في هذه القصة الرمزية يوظف القاص العراقي يوظف الكائن الأسطوري (سيربيروس) للتعبير عن سلطة عميقة داخل القرية، تفرض سيطرتها على الداخلين، وثمة مالك لهذا الكلب، يخشاه الناس!! أنها صورة للسلطة في مكان ما!!!

سيربيروس الجاثم على تخوم القرية

خالد الشاطي

 

ما كان ضخماُ؛ أو ذا شكل غريب؛ ذلك الكلب اللعين!! ليس له ــ كسيربيروس ــ رؤوس ثلاثة، ولا يملك ذيلاً أفعوانياً، وليس ثمة أفاع تخرج من ظهره!! لا شيء فيه يميزه عن أي كلب يصادفنا كل يوم في جولاتنا في قرى البلاد طولاً وعرضاً... لا شيء: لا طوله أو لونه أو وبره أو أنيابه ومخالبه أو سرعته أو حتى عواءه وزمجرته.. هذا ما دار في خلدي حين واجهته أول مرة، حتى أنني لم أستطع منع نفسي من الابتسام؛ قبل أن ينقض عليّ، محاولاً تمزيقي...

وعلى هذا، فإن كنتَ رأيت الكلب؛ ثم استمعتَ إلى أمثالك من الباعة الدوّارة؛ يحذرونك من ارتياد درب بعينه في تلك القرية ــ كما استمعت أنا ــ بسبب كلب، كلب مرعب؛ متوحش؛ رابض فيه، جاهز لتمزيقك أرباً، فستجد صعوبة في لجم قهقهتك، وفي منع نفسك من القول: (أحقاً؛ يحول هذا الجرو بينكم وبين كسب رزق وفير؟!) ذلك أن على الجانب الأيسر للدرب؛ تقع بيوت شيخ القرية وأخوته وأبنائهم وأقاربهم الكثيرون، الأمر الذي يمثل فرصة تجارية كبيرة عبر مقايضة بضاعتنا من الأواني والأدوات البلاستيكية والمعدنية؛ بالتمر والسمن والحليب والحبوب، على طول الجانب الأيمن يمتد جدول جارٍ؛ تنبت على طرفيه أعواد القصب الكثيف، سيريك بعضهم ــ حتى لا تشك في شجاعتهم ــ آثار أنيابه ومخالبه على أجسادهم، سيخبرونك إنهم يعتقدون أنه كلب مجنون ــ إن كان يمكن للكلاب أن تصاب بالجنون ــ أو أن شيطاناً تلبس جسده، وسترتاب حتماً في سوية أبصارهم، فما هاجمهم، إنما سيربيروس حارس بوابة الجحيم، الحريص على أن لا يسمح بعودة أحد ثانية. وليس كلب ريفي عادي..

 ربما سيراودك شك، للوهلة الأولى ــ كما راودني ــ في أنهم اختلقوا هذه القصة للاستئثار بالمنافع المميزة للاتجار مع أغنى بيوتات القرية وأكثرها كرماً لصلتها بمشيخة القرية، لكنني ـ ولأسابيع عديدة ــ لم أر أو أسمع أن واحداً منهم ارتاد الدرب وشهدت مرات محاولات فاشلة لعقد رهان بينهم حول أيهم يسلك الدرب، لم يكن لأثخن شارب فينا الجرأة لمواجهة الكلب...

ـــ ألم تخطر ببال أحد فكرة قتل الكلب؟!!

اضطربوا لسؤالي البسيط، استهجنوه بكلمات عديدة، قالوا أخيراً: إن للكلب معزّة كبيرة لدى شيخ القرية وأعوانه، ربما لا تدانيها سوى معزّة أولادهم، ورغم التشابه الذي يبدو للوهلة الأولى بينه وبين كلابنا؛ إلا أنه منحدر من سلالة أجنبية عريقة تتميز بشراستها الفائقة ودهائها وسرعة حركتها، أهدى البريطانيون الجد السابع أو الثامن لهذا الكلب إلى جد شيخ القرية الحالي

ما الذي دفعني للتفكير جدياً في ولوج الدرب؟!

ليس الفضول المجرد قطعاً، ولا محاولة إثبات خطأ رفاقي، وبالتأكيد ليس رغبة في الظهور بمظهر البطل الجسور، ولا الربح بحد ذاته، إذ على الرغم من أن سنة الحصار الاقتصادي الخامسة كانت قاسية جدا، لكن أموري المعيشية لم تكن سيئة لدرجة أن أعرّض نفسي لأي خطر إنه ببساطة، الخشية من الشعور بالذنب والتقصير، ففكرة تضييع فرصة كسب وفيرة، يمكن لها أن تحسن حال عائلتي قليلاً ولو لبضعة أيام، بسبب، بسبب كلب، مجرد كلب! كانت ستمنعني من النظر في عيون زوجتي وأطفالي، يا إلهي، حتى أنني لم أحاول!! سيكون هذا التخاذل ــ كلما سأتذكره ــ مزعجاً ومثيراً للأعصاب، ولن أتخلص منه بسهولة، أنا واثق من ذلك.

ولأنني لست هرقل لآسره؛ ولا أورفيوس لأذهله وأنيمه بعزفي وغنائي؛ ولأنه ما كان بالإمكان الوصول لبيوت القرية بغير سلوك الدرب الخطير، فقد عزمت على اقتحامه والوصول لنساء القرية، اللاتي لا يسمح لهن بالذهاب أبعد من الجدول، وإدهاشهن ببضاعتي المتعطشات لرؤيتها...

(إنه في النهاية كلب مجرد كلب، لا أكثر ولا أقل) قلت هذا لنفسي وخطوت خطواتي الأولى في الدرب، محملاً ببضاعة متنوعة ومميزة تليق بسادة القرية.

لم يكن في الدرب أحد، ولم يكن يُسمع غير قرقعة خافتة يحدثها اصطدام أدوات المطبخ التي أحملها حول جسدي، ومع كل خطوة؛ كنت أتلفتُ حَوالِي؛ حذراً؛ متوجساً. وحين غدوتُ قريباً من أولى بيوت القرية؛ رحت أنادي على بضاعتي وأضرب (بچفچير) ــ كنت اتخذته هراوة ــ طستاً معدنياً؛ محدثاً صوتاً عالياً، وما هي إلا ثوانٍ؛ حتى رأيته على بعد مئة متر تقريباً؛ يخرج من أجمة تفصل أحد البيوت عن الدرب وينطلق باتجاهي، كأنه كان ينتظرني..

ها هو ذا أخيراً الوحش المرعب!! الكائن الأسطوري الذي يحول بيننا وبين الثروة!! ركزتُ نظري عليه، ووجدتُ نفسي أبتسم؛ كما أخبرتكم ... ليس سوى كلب عادي، لا يختلف ــ حتى في هجومه ــ عن أي كلب آخر. قررتُ أن أثبت في مكاني وأصد هجومه حتى يدرك أن لا جدوى منه، كما جرى لي مع كلاب أخرى..

حرّرتُ جسدي من البضاعة. اتخذت من (چفچير) وطست بلاستيكي سيفاً ودرعاً، أين أنتم أيها الباعة البائسون؟! تعالوا واشهدوا هذه المنازلة، لتعرفوا مقدار الشجاعة التي أتمتع بها؛ لتدركوا كم أنتم مخطئون، كم كنتم تبالغون، وكم أنتم رعاديد! فكرتُ إن عليّ أن أكون رؤوفاً به، وأتحاشى ايذاءه ــ فهو في النهاية مخلوق بائس ــ فيستكين، ويوقف هجومه، وقد نغدو صديقين... وليس من المستبعد أن جهل الباعة فن التعامل مع الكلب وترويضه؛ صيّر منه وحشاً.. يا لهم أجلاف جاهلين..

حين أصبح الكلب على بعد مترين مني؛ قفز يريد وجهي؛ فصددته بالطشت الذي اتدرع به. كرّر هجومه. نتش بأنيابه الطشت مني؛ وشطره بأنيابه نصفين. أسقطني هجومه التالي. رحت أقذفه بكل ما تطاله يدي من أوانٍ وقدور وأطباق. تدحرجت شاعراً به على جسدي. وكلما كنت أبعده كان يعاود الالتصاق بي. كان كلباً مجنوناً حقاً؛ مصمماً على تمزيقي، لذتُ أخيراً بالجدول؛ مختبئاً بين أعواد القصب، مراقباً الكلب يلوب؛ ويهدد بالهجوم..

سمعت أصوات نساء تقترب منا، كن ينادين على الكلب، جمعتْ بعضهن بضاعتي؛ فيما أبعدت أخريات الكلب وهن يحجبن بعباءاتهن أنظاره عني، ما تبقى منهن وقفن على الجدول بإزائي ورحن يطالبنني بالخروج. لم أستجب. كنت متردداً. ولوقت طويل كن يطمئنّني وكنت أتمنع وأُطلق تعليقات تضحكهن.. خرجت أخيراً. جلست أمام بضاعتي محاطاً بوجوه نساء القرية السمراء الباسمة. انتبهت إلى الجروح والخدوش الكثيرة في جسدي؛ لكن ليس هذا وقتها، وعدَتْ النساء بتعويضي جراء ما أصابني وبضاعتي، وكان واضحاً فرحهن ببضاعتي. كنت حذراً، أتلفّت في كل الاتجاهات، متوقعاً معاودة الكلب هجومه في أية لحظة ... لم أره. يبدو أنّ بعض الفتيات أخذنه للبيت، كن يضحكن لأية مزحة أقولها، وفيما كنت منشغلاً معهن؛ شعرت بخطم الكلب في خاصرتي. وثبت صائحاً. وكانت أطرافي، وهي تذود عني الكلب؛ تبعثر بضاعتي من جديد في كل اتجاه (اسم الله، اسم الله) كن يرددن وهن يمسكن بي محاولات تثبيتي على الأرض، وسمعتهن يكررن في أذني: (إنه كيس نايلون!!) وحين سكن؛ روعي شرعن يضحكن، لكنني ما كنت أقصد اضحاكهن هذه المرة.

صرّفت بضاعتي كلها. وكانت النساء كريمات جداً معي. طلبن مني جلب أشياء كثيرة والعودة بعد غد، طلبت منهن شيئاً واحداً: تقييد الكلب ساعة مجيئي.

(لا يمكننا ذلك) قلن (فأبونا لا يسمح بأية مضايقة للكلب)

(حسناً، فلتكُنَ هنا تمام العاشرة، وإلا ستجدنني منتظراً وسط الجدول)

تاجرت مع نساء الدرب مرات أخرى، حريصاً على ألا يعلم بذلك الباعة الآخرون. انتعشت أحوالي كثيراً، دعوت الله ألّا يحدث شيء، أي شيء، ثم، اللعنة، حدث ما لم يكن في الحسبان (لم أعرف لحظتها إن كان ما حدث مصيبة أم فرجاً ونعمة) فبينما كنت جالساً على جانب الدرب، محاطاً بنساء القرية، وهن يقلّبن بضاعتي، سمعنا صوت قوي لفرامل سيارة، تبعها صوت اصطدام. رفعت رأسي فرأيت الكلب مقذوفاً في الهواء. طار لمسافة عشرين متراً ثم استقر قريباً مني، شهقت النسوة، تفرقن مذعورات وهن يطلقن أصواتاً فاجعة، كنت مصدوماً، اقتربت من الكلب. كان منبطحاً على ظهره؛ رافعاً أطرافه ويطلق أنيناً خافتاً:

ــ والآن.. كيف حالك؟!! همست في أذنه ...

من سيارة الفولفو؛ هبط أربعة رجال بقيافتهم الريفية الكاملة. اقتربوا من الكلب واصطفوا واحداً جنب الآخر أمامه؛ كما لو كانوا جنداً في ساحة العرضات. وفي الأثناء نفسها كان رجل خرج من بيوت القرية؛ يتجه نحونا مسرعاً؛ حاملاً بندقية طويلة ويولول، تراجعتُ إلى بضاعتي، جثا الرجل أمام الكلب، تفحصه؛ جاسّاً جسده كله. لم تصدر عن الكلب حركة أو صوتاً:

ــ من فعل هذا؟

انحنى الرجال قليلاً:

ــ نحن لم نره أبداً، نقسم بالعباس، حاضرون لكل ما تأمرنا، لكل ما تراه، نحن بالخدمة ...

كانوا يتوسلون بتذلل كبير، وصل رجال آخرون من بيوت القرية ووقفوا خلف الرجل وباحتقار؛ نظر الرجل من بين دموعه إلى الرجال الأربعة، وقال:

ـــ هذا الكلب يسواكم كلكم، وأطهر من طاهركم، كلكم، كلكم.

تسابق الرجال لتأييد كلامه وتأكيده، كرروا اعتذارهم واستعدادهم لتقبل أي جزاء يراه، لكنه لم يكن يسمع أي كلمة مما يقولون، كان يغلي حرفياً، نهض بغتة وفك قفل أمان بندقيته، وصوبها نحوهم. لكن رجال القرية الذين كانوا يتوقعون هذا التصرف انقضوا عليه. أمسكوا البندقية وبصعوبة انتزعوها من قبضتيه وسط صراخه. فككوا البندقية ووزعوا أجزائها بينهم، أشار أحدهم للرجال الأربعة بالمغادرة؛ فلبوا على عجل، وقفنا ننظر للرجل يتلوى على الأرض قرب جثة الكلب، يرعد ويزبد ويشتم

لم أخبر أحداً بموت الكلب، فأنا لست أحمقاً، سيعلم الباعة بذلك حتماً حتى ذلك الحين عليّ مواصلة الكسب بأقصى طاقتي.

بعد أيام؛ كنت ــ وللمرة الأولى ــ أسير في الدرب بلا خوف أو حذر، وللمرة الأولى أرسلت صوتي بكل قوته معلناً عن حضوري.  كنت متلهفاً للقاء نساء القرية لمعرفة كيف تمت تسوية قضية مقتل الكلب بين الشيخ والرجال الأربعة أكثر من لهفتي للربح، وما كدت أصل بيوت القرية الأولى؛ حتى رأيت المنظر المرعب: مجموعة من الكلاب الفتية، شبيهة جداً بالكلب النافق، لا شك في أنها من نسله، تخرج من بيوت القرية وتتجه نحوي في هجوم كاسح ... في السابق كان ثمة كلب واحد لا غير؛ يمكن التعامل معه، أما الآن!! لم أنتظر لتحديد عددها ومعرفة نيتها. تخلصت من بضاعتي، وأطلقتُ ساقي للريح عائداً من حيث أتيتُ، علّني أنجو ...