الكتاب سيرة ذاتية جماعية، لا يُقرأ كتاب جمال العتابي «داخل المكان: المدن.. روح ومعنى»، كمجرد مجموعة ذكريات، بل كـ«سيرة ذاتية جماعية» لشعب عاش حلما وانهيارا، ومدن كانت يوما تعبق بالحياة، ثم تحولت إلى أطلال. العتابي ليس كاتبا فحسب، بل هو «حارس الذاكرة» الذي يمسك بيد القارئ ليعود به إلى زمن كان العراق فيه يكتب قصته بنفسه. هذا الكتاب ليس عن الماضي، بل عن الحاضر الذي يحمل الماضي كجرح نازف. ينطلق جمال العتابي من رؤية فلسفية واضحة للمدينة، يلخّصها بقوله: «توثيق المدن كروح ومعنى، جنس لم يأخذ حيزه الكامل في ثقافتنا العراقية بعد، وغالبا ما تكون الذاكرة البصرية غير كافية في استعادة جماليات المكان، دون تناول العنصر الذي لا يجوز الانشغال عنه، وهو الإنسان الذي يمنح المكان هويته».
بهذا التصور، يضع العتابي الأساس الجوهري لمشروعه السردي: فالمدينة ليست حجارة ولا خرائط، بل كيان حيّ تُشكّله أحلام الناس وخيباتهم، وعلاقتهم الحميمة بأمكنة العيش. ومن هنا تتحول الكتابة إلى منهج بصري ـ وجداني، تنتقل فيه الكاميرا من المشهد العام إلى اللقطة الإنسانية الحميمة، حيث يُستعاد المكان عبر الإنسان، لا العكس.
المكان بوصفه كائنا حيا:
العتابي لا يكتب عن المدن كمساحات جغرافية، بل كـ»كائنات تنبض بالحياة» ثم تموت. في «الغازية تتكلم روسي»، يتحول المكان إلى شاهد على انزياح الهوية تحت وطأة التغيير القسري، حيث اللغة الروسية تصبح رمزا لـ«الاغتراب الداخلي». وفي «مكتبة الغراف في الشطرة»، تتحول المكتبة إلى قلعة للوعي في مدينة صغيرة، حيث الكتاب يصبح سلاحا ضد الجهل والنسيان. أما مدينة الحرية، فهي ليست مجرد حي في بغداد، بل هي «مشروع إنساني فاشل»، تحول من حلم إلى كابوس تحت حكم الديكتاتورية، لتصبح استعارة للوطن الذي خان أحلام أبنائه.
النغمة الروحية للمكان:
إذا كان للروح صوت، فللمكان نغمة روحية لا تُلتقط بالأذن، بل بما يمكن تسميته «القلب الذاكر». نغمة لا تُعزف في الحضور وحده، بل تتردد أكثر في الغياب، بوصفها امتدادا للروح في المطلق. في «داخل المكان» لا يكتفي جمال العتابي بتوثيق المدن، بل يصغي إلى نغماتها الروحية المكسورة، ويمارس نوعا من «السمع الباطن» للمكان، حيث يصبح الشارع والمقهى والنهر كائنات لها ترانيم وجودية خاصة، انكسرت بفعل القسر والنسيان. في الغازية كانت النغمة الروحية صلاة خافتة، تمتزج بخرير الغراف وهمسات البيوت الطينية، قبل أن تشوَّه بدخول لغةٍ قسرية حوّلتها إلى نشيد جنائزي لهوية تتآكل. وفي مكتبة الغراف، كانت النغمة همسة المعرفة، ذلك الحوار الصامت بين الكتب والعقول في عتمة الليل.
أما مدينة الحرية، فيقدّمها العتابي بوصفها أوركسترا متعددة الألحان: أغاني فاضل عواد، صراخ الباعة، نقاشات المثقفين، وهتافات المظاهرات. لكنها مع الزمن تتحول إلى سمفونية مكسورة، تتغلب فيها موسيقى الفقدان على ألحان الحلم. حتى الغراف ذاته، هذا النهر العتيق، يكتبه العتابي لا بوصفه مجرى مائيا، بل بوصفه لحنا داخليا يحمل نغمة الحنين السومري، وترنيمة الخصب والموت معا. بهذا المعنى يغدو جمال العتابي موسيقار الذاكرة العراقية، يعيد تدوين النغمات الروحية المبعثرة للمدن. فدمار المكان لا يبدأ بتهديم الحجر، بل بكسر نغمته السرية. وكما يموت الجسد حين يتوقف القلب عن الخفقان، تموت المدينة حين تسكت نغمة روحها، ولا يعود أحد يصغي.
اللغة: جسد الذاكرة:
لغة العتابي هي «لغة هجينة» بين الشعر والتوثيق، بين التاريخ والحكاية الشعبية. يكتب بلسان المؤرخ أحيانا، وبقلب الشاعر غالبا. في وصفه يقول: «الغراف في تلك الربوع، متقلب المزاج، يغير مجراه نحو الشمال، أو نحو اليمين، من دون خوف أو حذر». هنا لا يعود النهر مجرّد ماء، بل يغدو شاهدا على تقلبات التاريخ. غير أن هذه اللغة ليست فعل توصيف فحسب، بل هي اختراق للصمت الذي فرضته الديكتاتورية. كل قصة هي كسر لحاجز الخوف، حين تتحول الرواية إلى سلاح ضد النسيان المقصود. وحين يروي العتابي حكاية «مكتبة المثنى» المحترقة، فهو لا يكتب عن احتراق كتب، بل عن إحراق العقل ذاته، مدونا أسماء الكتب المحترقة، كما لو كانت أسماء شهداء.
الإنسان والمدينة
العتابي يرفض فصل الإنسان عن المكان. في كل قصة، هناك أبطال عاديون يصنعون التاريخ من دون أن يدروا: حسن العتابي، الأب المناضل الذي يصبح جزءا من أسطورة المدينة، وكأنه «شجرة تمد جذورها في تراب الذاكرة». حضيري أبو عزيز، المغني الذي تحول صوته إلى صدى للجنوب الحزين، كأنه «نهر يغني لجنازة الأرض. « لطيف صاحب المكتبة، الذي حوّل معرفته إلى منارة للشباب في ظلام الزمن. إيبارة المحروس، الفلاح الذي حلم بلقاء الزعيم ومات حلمه قبل أن يموت هو. هؤلاء ليسوا شخصيات ثانوية، بل هم «أرواح المدن» التي يحاول العتابي إنقاذها من النسيان. كل منهم يحمل مدينة كاملة في تفاصيل حياته البسيطة.
أرشيف الذاكرة الحي. العتابي لا يوثق الأحداث الكبرى فقط، بل «يؤرشف الهامش:» أصوات المذيعين في الراديو، أسماء المقاهي التي اندثرت، أغاني مغمورين، حوارات المقاهي المسائية. هذا الأرشيف البديل هو «تحدٍ للرواية الرسمية» التي تمحو التفاصيل الحية لصالح السرديات الكبرى. في قصة «مقهى محمد المدهوش»، الراديو ليس جهازا، بل «صندوق أسرار» ينقل أصوات عبد الناصر وأحمد سعيد، ليكون وسيطا بين الهامش والمركز. العتابي هنا يشيد «متحفا ورقيا» للمدن التي قتلت، حيث كل قصة هي «قاعة عرض» لتحف بشرية. وهكذا لا تعود الذاكرة مجرد استذكار للماضي، بل فعلا هادئا لمقاومة المحو، حين يصبح التذكّر آخر ما تبقّى في وجه النسيان المنظّم.
الزمن الدائري
الزمن عند العتابي ليس خطيا، بل دائري وكابوسي. في قصة «ليلة البحث عن رشيد عالي»، البحث عن الهارب يصبح استعارة للبحث عن الذات المفقودة في متاهات التاريخ. الماضي يعود كحاضر يطارده، كشبح لا يغادر. هذا الزمن «اللازمني» يشبه زمن روايات كافكا، حيث التاريخ لا يتقدم بل يدور في حلقة مفرغة من الخيبة. حتى المشتل الذي زرعه الزعيم قاسم في «سلام على المشتل الميت» يموت ليصبح رمزا لكل حلم قُتل في مهده.
الجغرافيا العاطفية العتابي لا يكتب جغرافيا المكان، بل «جغرافيا النفس. في قصة «البدعة.. بشرى الماء وعذوبة الطبع»، الماء ليس موردا طبيعيا، بل هو «حنين إلى النقاء» في زمن التلوث السياسي. الغراف ليس نهرا، بل هو «شريان ذاكرة» يحمل حكايات الغرقى والمغنين والعاشقين. هذا التحليل يذكرنا بمقاربة «الجغرافيا العاطفية» حيث المكان لا يُقاس بمساحته، بل بشحناته الوجدانية.
المدينة: نص مفتوح:
العتابي يرى المدينة كـ«نص مفتوح» يمكن قراءته بتعددية لا نهائية. في فصله عن «شارع المتنبي»، الشارع ليس مكانا لبيع الكتب فقط، بل هو مكتبة حية، تروي تاريخا من الصراع بين المعرفة والقمع. هنا يقترب العتابي من مفهوم «الدراما الحضرية» لميشيل دي سيرتو، حيث الشارع مسرح والمارة ممثلون في دراما الوجود اليومي.
مرثية مقاومة:
العتابي لا يكتب ليبكي على الأطلال، بل «ليقيم جنازة رمزية» للمدن التي ماتت. في قصة «غانم الدباغ ـ لم يرحل إلى أرض الصمت»، موت الكاتب يصبح استعارة لموت المدينة نفسها. حتى في قصته عن «الجورنيكا»، يربط بين لوحة بيكاسو ومدن العراق المحترقة، ليقول: الحرب ذاتها في إسبانيا والعراق، والدم ذاته، والبكاء ذاته. جمال العتابي لم يكتب هذا الكتاب ليكون مجرد توثيق، بل ليكون «وطنا بديلا» لكل من فقد وطنه. هو يحفر في ذاكرة المدن، كمن يحفر في جسد أمّ مريضة، باحثا عن بصيص حياة. الكتاب ليس للقراءة فقط، بل هو «طقس للتذكر»، دعوة لإعادة بناء المدن من الداخل، قبل أن يهدمها النسيان. لكنه أيضا «جرح مفتوح»، لأن العتابي يرفض إغلاق صفحات المأساة. كتابه يبقى كـ»نافذة على ألم لم ينته»، حيث المدن ماتت لكن ذاكرتها ترفض الموت. في النهاية، هذا الكتاب هو «نشيد جنائزي» يغنيه كاتب يعرف أن المدن تموت مرتين: مرة عندما تتدمر، ومرة عندما تُنسى. العتابي يمنح مدنه «حياة ثانية» في متخيل القارئ، ليكون بذلك ليس حارس ذاكرة فحسب، بل «مقاوما بالكلمة» في زمن صار النسيان فيه سلاحا للقتل البطيء.
كاتب عراقي
القدس العربي