من لم يعرف محمد هاشم، ويشرب معه الشاي في دار ميريت في شارع النيل، لا يعرف جوهر مصر ونقاءها. من لم يسمع حديثه الضحوك المرير، وبحة صوته الدائمة، لا يعرف همس النيل. في آخر تواصل معه قبل أشهر، قال لي: مصر اشتاقت لك. وعدته بزيارة لم تحدث. خبرُ رحيله علقم فاض فجأة في حلوق ألوف محبيه، من كتاب ومثقفين وعارفي وخريجي دار ميريت المتمردة والثورية. في سنة 2008، نشر لي على وجه السرعة نصوصًا لا أعرف إن استحقت وصف مجموعة شعرية بعنوان "شاعرة السحر"، أردت أن يتزامن صدورها مع وجودي في جامعة بير زيت في صيف العام ذاته، كي أهديها إلى محمود درويش. أعجبته القصيدة الرئيسة المُهداة إلى الشاعر الكبير، من سافر إلى الأبدية البيضاء ولم يسمح لي بقراءتها إلا على قبره. وداعًا أيها الأبيض، مرفوقًا بدمع سخي. كأنما نرى جميعًا حبيبك فؤاد نجم يضيء في آخر الغيم الأبيض ينتظرك، كما كنت تنتظره في ميريت كل صباح.
معه في فرانكفورت، أكتوبر 2005
هناك، وفي تلك الليلة المطيرة الكابية، في مقهى صاخب، قال هاشم: هو ذل الهزيمة يا خالد! كان عمري تسع سنين وأنا أبحلق في قامات أبي وأمي وأقاربي وكل جيراننا وهي منحنية بانكسار، وحزن، وخزي. هم لم يروا الانكسار والذل في قاماتهم، كانوا مشغولين وغارقين في الحزن. أنا رأيته وورثته. جيلنا كله ورثه. جرح حزيران/ يونيو 1967 عميق، عميق، في دواخلنا، يشطرنا من الرأس إلى القدمين. علو ضجيج الموسيقى التركية يحيط بصوت محمد هاشم المتحشرج بالدخان والأسى والبكاء القادم. قال لي، تخيل شرطيين اثنين، صبيين في نصف عمري، أمسكا بي وكأني فريسة منتظرة، شرعا بضربي بعنف وحقد أدهشاني. كان ذلك في وسط القاهرة، مدينتي، قاهرتي. بين ثغرات اللكمات المتتالية على جسدي ووجهي كانت نظراتي تتوه هنا وهناك بين الألم والعيون الدامعة من الأسى. رأيت كثيرين في عمري ومن هم أكبر كلهم يُضربون مثلي. كنا جميعًا في واحدة من تظاهرات "حركة كفاية" نهتف لمصر حرة. نظرت في عيون الصبيين وبقية الأولاد الشرسين الذين يضربوننا، لم يكن فيها حزيران، ولدوا بعده بسنين كثيرة. كانوا مسخًا تافهًا كأنه ليس مصر. كان معهم أوامر من ضباطهم أكثر مما كان معهم حب لمصرهم، وتوق كي تكون حرة.
كنا ثمانية، يجلس نصفنا قبالة النصف الآخر في "كانكي" الكافيه التركي في قلب فرانكفورت، وفي الطابق السابع من أحد مبانيها العالية. المقاعد الشرقية الطويلة المتقابلة، وحِسان تركيا ذوات الشعر الأسود، والموسيقى الشرقية، وضحكات طفلية من عدنية الشبلي، القادمة من قلب الجليل، وخلود القادمة من حرير الخليل، وتأملات "كافكا" المصري المقيم في ألمانيا، إذ يتابع تداعيات محمد، وإطراق خالد عباس، وغرق عبد المعطي الجعبة، صديقي العزيز إبن سلوان القدس، في لفافة تبغه. كل ذلك، وكلنا، نستمع إلى ما كان يحملنا إلى شفاف الوجع النيلي المنساب من حروف هاشم. ما عدنا في فرانكفورت، وما عدنا نذكر معرض كتبها الكبير الذي نزوره. أجلس بجانب محمد، كتفي بكتفه، نتمازح، ويمرر الواحد منا الأرجيلة إلى الثاني بعد نفس ونفس، نمازح محمد: إياك أن تكون قد لغمتها!
محمد دمعته سريعة، ربما كهزائمنا! قبل أن نأتي إلى هذا المقهى تبادل وعبد المعطي أحاديث عابرة. مازحه بضحكات نادرة كانت الآه الساخرة سرعان ما تخرج بهلع حاسد فتفصم عمر الضحكات البريئة وتشطره بنصلها اللئيم الذي لا يتركنا وشأن ضحكاتنا. قال عبد المعطي في واحدة منها: أتعرف كيف صمد أخي معاذ في التحقيق مع الإسرائيليين؟ لقد تذكر أحمد فؤاد نجم. معاذ يحب شعر نجم، كما يحبه عبد، وتذكر الأرض الطيبة التي كان يتغنى بها نجم ويقسم بالدفاع عنها. كان المحقق الإسرائيلي يسأله سؤالًا ويتبعه صفعتين، ومعاذ في عالم آخر. كان يتجلى مع أغنيات الشيخ إمام، ويصنع لنفسه وجسده درعًا واقيًا، فما عاد يحس بضرب المحقق. دمعت عيون محمد هاشم، وبكى، وأحب معاذ على الفور. مسح دموعه من تحت النظارتين، وأقسم لعبد أن يرسل له نسخة من الأعمال الكاملة لأحمد فؤاد نجم، وعليها إهداء نجم نفسه موجهًا إلى معاذ. كما العادة، عندما يفتح صديقي عبد جعبة أحاديثه، تخجل الرواية والخيال من نص الواقع، هنا الحياة وقصصها أغرب من الرواية، هنا عبد ومحمد هاشم اجتمعا.
أولاد الكلب! كيف يمكن أن يضربونا، يتابع محمد. لكن أقسم لك بالله العظيم يا خالد أننا لن نسكت عليهم، لم يعد لدينا وقت لأي هزيمة أخرى، نريد أن نعيش بكرامة، أو نموت بكرامة. مصر ليست هذه الشلة الحقيرة التي شوهت روحنا، ثم بكى مرة أخرى. أحطته بذراعي كطفل. كنت أغالب دموعي كطفل أيضًا. طفل يهدهد طفلًا. أي هذا الطفل التروتسكي المجنون، العابث المتيم بمصر. هو نيل مصر وأهرامها، أسوانها وسويسها، أوزيريسها وإيزيسها، رمسيس لحظتها ومعز بن عبد غدها. نظرت في عيون عبد المعطي بعدما هزمتني دمعات طفل ساحت على وجنتي وهمست له: أهذا هو أوزيريس مقطعًا جسده على صفحة النيل ومنثورة أطرافه من الجنوب إلى الشمال؟ يرد علي الصمت في عيون عبد فأرى فيها أهرامًا كسيرة. يداري الانكسار ويخفيه وراء غمامة دخان تزفرها لفافة تبغ تهصرها شفتاه بغضب مكتوم.
ومعه في القاهرة، ديسمبر 2005
هنا دار ميريت للنشر: محضن الكلمات وعين النص تحارب مخرز السلطان. هنا هو، على المقعد الجلدي المتشقق، فوق الأرضية التالفة، وسط جدران هرمة حولنا كالهرم، لكن فيها صموده الجميل أيضًا. هنا محمد هاشم وفوضاه، يدخن ويحترق، يتحدث ويعشق. يقول لي ولزميلاتي من القناة الرابعة البريطانية: نحن لا نكره الغرب، نكره حروب الغرب، ونكره تغطرسه. هنا، كما ترون على الأرفف، الغرب كله يتبختر واقفًا وجالسًا: أدبكم، مسرحكم، قصتكم، روايتكم: من بريطانيا وأيرلندا، إلى فرنسا وألمانيا، نتابع كل ما كتبتم، ونترجمه ونفرح به. لكن عندما نرفع رؤوسنا من بين دفات الكتب، يرتطم نظرنا بدباباتكم. نعاود القراءة في نصوصكم، ونعاود التطلع في دباباتكم: محاصرون ومشطورون نحن بين نصكم ورصاصكم!
أحمد فؤاد نجم ينظر بعيني صقر إلى زميلتيَّ الشقراوين. يقيس زوايا جسديهما ويتأملها. أرى بريق شباب يعود إلى عينيه فأبتسم. يلمحني أراقبه فيبتسم. اقتربت منه، وقلت له: لي عندك أمر آخر. قال: قل. فأخبرته عن معاذ شقيق صديقي عبد المعطي. قال لي: "خليني أتكلم مع عبد". احترق الهاتف وأصيب عبد بخشوع الصدمة، فانعقد لسانه:
ــ إزيك يا ود يا عبد؟
ــ مين؟
ــ أنا أحمد فؤاد نجم.
ــ .....
ــ خالد قلي عن أخوك معاذ، هو أحواله أيه؟
ــ ..... كويس، كويس، هو .... هو لو يعرف إنك إنك...
ــ سلملي عليه، وقوله أنا بعتلو نسخة من أعمالي عليها إهدائي، وخالد قللي عن السجن وعن صموده، دا ود جدع بصحيح. سلملي عليه أوي.
ــ شكرًا، والله شكرًا، هو رايح ينبسط كتير.
في لندن، شتمني عبد على المفاجأة الجميلة، وقال لي: انعقد لساني، ولم أعرف بماذا وكيف أرد. ينفرط عقد النص في الرواية يا صديقي، وتتكوم الكلمات خاشعة أمام وجع الحياة وحقيقتها.
بعد أن أنهى محمد هاشم احتراقه أمام الكاميرا، قائلًا للغرب إنه لا يكره كتب الغرب، بل يكره جيوشه وجنوده، ارتمى على المقعد. أزاح نظاراته، فرك عينيه وأغمضهما. كأنما كان يريد أن يستريح لدقائق قبل أن يبدأ اجتماع "كتاب وأدباء وفنانون من أجل التغيير"، الذي بدأ مجتمعوه بالقدوم. بعد الاجتماع، سيغمض محمد عينيه مرة أخرى في هذا اليوم الطويل...، كأنما يسرح في "ملاعب مفتوحة" كما كان يمرح في طنطا أيام كان ولدًا شقيًا. هذه الأيام اختلفت، إنها "أيام الرئيس" التي فضحها في منشورات كتبه وعليها كافأه الجانب الآخر من العالم. يبحلق محمد هاشم في عيون محدثيه اليوم باحثًا عن أيام مصر الفسيحة وملاعبها المفتوحة، مصر الحرة، ومصر الكريمة، مصر "دار ميريت للنشر". مات وهو ينتظر!
عن (ضفة ثالثة)