شريف الزميلي ليس اسمًا عابرًا في دفاتر الثقافة العراقية، بل هو واحد من أولئك الذين صاغوا حضورهم بهدوءٍ عميق، وتركوا أثرهم دون ضجيج، كما تترك الأنهار بصمتها في ضفافها بمرور الزمن. فمنذ بواكير شبابه، حين شدّه سحر الكلمة وأغوته موسيقى الشعر، أخذ ينسج تجربته الخاصة بروحٍ عاشقة للغة، ووعيٍ مبكر بجماليات الصورة الشعرية وقدرتها على احتضان الإنسان وقلقه وأسئلته. لم يكن الشعر عنده ترفًا لغويًا ولا استعراضًا بلاغيًا، بل فعلَ معرفةٍ وحضور، وطريقةً لمساءلة العالم وإعادة تشكيله بالكلمات.
وفي بابل، المدينة التي حملت تاريخ الحضارة على كتفيها، وجد الزميلي فضاءه الطبيعي. هناك لم يكتفِ بأن يكون شاعرًا يكتب وينشر، بل تحوّل إلى فاعلٍ ثقافيٍّ مؤثر، أسهم في ترسيخ بنية ثقافية متماسكة، وكان من أوائل الذين وضعوا لبنات اتحاد الأدباء والكتّاب في المحافظة، مشاركًا في تأسيسه، وفاعلًا في هيئته الإدارية، ومؤمنًا بأن المؤسسة الثقافية لا تقل أهمية عن النص الإبداعي نفسه. لقد كان يرى أن الثقافة مشروع جماعي، وأن الكلمة تحتاج إلى مناخٍ حاضن كي تزدهر وتثمر.
وفي ندوة “عشتار”، التي شكّلت آنذاك النواة الأولى للحراك الأدبي المنظم في بابل، لمع اسم الزميلي بوصفه واحدًا من أعمدتها، حيث التقت الرؤى، وتشابكت الأصوات، وتكوّن وعيٌ نقديٌّ شابّ يسعى إلى الموازنة بين أصالة التراث وجرأة التجديد. ومن ذلك الفضاء انطلقت حركة ثقافية حافظت على توازنها بين الوفاء للغة العربية وجمالياتها، والانفتاح على الأسئلة الجديدة التي فرضها الشعر الحديث وتحولاته.
ومن رحم هذه التجربة المتعددة، جاء كتابه الموسوم: «الأصالة والإبداع وبلاغة التأويل: قراءة في متابعات ناجح المعموري لنصوص عبد الزهرة زكي»، الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل سنة 2026، بوصفه ثمرة ناضجة لوعيٍ نقديٍّ تشكّل عبر الشعر، والتدريس، والممارسة الثقافية، والمطالعة الواسعة في التراث والحداثة معًا.
إن عنوان الكتاب نفسه لا يخفي طموحه؛ فهو يعلن منذ البدء عن مشروع نقدي يريد أن يجمع بين ثلاث دوائر متداخلة: دائرة الأصالة، بوصفها الجذر اللغوي والبلاغي العربي، ودائرة الإبداع، بوصفه الطاقة المتجددة للشعر الحديث، ودائرة التأويل، بوصفه أفقًا مفتوحًا لفهم النص وتعدّد معانيه.
لا يقف الزميلي في هذا الكتاب عند حدود قراءة الشعر، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى أكثر تعقيدًا وعمقًا: مستوى قراءة القراءة نفسها. فهو لا يتعامل مباشرة مع نصوص عبد الزهرة زكي، إلا بعد أن يمرّ عبر ما كتبه عنها الناقد الكبير ناجح المعموري. ومن هنا يدخل في حقل “نقد النقد”، حيث يصبح النص الشعري في مواجهة نص نقدي، وتغدو مهمة الزميلي مزدوجة: تفكيك رؤية المعموري، ومساءلتها، ثم إعادة بناء المعنى من زاويةٍ جديدة أكثر التصاقًا بالبلاغة العربية وروح البيان.
يتألف الكتاب من ثلاثة عشر مقالًا، خصّص أحد عشر منها لمتابعة آراء المعموري وتحليلاته لتجربة عبد الزهرة زكي الشعرية، فيما أفرد المقالين الأخيرين لدراسة مجموعتي الشاعر البارزتين: «اليد تكتشف» (1993)، و«باب الفردوس» (2000)، الصادرتين عن دار الشؤون الثقافية. وفي هذا البناء تتجلّى منهجية واضحة؛ إذ يبدأ الزميلي من النقد، ليعود إلى الشعر، ثم يرجع مرة أخرى إلى النقد، في حركةٍ دائرية تجعل من الكتاب حوارًا مستمرًا بين ثلاثة أصوات: صوت الشاعر، وصوت الناقد، وصوت الناقد الذي يقرأ الناقد.
في قلب هذا الحوار النقدي الذي يقيمه شريف الزميلي في كتابه، تتقابل رؤيتان لا تتصارعان بقدر ما تتحاوران: رؤيةٌ ترى في الأسطورة مفتاحًا لفهم الشعر، وأخرى ترى في البلاغة العربية جوهرًا لا غنى عنه للكشف عن جمالياته. ومن هذا التقابل يولد النص النقدي عند الزميلي بوصفه مساحةً للتأمل لا للحسم، وميدانًا للأسئلة لا لإطلاق الأحكام النهائية.
فالناقد ناجح المعموري ينطلق، في قراءاته لشعر عبد الزهرة زكي، من خلفية فكرية تجعل الرمز والأسطورة امتدادًا للوعي الإنساني العميق، ومرآةً لذاكرةٍ جمعيةٍ تختزن قلق الإنسان واغترابه وهواجسه الوجودية. إنه لا يقرأ القصيدة على سطحها اللغوي، بل يغوص في طبقاتها الخفية، مستنطقًا إشاراتها الرمزية، ومُعيدًا وصلها بسياقات ميثولوجية وأنثروبولوجية تمتد من الحكاية القديمة إلى الإنسان المعاصر. القصيدة عنده كيانٌ مفتوح على تاريخ الإنسان كله، وليست حدثًا لغويًا منعزلًا عن جذوره الأولى.
أما شريف الزميلي، وهو الشاعر والمعلّم والناقد، فيأتي إلى النص من جهةٍ أخرى. لا ينكر أهمية الرمز والأسطورة، لكنه يرى أن الطريق إلى المعنى يمرّ أولًا عبر اللغة نفسها: عبر موسيقاها الداخلية، وبنيتها البلاغية، وصورها، وعلاقات الألفاظ فيها. البلاغة عنده ليست علمًا قديمًا جامدًا، بل طاقة حيّة قادرة على استيعاب الشعر الحديث، وكشف ما فيه من توهّجٍ جماليٍّ وثراء دلالي. ولهذا كان حريصًا على أن يعيد الاعتبار للبيان العربي بوصفه جسرًا يصل بين التراث والحداثة، لا حاجزًا يفصل بينهما.
ومن هنا لا يتعامل الزميلي مع نصوص المعموري بوصفها مسلّمات، بل يدخل معها في نقاش هادئ، يتفق معها حينًا، ويختلف حينًا آخر، ويعيد تأويلها حين يرى أن النص الشعري يحتمل أفقًا أوسع مما قُدّم له. إنّه لا يخاصم المنهج التأويلي، بل يسعى إلى موازنته بمنهجٍ لغويٍّ جماليّ يردّ الاعتبار للكلمة في ذاتها، بوصفها حامل المعنى الأول والأخير.
وفي هذا السياق، يتجلّى كتاب الزميلي بوصفه ساحةً لحوارٍ فكريٍّ بين مدرستين نقديتين:
مدرسةٍ ترى الشعر بنيةً رمزيةً تنفتح على الأسطورة والوعي الجمعي،
وأخرى ترى الشعر بناءً لغويًا جماليًا يقوم على الإيقاع والصورة والبيان.
ويزداد هذا الحوار عمقًا حين ننتقل إلى الطرف الثالث في هذه المعادلة: الشاعر عبد الزهرة زكي. فهو ليس مجرد موضوع للقراءة، بل هو المحرّك الخفيّ لهذا النقاش كله. قصيدته هي التي استدعت قراءة المعموري، ثم استدعت بدورها قراءة الزميلي لتلك القراءة. ومن هنا تتشكّل طبقات ثلاث من الفهم: طبقة الشعر، وطبقة النقد، وطبقة نقد النقد.
إن عبد الزهرة زكي، في نظر الزميلي، ليس شاعرًا يكتب من أجل الزينة اللفظية، بل شاعر يبني عالمه عبر الكلمة، ويمنح اللغة طاقتها القصوى في التعبير عن القلق، والحلم، والانكسار، والأمل. ومن هنا تبدو قراءة الزميلي له قراءةً مزدوجة: تُصغي إلى التأويل الأسطوري، لكنها تعود في النهاية إلى جماليات البيان العربي بوصفها الميزان الأصدق لقياس نبض النص.
وإذا توغلنا أكثر في بنية هذا الكتاب، تكشّف لنا مقدار الجهد المعرفي الذي بذله شريف الزميلي في تشييد مشروعه النقدي. فهو لا يكتب من فراغ، ولا يكتفي بانطباعٍ عابر أو قراءةٍ ذوقية، بل يتحرّك داخل شبكة واسعة من المراجع التي تمتد من كتب البلاغة العربية القديمة إلى مناهج النقد الحديث، مستفيدًا من منجز النقاد الذين أسّسوا للرؤية المعاصرة في تحليل النص الشعري، دون أن يتخلّى عن الجذور الأولى للفهم الجمالي في الثقافة العربية.
ومن يقرأ هذا الكتاب قراءةً متأنية، يدرك أن الزميلي لا يشتغل على النصوص بوصفها مادةً جامدة، بل بوصفها كائنات حيّة قابلة للتحوّل والتجدد. فالنص الشعري عنده ليس حدثًا منتهيًا، بل فعلًا مفتوحًا على الزمن، وكل قراءة جديدة هي ولادة أخرى للقصيدة. ومن هذا المنظور تصبح قراءته لقراءات المعموري فعلًا إبداعيًا موازيًا للإبداع الشعري نفسه.
إن الزميلي، في هذا العمل، لا يكتب عن كتاب المعموري فحسب، ولا عن شعر عبد الزهرة زكي وحده، بل يكتب عن فكرة النقد نفسها: عن وظيفته، وحدوده، وأخلاقيته. فهو يرسّخ قناعة مفادها أن النقد ليس سلطة فوق النص، بل شريك في إنتاج معناه، وأن الناقد الحقيقي هو من يصغي إلى النص بقدر ما يحاوره، ويمنحه حق الاختلاف بقدر ما يمنحه حق التأويل.
وبهذا، يغدو الكتاب أكثر من مجرّد دراسة نقدية؛ إنه شهادة ثقافية على لحظة من لحظات تفاعل الفكر الشعري والنقدي في العراق، ووثيقة تُظهر كيف يمكن للنقد أن يكون امتدادًا للإبداع، لا تابعًا له ولا متعاليًا عليه. إنه يضعنا أمام نموذجٍ ناقدٍ يكتب بعقل الباحث، وقلب الشاعر، وذائقة المعلّم الذي يعرف قيمة الكلمة ومسؤوليتها.
وهكذا، ينهض كتاب شريف الزميلي بوصفه جسرًا حيًّا ممتدًا بين جيلين، ورؤيتين، ومنهجين في مقاربة الشعر والنقد. ومن هذا التلاقي يولد الحوار الخلاق، ويبرز ثراء المشهد الثقافي العراقي وتعدّد مساراته، مؤكّدًا أن النص الشعري أكبر من أن يُختزل في مقاربة واحدة، وأغنى من أن يُحتوى بتأويلٍ نهائي.
إن هذا الكتاب لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إليه كلما أردنا أن نتأمل العلاقة المعقّدة والخصبة بين الإبداع والنقد، وبين الجمال وتأويله، وبين النص وحريته في أن يكون أكثر مما نقول عنه. إنه دعوة دائمة للقراءة بعمق، والاستماع للنصوص بروحٍ متفتحة، واحتفاء بالكلمة كحاضنة للجمال والوعي.