فقد العالم الشعري مؤخرًا شاعرًا عالميًّا مؤثّرًا، عرف بحضوره وثقله الإنساني الكبير الذي ظل مرافقًا له إلى أن وافته المنية، بمثل ما عرف بوزنه الإبداعي النوعي وبصيته الشعري اللافت، وبحضوره الثقافي الفعال في عديدٍ من الجغرافيات الثقافية والشعرية العالمية، وأيضًا بدفاعه المستميت عن القضايا الإنسانية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فهي القضية الكبرى التي ظلت مجسدةً لحضورٍ راسخٍ في مبادئ شاعرنا الراحل كما في مواقفه، وعلى عدة مستويات، إنسانيًّا وإبداعيًّا وفكريًّا ووجدانيًّا، إنه الشاعر والفاعل الثقافي الأميركي مايكل مارش (1946-2025)، هذا الذي اعتبره المهتمون بالشعر العالمي، هنا وهناك، من بين الشعراء الكبار في العالم، ومن أبرز شعراء الحداثة المعاصرين، ليس في أميركا فحسب، بل وفي العالم ككل.
توفي مارش في سن 78 عامًا، بمدينة براغ بجمهورية التشيك، وهي المدينة التي اختارها مقرًّا لإقامته منذ عام 1996، بل ومنها أيضًا اختار رفيقة حياته وشريكته في تأسيس "مهرجان براغ العالمي للكتاب" وتنظيم دوراته، إنها الأستاذة فلاستا بيترنكوفا، الإنسانة الرقيقة والمثقفة الجريئة وصديقة كتاب العالم. لقد غادر مايكل مارش وطنه الأصلي (ولد في نيويورك) في سن الرابعة والعشرين من عمره، كان حينها مهووسًا بفكرة مغادرة العائلة، هاربًا من العيش في نيويورك بحياتها المثيرة ورومانسيتها، قبل أن تتحول إلى مدينة كوزموبوليتية صاخبة، ربما هاربًا من أجل حرية الفكر، كما قال في حوار له بجريدة "الشرق الأوسط"، أجرته معه الكاتبة المغربية رجاء ملاح، متأثرًا في هذا كله بفلاديمير هولن، فأحس، يضيف مايكل، بأنه في جولة من أجل أن يتعلم أشياء كثيرة حول الشعر، متنقلًا في بعض بلدان أوروبا، إلى أن استقر بين أحضان معشوقته براغ، هذه المدينة التي تتلاءم عنده مع روح الشعر خلافًا لمدينة نيويورك.
وهو ما جعل مايكل، طوال مدة عيشه في مدينة براغ إلى أن توفي بها، يخدمها ثقافيًّا ورمزيًّا وإعلاميًّا، وخصوصًا من خلال مهرجانها الشهير "مهرجان براغ العالمي للكتاب" الذي ولد من رحم "معرض براغ الدولي للكتاب" وكان جزءًا منه، فجعله مايكل نافذة مشرعة على العالم، معرِّفًا في الوقت نفسه بالمدينة وكتابها وناشريها وفنانيها، وبغيرهم من كتاب التشيك والعالم، ممن يتوافدون على مهرجان براغ لحضور فعالياته الأدبية والفكرية والفنية أو للمشاركة فيها، وهو ما جعل مهرجان براغ في تطور دورة بعد أخرى، ليصير واحدًا من أبرز المهرجانات الثقافية في العالم، قبل أن يتوقف مأسوفًا عليه، جراء تضافر إكراهات، مرتبطة، من ناحية، بالوضع الصحي لمايكل ومن ناحيةٍ ثانيةٍ بالدعم الذي كان يتلقاه المهرجان، حيث كان مايكل في دورات المهرجان الأخيرة قد بدأ يشكو من تراجع مستوى دعم الحكومة التشيكية لدورات مهرجانه، وفقًا لما فسره بشكل صريح في حواره المشار إليه أعلاه، وحسب ما كان يحكيه لي هو نفسه، في جلساتنا الموازية لبعض دورات المهرجان.
فقد حظيت، منذ أن تعرفت على مايكل وزوجته فلاستا ذات زيارة لهما معًا للعاصمة الرباط بدعوة من وزارة الخارجية ووزارة الثقافة المغربيتين، بدعوات مايكل لي للحضور إلى براغ والمشاركة في مهرجانها العالمي، وذلك في آفاق استمرار التواصل فيما بيننا، في سبيل تمتين أواصر التعاون الثقافي بين مهرجان براغ واتحاد كتاب المغرب والكتاب المغاربة، وهو ما توقف عنده مايكل في حواره مع رجاء ملاح، بل إن مايكل نفسه لم يستطع، بعد أن توقف مهرجانه، الصمود كثيرًا في وجه الإكراه الصحي الذي ظل يلازمه في سنواته الأخيرة، إلى أن غادرنا في غفلة منا مأسوفًا على رحيله.
بالموازاة مع ذلك، يشهد للشاعر مايكل مارش بحضوره الشعري الوازن والنوعي، وبأسلوبه الخاص وطريقته المغايرة في كتابة الشعر وإلقائه، وتحديدًا في الجانب الذي يهم طريقة كتابته الفريدة للقصيدة الشعرية القصيرة والمقتضبة والمكثفة، كما دأب على ذلك في جل دواوينه الشعرية المنشورة، وليس ذلك بأمر غريب عنه، هو المعروف بكونه بروفيسور الشعر في جامعة نيويورك. لقد راكم مايكل على مدى مساره الإبداعي عشر مجموعات شعرية، ما يدل على أنه لم يكن شاعرًا مِكثارًا، وكلها مجموعات كتبها في الأصل باللغة الإنكليزية، وعرف بعضها طريقه إلى الترجمة إلى لغات أجنبية، منها التشيكية والألمانية والفرنسية واليونانية والعربية، وغيرها من اللغات، فيما كان شاعرنا حريصًا على أن تترجم نصوصه الشعرية إلى اللغة العربية، وتنشر بها، وذلك من شدة عشقه للغة العربية ولثقافتها، فقد كان يعتقد أن ترجمة أشعاره إلى العربية "أمر مهم جدًّا للغاية، لأن العرب هم من أكثر الشعوب التي تريد التعرف على الآخر، وفي أعماقها شغف تعلم اللغات".
ترجمت بعض دواوين مايكل الشعرية إلى اللغة العربية رغم قلتها، كان آخرها مجموعته الشعرية الأخيرة "الرقص على الرماد"، التي صدرت عن منشورات الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين عام 2021، في 145 صفحة، وتلك كانت إحدى رغائب مايكل المشتهاة، أيضًا، أن تنشر إحدى مجموعاته الشعرية بفلسطين، بعد تجارب نشر سابقة بكل من مصر والمغرب، فهو الإصدار الذي جاء في إطار مبادرة فلسطين فيما يتعلق بالاهتمام بالكتاب في العالم، ممن يساندون القضية الفلسطينية ويدعمونها معنويًّا وكتابة.
وبمثل عشق مارش للغة العربية، وإن كان لا يتحدث بها، فقد كان شغوفًا بالثقافة العربية، حريصًا على التعريف بها، وبالشعر العربي، الذي كان مايكل يؤمن بما لا يقبل الشك، بأنه مهمٌّ للغاية، وذو تأثير عالمي، والجميل أن العرب جعلوا منه ديوانهم الكبير، وذلك بمثل إعجابه الكبير بـ"ملحمة جلجامش"، وبفكرتها عن الحياة والموت، وهي الملحمة التي غيرت حياة مايكل ونظرته إلى الشعر، إلى درجة جعلته يعتبر "كتابة قصيدة مثل الصلاة، مثل الحب، مثل الاستماع إلى الكلمات العارية"، فضلًا عن علاقاته وصداقاته الواسعة مع مجموعة من الشعراء والكتاب العرب، في أجيالهم وحساسياتهم المختلفة، بمثل ما تربطه علاقات إنسانية وصداقات إبداعية واسعة مع غيرهم من شعراء العالم وكتابه، من بينهم الفنان والمغني والشاعر الأميركي الشهير بوب ديلان، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2016، هذا الذي كان مارش قد أجرى معه حوارًا ممتعًا في فترة زمنية سابقة لنيله جائزة نوبل.
وفي هذا الإطار، لا بد من التنويه بالأدوار الطلائعية والمؤثرة التي لعبها مهرجان براغ العالمي للكتاب، الذي أسسه مايكل وظل رئيسًا له، على مدى ثلاثين سنة، وذلك على مستوى استضافته لتجارب شعرية عديدة من العالم، من منطلق إيمان مايكل بضرورة الشعر في حياته، كما في عالم اليوم. وتلك تجربة ثقافية سبقتها تجربة أخرى بمدينة لندن التي انتقل إليها مايكل للعيش فيها قادمًا من نيويورك، فكان يكتب في صحفها، كـ"الغارديان"، وملحق التايمز الأدبي، ومجلة لندن، فأنشأ في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ما سُمِّي بـ"مهرجان كوفنت جاردن"، فاستدعى إلى مسارح لندن شعراء من شرق أوروبا ووسطها.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى أنه من بين ما هو معروف عن مارش، وفلسطين تحتفي به إنسانًا نبيلًا وشاعرًا كبيرًا، من خلال إقبال إحدى مؤسساتها الثقافية على نشر مجموعته الشعرية بالعربية برام الله، كونه ظل طوال حياته منتصرًا للقضايا الإنسانية العادلة في العالم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وهو ما يفسر أيضًا سر إعجاب مايكل بالكاتب الفرنسي الراحل جان جينيه، في انتصارهما معًا لفلسطين ولقضيتها المشروعة، سواء في مواقفهما المعلنة أو في حواراتهما وتصريحاتهما وكتاباتهما الإبداعية، في التقائهما معًا عند مشارف هذه الفلسطين الشامخة.
وهذا الوفاء الرمزي في تنوع تجلياته الذي خص به مايكل القضية الفلسطينية في كتاباته وضمن فعاليات مهرجانه العالمي، كان من بين الأسباب التي جعلته ينال "جائزة القدس للكاتب الأجنبي"، في إحدى دوراتها السابقة عام 2017، وهي الجائزة التي يمنحها الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، لكاتب عربي أو أجنبي خص فلسطين باهتمام لافت في كتاباته وأنشطته الخاصة والعامة. كذلك نال مايكل "جائزة ابن بطوطة لحوار الحضارات" التي تنظمها جامعة سيدي محمد بن عبد الله بمدينة فاس بالمغرب، لإسهامه اللافت في دعم الحوار بين الثقافات وتكريس قيم التعايش والتسامح واحترام الآخر في أشعاره، بغض النظر عن الخلفيات الحضارية والثقافية والدينية، وغيرها.
هكذا، ظل الشاعر مايكل مارش حريصًا باستمرار على انحيازه الصادق والنبيل لفلسطين، إنسانًا وحضارة وثقافة وقضية، بمثل حرصه على أن يكون الشعر الفلسطيني حاضرًا في مهرجان براغ العالمي للكتاب، منذ دوراته الأولى، من خلال دعوة بعض أسمائه الكبيرة، ممثلة، في البداية، بدعوة الشاعر محمود درويش، تلتها مشاركة الشاعر سميح القاسم، فضلًا عن مشاركة أسماء أخرى لشعراء من فلسطين، ممن دعاهم مايكل إلى براغ لحضور مهرجانها الثقافي أو للمشاركة في فعالياته، إلى جانب شعراء وكتاب وفلاسفة عرب وأجانب، من قبيل: سلمان رشدي، وويليام ستايرون، ونادين غوردمير، وآرثر ميلر، وروبرت كيلي، وآر إس توماس، وأدونيس، وسعدي يوسف، ومريد البرغوثي، وياسمينة خضرة، وصنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر، وغيرهم كثير من الكتاب الشباب والمهمشين والمتمردين.
وهذا الوفاء المشتهى من مايكل للشعراء العرب، ولفلسطين على وجه الخصوص، بحضور سفراء بلدانهم، هو ما كان يغضب سفارة "إسرائيل" التي لم تكن تخفي غضبها من مايكل نفسه، وهذا المستوى من محبة مايكل لفلسطين ولشعبها وشعرائها، هو ما يفسر، في سياق رمزي آخر، سبب افتتاحه لديوانه "الرقص على الرماد" بقصيدة كتبها ببراغ في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وأهداها للشاعر محمود درويش، الحاضر بالاسم مرارًا في هذه القصيدة، في محاورة شعرية معه، بمثل ما يحضر الشاعر سميح القاسم اسميًّا أيضًا في هذه القصيدة، وكذلك تحضر رام الله، ويحضر المحتل الغاشم في صورة مجرم؛ "صرختنا الغاضبة حقًّا... في وجهكم يا نسل الجريمة..
وفيما يتصل بالكتابة الشعرية عند مايكل مارش، فيبقى لها طعم خاص في خصوصيتها ونكهتها المميزة لها، أسلوبًا ولغةً وتركيبًا ودلالةً، بشكل يجعل منها كتابة شعرية فريدة، وذلك في كونها تُكتب في شكل ومضات شعرية وشذرية مكثفة، تعوّد مايكل على كتابتها والوفاء لها والإبداع داخل قوالبها، بشكل يصعب معه القبض، منذ الوهلة الأولى، على معانيها ودلالاتها وإيحاءاتها العميقة والمضمرة، بالنظر لما تحويه إبداعاته الشعرية من أبعاد فكرية وثقافية وغيرها، مفتوحة على استبطان مجموعة من المعاني والدلالات والقضايا الكبرى، في أبعادها الكونية، بما تضمره قصائده من ثيمات وأسئلة، في أبعادها الوجودية والرمزية والزمنية، وفي مفارقاتها وثنائياتها، وفي تقاطعاتها وتضاداتها، بشكل مكثف وعميق، حيث تسافر بنا قصائده في عوالم اليوم العصية على القبض، بما هي عوالم تنفلت فيها الأشياء ويعم الخراب والمسخ وتنمحي فيها القيم، ولحسن الحظ أن الشعر، يقول مايكل، ظل حاضرًا لإنقاذ العالم بالحب والجمال والحياة، وإنقاذه من الفناء والخراب والنسيان والعنف والخيانة والوباء واللامبالاة والظلام والأعداء، ومن اللاشيء، ومن غيرها من الحالات والكوارث التي تهدد عالم اليوم.
ولا بد هنا من التنويه بالترجمة الرصينة والوفية لمجموعة مايكل مارش الشعرية "ذبابة طارت بعيدًا"، والتي أنجزها المترجم والكاتب المغربي محمد الناجي، هذا الذي أبدى إعجابه بهذه المجموعة في لغتها الإنكليزية، فتحمس لترجمتها إلى اللغة العربية، مباشرة بعد اقتراحي لها عليه بغاية ترجمتها، وهو المتمرس بعوالم الترجمة وخباياها وتقنياتها وأسرارها، وهذا ما يعكسه منجزه الترجمي الكبير الذي حققه على مدى عقود زمنية من الممارسة والترجمة.
وكإشارة أخيرة، ونحن نودع شاعرنا الملتزم بالدفاع عن قضايا الإنسانية، أذكر أن مايكل كان قد استشعر، في أواخر أيامه، ثقل ما طاوله من إكراه صحي أودى به إلى المستشفى في فترات متقطعة، فكان يوافيني من حين لآخر ببعض قصائده لأحتفظ بها عندي، تحسُّبًا منه لأي طارئ محتمل، وذلك من منطلق ما جمعني به من علاقة صداقة صادقة، تكونت إثرها ثقة مفتوحة لديه، فكان شاعرنا يرفق رسائله ومرفقاتها بعبارته "تصرف فيها كما تشاء"، وإن كان ضمنيًّا يقصد أن أتصرف في ترجمة أشعاره إلى اللغة العربية، التي ظل مايكل حريصًا على أن تعبر إليها أشعاره. كذلك يجب أن أذكر أن سؤال "الموت" ظل يشغل مايكل مارش في أشعاره كما في تفكيره إلى أن وافاه الأجل المحتوم، هو القائل في مجموعته الشعرية الأخيرة: "شيئان فقط لا ريب فيهما: الموت- والقهوة"...
* * *
كتّاب عالميون والقضية الفلسطينية: جبهة تضامن موازية:
حفزتني مقالتي المعنونة بـ"مايكل مارش: رحل وفي نفسه الكثير من فلسطين"، وهي عن طبيعة تلك العلاقة الخاصة، الإنسانية والثقافية والإبداعية، التي كانت للشاعر الأميركي الراحل ورئيس مهرجان براغ العالمي للكتاب، مايكل مارش، بفلسطين، على مواصلة تأمل علاقة كتاب العالم الشهيرين، التزامًا وموقفًا وفكرًا ونصًا، بالقضية الفلسطينية، في تحولاتها التاريخية وامتداداتها المتسارعة والصعبة والخطيرة. فكما هو معروف، تُعَد القضية الفلسطينية من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وبحكم رمزيتها المرتبطة بالحرية، والمنفى، والمقاومة، تحوّلت إلى موضوع اهتمام من قبل العديد من الكتّاب العالميين، الذين رأوا في فلسطين ليس مجرد نزاع جيوسياسي، بل مرآة تكشف آليات الاستعمار والعنف والتهجير القسري.
فقد شكلت لديهم بُعدًا إنسانيًا وسياسيًا ونضاليًا وثقافيًا، جذب انتباه العديد منهم؛ إذ لم تعد فلسطين مجرّد جغرافيا محاصرة بالاحتلال، بل أصبحت رمزًا للحرية المسلوبة، وعدسة لفهم الظلم الاستعماري الحديث. لهذا، وجدنا عددًا من أبرز الكتاب العالميين قد وجّهوا أقلامهم، شعرًا وسردًا وفكرًا، للتعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني في محنه التاريخية المتتالية، نذكر من بين هؤلاء الكتاب الكبار الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر، هذا الذي لم يتجاهل القضية الفلسطينية، بل ربطها بنقاشاته عن الحرية والوجود والعدالة، وإن كان موقفه مترددًا أحيانًا بسبب السياق الفرنسي-اليهودي بعد المحرقة، لقد دعم سارتر فكرة العدالة للشعب الفلسطيني. كذلك كتبت سيمون دو بوفوار في مقالاتها عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين وربطت نضالهم بحركات التحرر الأخرى.
فيما كان الكاتب الفرنسي جان جينيه الأكثر قربًا من التجربة الفلسطينية، فقد زار المخيمات، وكتب نصه الشهير "أربع ساعات في شاتيلا" الذي وثّق فيه مجزرة صبرا وشاتيلا (1982)، ليصبح واحدًا من أقوى الشهادات الأدبية عن مأساة الفلسطينيين. في نصه ذاك، تتحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة، وتتحول المخيمات إلى مسرح للكرامة الإنسانية رغم الجراح. أما الرئيس جوزيف بروز تيتو من يوغوسلافيا، فقد ألهم الأدباء اليوغوسلاف الذين كتبوا نصوصًا عن التضامن مع فلسطين في سياق مناهضة الإمبريالية، في حين كتب يفغيني يفتوشينكو من روسيا قصائد عن العدالة الإنسانية، ومن بينها إشارات إلى فلسطين باعتبارها رمزًا للمعاناة المشتركة، أما الشاعرة الأميركية- الفلسطينية نعومي شهاب ناي، فتعتبر من أبرز الأصوات التي جعلت من فلسطين مساحة شعرية كونية، ما مكنها من صياغة التجربة الفلسطينية في لغة شعرية إنسانية عابرة للحدود، كما هي الحال في دواوينها التي جمعت بين التجربة الفلسطينية والهم الإنساني، مؤكدة فيها أن المنفى والذاكرة والطفولة المشتركة قادرة على صياغة هوية شعرية عالمية، بشكل جعل فلسطين تحضر في أعمالها الشعرية كذاكرة يومية، وكرمز للحب والطفولة والانتماء، مجسرة بذلك الهوة بين القرّاء الغربيين والقضية الفلسطينية.
من جهة أخرى، لم يكن التضامن أحادي الاتجاه، فقد أثّر الأدب الفلسطيني، خاصة شعر محمود درويش وسرد غسان كنفاني، في عديد من الكتاب العالميين الذين وجدوا في فلسطين مرآة لتجاربهم الخاصة مع القمع والمنفى؛ فقد تُرجمت أعمالهما إلى لغات عديدة، واعتُبرت فلسطين بفضلهما مفهومًا كونيًا لا يخص العرب وحدهم. وكذلك مثل إدوارد سعيد، المفكر والأكاديمي العالمي، المرجع الفكري الأبرز في الدفاع عن الرواية الفلسطينية، حيث جعل القضية محورًا في نقده للاستشراق، كما أعاد صياغة صورة الفلسطيني بوصفه فاعلًا في التاريخ، لا مجرد ضحية، فضلًا عن أن أثره الفكري منح القضية الفلسطينية بعدًا أكاديميًا عالميًا.
وفي الولايات المتحدة، نذكر نعوم تشومسكي، المفكر الأميركي، الذي وظّف مقالاته وكتبه للدفاع عن حقوق الفلسطينيين وكشف ازدواجية المعايير الغربية، فيما كتبت الكاتبة الأميركية أليس ووكر التي زارت غزة، نصوصًا تدافع عن الفلسطينيين، مؤكدة أن نضالهم امتداد لنضال الأميركيين السود، وكتبت مواطنتها المفكرة والناشطة أنجيلا ديفيس بإسهاب عن التشابك بين نضال السود في أميركا والقضية الفلسطينية. ومن كندا نشير إلى الكاتبة والصحافية نعومي كلاين المعروفة بوقوفها ضد سياسات الاحتلال الإسرائيلي والتي ربطتها بالرأسمالية المتوحشة.
ولم تغب فلسطين عن كتاب أميركا اللاتينية، فقد كتب عنها، على سبيل المثال، إدواردو غاليانو باعتبارها أرضًا مغتصبة، وضمّها إلى أطلس الظلم الاستعماري الذي كان يؤرّخ له في أعماله. وقد اعتبر غاليانو فلسطين رمزًا حيًا للظلم الاستعماري، فأدرجها في نصوصه التاريخية والسردية، ما جعلها جزءًا من الذاكرة الإنسانية التي يقارنها بالاستعمار في أميركا اللاتينية. أما الكاتب المسرحي البريطاني الحائز على نوبل هارولد بنتر، فقد اتخذ مواقف علنية ناقدة لإسرائيل، وأكد تضامنه مع الفلسطينيين في خطبه ومقالاته، أما مواطنه الروائي والناقد الفني جون برجر فكتب مقالات عديدة داعمة لفلسطين، وشارك في حملات مقاطعة إسرائيل ثقافيًا.
كذلك أبدى كتّاب أفارقة كثر، مثل الكاتب الكيني نجوجي واثيونغو، تعاطفهم مع فلسطين، باعتبارها امتدادًا لحركات التحرر الوطني، حيث ربط واثيونغو بين تجربة الاستعمار البريطاني في أفريقيا، وتجربة الاحتلال في فلسطين، مؤكدًا أن المقاومة فعل ثقافي قبل أن تكون فعلًا عسكريًا، فيما سبق لوولي سوينكا من نيجيريا، أن عبر عن تضامنه مع فلسطين ضمن مقالاته وخطاباته المناهضة للاستعمار، أما مواطنه أموس توتولا، وإن لم يكتب مباشرة عن فلسطين، فقد كان جزءًا من تيار أدبي وضع فلسطين ضمن قضايا التحرر الأفريقي، وفي جنوب أفريقيا، استعاد ديزموند توتو وكتّاب آخرون تجربة الأبارتهايد ليؤكدوا أن معاناة الفلسطينيين هي امتداد لنظام الفصل العنصري.
كما لم يفت بعض الأصوات الأدبية في آسيا، خاصة في الهند والباكستان وإيران، أن تتبنى بدورها القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية عدالة كونية. فهذه الكاتبة الهندية آرونداتي روي عبّرت صراحة في مقالاتها عن تضامنها مع فلسطين، ورأت أن الاحتلال يعيد إنتاج تجارب الاستعمار البريطانية في الهند، وكتب فايز أحمد فايز من باكستان قصائد تضامنية، ورأى فلسطين جزءًا من حركة التحرر الآسيوية، فيما عبر محمود دولت آبادي من إيران، في رواياته، عن الظلم والقهر، واستحضر فلسطين كرمز للمعاناة المشتركة، وغيرهم كثير من كتاب العالم ومثقفيه الشرفاء. ما يعني أن القضية الفلسطينية لم تبق محصورة في حدود إطارها العربي أو الشرق أوسطي، بل صارت رمزًا عالميًا للعدالة والتحرر.
حيث عبّر الأدب العالمي عن تضامن إنساني يتجاوز السياسة ليصير مبدأ والتزامًا أخلاقيًا، ما جعل فلسطين تتحول إلى مرآة أدبية ووجدانية يرى فيها العالم معركة الإنسان ضد القهر، ومعنى أن يكون الأدب شاهدًا على الحقيقة وذاكرة للمستقبل، فقد التقى كتّاب من أوروبا وأميركا وأميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، في كتاباتهم وعبر مواقفهم، على جعل فلسطين ساحة للتأمل في معنى العدالة والمقاومة والكرامة. ومن ثمّ، يظل الأدب أداة حيوية في نقل التجربة الفلسطينية إلى العالم، وتثبيت حضورها في الذاكرة الإنسانية المشتركة، وهكذا، شكّلت فلسطين مفتاحًا أدبيًا لفهم العالم، ومرآةً يكشف فيها الأدب عن قهر الاستعمار وإصرار الشعوب على الحياة.
هذا دون أن نغفل، هنا، حضور فلسطين التاريخي والرمزي المهيمن لدى الكتاب والمبدعين والمفكرين العرب، حيث ظل كتاب العالم العربي في طليعة المدافعين عن فلسطين أدبيًا وثقافيًا، بشكل يصعب معه حصر أسمائهم أو كتاباتهم وشهاداتهم ومواقفهم تجاه هذه الفلسطين الأبية.
ولم يكن كتاب المغرب بمنأى عن هذا الزخم النضالي والثقافي والإبداعي تجاه فلسطين، حيث تبلور لديهم اهتمام عميق بفلسطين في نصوصهم الشعرية والسردية والفكرية، فلم تكن عندهم فلسطين قضية خارجية، بل كانت جزءًا من الوعي الثقافي الوطني، حيث التقى الأدباء والمفكرون المغاربة عند فلسطين باعتبارها تشكل امتدادًا لمعركة التحرر من الاستعمار، وصارت في نصوصهم رمزًا للكرامة والحرية، فجعلوا القضية الفلسطينية جزءًا من خطابهم الأدبي أو الفكري. ويكفي أن نذكر نماذج من هؤلاء الكتاب، في كونهم يمثلون تيارات مختلفة (الرواية، الشعر، الفكر، الصحافة)، واشتركوا في جعل فلسطين جزءًا من همومهم، ونكتفي بذكر بعض من قضى منهم، دون غيرهم من الكتاب الآخرين وهم كثر، من قبيل الأديب والصحافي عبد الكريم غلاب، الذي تناول فلسطين في مقالاته الصحافية وأعماله الفكرية، معتبرًا أن معركة التحرر في المغرب والعالم العربي لا تنفصل عن فلسطين.
فيما خصص المفكر المستقبلي المهدي المنجرة محاضرات وأبحاثًا حول فلسطين، وربطها بمفهوم "الاستعمار الجديد" والصراع الحضاري، أما الشاعر أحمد المجاطي فكتب قصائد تستحضر فلسطين كرمز للشهادة والبطولة في ديوانه "الفروسية"، أما الباحثة النسوية فاطمة المرنيسي، فتناولت فلسطين ضمن مشروعها الفكري حول القهر والحرية والعدالة، وأكدت على مركزيتها في الوعي العربي. هذا الحضور المغربي يعكس تداخلًا بين الهمّ الوطني والبعد القومي، حيث تحولت فلسطين إلى جزء من الهوية الأدبية والفكرية المغربية الحديثة.
من فلسطين إلى غزة: كتاب العالم أمام مأساة مستمرة
وبالنظر لما تشهده مدينة الأنقاض والرماد غزة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 من تحولات خطيرة، خاصة مع التصعيد العسكري الصهيوني، حيث يتعرض القطاع لأبشع أشكال التقتيل والتدمير والاقتلاع، عاد صوت الكتاب والمبدعين في مختلف أنحاء العالم ليعلو منددًا ومحتجًا. فقد نشرت مئات المقالات المفتوحة والبيانات الموقّعة من أدباء عالميين في أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، تستصرخ الضمير الإنساني وتدعو إلى وقف المجازر، خاصة وأن فلسطين لم تعد مجرد قضية تاريخية أو نزاع سياسي في نظر المثقفين والكتّاب العالميين، بل تحولت، مع الهجمات الوحشية على غزة، إلى جرح مفتوح يمسّ الضمير الإنساني الكوني.
فالأدب، بما يحمله من قدرة على تحويل المأساة إلى شهادة، صار صوتًا مرافقًا لغزة في لحظة وجودية تهدّد بطمسها من الخريطة، كاشفًا عن كيف انتقلت غزة من رمز للمقاومة إلى موضوع حيّ للشهادة على الاجتثاث والقتل الجماعي، ما دفع العديد من الكتّاب والمفكرين العالميين إلى مواصلة تفاعلهم مع الوضع الراهن والتعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني؛ إذ لم تكن غزة، فيما تشهده من صراعات واعتداءات متكررة ومن اجتثاث وقتل ودمار وتنكيل بشعبها، بمنأى عن اهتمام كتاب عالميين بارزين، من بينهم من أتينا على ذكرهم أعلاه، ممن دفعتهم غزة إلى التعبير عن تضامنهم معها، وإبراز البعد الإنساني والسياسي للأزمة، فكتبوا نصوصًا ومقالات وبيانات تضامنية تعكس المأساة الإنسانية هناك، وشاركوا في خطابات وحملات التضامن، واتخذوا مواقف علنية مشرفة ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي اعتبروه استمرارًا للقمع الاستعماري، وسلطوا الضوء على معاناة المدنيين في غزة، ووصفوا الهجمات الإسرائيلية بأنها جزء من سياسات الاحتلال الرأسمالية، بمثل ما دافعوا عن المقاطعة الاقتصادية والثقافية، فكتبوا مقالات تحليلية حول الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة، موضحين آثار الحصار والهجمات على المدنيين، فيما أدخل آخرون غزة ضمن نصوصهم التي تناولت الظلم والاستعمار الحديث، مؤكدين على البعد الإنساني للمعاناة الفلسطينية.
فيما تحدث آخرون في مواقف علنية عن غزة باعتبارها مثالًا على المقاومة ضد الاحتلال والظلم الدولي، وربطوا العدوان على المدينة بسياسات الرأسمالية النيوليبرالية، ودعوا إلى المقاطعة الاقتصادية والثقافية لدعم المدنيين الفلسطينيين، واصفين الوضع الإنساني هناك بالمأساوي. هكذا، ركز معظم الكتّاب على البعد الإنساني والقانوني للهجمات على غزة، وندّدوا بالمجازر، والدمار، والحصار، معتبرين هذا الصراع انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، فيما دمج بعضهم تحليلاتهم مع نقد سياسات القوى الغربية التي تدعم الاحتلال، وجعلوا نصوصهم دعوة للوعي العالمي والتضامن الشعبي. وغالبًا ما يستخدم الأدب العالمي المعاصر غزة كمسرح للكارثة الإنسانية، وليس مجرد قضية سياسية، ما يتيح قراءة الأزمة من منظور إنساني عالمي.
وفي مستوى آخر، كان للاحتجاج الأدبي والثقافي دوره الفعال كذلك في التضامن مع غزة، عبر البيانات والمقاطعات الكثيرة التي أصدرها كتاب وناشرون عالميون، هنا وهناك، من قبيل ذلك البيان التاريخي الذي وقعه أكثر من 7000 كاتب وفاعل في مجال النشر، يدعون فيه إلى مقاطعة الناشرين الإسرائيليين المتواطئين، معتبرين أن التعاون معهم يشكل دعمًا للاحتلال، فيما أعلن كتاب ومترجمون آخرون انسحابهم من الجوائز الأدبية (جوائز PEN America الأدبية) احتجاجًا على فشل المنظمة في حماية الكتاب الفلسطينيين في غزة.
ولم يتخلف الإنتاج الفني بدوره عن إبراز تضامنه مع غزة، على مستوى بعض الأفلام السينمائية، نذكر من بينها فيلم "صوت هند رجب" من إخراج التونسية كوثر بن هنية، ويروي القصة الحقيقية للطفلة الفلسطينية هند رجب، التي قُتلت في هجوم إسرائيلي على غزة في يناير/ كانون الثاني 2024، عدا بعض المبادرات الثقافية والتضامنية الأخرى، التي صدرت كملفات في بعض المجلات الأجنبية وأخرى في كتب جماعية، صدرت هنا وهناك، فضلًا عن فعاليات أدبية تضامنية عالمية، استهدفت جمع التبرعات لدعم جهود الإغاثة في غزة.
وفي مستوى آخر، تم تأسيس بعض المنظمات التضامنية، كمنظمة "كتاب ضد الحرب على غزة" (WAWOG)، التي تأسست في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 من قبل مجموعة من الكتّاب والمحررين الأميركيين للاحتجاج على الحرب في غزة وتعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني من خلال الأنشطة الثقافية، وغيرها من الحملات التضامنية من قبيل حملة "رفض التواطؤ" (Refusing Complicity)، المقاطعة للمؤسسات الثقافية الإسرائيلية المتواطئة مع الاحتلال والجرائم المرتكبة في غزة. وقد شملت هذه الحملة كتّابًا ومترجمين وناشرين من مختلف أنحاء العالم، ما جعلها واحدة من أكبر حملات المقاطعة الثقافية في التاريخ.
هكذا يبدو الأدب العالمي اليوم، من خلال هذا المسار التضامني الممتد، وكأنه جبهة تضامن موازية، تُسهم في فضح الظلم وإعادة بناء الذاكرة الجماعية حول فلسطين. فمن المغرب إلى أميركا اللاتينية، ومن أوروبا إلى آسيا، ظلّت الكلمة الحرة تعيد رسم صورة فلسطين في الضمير الإنساني، لتؤكد أن القلم، مثل المقاومة، قادر على إحياء الحق في الوعي العالمي.
وما يكتب عن غزة اليوم، ليس مجرد تضامن رمزي، بل هو محاولة لإنقاذ الذاكرة من المحو. فالأدب العالمي، عبر الشعر والرواية والسينما والمقالة الفكرية، صار بمثابة أرشيف إنساني للمجزرة، ومواجهة أخلاقية مع محاولات تبريرها. وهكذا تتحول غزة، من مدينة محاصرة، إلى بوصلة للضمير الأدبي الكوني، حيث يلتقي المغربي باللاتيني، والهندي بالأفريقي، ليؤكدوا جميعًا أن الكلمة لا تقل مقاومة عن الفعل.
لقد جعلت غزة، بدمها وصمودها، من الأدب العالمي شاهدًا وشريكًا في المعركة ضد الإبادة والاقتلاع، كما جعلت من الكتابة فعلًا مقاومًا يواجه آلة التدمير ويصون ذاكرة الضحايا. وهكذا، تظل فلسطين، في غزة كما في كل مكان، محركًا أخلاقيًا للأدب العالمي، يعيد إلى الكلمة معناها الأصيل: الانحياز إلى الإنسان.
عن (ضفة ثالثة)