القاص والروائي العراقي من كتاب الرواية القصيرة جدا في العراق، وقد نشر نتاجه الأدبيّ في عدة إصدارات، وسبق له النشر كثيرا في مجلة (الكلمة). وقد وظفت هذه الرواية القصيرة تقنية الخيال العلمي، واسترجاع الأصوات من الماضي، لترسل رسالتها حول السلطة وأشكالها!!

أصوات في شبك

رواية قصيرة جدا

حمـيد الحـريزي

 

مسكون صبي تميز بفرط الحركة وكثرة السؤال لذلك أطلق عليه والداه اسم مسكون بدلاً من سعيد. كان مهووساً بصيد الطيور على مختلف أنواعها، يحمل شباكه فجر كل يوم لنصبها في أماكن مختارة، وأحياناً ينصبها في أماكن لا يمر بها الطير في فضاءات موحشة أو في خنادق عميقة.

عشق مسكون صور وقصص وحكايات الفلاسفة في مختلف العصور، فغرفته تضج بصور الفلاسفة وعلماء الفيزياء وهو لم يزل في مراحل دراسية أولية. هزت كيانه المقولة العلمية حول المادة (المادة لا تفنى ولا تخلق من العدم) حينما ربطها بمعلومة حول الصوت، فالصوت هو طاقة ومادة. هذه المعلومة تواشجت في لا وعيه مع حلم علماء الكيمياء في تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، وما يقال حول إمكانية تحضير الأرواح من قبل العلماء الروحانيين.

يوسف صديقه الحميم أستاذ فيزياء غالباً ما يتبادل معه الحديث في علم الفيزياء وتطوراته وتطبيقاته العملية. سأله مسكون: هل حقاً المادة لا تفنى ولا تخلق من العدم؟ أجابه يوسف: نعم يا مسكون هي كذلك، يمكن أن تتحول من حالة إلى أخرى ولكنها لا تفنى ولا تنتهي، وأصبحت هذه حقيقة مسلماً بها ولها تطبيقات عديدة في حياتنا اليوم. قال مسكون: يعني هذا أن حديثي معك الآن تم حفظه في سجل الكون ودخل عالم الخلود؟ رد يوسف: هو كذلك يا أخي، ولكن لماذا أنت تسأل هذه الأسئلة؟ هل تنوي اصطياد هذه الأصوات كما تصطاد الطيور؟

يسرح مسكون بعيداً وهو يشعر بالدوران كأنه يتحسس هذا الموج المتلاطم من الأصوات يتدفق إلى أذنيه منبعثاً من حناجر الكائنات منذ ملايين السنين، يصحو من غيابه على صوت سرب من الزرازير علق في شبكته المعلقة بين نخلتين، يلف الشبكة مع عصافيرها الضاجة تطلب النجدة للخلاص.

يقرر العودة إلى معتكفه في دارهم وسط المدينة مصغياً إلى مكبرات الصوت وهي تعظم صوت المؤذن معلناً حلول وقت صلاة الظهر. تدور في ذهنه أسئلة كثيرة، لماذا وكيف ومتى، مستحضراً أصوات الغناء والمحاضرات والخطب المحفوظة في أشرطة التسجيل وعلى أقراص السيدي. يسأل نفسه: ولكن هذه الأشرطة والسيديات تتعرض للتلف، فهل تتعرض الأصوات للتلف في هذا السجل الكوني؟ وهل هي مخزنة على شكل طبقات ومستويات حسب القدم أم أنها تسبح عشوائياً في هذا الفضاء الواسع؟

لفت نظره جهاز الراديو الصغير الذي لم يفارق منضدته أبداً، وكانت لمسكون هواية وولع كبير في اقتناء مختلف أنواع الراديو هذا الجهاز العجيب. هذه الملاحظة ساعدته في حل لغز كيفية التقاط الأصوات من مختلف بلدان العالم وقاراته الشاسعة لتصل إلى سمع المتلقي عبر تدوير مؤشر الراديو ليتنقل من موجة صوتية ومن تردد صوتي إلى آخر.

كانت هيفاء تجلس بالقرب من مسكون وقد لاحظت علامات الانفراج والفرح الظاهرة على وجهه كمن عثر على شيء يفتقده، مستمتعة بصوت السيدة أم كلثوم وهي تشدو بأغنيتها الرائعة (أمل حياتي) التي غنتها لأول مرة في 6 يناير 1966 في حفل سينما قصر النيل بالقاهرة، وبعد مرور 59 عاماً من ذلك التاريخ تستمع لها الآن.

التفتت إليه متسائلة: أراك مستبشراً ومسروراً يا مسكون، بودي معرفة أسباب كل هذا الفرح؟ مررت كفها متحسسة تموجات شعرها الداكن السواد مصغية إلى جواب مسكون الذي قال بعد فترة صمت: أنت تعلمين أنني مهتم في كيفية السماع إلى الأصوات عبر مختلف العصور وعبر المسافات، وها أنا أرى كيف تمكن مخترع الراديو من تحقيق ذلك. قالت هيفاء: إذن ما الجديد؟ هذا حلم حققه الإنسان منذ عقود من الزمان وتمكن من استحضار الصوت والصورة واللون كما في التلفاز. قال مسكون: أعرف ذلك جيداً ولكني أسعى للتوصل إلى طريقة تمكن الإنسان من استحضار أصوات الإنسان قبل قرون من زماننا هذا كاستحضار أصوات الأنبياء والأوصياء والملوك والسلاطين والفلاسفة والقادة والحكماء السابحة في الفضاء كطاقة لا تفنى. قالت هيفاء: أرى أنك تحاول المستحيل. رد مسكون: يا هيفاء من المسلم به أن بصمات أصابع مليارات البشر لا يشبه بعضها البعض، أليس هذا من المسلمات؟ قالت: نعم أعلم هذا، ولكن ما علاقة هذه المسلمة بالصوت؟ قال: إنني أرى أن أصوات البشر تردداتها وقوتها تختلف من إنسان إلى آخر ولا يمكن أن تتطابق مهما كانت درجة التشابه ومرتبة القرابة، فالصوت بصمة خاصة لكل شخص. قالت: نعم وهذه أصبحت أيضاً حقيقة علمية مثبتة. سألها مسكون: وهنا إذن أصبحت لدينا مسلمة علمية مهمة، ولكن الإشكالية كيف لنا أن نعرف أن هذا الصوت يعود إلى الشخص الفلاني على وجه التحديد كأن يكون أفلاطون أو النبي محمد؟

كان بالقرب منهم أستاذ الفيزياء يستمع إلى الحديث فطلب الكلام قائلاً: في مثل هذا الحال يفترض أن نعرف على وجه اليقين والدقة زمن ومكان المتحدث في تاريخ محدد لنستدعي ذبذبات وترددات هذا الصوت في تلك اللحظة بالضبط دون أن تختلط مع صوته أصوات أخرى، ثم إعادة هذه المحاولة لمرات عديدة للتأكد من تطابق هذا الصوت للشخص المطلوب، وعندها يمكننا أن نثبت بصمة صوته لدينا لتفتح أمامنا فرص استدعاء صوته وخطاباته وأحاديثه في أي زمان ومكان وتكون شخصيته الناطقة أمامنا.

فغر مسكون وهيفاء فميهما دهشة وإعجاباً بهذا الأسلوب والطريق المعقول والعملي جداً لالتقاط بصمة صوت معين، وصرخ مسكون: يوريكا يوريكا لقد وجدتها وجدتها. وبعد فترة صمت وتفكر قال مسكون: بمعنى أن المطلوب دراسة دقيقة وموثقة لحياة وسيرة وسلوك ومواعيد وأماكن أحاديث وخطب الشخصية المراد التقاط واستحضار بصمة صوتها لنحصل على المكان والزمان لخطبه وأحاديثه بشكل دقيق لا يقبل الخطأ وتكرار ذلك في أكثر من مكان وزمان ولابد أن تكون متطابقة تماماً مع بعضها. قال الأستاذ: نعم هذا هو المطلوب بالضبط لنصل إلى نتائج دقيقة.

انفضت حلقة النقاش وذهب مسكون إلى معتكفه فرحاً مستبشراً بما توصل إليه من نتائج منطقية للوصول إلى هدفه، وما عليه الآن إلا أن يبحر في عالم السيرة والتاريخ والسلوك لشخصية مختارة لتكون موضوع دراسته وبحثه مع توفير الأجهزة ذات التقنيات المتطورة لالتقاط الذبذبات والبصمات الصوتية للشخص موضوع البحث في مكان وزمان وتاريخ محدد ومن ثم تسجيل الصوت ودراسته، ثم مقارنته مع ما تعرف عليه في الزمن الحديث هل هو مطابق أو مخالف، موجود أو غير موجود، حقيقي أو منتحل، أصيل أو موضوع.

إن هذا الفعل وهذا الأمر إن تمكنت منه فمعناه أنك ستقوم بتنقية التاريخ البشري مما علق به من حكايات وأكاذيب وروايات منحولة ونقلب العالم رأساً على عقب. التفت إليهم أستاذ التاريخ الذي كان يتحدث وسط حلقة من المستمعين إلى محاضرته قائلاً: بفعلك هذا سيدع التاريخ يتحدث بلسان صناعه وينطق بالحقيقة التي تعرضت إلى التشويه والتضليل والكذب وخلقت الكثير من المذاهب والعقائد والفرق، أوليس هذا بالضبط هو إرادة ورغبة المؤرخ الحقيقي الصادق وهذا ما يسعى إليه المؤرخون؟ ولكن رغبتنا هذه لا تعني أنها تمثل رغبة زعماء الطوائف والأديان والفرق والجماعات والمذاهب بمختلف مشاربها وتنوعاتها بعد أن بنت وشيدت دولاً وكيانات وزعامات ومؤسسات ربما يفترض نسفها بالكامل لو ظهرت حقيقة بعض الأمور، وقد تنهار دول بكاملها نتيجة هذه الحقائق.

فغر مسكون فاه مستغرباً مما قاله المؤرخ، وربما ذكره بأمر كان قد غاب عن فكره وخياله كل هذه التوقعات، حيث إنه كان ومازال مهووساً في كيفية اصطياد الأصوات عبر القرون. فهذه الإشكاليات وما قامت عليه وأسست عليه الكثير من الأقوال المنحولة الكاذبة بعد عشرات السنوات وربما قرون من رحيل قائليها عن لسان أنبياء وأوصياء ورسل ومفكرين وفلاسفة كبار وزعماء وقادة وملوك مشهورين، وما استندت عليها الكثير من المواقف والحروب وعداوات مازالت قائمة لحد الآن.

فمثلاً هل يمكن أن تتخلى الكثير من الأحزاب والحركات الشيوعية والماركسية في العالم عن مقولة ماركس حول (ديكتاتورية البرولتاريا) التي أقامت عليها أركان حكوماتها وأحزابها وشيد على رقاب الناس سلطة بمثل هذه المقولة من قبل زعماء وقادة لا علاقة لهم بالبرولتاريا ولا بعموم الكادحين بل أصبحوا من ضحاياها؟ فمفكر عبقري ومنظر كبير مثل ماركس يسعى إلى حرية الإنسان وصيانة كرامته وإرادته هل يمكن أن يقول هذا القول ويؤمن بالديكتاتورية في الوقت نفسه وهو يرى أن الاشتراكية هي حيز الحرية المتحققة تحت ظلها وتحقق المساواة الكاملة بين البشر في ظل الشيوعية؟ طبعاً لا يمكن أن يرضي هذه الأحزاب قول ماركس المصطاد البتة، يعني الحكم بفكر الطبقة الأكثر تضرراً ضمن واقع التمايز الطبقي في المجتمعات الرأسمالية، وبما أنها وحلفاءها هم الأكثرية يمكنهم الحكم ضمن نظام ديمقراطي تحقق ضمن شرعية انتخابية ومن خلال صناديق الاقتراع لو تمكنت الأحزاب الماركسية من توصيل القناعة بالنظام الاشتراكي لهذه الأكثرية من العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والديمقراطيين.

وعلى الجانب الديني مثلاً هل يقتنع المتأسلمون بأن الإمام علي عليه السلام كإنسان حكيم وكرفيق ومطيع لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقول ما ذكر عنه حول المرأة باعتبارها ناقصة عقل وناقصة دين والنصح بعدم استشارتها في المعروف كي لا تطمع بالمنكر لأنها ميالة بطبعها بالفطرة إلى المنكر؟ وقد بنى على هذه المقولة الكثير من المتشددين الإسلاميين دساتيرهم ومقولاتهم وتوصياتهم بشأن المرأة بعدم قبول شهادتها وعدم مساواتها بالإرث مع الرجل استناداً إلى هذه المقولة، متناسين كون النبي كان دائماً يستشير زوجته خديجة الكبرى في العديد من الأمور وهي أول شاهد على نزول الوحي وأول من صدق النبي هي والإمام علي، فكيف تكون ناقصة عقل ودين؟ وهكذا كان موقف الإمام علي من فاطمة الزهراء أم الحسن والحسين وريحانة رسول الله، أليسن هن من النساء أيضاً؟

بعد أن شاع خبر ما يسعى إليه مسكون من أمر والتحقق من أقوال هؤلاء الكبار عبر اصطياد أقوالهم وخطبهم، أخذ الهمس واللمز يسري بين جهال الناس وحواشي السلطات والملوك في عصره، في حين استبشر به الحكماء والعقلاء وأصحاب الفكر المستنير ومن تبعهم، فانقسم الناس بين مهدد وبين مؤيد.

قال جمع منهم: أتريد يا هذا أن أخلع عمامتي السوداء ولا أتمسك بسيادتي على البشر لعدم وجود نص صريح بالفوارق بين البشر؟ وأن رسول الله قال بما معناه إنني بشر مثلكم ولكني أكثركم اعترافاً ببشريتي وعبوديتي لله الخالق العظيم وحده بما يؤكد مساواة البشر في الرتبة والمنزلة عند الله، لا فرق بين هاشمي وتميمي وبين أبيض وأسود وأصفر، كلكم من آدم وآدم من تراب؟ أو تريد أن تثبت بالأقوال والأفعال أن أغلب خلفاء بني أمية وبني العباس كانوا من الفاسقين والمستكبرين والعاصين لأمر الله ومن عاثوا في الأرض فساداً فلا نتبعهم ولا نقلدهم ولا نتمثل أقوالهم وسلوكهم؟ وكيف تريد منا أن نصدق أن عيسى المسيح بشر وابن بشر وليس ابن الله، وإن الله لا يولد ولا يلد وليس له شريك ولا ولد؟ وكيف لنا أن نعتقد ألا أحد يرى الله ولا أحد قادر أن يكلم الله لا موسى ولا غيره؟ إنما أنت مشعوذ كذاب وتسعى إلى هدم مبادئنا وعقائدنا وتسعى إلى القول إن الله واحد وكل رسله وأنبياءه وأوصياءهم من بعده لا خلاف بينهم ولا خصام، ولذلك يجب أن يكون الدين واحداً كما الله واحد وتدعي بطلان ما يختلف عليه البشر في دياناتهم واعتقاداتهم وطوائفهم وفرقهم، إنما أنت مخبول مجنون لابد من عزلك عن الناس وخلاصهم من شرورك وتجديفاتك الباطلة.

فقال لهم مسكون: وحتى وإن أثبت لكم هذه الدعوى بأقوال وأصوات من تؤمنون بنبوتهم وإمامتهم وزعامتهم؟ قالوا: هذا مستحيل وسنشكوك ونفضح أمرك أمام البابا والحاخام والمرجع الأعلى والرئيس والملك وإلى الرفيق القائد. وحاول البعض أن يفتك به لولا أن هناك من سهل هربه واختفاءه عن الأنظار.

اختبأ في غار يختار شخصية معروفة قريبة العهد من عهده مثبتاً أوقات وأماكن إلقاء خطبه وأقواله كترامب مثلاً ليختبر طريقته في اصطياد الأصوات وصحة طريقته في هذا الاصطياد من الفضاء. نصب أجهزته وجهز أدواته وبدأ بالتجريب فتمكن من اصطياد خطبه وتصريحاته بالتمام والكمال عندما قارنها مع ما هو منشور بالفعل مع فروق طفيفة في الترجمات المختلفة ولكنها مطابقة تماماً مع ما قاله في خطبته بلغته الإنجليزية الأمريكية الأصلية.

انتعش مسكون وارتاح كثيراً لنجاح تجربته وطريقته في اصطياد الأصوات، ثم اختار دراسة سيرة وتفاصيل شخصيات إشكالية مثل أبي هريرة وعدد من أصحاب المعلقات من الشعراء الذين شكك طه حسين في صحة معلقاتهم وخطب لستالين وهتلر وأرسطو وأفلاطون، ثم اختار بعض الأنبياء والأوصياء وسادة المذاهب والطوائف وزعماء الدول.

كانت تجاربه ناجحة وموفقة تماماً بعد عدة خيارات ومقارنات بين القول الأول الأصلي وبين ما نُحل من قول وتوصيات نسبة إلى هذه الشخصية وتلك، فوجد العجب العجاب وزيف الكثير مما نقل ونسب إلى هذه الشخصية أو تلك خصوصاً في عصور فقدان التسجيل الصوتي والتسجيل التلفزيوني للشخصيات القديمة، حتى وجد زيف وعدم صحة العديد من النصوص المقدسة سواء بالنسبة للكتب المنزلة أو الموضوعة من قبل البشر لأسباب مختلفة أغلبها لأسباب سياسية تخدم الحكام والملوك والسلاطين ومن تزعم طائفة أو فرقة وادعى ما ادعى بالضد من الأديان والفرق والأحزاب الأخرى المهددة لحكمه وسلطته وقدسيته وصحة نسبه. وأخطر ما عرفه أن بعض الشخصيات الإشكالية لا وجود لها بالمرة وإنما هي شخصيات مختلقة وموضوعة.

فقرر أن يعمل له فنجان قهوة لينعش دماغه وينشط وعيه وفكره وماذا سيفعل وكيف يتصرف، وقد بلغ حاله أشد حالات الضعف والهزال لأنه كان ينسى نفسه بلا أكل ولا شراب حينما ينكب على دراسة سيرة وحياة الشخصيات التي بحثها وتمكن من اصطياد أصواتها وخطبها ومقولاتها في أوقات دقيقة التوقيت، والأشد وقعاً هو وهمية بعض الشخصيات وعدم صحة وجودها ولم يسجل لها أي خطاب أو حديث خلال عصرها المنسوبة له.

قام بتوثيق وتسجيل ما اصطاده من الأصوات والأقوال والخطب وما يقابلها مما هو موجود والتضاد الكبير بين الواقع الأصلي وما هو سائد الآن، وكان سبب كل هذه النزاعات والخلافات والحروب الدموية الطاحنة بسبب ذلك. رتب كل شيء وبوبه ضمن برنامج موحد وواضح وعلق على بعضها البعض ثم وضع رأسه المحشو بالأفكار وأسئلة الاستغراب والاستنكار لما حدث في هذا العالم ونام. عاش أحلامه المبشرة بتوحيد العالم ونبذ كل أنواع الخلافات والنزاعات بأدلة دامغة تثبت عدم وجودها ونحلها من قبل بشر لهم مصلحة في النحل ومصلحة في تزوير النقل سواء لمصلحة شخصية أو لمصلحة حاكم أو سلطان تحت الترغيب والترهيب.

وهو سادر ومستغرق في أحلامه وخططه إذ اقتحم مخبأه عدد من المسلحين من مختلف الأجناس والأشكال والألوان فأمسكوا به بعد مصادرة كل أجهزته وأدواته وسجلاته وأدخلوا رأسه في كيس محكم الغلق وقادوه إلى ما لا يعلم، ولم يجد نفسه بعد حين إلا وأنه مرمي وسط جمع كبير من المخبولين والمجانين في مصحة محكمة الأسوار في وسط سلسلة جبلية وغابات لا حدود لها وبجانبه إضبارة ضخمة تضم العديد من التقارير والشهادات الطبية والعلمية والنفسية تثبت إصابته بالخبل والجنون والهلوسة مما جعل منه شخصاً يشكل خطراً كبيراً على السلم الاجتماعي وعلى السلطات القائمة على مستوى المعمورة بكاملها مما يستوجب حجزه وعزله عن كل البشر ولا يتواصل إلا مع من يماثله في الجنون والخبل.

لم يكن مسكون مستغرباً مما حدث له فكان يتوقع حدوث مثل هذا الفعل وربما ما هو أشد حد القتل الخفي أو الظاهر تحت مختلف التهم، بما ذكره بحرق العديد من الناس من قبل الكنيسة تحت ذريعة ممارسة السحر والتجديف، ألم يحرق الحلاج وابن المقفع ويلاحق وتحرق كتب ابن رشد ألم يعزل المعري ويقتل كوبرنيكوس ويهدد بالقتل غاليلو، الكثير من الشواهد التاريخية السابقة والحاضر القائم الآن لا لشيء إلا لأنهم يحملون فكراً مخالفاً للسائد والتقليدي.

بمرور الأيام والأسابيع أخذ مسكون يتقرب من بعض من يحيط به من المجانين ويعثر على العديد من أساليب ووسائل التفاهم معهم، وإذا به يجد الكثير منهم يحمل العديد من أفكاره وتوقعاته ورفضهم لما هو سائد وحينما صرحوا بها كان مصيرهم السجن والإبعاد والعزل، مما سره كثيراً أنه ليس الوحيد خارج السجن وداخله. ترسخت علاقاته بهم يوماً بعد يوم وأخذوا يعقدون العديد من الجلسات فيما بينهم، عرض لهم ما توصل إليه من معلومات مذهلة على ألسنة الأنبياء والأوصياء والمفكرين والحكماء والفلاسفة مما يساعد على توحيد البشر ومحو كل أسباب الخلافات والصراعات وانقسام الناس إلى دول وفرق وأديان وطوائف وأحزاب، وتدريجياً اشتدت وتعمقت اللحمة بينهم فلا المسيحي يكره المسلم ولا اليهودي يشعر بأنه الأفضل ولا الماركسي يحقد على نظيره المختلف بعد أن كشفت لهم الأسرار وصار واضحاً أمام أنظارهم الخيار في التوحد الإنساني من أجل الخير والعدل والسلام وهذا هو رأي الأنبياء والأوصياء والمفكرين والحكماء من مختلف الأديان والمذاهب الدينية السماوية والوضعية، فمادام الله واحداً لابد للبشر أن يتوحدوا ويتعاونوا ويعيشوا ويستمتعوا بنعم الخالق موحدين، وكذلك رأي غير المتدينين من الملحدين والعلمانيين وأصحاب المذاهب والفرق الوضعية حيث كشف لهم سر وحقيقة آراء ومواقف زعمائهم ومفكريهم بضرورة وحدة العالم ووحدة البشر وسلامهم.

بالمقابل كان هناك أشخاص يقدسون شخصيات وأسماء من أوصياء وأنبياء ومفكرين وساسة إلى درجة العبادة، أصابهم الهوس بهذه الشخصية فعبدوها وحاربوا كل من يقف ضدها إلى درجة الجنون في تأليه هذه الشخصيات لذلك نبذهم المجتمع ووقفت ضدهم قوانين السلطات وحجزتهم باعتبارهم مجانين ومخبولين للحد من شرهم ضد الآخر المختلف، ولكنهم أخذوا يتناقصون عددياً تدريجياً في هذا المحتجز الكبير، وكان الفصيل الأول يتلقى الأذى حد القتل من قبل الطرف أو الفصيل الثاني لأن الأول لا يؤمن بالعنف وسفك الدماء وغيرها من وسائل الأذى. وعندها تدخلت السلطات للفصل بين الفصيلين لمنع الاعتداء والعنف اللا قانوني ولا رسمي، ولا تمانع السلطات في تنقل الأشخاص الأفراد بين فصيل وآخر قد آمن به عبر الحوار والجدل بين الطرفين بطريقة سلمية.

طوران شخص طويل القامة ضخم الجثة صاحب كف كأنه مجرفة، له نصف لحية ونصف شارب ونصف رمش ونصف حاجب. هذا النصف كثيف خشن الشعر أسود فاحم كفرشاة صبغ الأحذية، أما النصف الثاني من وجهه فكان عديماً للشعر كأنه وجه امرأة حصاء لا يوجد فيه حتى زغب. ينتمي إلى جماعة الفصيل الثاني في محتجز السجناء وكان مكروهاً من قبل الجميع، قاسٍ خشن الطباع سمج السلوك له صوت كصوت طبل مشروخ يدعي الانتساب لطائفة دينية معينة يقدس رموزها حد الجنون ويفتك بمن يخالف الرأي ولا يؤمن بإلهه الأوحد.

من خلال جلسة نقاشية مشتركة بين الفصيل الأول والفصيل الثاني وهذا أمر غالباً ما كان يحصل داخل المحتجز، يشارك فيه أبرز شخوص الفصيل الأول وعلى رأسهم مسكون في حين غالباً ما يترأس الفصيل الثاني طوران. قال طوران: أستاذ مسكون أنا في غاية الإعجاب بما تؤمن به من أفكار ومبادئ تدعو للعدل والمساواة وقبول الآخر المختلف. نظر الجميع من أفراد الفصيل الثاني والفصيل الأول إلى بعضهم مستغربين وقد أصابتهم الدهشة لما طرحه طوران وهو المعروف بكرهه الشديد لمسكون ولمبادئه المعروفة ومقته لكل أفراد الفصيل الأول. فما هذا التحول المفاجئ له حيث انتقل بحركة مفاجئة إلى الجلوس أمام مسكون في جانب الفصيل الأول قائلاً: أنا يا أستاذ مسكون هيمنت على أفكارك تماماً وأخذت أدرك مدى عظمتها وصدقها.

نظر إليه مسكون متأملاً ملامحه وطريقة حديثه متفكراً في تحوله المفاجئ من كاره شديد إلى مناصر عنيد، فشعر بالريبة والاستغراب وهو لا يحب هذا التطرف في اعتناق الأفكار والعقائد حتى وإن كانت أفكاره، لكن لا يمكن الحكم على ما يضمر الإنسان بل الحكم على ما يعلن، فعلى الرغم من ريبته وشكوكه أجابه: نعم يا أخي أنا مسرور بهذا التحول الكبير في تفكيرك وسلوكك أتمنى لك كل التوفيق على طريق العدالة والتنوير ولكني أتمنى عليك أن لا تتطرف في الحب كما لا تتطرف في الكراهية، مسرور لأن نور الحق استطاع أن يطرد الظلمة الحالكة من رأسك ومحو نقاط السواد المغروسة في صدرك. فرد طوران: أرجو أن تتقبل مني توبتي وأدعو (أهورامزدا) أن يغفر لي ذنوبي. قال مسكون: ولكني يا أخي لست على مذهب وديانة الزرادشتية وأنا لست مجوسياً ولم أنتمِ إلى أي دين سماوي أو وضعي. قال طوران: لا تخف يا أخي مني فأنا أراك زرادشتياً حقيقياً وداعياً متحمس للزرادشتية ومبادئها السامية فلا يخفى علي بحوثك وتجاربك العلمية هذه وادعاؤك باصطياد الأصوات وإثبات أن أهداف كل الأديان والمذاهب هو توحيد الله وبالتالي توحيد البشر للعيش بسلام وعدالة وحرية. وأضاف: لذلك فأنا أود أن أحتضنك وأقبلك وأن تكون وسيطي عند (أهورامزدا). قفز نحو مسكون وبضربة محترف احتز رقبة مسكون بخنجره، ثم نهض مزهواً يحمل في يده اليمنى رأس مسكون وفي اليسرى خنجره الذي كان يقطر دماً متوجهاً نحو الفصيل الثاني مفتخراً مباهياً الجميع بما فعله بالقضاء على هذا الزرادشتي اللعين.

جفل فصيله مستنكراً فعلته الشنوعاء هذه بحق مسكون وفصيله المسالم المتصالح مع نفسه ومع غيره النابذ للعنف بكل أشكاله والداعي إلى وحدة البشر تحت راية العدل والسلام والحرية في اتخاذ قراره وتبني اختياره، ولا ذنب لمسكون أن تكون أفكار وعقائد الزرادشتية قريبة مما يدعو إليه من مبادئ. على الفور توجهت قوة من حماية المحتجز السلطوية إلى إلقاء القبض على طوران ووضع القيود في يده واحتجازه في سجن انفرادي.

على وقع خبر اغتيال مسكون بدا الارتياح ظاهراً على عناصر السلطات الحاكمة، كذلك اجتمع جمع من رؤساء الأديان والمذاهب وكأنهم يحتفلون بهذا الفعل الشنيع وخلاصهم من مسكون وأفكاره التي صدعت رؤوسهم، في حين لوحظ تحول العديد من عناصر الفصيل الثاني صوب الفصيل الأول حيث كانوا تحت تسلط وعنف طوران وقسوته.

اختار الفصيل الأول خليفة لمسكون ليقود الجمع مع نخبة من تلاميذه ومناصريه ليتابعوا بحوثه ودراساته وليزدادوا عزماً على نشر مبادئه واكتشافاته في داخل المحتجز وخارجه وتعزيزها بكل جديد موقنين أن البشرية لابد لها من سلوك هذا الطريق للخلاص من دمار محقق بسبب التفرقة والاحتراب من أجل السلطة والمال تحت ذرائع وأكاذيب عقائدية يصطنعها الساسة لتوفير الحجج لمقاتلة الآخر. أخذ مشعل نور العلم والعدل يزداد بريقاً وتأججاً وهو ينير ظلمات العقول، في حين صار قبر مسكون ضريحاً وشاهداً بارزاً يؤمه الحكماء والعلماء والمتنورون والمجددون في كل العالم وكأنه لوثر جديد حينما دحض زيف صكوك الغفران وبطلانها أو كإثبات دوران الأرض وعدم سكونها من قبل غاليلو.