عُرفت القصة القصيرة عند عزة بدر بالشاعرية، والتحليق في سماوات الشعر وخيالاته. لكنها فى قصتيها " "بَرَكَة" و"الدفء"، تهبط إلى الأرض فتنتقى من بين ما أصبح ظاهرة فى الشوارع، التوكتوك، لتصنع منه حدثين مختلفين ، يشعان ما يحدث فى الشارع. ففى القصة الأولى "بركة" نجد الفتاة التى تعيش على الفطرة. تتحول فى النهاية إلى فريسة لسائق التوكتوك. وكأنها تصيغ ما كان، أو رؤية الآخرين حول سائق التوكتوك فى بداياته. لكنها فى القصة الثانية، تنفى تلك الرؤية، عندما تؤكد أن سعادة الإنسان تكمن داخل نفسه، وكأنها تعد ذلك سلاح الصد إذا ما فكر سائق التوكتوك، فى الأذية، فالداخل يحول القبيح إلى جميل.

بَرَكَة

عـزّة بـدر

 

  • قلَّب الساعة بين كفيه، قال: ليس فيها سوى ظرف وأستيك!

نظرت إلى عينيه في لهفة... تتأمل "المينا" الحمراء، كأنها قرص الشمس، وهو يغرب في الأفق، والعقارب الذهبية، ثم يغلبها الأسى على رقّاص الثواني المتوقف، ورغم ذلك تجذبها فكرة أن هذه الساعة تستوقف الزمن.. انضبطت على وقت ما، على ساعة ما، وثانية ما، ربما اختارت الساعة بإرادتها هذا الموقف..

ليس "ظرفًا وأستيك" كما يقول الساعاتي.. الأشياء نفسها لها إرادة، وإلا ما توقفت الشمس وتلبثت قبل الغروب، وما تلبث قرصها الدامي على هذه "المينا" ...

... يتأملها الساعاتي، وقد امتلأ دكانه بالساعات المذهبة والمفضضة، وكلها تدورُ بانتظام.. أصواتها وتكاتها تحصي على الإنسان عمره.. ما مَرّ وما قد بقىّ.. ترفع رأسها إلى لافتة علقها بدوبارة بالية وفي قلب اللافتة بيت من الشعر:

"دقاتُ قلب المرء قائلة له              إن الحياة دقائق وثواني"

تدمع عيناها... تتأمل الساعات من حولها، تتساءل ما العمر؟.. وكيف يُقاس؟ وبم؟!

يقول أستاذها في المدرسة : يُقاسُ العمر بما ينجزه المرء من نجاحات!

وتقول صديقتها ... ضاع عمري لأنني لم أجد الحب، فإذا وجدته ولدتُ ... وإذا لم أجده فقد حُرمت وضنت علىّ الحياة بخيرها.

وتقول أمها لتعرِّف العُمر تقتبس عنوانا لرواية : "العمر لحظة"!

ويقول أبوها: العمر؟!.. إذا أتى الحظُ بعد الخمسين فلا قيمة له! ولذا علينا أن نأخذ بعنق الحياة في كل لحظة، فكل توقيت إلى نهاية.. وعلينا أن نُعجِّل قبل أن يمضي بنا العمر..

تسأل نفسها: نعجِّل بماذا؟ وماذا يقصدُ أبى؟

تدق الساعات من حولها.. تعلن انتصاف النهار..

تحِّدق في "الظرف والمينا"، قرص الشمس الذى انتقى لحظته الدامية قبل أن يغيب فتقول للساعاتي: هل يمكن إصلاح العقارب الذهبية، عقرب الساعات وعقرب الدقائق، يبتسم في هدوء: لا .. سيكلفك هذا كثيرًا ، علينا تركيب ماكينة "ياباني" غالية، ستصرفين عليها فهى ساعة متواضعة جدا، لا تساوي أكثر من مئة وخمسين جنيها!..
أمامك الساعات بميناء زرقاء، وخضراء، وفضية، وذهبية، وبيضاء.. اختاري واحدة.. بثلاثمائة جنيه فقط ، أي ساعة من اللواتي ترينها هنا، لكن كلها تدق .. تدق..، تتكلم بصوت مسموع.. تكاتها عذبة وواضحة.. تك .. تك .. تك .. ثم يشير إلى اللافتة المعلقة مرددًا

"دقات قلب المرء قائلة له" ..

شيء ما يطرق قلبها بعنف، كلماته تؤرقها، تكات ساعاته تؤلمها .. تخوِّفها.. وتنذرها..؟

  • تتذكر حكمتها الأثيرة، استنتاجاتها الخاصة جدا، بأن ليس الأمر يتعلق بمرور الزمن أو انقضائه أو قدوم لحظات جديدة فقد تأتي بما لا يشتهي المرء، بل بما قد يعذبه..
  • ألم يقل المتنبي:
  • "عيدٌ بأية حال عُدتُ يا عيدُ

بما مضى أم بأمر فيك تجديد؟!"

حتى العيد نفسه قد يكررُ ماضٍ، أو لا يأتي بجديد!..

ألم يقلْ الحكيمُ سليمان: "الكل باطل الأباطيل لا شيء جديد تحت الشمس؟!"

إذن قد لا يحمل الزمن فكرة جديدة! لكن أليس الجامعة هو القائل:

للموت وقت، وللحياة وقت.... وقت ؟!

تمسكُ رأسها بيديها..

تتسّاءل ما العمر؟!.. ماذا انقضى وماذا سيجئ؟!

تتأمل ساعتها قرص الشمس الأحمر الذي لا يغيب

يقول الساعاتي : من أين اشتريتها؟!

فتقول: من هنا.. من الشارع نفسه

  • عُودي إلى البائع فأعيديها، وتعاليّ ، خسارة ما دفعتيه فيها..

ويشير إلى الساعات من حوله تدق كقلبها سريعا سريعا..

تستمع إلى قلبها ودقات الساعات تك .. تك .. تك!

يقول : كل ساعة هنا بثلاثمئة جنيه!... من أي محل ابتعتها؟ هل هو قريب من هنا؟!

فتقول: اشتريتها في ساعة مبكرة من الصباح، كانت المحال كلها مغلقة، هذا البائع وحده كان قد فتح دكانه، أحببت البكور في عينيه، أحببت التزامه بفتح الدكان، فالخير في البكور

  • هل هو بائع ساعات متخصص في الزمن؟
  • وهل هناك تخصص في الزمن؟
  • أليس الطبيبُ يتخصص في علاج مرضاه والمدرس متخصص في تدريس علومه
  • إنه بائع عاديات
  • يعنى كلشن كان !
  • بمعنى؟!
  • يعنى يبيع أي شيء كان !
  • عنده خواتم وأساور معاصم، وأدوات تجميل
  • لا تشتري ثانية من باعة يبيعون على الرصيف

تساءل نفسها: أليس من حقهم أن يعيشوا أيضا، أليس من بينهم من عشق قرص الشمس قبل أن يغرب فانتقى هذه الساعة لتكون من أساس بضاعته ومن محتويات دكانه

أليست كل المحال على الرصيف نفسه؟!

... يقول الساعاتي .. والآن كيف ستقوم هذه الساعة المعطلة بواجبها نحوك؟

فتقول في نفسها منحتني الجمال، منحتني قرص شمس لا يغيب على معصمي، استوقفت الزمان، عقاربها الذهبية تقبِّل حبات رمان، وتفاحات تدّحرج في هدوء بين عقارب لا تأكلها، تعطيني الأمان، تستوقف العمر، تمنحني لحظة من راحة .. تمنعني من اللهاث خلف كل لحظة قادمة..

يقول الساعاتي مشيرا إلى لافتة أخرى..

"تك تك تك يا أم سليمان...

تك تك .. عم نلحق المىّ"

تبتسم، يتغير مزاجها إلى الأفضل، حلَّقت واقعيته أخيرا في سماء رومانسيتها لكن هل هناك أمل أن تعمل عقارب الساعة بعد استراحتها..

"في مصر، لا تتشابه الساعات كل دقيقة ذكرى تجددها طيور النيل"

تناقش موروثها من الكلمات، الزمن الذى يتجمد، والزمن الذي يتجدد..

يعوزها الربط بين الأزمنة.. يضنيها الاختيار بين اللحظة الآنية واللحظة الماضية .. تتعذب .. تتقلب في وحشة وألم .. تداهمها الرغبة في البكاء..

غربة تعانيها ولا يدركها أحد، أمنيات ترغبها ولا تساعدها الظروف المحيطة، تفكر أنها يمكن أن تشتري منه ساعة جديدة شرط أن يصلح الساعة قرص الشمس!

لكنه يأبى إلا أن تعيدها..

يقول وهو يتكئ على حروفه:

  • لا تسمحي لأحد أن يستغلك بأي شكل من الأشكال، صحيح .. أنت بَرَكَة!..

لكن ليس إلى هذه الدرجة

ترن في أذنيها تلك الكلمة " بَرَكَة.. بَرَكَة.. بَرَكَة "

أين سمعتها من قبل ؟

.. نعم تتذكر الآن .. بائع الملابس ينتقيها من وسط المارة، يخرج إليها .. لا يعرف اسمها لكنه يناديها :

  • بَرَكَة.. يا بَرَكَة

تجذبها الكلمة، وعيناه المتوسلتان، يدعوها للفُرجة على بضاعته، يقول:

  • لم أبع شيئا طوال اليوم، ليس من عادتي أن أخرج للناس وأدعوهم للشراء مني، لكن وجهك.. وجهك الصبوح يطالعني... أتذكر ما اشتريت مني بالأمس، وقبل الأمس، وقبل قبل الأمس.. فتعالىّ يا بَرَكَة أريك الحرير والأقطان والأصواف.. ما اشتريت بحُر مالي.. ولم يشتر مني إنسان؟

فتشتري ... ما ليست في حاجة إليه ... ثم لا تكاد تمضي حتى ينادى عليها الفاكهاني:

  • عنب ... عنب بناتي ...

يا زينة البنات... وتين بشوكه ... لا يجرح بل أنزع ما فيه وأُدمي كفيّ.. من أجلك من أجلك أنت، يا بَرَكَة بنات حواء

فتشترى العنب وتقول في نفسها: عنب بناتي...

كيف أتركه يتسول العابرين ويشكو الركود؟!

وتشتري التين مخليًا .. بمهارة يقتص من حول ثماره الأشواك، ويغلفه بالسوليفان.. تمنحه ما تبقى معها وتقرر السير حتى بيتها... لم يعد معها ما تركب به حتى هذا التوك توك!..

يذكرها اسمه بتكات الساعة ... بدقاتها التي تطحن الزمن وتُسرع به إلى ناحية بعيدة يناديها سائقه...

توك .. توك؟!

فتسمعها : تك .. تك

يعزُ عليها أن تقول له لا .. مركبته الصغيرة دقيقة الحجم، تُسرع بين السيارات الفخمة والأتوبيسات الضخمة، تحبه وهو يخترق الحواجز مثل دراجة صغيرة بثلاث عجلات!.. تبتسم وهو يتوقف لها.. تركب، تمسك بعمدانه المزخرفة .. تلتمس جلد كرسيه الأملس الشفاف، وما تحته من قماش ستان يشبه لحم الهوانم.. ستكون جزءً من زينته، من بنيانه ولو للحظات قصيرة!

بالقرب من بيتها يطالب سائق التوك توك بأجرته

تنظر في أسى .. تقول في إشفاق

  • فلوسي خلصتْ ..
  • وركبت ليه؟!

يعاين شفتيها الممتلئتين ، عينيها الساحرتين، طفولتها، وأنوثتها المبكرة يعرج نحو حارة ضيقة، مظلمة، يختطف نظرة إلى الطريق..

لا أحد .. يغادر موقعه، ويجاورها بغتة على كنبة التوك .. توك يقبِّلها بعنف .. تتملص، يقيد يديها بذراعيه، يشل حركتها... تصرخ... ، يُطلق سراحها فلقد لمح رجلا يقترب..

تخفي دموعها ...

تمسح وجهها بيديها.. وقد احتفظت بقرص الشمس الذى لا يغيب على معصمها والكائنات من حولها تردد...

لا تحزني يا بَرَكَة... الشر بعيد والخير قريب

لا تحزني يازينة البنات

يا حبة التين، يا أختَ قطافِ العنب..

في الغدِ فرحٌ يأتي به الغيبُ فلا تألمي .. وعليك بالصبر الجميل

قال بشر الحافي.. الصبر الجميل ؟ ألا يشكو المرء حزنه للناس...

فترفع كفيها إلى السماء، تُمطر السحابات وتنثالُ شهدًا ، فتملأ كفيها، وتذوق..

قرص الشمس على معصمها لا يغيب، والزمن المتوقف ... ينشدُ .. بَرَكَة.. أنت يا بَرَكَة سيدة الوقت فلا تحبي الآفلين .

----------------------

  • الدفء
    ربما تكون هذه الأغنية أجمل ما سمع في حياته، مهما تكررت يحبها، يشعر أن فيها شيء ما يخصه .."آه لو لعبت يا زهر/ وتبدلت الأحوال/ وركبت أول موجة / في سكة الأموال!"...

بدأ يتحرك، يركن التوك توك على جنب، ويبدأ في الرقص على نغماتها، يرفع يده إلى جانب رأسه، ويرفع قدميه عن الأرض، يتفقد بيده اليسرى الحبل الذى ربط به بنطاله، يتثبت من عُقدته، ثم يرفع كلتا يديه إلى جانبيّ رأسه "آه لو لعبت يا زهر".. يرقص، تمتد يد "حودة العريان" جاذبا سروال الصبى، فتتوقف رقصته، مد يده بسرعة ليجذب سرواله إلى أعلى ويعيد عقد الحبل على سُرته، ليست هذه هي المرة الأولى التي يفعل فيها العريان ذلك، يقولون أن له نصيبا من اسمه، أكثر ما يؤلم الصبى أنه لا يملك تلك القطعة الداخلية الصغيرة، ربما لم يعرفها أصلا، هذا السروال الذى يرتديه من بقايا كيس ملابس وجده ذات يوم على الرصيف ، آه لو كان يملكها، حتى لو جذب العريان السروال ستحميه هذه القطعة الصغيرة عن أعين العابرين.

كان حودة العريان غاضبا غضبا داخليا لا يبين، ولا أحد يعرف أسبابه، هو يكز على أسنانه، ويطحن دروسه في صمت، ويستغرب من وجود شخص يرقص!

ومن الذى يرقص؟.. هذا الصبى المعدم .. يقول حودة لنفسه:

يرقص؟!... إنه يعمل على التوك توك ويحمل أثقال الناس على ظهره، ويصعد بها إلى أدوارهم العليا لقاء جنيه أو جنيهين، يلقى بهما أحدهم إليه فيكونا زاد يومه، لا أحد يعرف له أبا أو أما، ربما وجدوه ذات يوم ملفوفا في ورقة جرنال على الرصيف، أو ملفوفا في قماشة، كل شيء في هذا الصبي مثير للقرف، يهمس: كل هذا البؤس ويرقص؟!

ربما كان في داخله يحلم بأن يفعل مثله ولو لم يكن يملك سروالا، حتى لو رقص عاريا على ناصية الشارع، هذا الصبى يملك جرأة غير عادية، وغير مسبوقة، يرقص رغم عذابه، وكم اشتهى لو رقص مثله متناسيا عذاباته

ينظر إليه الصبي في عتاب صامت، يدرك عمق ألمه، بطريقة ما يريد أن يقول له: الغلبان لا يمكن يعض غلبان، لكنه لا يتقن التعبير عما يضطرم في نفسه من خجل، وأسى

يفكر الصبى.. هل ستمر هذه الجذبة وهذا العري والانكشاف على خير؟ أم أن له ما بعده؟، هل سينتظره الصبية في أواخر الليل تحت الكوبري؟ ويكون منهم من يكسر نفسه، ويُخجل روحه، هل ما بدا منه استفلت المارة؟ أم أنه استطاع ستر نفسه بالسرعة المطلوبة؟" هل راكبو الباصات والميكروباصات في المنطقة؟، والباعة في المحلات القريبة، هل سيمكنه آخر الليل أن يطلب منهم بقايا الطعام لكلابه، الأصدقاء الوحيدون الذين أحبهم في حياته، على الأقل لا يؤذونه، بل ربما في رقصاتهم وهم يشابون عليه بعد إطعامهم، يقبِّلون أصابعه ويديه، يحبهم عندما يتكومون وينامون تحت الشمس فينام إلى جوارهم، يتمرغ كما يتمرغون في تراب الأرض، الأرض الحنون التي تضمهم جميعا بذراعيها.. ولا تفرق بين البشر والكلاب... تحبهم جميعا وعندما يلمع فراؤهم الباهت وهم يفترشون الأرض، تمنحهم الشمس دفء ومحبة.

... ينهض من مكانه، يدخل بثقة تجاه المحل الشهير، يجمع بقايا الطعام، أصابع البطاطس المقلية الشهية، بقايا الدجاج المغموس بالكاتشب، لا يأكله أبدا، وإنما يدفع به إلى فم كلابه الأصدقاء، عمال المحل يتركونه يفعل ذلك لأنه يخلصهم من تلك البقايا، ربما يظنون أنه يأكلها! لا يعرفون أنه لا يأكل بقايا الآخرين، وإنما يأكل من عرق جبينه، من سواقة التوك توك، والجنيهات القليلة التي يحصل عليها من صاحب التوك توك تكفيه، وكذلك جنيهات حمل أثقال الركاب إلى أدوارهم العليا إنه كسيب في عين نفسه، ومن حقه أن يفرح وأن يرقص فماذا يضايق "العريان" منه؟، هل مد يده إليه يوما، هل شق جيبه كما يفعل الصبية ذوى المطاوي آخر الليل؟!

إنه إنسان مسالم، فلماذا يفعل به "العريان" ذلك؟، لماذا يستبيح عريه في وسط الخَلْق؟، ماذا سيكسب من إحراجه، من عريه؟، ومن انكشافه؟

ماذا سيحدث في العالم لو تركه عاقدا حبل سرواله، ولم يفك عقدته أمام الناس، وتحت عين الشمس، هو ليس كلبا بفراء باهت، لكن حتى الكلاب مستورة بهذا الفراء، ويلمع بدنها تحت الشمس، يعود إلى ذات نفسه العميقة: ومالها الكلاب؟، إنها أفضل من بنى آدم، إنهم يتقاربون، يلملمون أنفسهم ويدفئون بعضهم البعض، يحتضنون بعضا في مواجهة الريح والبرد.. فليكن كلبا إذن، فهذا أشرف له .. يقول لنفسه

.. يدخل المحل الشهير مثل كل يوم ويخرج حاملا أصابع البطاطس المقلية التي لن يقربها سيضعها كما تعود في أفواه الكلاب يتمتع بمنظرها وهى تشبع، وتشعر بالدفء، يضمها، يعانقها في شغف يشعر بمشاعرها الدافئة، يحاول أن ينسى حادث الصباح، يد العريان القاسية، وانكشافه، لكن شيئا ما يؤلمه من الداخل كالدمل، كالنغل يسرى عميقا في قلبه، وهو يتصوّر الناس جميعا تعرف حجم أشيائه وشكلها بمجرد انكشافها للحظة!

.. هل من حق "العريان" أن يفعل ذلك؟.. أن يبيحه للناظرين والمتطلعين، للقساة والمعتدين، هل تجرد من إنسانيته ليجعله هدفا للنظرات الملتهمة ، ولكن هل هناك بالفعل نظرات تلتهمه؟... نعم الصبية تحت الكوبرى في عز الليل يفعلون!

يعرف نظراتهم الساخرة المتشفية، على ماذا يتشفون؟ على لحمه بنى آدم انكشفت يسأل نفسه.. تحت البرد، أمام الريح، سيبحث طول الليل في مقالب القمامة عن أي قطعة صغيرة .. صغيرة، أي قطعة يحكمها على نفسه تحميه من الأعين، لم يجد سوى حفاض طفل ليس متسخا تماما، وإنما مبلول فقط، لايزال لصقه حيا يلتصق، مضى به، يبدو أكثر نظافة من غيره سيجففه تحت الشمس من البلل ثم يحكمه حول لحمه الحي، سيحجبه عن الناظرين، مهما جذب "العريان" حبل سرواله، سيكون الحفاض ستره، سيدعو لهذا الطفل الذى لا يعرفه ولأهله لأنهم تركوا له في القمامة مثل هذا الشيء، تمتع بالرسومات الملونة المنقوشة على جانبيّ الحفاض، أحكمه حول جسده، بدأ يشعر بالدفء، وأحس بالرغبة في النوم الذى حُرم منه طويلا وهو نائم في العراء تحت الكوبري، يدخل إليه الهواء البارد والصقيع من السروال، من كل الاتجاهات وكأنه ينام عاريا!.

لكنه الآن يشعر بالدفء، ويمكنه أن يستعيد أغنيته المفضلة ، وغدا سيسير بلا خوف أمام "العريان"، سيرفع يده إلى جانب رأسه ، عاقدا عُقدة سرواله بلا خوف، راقصا في براعة وفرح ويغني من قلبه ...سيهزم "العريان" بغنائه، .. سيهزم قساوة قلبه بحركاته الراقصة الفرحانة، وعندما أغمض جفنيه، كان هذا الجزء من الأغنية يناغيه، يربت على ظهره، ويدفئه بطريقة ما، كأنه بطانية صوف، شيء يؤكد له أنه لم يفقد إنسانيته، بل سيغنى من أجل خلاص "العريان" من قسوته وبؤسه

"لأروح لأول واحد احتجت له في سؤال/ كسر بخاطري ساعتها/ ودوقني ضيقة الحال/ لاعمل معاه الصح/ واسنده لو مال"

.... نزلت دمعته المحبوسة ساخنة على خده، وهو يستمع إلى أصوات اقتراب الصبية قادمين إلى مأواهم ومأواه تحت الكوبري، ينكمش على نفسه ، يستخفي منهم وراء كومة من الأخشاب، يحبس أنفاسه لعلهم لا يدرون به، ربما يكونون أقسى من العريان، يتكور على نفسه في وضع الجنين لكن صوتا داخليا عميقا كان يسرى تحت جلده، ذلك الغناء الشجي المؤلم، والأغنية التي يتعشقها تعانقه كأم، تخاطبه، تهننه، وتلمِّس.