة تتشكّل من رؤية المعجم التاريخي ومنهجه يتوقّع أن من أهم ما ينتظر منها:

1 ــ القاموس التعليمي التاريخي/ والقاموس المدرسي التاريخي
تتبنى منهج معجم الدوحة التاريخي وتقدّم للتلاميذ الألفاظ في شكل رحلة للكلمة، وكيف انتقلت من معنى إلى آخر عبر الزمن بأسلوب يجمع بين الإثارة والتشويق وثراء المعلومات ودقتها على النحو الذي رأيناه مع كلمة (عنكبوت)، أو كلمة (قطار)، مع إضافة معلومات عن أوّل ظهور للمصطلح، أو الكلمة، فيتعلم عن كلمة (الأوزون) مثلًا ـ إلى جانب تعريفه ـ شيئًا عن أصل اللفظ ودخوله من اللغة الألمانية، ويتعلم شيئًا آخر عن تاريخ دخوله بهذا المعنى، ويتعلم شيئًا ثالثًا عن اسم المستعمل، وهكذا على النحو المنظّم في معجم الدوحة التاريخي:
1286هـ/ 1869م
الأُوزُونُ: جِسْمٌ غَازِيٌّ، يَمِيلُ إِلَى الزُّرْقَةِ، تَنْبَعِثُ مِنْهُ رَائِحَةٌ قَوِيَّةٌ مُؤَكْسَدَةٌ، يُسْتَعْمَلُ فِي تَطْهِيرِ المِيَاهِ، وَتَبْيِيضِ النَّسِيجِ، وَفِي غَيْرِهِمَ.

كرنيليوس فان دايك
أصول الكيميا: كرنيليوس فان دايك.

2 ــ القاموس التاريخي العربي لغير الناطقين بالعربية
يُتوقع أن يكون لمعجم الدّوحة التاريخيّ ومنهجه تأثير كبير على السياسة اللغوية الموجّهة لغير المتكلمين باللغة العربية كي تعمل على إنجاز معاجم عربية لغير الناطقين بها تستلهم منهج المعجم بشيء من التبسيط الذي يجمع بين الإثارة والتشويق لنقل الثقافة العربية ولغتها ببساطة إلى هذه الفئة من محبّي اللغة العربية. وسيساعد منهج المعجم التطوّري على تبسيط اللغة العربية وقواعدها إذا روعي اختيار المداخل المعجمية المناسبة ونقل مضمونها من خلال شواهد تفصح عن المعنى ببساطة ووضوح.

3 ــ قاموس المصطلحات التاريخي
وهذا نوع من المعاجم الممكنة المتوقع ظهورها لتلبية احتيجات تخصّصيّة في الفقه وأصوله، وفي الفلسفة، وفي الأدب، واللغة، والمجتمع، وعلم النفس، وسائر العلوم الأخرى. تتميز هذه القواميس بكونها تقتبس من معجم الدّوحة التاريخي منهجًا يستشهد على المصطلح الواحد بشاهد واضح يشهد على ظهور هذا المصطلح لأول مرّة، مع ذكر الأصول اللغوية التي تسبقه، وقد يكون للفظ الواحد مخزون مفاهيميّ كمصطلح (الموضوع)، الذي تشترك فيه مجالات معرفية عدّة، كالحديث، والمنطق، والفلسفة، والنحو، والصرف، والقانون، والسيمولوجيا. وقد استشهد معجم الدوحة التاريخي لها جميعًا بشاهد لكل منها؛ فيكون قد اجتمع لهذا اللفظ مصطلحات عدّة، وأظنّ أنه لم يظهر إلى حدّ الآن عمل مصطلحي متعدد للفظ الواحد مراعيًا للتطور والتاريخ إلا في معجم الدوحة التاريخي. ومثل ذلك مصطلح (القضية) الذي تلتقي فيه عدد من العلوم، مثل المنطق، والرياضيات، واللسانيات.

4 ــ قاموس ألفاظ الحضارة التاريخي
وهذا نوع ممكن من القواميس المنتظرة التي يمكن أن تنبثق من معجم الدوحة التاريخي، ولعلها تستلهم مجمل ألفاظ الحضارة التي تقاطعت مع اللغة العربية وتفاعلت معها، فيكون محتوى هذه القواميس هو مجمل ما رصده معجم الدوحة التاريخي عن الألفاظ المعرّبة والمقترضة من اللغات التي استشهد لها بشواهد تسجل معلومات دقيقة عن تأثيلها وتاريخ دخولها إلى العربية ودلالاتها الأولى.
وفضلًا عن ذلك فهنالك مقترحات لاشتقاق معاجم أخرى لغويّة، أو معرفيّة، أو اختصاصيّة، من قبيل ما يمكن أن يسمّى: قاموس المباني التاريخيّ، وقاموس الحقول الدلالية التاريخيّ، أو قواميس أخرى، كقاموس ألعاب صبيان العرب التاريخيّ، أو قاموس عادات العرب التاريخيّ، أو قاموس الأديان التاريخيّ، وغير ذلك.

5 ــ معجم الدّوحة التّاريخيّ مفتوح للنّقد البناء ويستقبل الملاحظات ويأخذها بترحيب وجدّية
فهو عمل بشريّ يصيبه النّقص، ويقع فيه الغلط، بل إن المعجم حرص أثناء انعقاد مؤتمراته على تنبيه المهتمين إلى بعض الطرق المنهجية التي تساعدهم في نقد المعجم، وتقديم مقترحات للتجويد. وفي أثناء كتابتي لهذا المقال، تذكّرت أن لفظ (المطبع) لم يظهر في أي من مداخل مادّة (طبع)، وليس في المادّة ما يشير إلى بداية ظهور الطبّاعة للكتب والنصوص، وغيرها، وإلى أسبقية العرب في هذه الصّنعة، مع أن العرب سبقوا أوروبا بقرن تقريبًا في حرفة الطباعة، وتعدّ الحضارة العربية ثاني حضارة بعد الصّين في اكتشاف الطباعة، بحسب ما أورده لويس شيخو في مجلة المشرق:
"وممَّا يشهد على ذلك ما ورد في كتاب الإحاطة في تاريخ غرناطة سنة 776 هـ/ 1375 م في ترجمة أبي بكر القلوسي الأندلسي قال: "وألَّف كتاب الدرة المكنونة في محاسن اسطبونة... ورفع للوزير الحكيم كتابًا في الخواص (خوَاص)، وصنعة الأَمدَّة، وآلة طبع الكتاب غريب في معناه". وجاء أيضًا في كتاب الحلَّة السيراء لابن الأبّار (ص 137 من طبعة دوزي) عن بَدْر مولى الأمير عبد الله أنَّه كان "يكتب السجلات في داره، ثم يبعثها للمطبع، فتُطبع وتخرج إليه فتبعث في العمَّال"، فرُصدت الملاحظة لتكون قيد التعديل، فالمعجم على ضخامته يُتوقّع منه كثير من التعديلات، ولكنها لا تنقص شيئًا من أهميته.

6 ــ معجم الدّوحة التّاريخيّ هديّة دولة قطر للأمّة
حرَصنا في هذا العرض على التعريف بأهمّ ما يتميّز به المعجم، أو يميّزه عن غيره، وطرق الإفادة من هذا المُنجز الكبير لتنبيه الباحثين إليها، للانتهال من مورِد شَرِيعَةٍ صافٍ، ونبْعِ مَعِينٍ ضافٍ، لعلّه يعين في ترسيخ قِيم الهُويّة والانتماء إلى لغتنا العربيّة، ويعيد لها ألَقَها ومكانتها الرّياديّة في الأوساط العلميّة والأكاديميّة والعالميّة. والمعجم بهذا المستوى والمواصفات هو هديّة دولة قطر للأمّة، وهديّة القائمين عليه في المركز العربي ودراسة السياسات، إدارةً ومسؤولين وخبراء، إلى دولة قطر، وإلى أمّتنا الخالدة بخلود لغتها.

 

(تشرين الثاني، 2025).
* خبير لغويّ أوّل في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.

 

عن (ضفة ثالثة)