هناك في ذاك الحي المتطرف في جنوب المدينة، حيث تزدحم البيوت المبنية اغلبها من الصفيح وفي ازقتها الضيقة التي ينعدم فيها الصرف الصحي وتنشر عند زواياه مكبات القمامة المزدحمة بملايين الكائنات المساعدة على الموت السريع.
من هذا الحي يساق الأبناء الى اتون الحرب، كل من بلغ الثامنة عشرة ولم تكن لهم فرصة الحصول على التعليم، ليكون نصيبهم الأوفر في ان يكونوا حطباً لنار الشهوات، فليس غريباً أن تجد جدران منازلهم موشحة بالسواد تنعى زيد وحسين وعباس وفاضل ... الخ.
أم توفيق قد حلفت أغلظ الأيمان بأن لن يغطّي جسدها غير السواد بعد مقتل زوجها "مزعل" في حرب الشمال، بعد أن اخترقت جمجمته طلقة من بندقية "برنو" للملا مصطفى البارزاني في أول أيام زواجها وتركها تحمل جنيناً في بطنها.
منذ ذلك اليوم وهي تتشح بالسواد تبكيه وتتحسر على شبابها الذي نحرته الحروب، مازالت وفية لذكره تزور قبره كل خميس في مقبرة (الحسن البصري) في قضاء (الزبير) كل مرة ترش على لحده الماء وتنشر من حوله أعواد البخور وتوقد شمعتين، وتبقى تبكي بعد أن توزع المقسوم من ثواب على زائري المقبرة طالبة منهم قراءة الفاتحة على روحه.
في طريق العودة الى الفاو كانت تقول لمن حولها من النساء (خواتي):
نحن الفقراء خلقنا للحزن الذي وجد حكراً.. لا يفارقنا.
وها هو اليوم يداهمنا بشكل آخر أفظع وأكثر وحشية حين نٌجبر على مغادرة ديارنا ومالنا، حين أخذت تسقط على بيوتنا قنابل المدفعية الإيرانية دون رحمة قبل محاولتهم احتلال الفاو، لم نجد لنا ملاذاً امناً غير كربلاء نلوذ بحمى سيد الشهداء.
خسارتها العظمى (توفيق) الذي اختفى أثره، كان جندياً في (نفط خانة) بمدينة (خانقين) وأسر بعد الهجوم على الأراقم 1172 جبل (كولينا).
مرّت سنة وأخرى، سأمت الانتظار فتوجهت الى وحدته العسكرية في البصرة.
الإجابة قاسية جداً، بعد ان أخبرها أحد الجند بأن الوحدة تحرّكت الى القاطع الشمالي!
يمه شنوا القاطع الشمالي؟
يعني كركوك، أربيل، سليمانية ...
قالت: كيف لي أن أجده (دخليكم يمه هذا وحيدي) الذي خرجت به من الدنيا، هل يسير على خطى أبيه ويموت في الشمال!
أنصحك بالذهاب الى قيادة الفيلق الأول في كركوك.
قال لها الجندي العامل في قلم الحركات.
حزمت أمرها وتوكلت على خالقها وهي تسأل سائقي المركبات في ساحة سعد عن كيفية الوصل الى كركوك؟
الطريق طويل، يا حاجة.
قالت: فقط دلّني يا ابني.
وصلت الى كركوك عند مغيب الشمس وقد زاحمها الليل وألقى بسدوله وهي تقف حائرة عند باب قيادة الفيلق الأول؟
اقترب منها جندي الانضباط الواقف عن حاجتها؟
قالت: (يمه) ابحث عن وليدي توفيق مزعل قالوا لي في البصرة انه (يمكم)؟
قال: يا أمي، حقاً أنت الآن، قادمة من البصرة؟
قالت: (والزهرة أم الحسن) جئت من البصرة، ولم يدخل جوفي لا ماء ولا زاد من يوم أمس!
قال: (وسفة عد عيناج يمّه) طلب منها الدخول الى غرفة الاستعلامات وطلب لها ماء وطعام.
قالت: لا اضع في فمي أي طعام ما لم تخبروني عن غياب ابني.
قال: حاضر، تناولي طعامك وخذي قسطا من الراحة والصباح رباح مثلما يقال، حيث يكون ضابط استخبارات الفيلق حاضراً.
الآن سنيها لك في الغرفة المجاورة تباتين الليلة وغداً تحصلين على مرادك بعون الله.
قالت: كيف سيغمض لي جفن.
في اليوم التالي التقت ضابط استخبارات الفليق وأخبرها بأن وحدة ابنها العسكرية قد دمرت في الهجوم وقد تأسّر عدد كبير منهم.
قالت: يعني ابني طيب، حي؟
قال: المعلومات المتوفرة لدينا في السجلات تشير الى أنه ليس بين الشهداء والمفقودين، الاحتمال الأكبر أسير.
عادت الى كربلاء وهي تمني النفس برؤيته عاما بعد عام، الحرب الملعونة مشتعلة لا تتوقف بل طال امدها ولهيبها، وام توفيق تحترق شوقا كل ساعة وعينها على الدرب.
في غفلة من يوم 8 آب 1988 استعل سماء المدينة بأزيز الرصاص فرحاً بوقف الحرب، طرق الجيران باب أم توفيق يزفون البشرى لها، الأمل بلقاء قريب بتوفيق.
بعد مفاوضات قصيرة لتبادل الأسرى أطلق الصليب الأحمر الدولي دفعات من الجند كان توفيق من ضمنهم، عبر منفذ المنذرية الحدودي في مدينة خانقين.
حطت بهم الحافلة نزلوا تباعا يتنسفون رائحة تراب وطنهم.. سجد توفيق وقبل الأرض مرتين رفع رأسه للسماء وبكى، سلموه حقيبة فيها قرآن وبدلة وحذاء ومبلغ 25 ألف دينار (طبع)، تحركت بهم الحافلات كل حسب محافظته.
توجّه للبصرة على أمل اللقاء بمن يعشق بعد طول غياب موجع.
كان الأهالي باستقبالهم بالزغاريد حال وصولهم، لم يجد أمه بينهم.
سال أحدهم توفيق: انت من أي مدينة في البصرة؟
قال: أنا من الفاو؟
يا عمي لن تجد أحدا فيها!
قال: وأهلي؟
نزحوا بعد احتلالها الى كربلاء والنجف
جلس على الأرض، لطم جبهته، تكسّرت العبرات في صدره وهو يخاطب الرجل:
أين أجد أمي يا عم؟
أشفق الرجل على حيرته وواساه، وبدّد احساسه بالغربة.
قال له: نحن أهلك فلا تخشى ولا تحمل هماً، الليل يزحف بظلمته تعال معي للبيت وانشاء الله نعثر عليها عاجلاً أم آجلاً.
في صباح اليوم التالي، بعد الفطور حزم أمره للسفر الى (كربلاء) المحطة الأولى في البحث عن أمه، وعن طريق إدارة مختاري المحلات، وصل الى دار أمه بشق الأنفس. أخيراً وجدها .. بكى عند قدميها .. احتضنته وزغردت ورقصت قائلة:
قصة قصيرة من المجموعة القصصية (للنساء حكايات) تحت الطبع الآن.