بمجرد أن أغلقت أمي الباب خلفها حتى استلقى عمي على ظهره فوق الكنبة ووضع رِجْلًا على رِجْل، ثم شبك ذراعيه تحت رأسه وراح ينظر إلى السقف ويتنهد بصوتٍ عالٍ. قلتُ له: إنها ملكة جمال، كما تصف أمي". تساءل ضاحكا: "لو كانت بكل تلك الأوصاف، لماذا تجلس إلى جوار أمها حتى الآن؟". قلتُ له مندهشًا: "ربما لم يعجبها أحد من الذين تقدموا لخطبتها". ضحك مرة أخرى وقال: "معنى ذلك أنها تنتظرني بفارغ الصبر". ضحكتُ وطلبتُ منه أن يحكي لي حكاية نازلي هانم.
ونازلي هانم قريبتنا من بعيد، من فرع العائلة الغني الذي جار عليه الزمن. فبعد أن رحل جميع أفراد أسرتها، بقيت هي وأمها في بيتهما الكبير المكون من طابقين في العباسية. كثيرًا ما نتذكره وهو يقف شامخًا يعكس رسوخًا وأصالة. كنا ننظر إليه من بعيد، عندما كنا صغارًا، دون أن نجرؤ على الاقتراب منه. هذا الفرع الغني من العائلة يعيش دومًا في منطقة العباسية، بينما فرعنا المتواضع يعيش في شارع سكة الوايلي بالقرب من شارع مصر والسودان. وعادة ما كنا نقول إننا نسكن عند القصر الجمهوري، ثم نضيف: "في شارع مصر والسودان.. عند كوبري القبة". كما أننا اصطلحنا في البيت على عدم استخدام التسميات "البلدي" من قبيل "ستي" و"سيدي" و"عمي" و"خالي". لم نكن أقل من هذا الفرع الغني الذي يقول "نينة" و"تيتة" و"تيزة" و"هانم" و"أونكل".
لا أحدَ في بيتنا يتحدث كثيرًا عن هذا الفرع. وعندما تأتي سيرتهم، يشيح أبي برأسه بعيدًا وهو يتصنع هيئة الشخص الذي لا يريد أن يخوض في موضوع مزعج أو تافه لا يعني له شيئًا، بينما يخفي ابتسامة شامتة. أما أمي فكانت تدير وجهها وتضع يدها على فمها وتكتم ضحكة لو خرجت لأيقظت سكان المنطقة كلها. ظلوا يفعلون ذلك لسنوات طويلة من دون أن أفهم السر وراء كل هذه الحركات الغريبة.
جار الزمن على الفرع الغني من العائلة، وبقيت تيزة عفت ونازلي هانم وحيدتين بعد أن مات الأب، وهاجر الأخَوَان في منتصف الستينيات إلى الخارج ولم يرهما أحد بعد ذلك أبدًا. بقي فقط إخوة تيزة عفت يلفون ويدورون حولها طمعًا في البيت الذي كان يشبه الفيللا العتيقة. ولم تكن جدتنا، أقصد تيتة كريمان، بعيدة عن المشهد. فهي تعتبر أننا ورثة هذا الفرع الغني، ويجب أن نحصل على حقوقنا كاملة، سواء في حياتهم أو بعد رحيلهم أو مماتهم. راحت تراقب الوضع حتى علمت أن تيزة عفت ونازلي هانم أصبحتا وحيدتين تمامًا، والصراع يدور الآن حول الفيللا العتيقة. قامت باتصالاتها ومناوراتها حتى وصلت إلى تيزة عفت والتقت بها. في تلك الفترة كان ابنها الأكبر، الذي التقى أمي فيما بعد وصار أبي، جاهزا للزواج.
لا أدري من أين حصل عمي فهمي، أقصد أونكل فهمي" على تفاصيل هذه الحكاية. فهو كان صغيرًا في تلك الأيام، حتى أنني عندما ولدتُ كان الفارق بيننا حوالي أربع سنوات تقريبا. لكن أونكل فهمي مغرم بحكاية هذا الموقف الغريب الذي يبدو أنه سمعه من أبي أو من جدتي، أقصد من تيتة كريمان.
يحكي أونكل فهمي أنه كان يجلس مع تيتة في أحد المساءات، عندما عاد أبي مرهقًا بعض الشيء وألقى التحية:
- مساء الخير، يا نينة؟
- يسعد مساك، يا ضنايا.. راجع من الشغل بدري ليه؟
- تعبت شوية، يا نينة.. حسيت بهبوط..
- سلامتك، يا حبيبي.. أنا طلبت لك إيد نازلي هانم بنت تيزة عفت مرات أونكل رفعت الله يرحمه..
- مش دي اللي خالها أونكل شوكت؟
- لا. خالها أونكل مدحت أخو أونكل همت.
- كويس يا نينة.. ممكن اشوفها؟
- طبعا، يا حبيبي.. بس استنى شوية على الليل ما يدخل.
- ليه، يا نينة.. هو مينفعش اشوفها في النور؟
- لا، يا حبيبي، مينفعش أبدا... وبعدين النور قاطع أصلا، يا ضنايا.
- ما هو إحنا عندنا نور، ممكن تعزميهم عندنا.
- خلاص، يا حبيبي اللي إنت عايزه.. بس لما ييجوا، هطفي النور.
- ليه بس، يا نينة؟
- أصلها بتنكسف قوي، يا حبيبي.
يحكي أونكل فهمي أن أبي ذهب إلى فيللا تيزة عفت في العباسية. وعندما فتحت له الباب، بادرها في أدب:
- مساء الخير، يا تيزة عفت.
- مساء النور، يا حبيبي.
- نينة قالت لي آجي اتعرف علي نازلي هانم كريمة حضرتك.
- طبعا طبعا، اتفضل، يا حبيبي.. بس معلش، النور قاطع عندنا.
- مش مهم، يا تيزة.. الفيللا منورة بحضرتك، وبنازلي هانم.
- اتفضل، يا حبيبي، نازلي قاعدة هناك أهه بتتفرج على التلفزيون..
توجه أبي نحو ركن الصالون الذي تجلس فيه نازلي هانم، وبادرها في احترام وتوقير:
- مساء الخير، يا نازلي هانم..
- بونصوار، شيري..
- أنا جاي اتعرف عليكي.. نينة خطبتك ليَّ من تيزة عفت..
- أوهووووووووو..
- ممكن تولعي النور عشان اتعرف على حضرتك، يا نازلي هانم
- مش قالوا لك إن النور قاطع، يا شيري؟
- أيوه طبعا، يا هانم.. بس أنا شايف إن التلفزيون شغال أهه!!
- وبعدييييين بقاااااااااا.. هنلاوع من أولها؟
خرج أبي من هناك ولم يعد أبدًا. وبعد بضعة شهور، تزوج من أمي وأنجباني. وأصبح أونكل فهمي، هو عمي فهمي. وصارت تيتة كريمان، ستي كريمان إلى أن ماتت.
عاش عمي معنا في نفس الشقة كما أوصت ستي كريمان التي أحبت أمي كثيرًا، فبادلتها أمي حبًا شديدًا وامتنانًا تُرْجِما فيما بعد إلى رعاية عمي فهمي واعتباره ابنًا ثانيًا لأمي. وفي الحقيقة، الشقة هي شقة ستي كريمان في الأصل.
انتهى عمي فهمي من حكايته وكل منا يمسك ببطنه من شدة الضحك. لدرجة أن أمي عادت مسرعة، وفتحت الباب وهي تستفسر بين الرعب والدهشة: "أنا تصورت إنكما تتعاركان". فقلت لها والدموع تتساقط من عينيَّ: "كان يحكي لي حكاية تيزة عفت ونازلي هانم". فوضعت أمي يدها على فمها واستدارت خارجة وهي تغلق الباب. وبعد قليل، جاءنا صوت ضحكاتها مع أبي.
عندما خرج أبي من بيت تيزة عفت ولم يعد أبدًا، ظلت سيرة نازلي هانم وأمها باقية في بيتنا لسنوات طويلة، حتى بعد ولادتي. كانت تشكل مادة للضحك والمزاح أحيانًا، وسببًا لغيرة أمي في أحيان أخرى. حكت ستي كريمان أن نازلي كانت جميلة جمالًا مبهرًا، لكنها زاهدة في الرجال، وعلى خلاف دائم مع أمها لأسباب لا يعرفها أحد. وفسرت ذلك بأن الأم كانت تشعر أن ابنتها مطمعًا للرجال ليس فقط بسبب جمالها، بل وبسبب ما سترثه بعد وفاتها. وكانت تشك في أنها على علاقة بأحد ما. لكن أمي ظلت تؤكد أن نازلي هانم هذه، كانت كئيبة ودميمة، وأن قلبها انقبض عندما حضرت هي وأمها ليلة عرسها على أبي. وعندما تكون أمي رائقة المزاج، تحكي عنها بتعاطف وإشفاق. فتؤكد أنها كانت مسكينة، تعيش مع أمها في بيت كبير مهجور، وكل منهما خائفة من الأخرى، والاثنتان خائفتان من الناس. وتمصمص شفتيها متنهدة، وتقول: "ماذا نريد من امرأتين تعيشان بمفرديهما، وتشعران بأنهما مطمعًا للغرباء. نازلي كانت جذابة، لكنها لم تكن جميلة، ولذلك كانت تجلس في الظلام". وعندما كانت ستي عفت تسمع كلام أمي، تضحك وتنظر إليها مطمئنة: "طبعًا، ليست أجمل منكِ. أنتِ ابنتي التي لم أنجبها، وليس هناك من هي أجمل وأطيب وأحن منكِ".
فجأة صار اسما تيزة عفت ونازلي هانم يترددان في بيتنا بشكل لافت، بين أمي وستي كريمان. وعندما كان يظهر أبي أو عمي فهمي، يسود الصمت أو تغير جدتي الحديث. أما أنا فلم أكن مهتمًا بما يدور من كلام عن امرأتين لم أرهما في حياتي، حتى عندما وضعت أمي كفها على فمها ذات مرة في فزع وسألت ستي كريمان: "وأين ذهبت؟!". يومها، ردتْ عليها ستي بعينين دامعتين، وهمست: "لا أحد يعرف". وبعد عدة أيام، سمعتُ أن تيزة عفت ماتت. ولم يتحدث أحد عن نازلي هانم، حتى عندما ذهبنا إلى العزاء لم أسمع اسمها ضمن أسماء النساء اللاتي استقبلن أمي وستي كريمان. واختفت سيرة تيزة عفت ونازلي هانم لسنوات طويلة، إلى أن ماتت ستي، وتحول الأمر إلى مزاح.
---------------------
شر لابد منه
بعد فترة أفصح عمي فهمي عن رغبته في الزواج. وطلب من أمي أن تبحث له عن فتاة مناسبة تستطيع العيش معه بما يرضي الله، على مُرَتَّبه الذي يقارب المئة جنيه قابلة للزيادة في حال أعطى بعض الدروس الخصوصية في التاريخ والجغرافيا، أو حتى في العلوم واللغة العربية والحساب. وكثيرًا ما كان يتباهى بأنه يساعد تلاميذه في الصفين الخامس والسادس مجانًا. ولكنه كان يقول مبتسمًا، إنه عندما يتزوج، سوف يأخذ منهم أجرًا رمزيًا مقابل الدروس الخصوصية ولن يفعل مثل المدرسين الجشعين الذين ينهبون أولياء الأمور. لم يكن راتبه قليلًا أو هزيلًا بالنسبة لمرتبات الموظفين الحكوميين في نهاية الثمانينيات، بل يعتبر مرتبًا محترمًا.
انتهزت أمي الفرصة وراحت تجري لقاءات قمة متوالية لبحث الأمر مع جاراتنا إلى أن أخبرتها إحداهن بأن قريبتها التي تعيش في شارع رمسيس لديها فتاة على وش جواز، فائقة الجمال، متعلمة ومتربية، وتعمل في شركة تأمين، ومرتبها يصل إلى المئة وخمسين جنيهًا في الشهر. وإمعانًا في ذكر المميزات والحسنات، قالت الجارة إن والدها متوفٍ، ولديها أخ وحيد متزوج يعيش خارج مصر.
جاءت أمي في هذا اليوم ووجهها يتألق من شدة الفرح. كانت ترقص تقريبا وهي تتحرك بين المطبخ والصالة، أو بين الغرفة والأخرى. وعندما جاء أبي، جمعتنا وراحت تحكي لنا عن عروسة عمي فهمي التي يجب أن يسرع لخطبتها بأي شكل من الأشكال.
سألها أبي: "هل تعرفينها أو تعرفين أسرتها؟". ردت الأم بالنفي. سألها مجددا: "هل لديك ولو حتى صورة لها؟". قالت الأم ضاحكة: "اتفقنا مع أمها أن يذهب فهمي لرؤيتها والتعرف عليها". ونظرت نحوي مبتسمة وأضافت: "وممكن ممدوح يروح معاه". شعرتُ على الفور بأهميتي. نظرتُ إلى عمي ثم إلى أبي وتنحنحتُ فاردًا صدري إلى الأمام. نظر أبي إلى أمي وقال ضاحكًا: "أهم شيء ألا يكون اسمها نازلي". سقطنا جميعا على الأرض من شدة الضحك. وقالت أمي وهي تنظر إلى عمي فهمي: "الحاجات دي قسمة ونصيب.. أنا تقدم لي طيارون ومهندسون ودكاترة". ثم نظرت إلىَّ وهي تمصمص شفتيها، وقالت: "وابن رئيس مجلس الشعب كان يتنافس مع ابن رئيس الوزراء على خطبتي. ولكن حظي أوقعني في أبيك". قالت الجملة الأخيرة وهي تبعث إلى أبي بنظرة ذات مغزى. فقال أبي ضاحكًا: "أنا سمعت أيامها أن ابن رئيس الجمهورية كان يقف بالأيام والأسابيع على ناصية شارعكم في المطرية منتظرا طلتك البهية من المشربية". قال أبي ذلك ضاحكًا أثناء توجهه مسرعًا نحو باب الغرفة. تنفسنا بارتياح لخروج الأب وهو لا يزال يمزح ويضحك، وإلا كان من الممكن أن ينقلب الضحك والمزاح إلى ما لا يحمد عقباه. وبعد أن أعادت أمي علينا محاسن العروس ومميزاتها نهضت نحو باب الغرفة. وقبل أن تغلقه وراءها، قالت لعمي فهمي: "خذ ممدوح معك. البنت متعلمة وتعرف لغات. وطبعها صعب شوية، ورفضت أكثر من عريس لأنها ترفض الزواج عن طريق الأقارب". سألها عمي في قلق: "عرفنا كل شيء عنها ما عدا اسمها. نتمنى ألا يكون اسمها نازلي". ضربت الأم جبهتها بكفها وقالت ضاحكة: "قالوا إن اسمها تماضر، أو ربما ابتهال أو جليلة.. عموما كلها ساعة أو ساعتين ونعرف اسمها".
ارتدينا ملابسنا كما لو كنا متوجهين إلى عرس حقيقي. وضع عمي معطفًا خريفيًا قصيرًا كُحلي اللون على ذراعه، وقف أمام المرأة ليتحقق من تناسق لون الكوفية الحمراء مع درجتي اللون الأزرق لرابطة العنق الجديدة. أمعن في تصفيف شعره مثل مصفف شعر محترف، راح يفرق الشعر جيدًا بحيث يظهر المِفْرقَ الجانبي بوضوح. بحلق طويلًا في المرأة ليتأكد من أن المفرق واضح ومستقيم. حَرِصَ على أن يتعطر بشكل جيد، حتى وصلت رائحته إلى آخر الشارع.
لم يزعجني شعري، ولم أهتم كثيرا بمظهري. ارتديتُ بنطلون جينز وفوقه قميص أصفر، ثم وضعتُ جاكت رصاصي خفيفًا فوق كتفي تحسبًا لأي تغيرات في طقس أكتوبر المتقلب. لم يتعبني شعري كثيرًا، لأنني اكتشفتُ مؤخرًا أن موضة "الكنيش" هي أنسب طريقة لبناء علاقة محترمة ومتكافئة مع الشعر. تعطرتُ أيضا تحسبًا لأي شيء، وحركتُ حواجبي إلى أعلى وإلى أسفل، ثم حركتُ فكي السفلي يمينًا ويسارًا، لأطمئن على مرونة عضلات وجهي. ثم نظرتُ إلى عمي فهمي بفخر وإجلال، فابتسم لي بثقة وكبرياء وفخامة. وخرجنا متوجهين إلى بيت العروس في شارع رمسيس.
عمي فهمي متوسط القامة بوجه طويل وذقن مدبب قليلًا، ورثهما عن جدي عزت. بينما ورث عينين عسليتين وشعر بني من ستي كريمان. هادئ الطباع على عكس أبي، لكنه أحيانًا يتشبث برأيه ليتحول إلى تيس مشاكس وشرس. لم يكن يهتم كثيرًا بالبنات. وكانت أمي تُرْجِع ذلك إلى كونه مُعَلِّمًا محترمًا، بينما كان أبي ينظر إليه مبتسمًا ويقول، إن تحت "السواهي دواهي". كنتُ أصدِّع رأسه بحكاياتي عن الفتيات، وأسرد له مغامراتي مع كل بنات المنطقة. وعندما كنتُ أبالغ كثيرًا، كان يضحك ويغيِّر الموضوع. لكنه لم يكن يحكي لي أبدًا عن مغامراته.