«إننى إنسان وما من شئ إنسانى يبدو غريبا بالنسبة لي»
الشاعر الرومانى القديم تيرنس
فى آخر رواياته التى صدرت تحت عنوان "عواصف" عن الدار المصرية اللبنانية 2015. يطرح الدكتور يوسف عز الدين عيسى موتيفة العاصفة كخيال جامح وجوانب نفسية تجتاح الذات من الداخل، وتجيش بها النفس البشرية بعوامل محتدمة تعيشها الشخصية الروائية المتخيلة، وتتفاعل بمؤثرات الواقع المعيش، وانعكاسات المشهد الاجتماعى الصاخب. حيث يتصدر النص فى عتباته الأولى أيقونات نصية تشير إلى دلالة وسيميائية ما يطرحه النص من وقائع سيكولوجية، وتماسات عصابية، حادة الجوانب، لشخصيات تبدو نمطية فى توجهاتها، كما أن لها نزعات مختلفة فى الطبيعة والتعامل والفعل ورد الفعل، تبحث لنفسها عن واقع خاص، وتوجهات محددة تتأرجح جوانبها بين الخير والشر، والخوف والقلق والوهم والواقع ونزعة الاغتراب الكامنة فى أحداث الرواية. حيث تعصف عواصف الطبيعة ومن وراءها العواطف الجياشة بمعظم الشخصيات فى مقدرات حياتها الذاتية، ويشير الكاتب حول هذا الجانب بمقولة تفصح عن حقيقة ما يتوجه به النص من تأزمات نفسية وذاتية تعصف بالجانب النفسى والذاتى لبعض شخصيات الرواية حيث تشير العتبة الثانية من النص بهذه المقولة ": إن أقسى العواصف هى تلك التى تجيش فى النفوس". (الرواية ص5).
وعلى ذلك فإن اتباع المنهج النفسى التقليدى فى تحليل النص ومحاولة قراءته قراءة نقدية متأنية، دون إقصاء كلى للكاتب والقارئ أو السياق، ربما يفيد ذلك فى قراءة وتحليل هذا النص الروائى القائم على البعد النفسى فى تركيبه وتشكله وأحداثه المتواترة، والمتصاعدة ولعل هذا المنهج فى تحليل النص من وجهة النظر السيكولوجية وإبراز العناصر المختلفة التى تكّون بنيته، من موضوعات وأشكال وتقنيات وأساليب وتخييلات ولغة، ما يجعل من الكتابة الروائية الحاضرة معنا الآن فضاءا تخييليا يشرع نوافذه على المناطق الملتبسة التى تطال مشاعر وتجارب محددة فى الذات عند بعض الشخصيات الحاضرة فى عالم يمور بالتحولات والعواصف والارتجاجات العنيفة داخل النص. لذلك تبدو العلاقة بين التحليل النفسى والأدب مسألة إشكالية، وتبدو ملامح من الرؤى النفسية فى برامج التحليل النصى خاصة المستمدة من رؤى كل من فرويد وجاك لاكان فى تحليلهما للأعمال الأدبية خاصة وأن هذه التجربة تبدو أنها التجربة السائدة والأعمق فى التناول فى مثل هذا النوع من الكتابة الروائية من ناحية التحليل والقراءة التواصلية.
كانت هذه الرواية قد كتبت أصلا كمسلسل إذاعى عام 1957، واستمرت إذاعته فى الأذاعة المصرية لفترة طويلة، قبل أن يقوم الكاتب بتحويله بعد ذلك إلى عمل روائى طرح نفسه بامتياز فى عالمه الروائى المتميز وفى المشهد الروائى السردى المعاصر.
العنوان ودلالته النصية:
يبدأ النص بمشهد عاصفة ليلية طبيعية أطلقتها الطبيعة فى غضبها المفاجئ فى هذه الليلة شديدة الأمطار والبرودة حيث ثمة إضاءات دلالية تكتنف الاستهلال الأولى للرواية، وتهئ القارئ من البداية لاستقبال ما تعتمل به النفس البشرية من مؤثرات فى نفوس الشخصيات الحاملة لجينات إنسانية مأزومة تعانى من تأزمات الواقع، وما تفرزه من أفعال شاذة وردود فعلها الجاثم بقوة على مجريات ما يحدث داخل النفس. فبخلاف العنوان وهو العتبة الدلالية الأولية لكامل النص، والذى جاء على هيئة مفردة واحدة هى مفردة "عواصف" إشارة إلى المعنى المطلق الكامن فى مناخ هذا النص ومتخيّل ما يحدث فيه من أحداث مثيرة ومفارقات وممارسات ذاتية تطال الجميع دون استثناء.
يدعم ذلك ما يشير إليه الاستهلال الأولى للنص بمقولة دالة على المناخ العام للرواية من خلال الوصف الحاضر لهذه الليلة فى العبارة الاستهلالية التى بدأ بها الكاتب روايته ": بدت الطبيعة فى ذروة غضبها وقسوتها.. المطر ينهمر بلا توقف، والرياح تقتلع الأشجار بلا رحمة، يختلط زئيرها بهدير الرعد وكأن شيطانا مجنونا يعزف سيمفونية الرعب، والبرق يلمع فى السماء فيضئ الأرض فى ومضات تكشف ملامح الفيلا القائمة فى هذا المكان شبه المنعزل، ثم يبتلعها الظلام باختفاء البرق فلا يرى منها سوى بعض نوافذ ينبعث منها ضوء خافت مصفر". (ص17) بهذا المشهد الغاضب فى الطبيعة ومناخ هذه الليلة العاصفة، والكاشف عن ملامح الإثارة للمكان فى هذه المنطقة المنعزلة من المدينة.
وهذه اللحظات القصار من عمر ما تنبئ به عواصف هذه الليلة يفصح النص بما يدور فى الخارج وينعكس بالتالى بصورته التى جسدها الكاتب على ما يحدث فى الداخل سواء كان ذلك داخل (المكان) أو داخل ذوات الشخصيات الكامنة فيها بعوامل تشير بأن ثمة عواصف لا شك قادمة فى محيط هذا المكان وهذه الأسرة الصغيرة المكونة من الأب الأستاذ زكى راتب المحامى، وأبنتيه (سهير وفاتن) وخادمة تدعى بدرية، وفى هذا المشهد الاستهلالى تبدو الأبنة سهير وهى الأبنة الصغرى إحدى الشخصيات الرئيسية الفاعلة فى النص تجتاحها عواصف عصابية نفسية نتيجة ما مر بها من سوء معاملة الأسرة لها خاصة انعكاسات معاملة أبيها لها بسبب موت أمها أثناء ولادتها. مما أفقدها تعاطف الأب معها منذ طفولتها، وقد عانت سهير جراء هذه الحادثة الكثير وسببت لها هذه المعاملة الشاذة من الأب بمرور الوقت أزمات نفسية حادة انعكست على شخصيتها وعلى كل المحيطين بها من أسرتها.
وتتواتر الأحداث فى نسيج الرواية، عبر الشخصيات الرئيسية والشخصيات الثانوية المساعدة والتى كان متخيّل الكاتب لها ينتقل فى حشد من الأحداث الواقعية الدائرة فى هذا المكان، حيث العلاقة بين الكاتب وشخصياته قد أفرزت داخل الرواية شخصيات مختلفة التوجهات والطبائع فى جبلتها غرابة وممارسات تنحو نحو معايشة الواقع بشئ من الأطر المختلفة فى المعاملة والعلاقات الشائنة فى بعض الأحيان وتبدو الشخصيات فى ممارساتها الواقعية وفى أحداثها المتواترة شخصيات بعضها سوية وأخرى مريضة وشخصيات ثالثة لها نزعات ميكيافيللية شريرة.
النص والشخصية:
تمثل علاقة الروائى بشخصياته سرا من الأسرار الإبداعية التى تحيط بالكتابة الروائية، وربما تكون هذه العلاقة هى أعظم العلاقات بين الكاتب ومتخيله الواقعى فى كل عمل إبداعى يقوم بكتابته. فالشخصية تمثل لغز المتخيل الكبير المستند إلى عدد من الأسئلة التى تجيب عليه الروايات جميعها كل بحسب تصور الكاتب ومتخيله الذاتى والخاص بها. حيث تدخل الشخصية إلى عنصر الرواية بطريقة غريبة وتكتسب صفة الاختلاق كما تتخذ حجما ومدلولا وحالة من الإيحاء والترقب فى ممارساتها من خلال مستويات الأحداث ونوعية الحبكة المرسومة بدربة وإتقان. وقد جعل الكاتب شخصياته الروائية داخل رواية "عواصف" - منذ الاستهلال الأولى للرواية - تعيش حالة من حالات الخوف والرعب والإثارة واستمر ذلك فى معظم نسيج الرواية، وكثيرا ما كانت تصطدم بعض الشخصيات بالواقع المعيش من خلال جوانب نفسية محتدمة للغاية، وأحداث ميلودرامية بعضها جاء عفويا والبعض الأخر نسجته أحداث صادمة نتيجة الحبكة الرئيسية الدرامية المستخدمة فى صنع أحداث الرواية.
حيث اشتغل الكاتب على عدة تيمات تطال شخصيات الرواية أبرزها تيمة الوهم والاغتراب الذى اجتاح شخصية "سهير" نتيجة إهمال أبيها لها وتفضيله لأختها الكبرى فاتن، ونتيجة لعوامل الكبت المستمر، والممارسات الخاصة، والفروق الواضحة بين معاملة سهير وتدليل أختها فاتن بطريقة لافتة من جانب الأب، إضافة إلى طبيعتها الخاصة المحملة برومانسية ذاتية، وحساسية أنثوية خاصة، وميل إلى الفنون والقراءة لتعويض ما يحدث لها على المستوى الواقعى، وقعت سهير فى براثن حالة مرضية حادة وشبه انفصام فى شخصيتها وبداية انهيار لمقومات الحياة الأساسية. كانت سهير نتيجة لهذه العوامل جميعها تتوهم أشياء لا تحدث على مستوى الواقع منها أنها تسمع أصوات وجود لص فى المنزل أو صوت قطار قريب من المكان مع أن فيلا الأستاذ راتب تقع فى مكان بعيد، عن السكة الحديد. وتنهار سهير فجأة نتيجة لهذه الحالة التى تلبستها، وتتراكم عليها الأحزان لإهمال أبيها المستمر لها.
بل أن بعضها قد ذهب إلى أبعد من ذلك فى اقتباسات الخير والشر فى صورته التى وضحت من استخدام الكاتب لثنائيات محورية تبرزها الشخوص فى عدة مواقف وتناقضات ومفارقات تشير إلى الصدامات الحادثة فى أماكن عدة من الرواية. وكانت أهم وأبرز هذه الثنائيات فى الرواية شخصيتى الأختين فاتن وسهير وعلاقتهما المتأرجحة بين القبول والرفض، والخادمتين بدرية وخواطر وما يثار بينهما من شجارات محتملة ومألوفة فى محيط المكان، والأخوين خالد وشقيقه التوأم منصور والعلاقة الملتبسة بينهما ورؤية كل منهما تجاه الآخر من الناحية النفسية والاجتماعية، وكذا شخصية الأب الحاضر والأم الحاضرة الغائبة وانعكاس غيابها الفجائى بالوفاة - أثناء ولادتها لسهير - على شخصية الأب وعلى تعامله مع أبنتيه، كذلك ثنائية شخصية الأب مرة أخرى وتفاعلها مع شخصية الطبيب المعالج لسهير الدكتور منير أدهم الحاضر بقوة ابتداء من منتصف الرواية وحتى نهايتها.
وهذه الثانئية كانت هى المفتاح الذى أوصل النص إلى نهايته وأفرغ فى نسيجه شحنة فك الحبكة التى بدأت من منتصف النص تقريبا، جميع هذه الثنائيات لعبت دورا مهما فى بلورة الأحداث وتصاعدها، من خلال إبراز المفارقات والمتناقضات الحاصلة فى حياة كل منهم، والعلاقات الملتبسة الحاصلة بأسلوب تبدو فيه الإثارة والاشتغال على جذب انتباه القارئ إلى تواتر الأحداث وتناميها وتصاعد الحدث الرئيسى والحدث الموازى المرتبط بكل من مرض سهير وكذلك الانفصام الحادث فى شخصية منصور الشقيق التوأم لخالد خطيب فاتن.
وربما يتصور القارئ أن الرواية بحبكتها وشخصياتها الدرامية، وأحداثها المتواترة تنهج النهج البوليسى المثير فى تتبع ما يحدث على المستوى النفسى والواقعى. وفى بؤرة الحبكة التى رسمها الكاتب ليصنع من حدثها الدرامى حالة من حالات الإثارة إلا أن المتعمق فى تتبع نسيج الرواية فى بعدها السردى يجد نفسه متواصلا مع ما يحدث فى أعماق الشخصيات والعواصف التى تثيرها فى نفسية كل شخصية. تماما كما كان يفعل ديستويفسكى مع شخصيات رواياته النفسية فى تتبع انعكاسات وممارسات الواقع المعيش على كل شخصية، وتحليل الشخصية والوقائع المحيطة بها من أمور واقعية وانعكاسات الأحداث وتقاطع وتشابك الممارسات الحاصلة لكل منها.
من هنا نجد أن الكاتب قد قام بتحليل شخصية سهير تحليلا نفسيا فى صور عدة من صور الصدام الحاصل لها فى مراحل حياتها المختلفة حتى كانت هذه الليلة العاصفة التى بدت شديدة الوطأة عليها والتى بدأت فيها الأحداث تتصاعد بقوة، وتتراكم بطريقة لافتة، ولغرابة الحدث والمفارقة العجيبة التى أوجدها الكاتب جراء احتفائه بثنائيات ومفارقات درامية عدة، فقد انتقلت العاصفة من إشكالية سهير بمرضها النفسى بعد ذلك فى نهاية الرواية بمفارقة نصية، إلى الأخت فاتن فى أحداث متتالية مثيرة حيث العلاقة توترت بسرعة كبيرة بين الجميع فى حبكة مرسومة قام الكاتب بها لفك اشتباك هذه المحنة التى تعيشها الأسرة فى عواصفها المستمرة.
لقد كانت الأحداث داخل الرواية كما أشار الكاتب فى نهايتها تبحر داخل النفوس وتتفاعل معها وتحللها تحليلا دقيقا، وتعبّر عن المشاعر التى تجيش بالنفس فى أقصى مظاهرها. وتظهر عواصف الصراعات التى تنشأ بين أقرب الناس بعضهم البعض، ولكن وسط هذه العواصف وهذه الزوابع كانت أطواق النجاة حاضرة فى حياة هذه الأسرة متمثلة فى الطبيب المعالج لسهير وشخصية جديدة طرأت على المشهد وهو شخصية عصام مدرس الموسيقى الذى رشحه الدكتور منير لتعليمها العزف على الكمان كنوع من العلاج النفسى الذى وصفه الطبيب لحالتها، ومن خلال مراحل العلاج، ربطت بين سهير وعصام عاطفة قوية سرعان ما قويت بفعل المشاركة الوجدانية بفعل عوامل رومانسية مشتركة أججتها الموسيقى والرغبة فى الحياة والوصول إلى بر الأمان فى هذه العواصف والأنواء المحتدمة على مستوى المشاركة الواقعية فى الحياة.
النص والأحداث:
حشد الكاتب الرواية بكثير من الأحداث الرئيسية والثانوية من خلال الاشتغال على مرض سهير والوهم الكبير الحاصل فى نفسيتها والذى أنعكس بصورة أو بأخرى على كل أفراد الأسرة، وقد احتلت هذه التيمة مساحة كبيرة من الرواية، إلا أن هناك كان ثمة عاصفة أخرى محتدمة للغاية على الجانب الآخر تطال الشقيقين التوأم خالد خطيب فاتن وزوجها بعد ذلك وشقيقه التوأم منصور ومحاولة كل منهما تحقيق ذاته بشتى الوسائل المتاحة، ولكن كل بطريقته، كان ذلك من خلال أوجه الشبه الكبيرة والغريبة الحادثة بين الأثنين، واستكمالا لثنائيات الحياة التى رسمها الكاتب بدقة فى هذه العواصف التى تهب على محيط هذا المكان، وهذه الشخصيات المتنافرة من خلال مجموعة من العلاقات المتشابكة والمتقاطعة بين الجميع نجد أن العلاقة الملتبسة والمطردة بين الأختين فاتن وسهير، وغربة سهير وسط أسرتها تشكل حجر الزاوية فى أحداث الرواية.
كذلك العلاقة الثانوية بين الخادمتين بدرية والشغالة الجديدة خواطر التى التحقت للعمل فى الفيلا لمساعدة بدرية فى أعمال النظافة، وقد حاول الكاتب أن يوظف فى هذه الثنائية الجديدة - ثنائية الخادمتين - موقفا جديدا ليخفف من غلواء الإثارة المتغلغلة فى نسيج النص وأن يجعل هناك توازنا بين شخصية خواطر المرح والفكاهة والقمحمة فى نسيج النص، وبين ما يحدث من أمور مرعبة فى فيلا الأستاذ زكى راتب المحامى. وفى ذلك الشأن نجد أن محاولة كل من بدرية وخواطر الاستئثار بحب أصحاب البيت لتحقيق شئ من الحضور على المستوى الشخصى والنفسى فى المشهد والمكان مما كان له وقعه المخفف من حدة الجانب الغامض فى بعض أحداث الرواية.
وإن كنت أرى أن توظيف شخصية بدرية وحدها كان كافيا بشيء من التعمق الدرامى لتحقيق رؤية درامية فاعلة فى الأحداث. كذلك كانت الشخصيات الثانوية الأخرى مثل عليوة وعزب وهما من أفراد عصابة منصور، وشخصية الأستاذ عصام مدرس الموسيقى الذى رشحه الدكتور منير لتعليم سهير الموسيقى ووافق عليه بشئ من التحفظ الأستاذ راتب لأبنته، والذى ارتبط بها عاطفيا بعد ذلك نتيجة لحاجتها الشديدة إلى يد حانية تقف بجانبها فى هذه العواصف الشديدة فى حياتها، فكان هذا الشاب هو بر الأمان الذى ارتاحت له فى محنتها ومرضها، جميع هذه الشخصيات تمثل فى بنية النص المحرك الأساسى للأحداث، ومن هنا تكمن أهمية الشخصية أنها وحدها دون باقى مكونات السرد القادرة على إنجاز الحدث، وتطوير مقوماته داخل النص الروائى، وهى بقيمتها المادية والمعنوية وبما يميزها أو يشوبها من أحوال ومكونات طبيعتها المرسومة، ووحدة تشكلها قادرة على إدارة الأحداث، وتنفيذ الحبكة التى ارادها الكاتب، والخروج بالنص إلى الهدف المرسوم له النص.
كذلك استخدم الكاتب اسلوب الحلم باعتبار أن القصة النفسية تحتاج مثل هذه الموتيفة المهمة فى مثل هذا السياق فى طرح الأبعاد النفسية للشخصية فجميع الأحلام التى قامت بها سهير فى الرواية كانت من خلال حالتها النفسية التى كانت تمر بها فى حياتها وما يدور فى عقلها الباطن من تأزمات وارتجاعات نفسية وعصابية، كذلك كانت أحلام الشخصيات الأخرى فى خدمة الحدث مثل أحلام خالد عندما حبسه شقيقه منصور فى مكان سرى لا يعرفه سوى أفراد العصابة التى يترأسها. ويقول جان بيلمان- نويل فى هذا الصدد ": أن الحلم الذى يعالجه المحلل النفسانى هو محكى ينتجه الحالم عندما يسترد وعيه، أى أنه بعبارة اللسانيين، ملفوظ سردى.
وثانيا، أن الحلم يقدم نفسه باعتباره نصا تنسجه التمثلات والانفعالات، لكنه ليس رسالة من أحد ما إلى أحد آخر، ذلك لأن الحلم لا يتكلم ولا يفكر، ويشدد فرويد على أنه عمل، فالرغبة الموجودة فيه تتكلم من أجل ألا تقول شيئا، ومن هنا ينبغى أن نرى فيه قوة الرغبة والمحكى". وهو ما اتكأ عليه الدكتور منير أدهم فى تشخيصه لحالة سهير من خلال الأحلام التى كانت تحاول إيضاحها فى علاجه لها من الوهم الذى كان مسيطرا عليها، ومحاولة إعادتها من غربتها التى كانت منطوية داخلها.
الحبكة وتواتر الأحداث:
إن كلمة الحبكة تكون مثقلة بالمعانى أساسا، لأنها تنطوى على الفعل بكل دقائقه فى أى نمط أدبى، ويعنى ذلك أنها يجب أن تذهب أبعد من المشهد أو الحدث أو الوصف، إلى درجة بعينها على الأقل لتبلغ حركة الذهن أو الروح خاصة فى حالة الرواية النفسية القائمة على إشكالية العلاقة القائمة بين الأطراف محور النص. ولعلنا فى تصورنا لجوانب رواية "عواصف"، نجد أنها تنطوى على تضمينات عدة ابرزها ما هو حاصل على مستوى النص ودلالاته، فإذا استبدلنا عتبة النص وهى مفردة عواصف بمفردة "عواطف" المتناصة معها لغويا نجد أن هناك مفارقة كبيرة بين العتبتين فى المعنى والدلالة.
لكنها تنسجم مع المضمون العام للرواية من ناحية التأويل الدلالى لأبعاد المفردتين، فالمفردتان فى جوانبهما اللغوية وعلى الرغم من الفروق الجوهرية البسيطة فى الشكل إلا أنهما فى المعنى موجودتان فى النص ولهما حضور كبير على مستوى المفارقة والحبكة والتوازن الذى يحدثه كل منهما نحو الآخر. وهو ما نجده فى ترتيب الأحداث وتصاعدها وتواتر العقدة المكوّنة لذات الحبكة ومحاولة فك الاشتباك بينها وبين بقية الأحداث للوصول إلى محور التوازن فى الأحداث وممارسة الشخصيات وتفاعلها مع مجريات النص.
ثمة جانب آخر من الرواية تحكمه عاصفة إجتماعية أخرى، وعاطفة مؤودة، نشأت لظروف غريبة فى عائلة الضابط خالد، حيث كان له أخ شقيق توأم يشبه شبها عجيبا بحيث لا يستطيع أى إنسان التفرقة بينهما من ناحية الشبه والسمات، إلا أن النشأة المدللة لهذا الأخ ويدعى منصور قد حولته من إنسان سوى إلى مجرم مطارد من العدالة كون عصابة من الأشرار وارتكب العديد من الجرائم التى يعاقب عليها القانون، وكان منصور مصاب بانفصام فى شخصيته الإنسانية نتيجة مطاردة المجتمع له بينما شقيقه خالد على الجانب الآخر يتمتع بميزات وسمات يفتقدها منصور تماما وهى الأمن والأمان ونظرة المجتمع والمال وحب النساء له مما أوغر صدر منصور تجاه أخيه.
وكأننا هنا بشخصيتي دكتور جيكل ومستر هايد لروبرت ستيفنسون. كانت نظرة منصور إلى الحياة نظرة غريبة، ولأنه كان توأم شقيقه خالد والشبه بينهما يكاد يكون كبيرا، فكان يعتبر نفسه أنه نصف أخيه الأخر وأن من حقه أن يقتسم معه كل شئ فى الحياة أيا كان، فهو يريد أن يأخذ كل شئ لديه مثلما كان يفعل فى الصغر بأى وسيلة من الوسائل وظيفته، أمواله، حياته الخاصة، حتى خطيبته وزوجته بعد ذلك، لذا فلقد استغل الشبه الكبير بينه وبين أخيه فى محاولة الاستحواذ على شخصية أخيه خالد فى مستقبل حياته، ووظيفته، وكل ما يمتلكه ماديا ومعنويا.
لجأ منصور إلى اساليب الخداع وحيل العصابات فى الوصول إلى أهدافه الشريرة ، وكانت وجهة نظره فى محاولاته مشاطرة أخيه الضابط حياته أن له الحق فى نصف ما لدى أخيه مهما كان، استعان منصور على ذلك بعصابته التى كانت تساعده على الوصول إلى مآربه الرخيصة بسهولة ويسر. كان يرتدى ملابس أخيه خالد الميرى ويتسلل إلى منزل خطيبته فاتن دون أن يشعر بذلك أحد، وكان هذا هو السر الغائم فى النص لما تراه سهير رؤى العين، إذ كانت ترى منصور أمامها وتعتقد أنه خالد خطيب أختها الذى خرج منذ قليل مع أختها للنزهة.
وهو ما أثر تأثيرا سلبيا على نفسية سهير فى حالتها المرضية التى رأته أكثر من مرة حاضرا أمامها، مرة فى بهو الفيلا ومرة أخرى على شجرة قريبة من نافذتها، وعندما كانت تعلن ذلك للجميع، كانوا يتهمونها بالجنون، وأن ما تراه ما هو إلا وهم وكذب وإفتراء نتيجة للحالة النفسية المتدهورة عندها. ويتزوج خالد من فاتن ويقيمان فى الفيلا مع الأستاذ راتب وأبنته سهير وتبدأ الأحداث والحبكة فى التنامى والتصاعد خاصة عندما حبس منصور شقيقه خالد فى وكر العصابة وحل محله داخل الأسرة كزوج لفاتن، وبدأت حلقة جديدة من الأحداث تتواتر على مستوى الحبكة، وتتصاعد فى تراكم أحداثها، والعاصفة لا زالت محتدمة فى فيلا الأستاذ راتب وساكنيها. ويحاول منصور فى شخص خالد قتل سهير وهى نائمة لأنه شعر بأنها أصبحت مصدر تهديد له ولعصابته بتصريحاتها الدائمة عنه.
وتفطن سهير إلى أن خالد المزيف ما هو إلا شخصية غريبة خاصة عندما سمعته يتحدث مع عليوة أحد أفراد عصابته فى حديقة الفيلا فى أمور العصابة وحبس شقيقه خالد فى وكر العصابة، وتخبر سهير مريضة الوهم والاغتراب أبيها بهذا الحوار الذى دار بين منصور وعليوة، ولكن نظرا لمرضها النفسى لم يصدقها أحد، إلى أن بدأ الشك يراود الطبيب المعالج الدكتور منير وكانت هناك عاصفة أخرى تهب فى وكر العاصفة ينوء بها خالد المكبل بسلاسل العصابة ويتحاور الشقيقان فى وكر العصابة ويسأله خالد عن زوجته: هل ترى فاتن يا منصور؟
- هذا شئ طبيعى، أليست زوجتى؟
وخزته هذه الكلمات حتى أدمت قلبه، فثار قائلا:
- أنت مجرم.. مجرم حقير، لا يمكن أن تكون أخى!!
قال منصور بهدوء:
- كيف لا أكون أخاك وأنا نصفك." (ص399)
ويضع الدكتور منير خطة للإيقاع بمنصور بعد أن تأكد فعلا أنه ليس هو خالد وأن هذا المجرم كان هو السبب الرئيسى لمرض سهير وأنه بتقمصه لشخصية اخيه قد أصبح مصدر خطر للأسرة وللمجتمع بأسره. ويقع منصور فى شر أعماله ويقبض عليه وتهدأ العاصفة شيئا ما، ولكنها قد بدأت تهب بقوة فى منطقة أخرى لدى الأسرة منطقة الأخت الكبرى فاتن، وتنهار فاتن هى الأخرى عندما تعلم بالخبر، ولم تستطع أن تتحمل ما سمعته من أخبار، فقد كان منصور يعاشرها كما لو كان زوجها خالد، وعندما يحضر خالد إليها ترفضه تماما، وبهبوب هذه العاصفة الجديدة القوية التى زلزلت كيان فاتن تبدأ الأسرة فى معاناة من نوع آخر جراء هذه الأحداث المتلاحقة والتى هبت فجأة عليها، وعندما يستشير الأب الأستاذ راتب الدكتور منير أدهم فى شأن فاتن كما كان يستشيره فى شأن سهير ": قال الطبيب بهدوء:؛
- لا تقلق ياأستاذ راتب؛ فلقد كانت الصدمة شديدة العنف خارج دائرة الاحتمال، والإنسان عندما تسحقه صدمة بهذه القسوة والبشاعة يعتقد أنها دمّرته ولن يحتمل الحياة بعدها وأنها نهاية الدنيا، ولكن مرور الزمن يزوّدنا بقدرة هائلة كامنة فى أعماقنا، تمكننا من احتمال أشياء لم نكن نتصور أننا قادرون على احتمالها. شيئا فشيئا ستعود الأمور إلى ما كانت عليه يا أستاذ راتب، إنها غريزة حب البقاء ومقاومة عوامل الفناء التى أوعها الله فى جميع مخلوقاته بلا استثناء". (ص 471)
البناء الفني:
اشتغل الكاتب على النسق الواقعى فى طرح إشكالية سيكولوجية ما تتعرض له شخصيات الرواية من تأزمات وممارسات عصابية كان لها وقع الحالة النفسية المرضية لبعض شخصيات النص وانعكاس ذلك على الأحداث ، وكان النص فى أحداثه وشخوصه مصدر العلاقة بين التحليل النفسى والأدب، حتى أن استخدام طبيب نفسى كأحد الشخصيات المهمة فى الرواية كان له صدى كبير فى تحليل العاصفة التى طالت الجميع خاصة الأختين سهير وفاتن بالتناوب فيما حدث لكل منهم من أحداث انعكست على أحوالهم الذاتية جراء تعرضهم لهزات نفسية قوية كان تأثيرها عنيفا فى نفسية كل منهم.
ولأن الرواية كانت فى الأصل مسلسل إذاعى حوّل بعد ذلك إلى عمل روائى فإن الحوار كان هو السمة الغالبة على الناحية السردية، حيث كانت الناحية الدرامية والتحاور الدائر حول الأحداث وترتيبات الحبكة ومحاولة الوصول إلى حل لها، سمة غالبة على الناحية السردية المحكية فى نسيج العمل. من خلال اشتغال كل الشخصيات على التحاور والحديث بصوت الشخصية وطبيعة جبلتها الخاصة والذاتية.
أيضا فإن وجهة النظر أو الرؤية المتخيلة للكاتب فى نسق هذه الرواية تكمن فى أننا جميعا من الممكن أن نتحمل أوزار غيرنا دون أن نشعر، وفى ظروف محددة تنتقل هذه الأوزار والمآسى التى لا نشعر بها داخلنا إلا فى حدود المعلوم منها، ولكننا نراها فى غيرنا بطرق مختلفة تنتقل إلينا فجأة، ويقف الإنسان الذى كان يعانى منها ونحن ننظر إليه نظرة اِلأشفاق، ينظر إلينا نفس النظرة ونفس المواقف، وهى تيمة تتواجد فى صلب حبكة الرواية وتنتهى على الأمر الذى أراده الكاتب لها. وهكذا الحياة فى نشاطها الإنسانى مليئة بالمفارقات والمتناقضات التى لا ولن تنتهى أبدا، مادامت العواصف حاضرة.