توفي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ومع رحيله، يطوى فصل مهم من تاريخ الفلسفة الأوروبية، إذ يُعد آخر كبار مفكري مدرسة فرانكفورت وأحد أبرز المدافعين عن الديمقراطية القائمة على الحوار.. الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر يعد واحد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية وأكثرهم شهرة وأغزرهم إنتاجا، لكن إرثه، لم يكن خاليًا من الجدل، خاصة في سنواته الأخيرة.. في هذا التقرير الذي نشره موقع الجزيرة نقترب أكثر من مشروعه الفكري.

رحيل «فيلسوف الحوار» يورغن هابرماس

 

فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب

(الجزيرة): توفي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في 14 مارس/آذار 2026 عن عمر ناهز 96 عامًا، في منزله بولاية بافاريا. ومع رحيله، يطوى فصل مهم من تاريخ الفلسفة الأوروبية، إذ يُعد آخر كبار مفكري مدرسة فرانكفورت وأحد أبرز المدافعين عن الديمقراطية القائمة على الحوار. وصفه الرئيس الألماني شتاينماير بأنه "منوّر كبير"، بينما اعتبره المستشار ميرتس "منارة فكرية". لكن إرثه، رغم هذا التقدير، لم يكن خاليًا من الجدل، خاصة في سنواته الأخيرة.

ويعد الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر يورغن هابرماس واحد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية، هذه الحركة الفلسفية التي نشأت سنة 1923، وبدأت الحركة في معهد الأبحاث الاجتماعية بالمدينة. وجمعت فلاسفة مثل ماكس هوركهايمر، ووالتر بنيامين، وثيودر أدورنو، وعُرف عنها نقدها للحداثة وتقنيات السلطة والهيمنة. ويعد هابرماس أكثرهم شهرة وأغزرهم إنتاجا، فقد بلغ مجموع مؤلفاته قرابة خمسين كتابا تدور حول مواضيع شتى في الفلسفة السياسية والعلوم الاجتماعية، وترجع أهمية دور هابرماس إلى ارتباط مشروعه الفلسفي الوثيق بالواقع، فقد كانت اهتماماته الفلسفية كما مواقفه المبدئية مرتبطة بمصير ألمانيا وملتزمة بهموم المجتمع والدولة الألمانية بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى وصفه وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر بأنه "فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة"، وذلك منذ أكثر من خمسين عاماً.

تدور نصوص هابرماس حول إشكال مركزي، إشكال الحداثة وعلاقة الذات بالآخر، وقد تبلور هذا الإشكال عند هابرماس إبان حقبة الحكم النازي في ألمانيا الذي تأسس على مبدأ تفوق الذات الألمانية والعرق الآري، مرتكبا - والحديث هنا عن الحكم النازي- فظاعات بحق الأجناس والأعراق الأخرى المختلفة عنه، وقد تحدث هابرماس عن هذا قائلاً "أنتسب إلى جيل المثقفين الألمان الذين كبروا خلال المرحلة النازية، ونضجوا ثقافيا عند نهاية الحرب العالمية الثانية، وعاشوا في إطار جمهورية ألمانيا الفدرالية، وأصبحوا أساتذة "لما بدأ طلبة فترة الستينيات يتمرّدون ويثورون".

إن هدف فلسفة هابرماس هو التأسيس لأخلاق تواصلية تقوم على أساس الاعتراف بالآخر والتحاور معه دون ادعاء أي من الطرفين بامتلاك الحقيقة داخل فضاء عمومي مشترك، وقد اتسم مشروعه بنقد النتائج المدمرة التي أفضت إليها صيرورة العقلانية المستمرة لكل أشكال الحياة المعيشة من جهة، ومن جهة أخرى يؤكد تمسكه بالمشروع التنويري ووعوده التحررية مناهضاً بذلك الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت نفسها الذين أبدوا يأسا من المشروع الحداثي.

محطات من حياة هابرماس

ولد يورغن هابرماس عام 1929 في غومرسباخ، وهي مدينة صغيرة تقع قرب مدينة كولون الواقعة غرب ألمانيا، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية 1939، لم يكن هابرماس قد تجاوز سن العاشرة، وفي عام 1944، أي قبيل انتهاء الحرب العالمية بعام واحد، جُند في معسكرات "شباب هتلر" التي كانت منتشرة في عموم ألمانيا، وبعدها بفترة وجيزة أرسل للقتال في الجبهة الغربية.

تركت هذه الأحداث أثرا كبيرا في تكوين هابرماس الفكري واهتماماته السياسية والاجتماعية، وهو ما أقر به في أحد لقاءاته قائلاً "لقد أثّرت فيّ أحداث الحرب الثانية بشكل خفي". وبدأ اهتمام هابرماس بالقضايا العامة بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ سرعان ما عرف الفظائع النازية من البث الإذاعي لمحاكمات نورمبرغ التي طالت قادة الحزب النازي، فشرع بالاطلاع على أسس ومكونات الحداثة الغربية وتاريخها، وقد كان في تلك الفترة معجبا بشخصية الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر الذي ذاع صيته في أوروبا كلها عقب الحرب العالمية الثانية، وذلك لتمسكه بالحرية واستماتته في الدفاع عنها.

بعد انتهائه من الدراسات العليا عام 1955، عمل هابرماس صحفيا لمدة عام واحد، وفي تلك الفترة اقترح عليه أحد أصدقائه في الصحيفة أن يلتقي أحد أهم رموز مدرسة فرانكفورت النقدية، وهو الفيلسوف تيودور أدورنو في فرانكفورت، وكان أدورنو قد قرأ نصاً لهابرماس بعنوان "جدلية العقلنة" بدا فيه متأثراً بأدورنو نفسه، خاصة في كتابه الذي أنجزه مع هوركايمر "جدلية العقل"، لذ لم يتردد أدورنو بأن يعرض على هابرماس أن يعينه أستاذا مساعداً له، وهو ما حدث عام 1956. وفي حديثه عن عمله بجوار أدورنو، قال هابرماس "إن أدورنو هو العبقرية التي لم يسبق لي التعرّف على مثيل لها".

في مسيرته الفكرية، نال هابرماس العديد من الجوائز التقديرية لمساهماته الفكرية، منها "جائزة أمير إسبانيا للعلوم الاجتماعية"، و"جائزة ثيودر أدورنو" في عام 1980، و"جائزة السلام" من جمعية الناشرين الألمان.

ورث هابرماس عن مدرسة فرانكفورت النقدية تقاليدها في نقد الحداثة التي كشفت عن الجوانب المدمرة للعقلانية وآليات السيطرة والضبط التي قدمتها المعرفة التقنية للسلطة، إلا أن هابرماس نحا منحى مختلفا عن أسلافه في مدرسة فرانكفورت، بما في ذلك أستاذه أدورنو نفسه، حيث لم يقف عند آفات العقلانية الأداتية كما فعلت مدرسة فرانكفورت، بل تجاوزها ليؤسس لعقلانية تواصلية تستند على مبادئ قيمية وأخلاقية تتلافى علات العقلانية الأداتية.

في عام 1971، تسلم هابرماس منصب مدير مركز ماكس بلانك وعمل فيه حتى عام 1983، بعد ذلك عاد إلى عمله في فرانكفورت مديرا لمعهد البحث الاجتماعي واستمر فيه حتى تقديمه استقالته عام 1993، متفرغا بعدها للكتابة والنشر على نطاق واسع، ومن أبرز مؤلفاته "الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي" (1983) و"العقلانية والدين" (1998) و"جدل العلمانية" (2007).

في مسيرته الفكرية، نال هابرماس العديد من الجوائز التقديرية لمساهماته الفكرية، منها "جائزة أمير اسبانيا للعلوم الاجتماعية"، و"جائزة ثيودر أدورنو" في عام 1980، و"جائزة السلام" من جمعية الناشرين الألمان، إلا أن أهم الجوائز هي جائزة جون دبليو كلوج في واشنطن التي نالها في عام 2015،  وتُعد هذه الجائزة أرفع تكريم يناله فيلسوف على أعماله مدى حياته حيث تبلغ قيمتها 1,5 مليون دولار أمريكي.

أهم الملامح الفكرية في مشروع هابرماس

واحدة من أبرز سمات المشروع الفلسفي لهابرماس أنه ربط مشروعه الفلسفي بمصير ألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فعُرف بانخراطه الدائم في المناقشات العمومية التي شهدتها ألمانيا وأوروبا بعد الحرب الثانية، وقد ورث هابرماس ذلك الهم والقلق الألماني الذي ولدته النازية، لذلك ألـح كثيرا في نظرية "الفاعلية التواصلية" على أنسنة عمليات العقلنة من خلال إضفاء أبعاد قيمية تواصلية مع الآخر.

ينطلق مشروع هابرماس من اعتبار أن "الحداثة مشروع لم يكتمل"، وهو بذلك لا يعلن القطيعة معها كما يفعل فلاسفة ما بعد الحداثة، ذلك أن مسعاه النقدي يتمثل في تقويم الحداثة والعقلانية من خلال تأسيس معايير أخلاقية تقوم بضبط عمليات العقلنة وتحركاتها، وتتأسس  هذه المعايير على اعتبارات التواصل والاعتراف بالآخر.

ومن أجل صياغة مفهومه للفاعلية التواصلية وللمجال العمومي الحديث، اضطر هابرماس إلى إعادة النظر في مسألة الحقيقة، إذ لم تعد الحقيقة معطى جوهريا سابقا على الوجود الانساني، إنما هي نتاج لعملية تبادل البراهين والحجج، وهي بذلك تتويج لاتفاق ذي طبيعة اجتماعية، وهذا ما يسميه هابرماس بـ"النظرية الإجماعية للحقيقة"، حيث تغدو الحقيقة نتاجا للتداول العمومي والنقاش العام، والإجماع الذي ينتج عن هذا التداول، ومن هنا يدعو هابرماس إلى التواضع في الإعلان عن الموقف، لأن ذلك من شروط الحوار، والاعتراف بإمكان الوقوع في الخطأ مبدأ من مبادئ النقاش العمومي، فلا شيء معفي من السؤال والنقد والمناقشة، وكل الموضوعات إنما تكتسب شرعيتها من خلال المناقشات العمومية التي تتيح الوصول إلى الحقيقة الإجماعية.

وإذا لم تكن مرجعية لسلطة سوى سلطة العقلنة والبرهنة يتعين على الجميع المشاركة في الحوار وفي خلق المعاني والرموز، "فالمشروعية لا تتأتى إلا من خلال التفاهم والإجماع المتحرر من أي ضغط أو مساومة أو سيطرة، على اعتبار أن الإجماع الناتج من التفاهم البرهاني لا يستمد صدقيته إلا داخل مجال عمومي حر يستجيب لمقاييس الفاعلية التواصلية".

طفولة صعبة صنعت فيلسوف التواصل

وُلد هابرماس عام 1929، وعانى في طفولته من تشوه خلقي في الحنك جعله يواجه صعوبة في الكلام. هذه التجربة تركت أثرًا عميقًا في فكره، إذ أدرك مبكرًا أن الإنسان لا يمكن أن يعيش دون تواصل مع الآخرين.

لاحقًا، سيحوّل هذه المعاناة إلى نظرية فلسفية كاملة، ليصبح أبرز من نظّر لفكرة أن الحوار هو أساس التفاهم الإنساني والديمقراطية. عاش أيضًا تجربة الحرب العالمية الثانية، وانخرط في شبابه في تنظيمات نازية، قبل أن يصدمه ما كُشف عن جرائم النازية، وهو ما دفعه إلى تبني موقف نقدي حاد من السلطة والعنف، والتوجه نحو الفلسفة.

مشروع لإنقاذ الحداثة

انطلق هابرماس من مدرسة فرانكفورت التي ضمت مفكرين مثل تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، والذين رأوا أن الحداثة فشلت وتحولت إلى أداة هيمنة. لكن هابرماس خالفهم، وطرح فكرة أن الحداثة لم تفشل، بل لم تكتمل بعد، واعتبر أن المشكلة ليست في العقل نفسه، بل في استخدامه بشكل ضيق يخدم السيطرة فقط.

أهم ما قدمه هابرماس هو مفهوم "الفعل التواصلي"، الذي يرى أن البشر قادرون على التفاهم عبر حوار حر يقوم على الصدق والاحترام. وفي كتابه الشهير "نظرية الفعل التواصلي"، ميّز بين عالم الحياة، حيث يعيش الناس ويتواصلون ويصنعون المعاني، والنظام الذي تحكمه السلطة والمال، وحذّر من أن هيمنة النظام على حياة الناس تؤدي إلى تدمير القيم الاجتماعية، وهو ما سماه "استعمار عالم الحياة". واقترح هابرماس أن الحداثة "مشروع لم يكتمل"، لم يفشل بل لم يُنجَز بعد. المشكلة ليست في العقل ذاته بل في اختزاله في "العقلانية الأداتية" المنصبّة على السيطرة التقنية.

طوّر هابرماس فكرة "الديمقراطية التداولية"، التي تقوم على أن القرارات السياسية يجب أن تُبنى على نقاش عام حر يشارك فيه الجميع. كما طرح مفهوم "الوطنية الدستورية"، حيث تقوم الهوية على القيم الديمقراطية لا على العرق أو الدين. ودافع عن المجال العام باعتباره فضاءً للنقاش الحر، لكنه حذّر من تآكله بسبب الإعلام التجاري وتأثير المصالح الاقتصادية.

لم يكن هابرماس مجرد أكاديمي، بل كان حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية. فخلال "نزاع المؤرخين" في ألمانيا، هاجم محاولات تبرير جرائم النازية، مؤكدًا أن الاعتراف بالماضي شرط لبناء ديمقراطية حقيقية. كما عارض بعض السياسات الألمانية، ودعا إلى دور أوروبي أكثر استقلالًا في العالم، وشارك في مواقف دولية أثارت جدلًا، مثل دعمه تدخل الناتو في كوسوفو.

جدل المواقف

في سنواته الأخيرة، واجه هابرماس انتقادات واسعة بسبب مواقفه السياسية. ففي الحرب الروسية على أوكرانيا، دعا إلى الحذر، معتبرًا أن مواجهة قوة نووية ليست خيارًا بسيطًا، وهو ما أثار اعتراضات من بعض المفكرين.

لكن الجدل الأكبر جاء بعد توقيعه بيانًا في 2023 اعتبر فيه العدوان الإسرائيلي على غزة "مبررًا من حيث المبدأ"، دون التطرق بشكل كافٍ لمعاناة الفلسطينيين. هذا الموقف أثار انتقادات من أكاديميين ومفكرين، مثل نانسي فريزر، الذين رأوا أن موقفه لا ينسجم مع أفكاره عن العدالة والحوار الشامل. واعتبر منتقدوه أن "كونيته" بدت انتقائية، حيث يدافع عن القيم الإنسانية في سياقات معينة، ويتجاهلها في أخرى.

كونية هابرماس كانت في الممارسة "انتقائية التطبيق": رحبة حين تتعلق بالشؤون الأوروبية، ضيّقة حين تواجه الحقائق الاستعمارية.

بين الدين والعقل.. مراجعات متأخرة

في مرحلة متأخرة من حياته، فاجأ هابرماس الكثيرين بانفتاحه على الدين، رغم خلفيته العلمانية. في حوار مع جوزيف راتسينغر، دعا إلى نوع من التعاون بين العقل والدين، معتبرًا أن كل طرف يمكن أن يصحح أخطاء الآخر. وطرح مفهوم "المجتمع ما بعد العلماني"، الذي يعترف بدور الدين في الحياة العامة، مع ضرورة ترجمته إلى لغة مشتركة يفهمها الجميع. لكن هذا التوجه لم يخلُ من انتقادات، خاصة بسبب تركيزه على التراث الغربي، ما عزز الاتهامات له بالمركزية الأوروبية.

إرث كبير.. ومفارقة أخيرة

يترك هابرماس خلفه إرثًا فلسفيًا ضخمًا، من أبرز مفاهيمه: الفعل التواصلي، المجال العام، الديمقراطية التداولية، استعمار عالم الحياة، الوطنية الدستورية. هذه الأفكار لا تزال أدوات أساسية لفهم كيف تعمل الديمقراطيات وكيف يمكن إصلاحها. لكن رحيله يكشف مفارقة لافتة: فيلسوف كرس حياته للدفاع عن الحوار الشامل، انتهت بعض مواقفه إلى إثارة اتهامات بإقصاء أصوات معينة.

لم يكن يورغن هابرماس مجرد فيلسوف، بل كان مشروعًا فكريًا كاملًا حاول إنقاذ العقل من الانهيار، والديمقراطية من التفكك. وبين دفاعه عن الحوار، والجدل الذي أحاط بمواقفه، يبقى إرثه مفتوحًا للنقاش، فهل يمكن حقًا بناء عالم أكثر عدلًا بالحوار وحده؟ أم أن الواقع أعقد من أن تستوعبه حتى أعظم النظريات؟

 

المصدر: الجزيرة