في سلسلة مراجعاتنا لبعض مفاهيم الشعرية العربية والمصلحات المرتبطة بها وتحولاتها الدلالية والإجرائية، نقف هنا عند (الخيال) بكونه أحد أعمدة البنية الشعرية، ومن أكثرها تلازما في وجهَيْ الكتابة الشعرية: الرؤية والنص. فمن الرؤية التي تسبق بالضرورة كل ملفوظ، تتولد تمثلات الخيال وتمثيلاته النصية في صور متعددة ومتنوعة. لا يمكننا بداهة أن ننزع الخيال من عملية التأليف في الكتابة الشعرية أيّا كان شكلها قديمة أو حديثة. ومن هذه القناعة نرفض ما تداوله المستشرقون الأوائل حول فقر الخيال أو محدوديته في الشعر العربي الكلاسيكي. والأدلة النصية تعضد رفضنا لذلك الحكم المتعجل، الذي لا ينفك عن نيات كثيرة لتصغير التراث الشعري، وربطه بالعقلية العربية التي توصَف نمطياً في أدبيات المستشرقين بالوصف ذاته: محدودة وتفتقر إلى التجسيد والتبلور، ومحكومة بواقع الحياة، لا بما يمكن توقعه أو رؤيته وراءها.
ويذهب فريق منهم إلى ربط القصائد التي وصلت من الشعر القديم بكونها تمثيلاً واقعياً، أو وصفاً مباشراً للطبيعة البدوية وللحياة البدائية التي عاشها العربي في الصحراء، وألمَّ بما فيها من حيوانات ومفازات ومصاعب. ولا يوجد فيها بحسب ذلك التقويم ما يعزز طاقة الخيال وانعكاسها لفظياً وصورياً. فكأن ذِكر الأمكنة والمواضع التي ارتبطت عاطفياً بوجدان شعراء تلك الفترة ليست سوى تكريس أو حشد للمسميات المفرغة من الدلالات، والمعززة بجوانب التمثيل الخيالي وعناصره التصويرية.
إن المعلقات وقصائد الشعراء ما قبل الإسلام مثلاً، تقدم نماذج لتوظيف الخيال الشعري بصور متنوعة، يمكن أن نعدّها فنياً من أكثر تصنيفات الخيال حسيّة وتجسيداً. وهذا ما أسهمت الدراسات البنيوية للشعر القديم بكشفه وتأكيده، حيث المهم في التحليل مدى الإجادة في تركيب عناصر البنية النصية، وما تضمنته من صور وإيقاعات ودلالات وتراكيب. كما في وصف امرئ القيس مثلاً لحصانه بتلك الأوصاف التشكيلية التي تمتزج فيها صور عدة من الحركة والسرعة، وانعكاسها على الصورة البصرية لسرعة الحصان وقوته واندفاع جريانه الجارف الذي جعل الصور تتداعى في الشطر الثاني من البيت، حيث شبهه بجلمود صخر يماثله في القوة، لكن عنصراً طبيعيا آخر أنقذ الوصف من الرتابة والمباشرة، فكان ما يدفع تلك الكتلة الصخرية الممثّل بها جري الحصان وسرعته، هو السيل الذي يحضر منهياً تشكيل تلك الصورة المركبة للحصان.
وقد حاولتُ في محاضرة لطلبة الفنون الجميلة في تحليل النصوص أن أستحثهم لرسم لوحةٍ استطراداً وامتداداً من لوحة امرئ القيس الشعرية، فكان ذلك صعباً عليهم بسبب التركيب الخيالي الذي استحضره الشاعر لتقريب صورة السرعة والقوة، مخترقاً قوانين الطبيعة التي تقتضي رؤية الشيء وهو في سرعة مناسبة. ثم تتشوش الرؤية عند وصول السرعة لدرجة يتلاشى أو يصغر في الرؤية البصرية ذلك المرئي المراد القبض على هيئته. فكيف يكون الحصان مقبِلاً ومدبراً، هاجماً بإقبال ومنسحباً بإدبار في اللحظة البصرية ذاتها؟
ومثله أبياته في الليل الطويل المليء بالهموم، منعكساً في مخيلة من يعاني، حيث انتزعه من تراتبه الطبيعي أو الزمني كوقت يعقب النهار أو يمهد لظهوره، ومزج أكثر من صورة لتجسيده ورسمه. فهو مثل موج البحر، ومثل بعير جاثم بثقله على الصدر، ثم يختم بتصويره كطرف حوار يناديه لينجلي عن صبح، لا يرى فيه ما هو أفضل من وطأة ذلك الليل.
ومن المؤسف حقاً أن تجد أحكام المستشرقين صداها في ما كتبه شاعر كأبي القاسم الشابي في محاضرته عام 1929، وانتهى إلى أن العرب أمة بلا خيال. مكرراً اتهام الشعراء القدامى بأن خيالهم الشعري مادي (لا سمو فيه ولا إلهام وأغلبه لفظي وصناعي). فهل العرب أمة بلا خيال؟ يجيب الشابي بالتعميم المفتقر للأدلة: «كل ما أنتجه الذهن العربي في مختلف عصوره، قد كان على وتيرة واحدة ليس له من الخيال الشعري حظ ولا نصيب. وأن الروح السائدة في ذلك هي النظرة القصيرة الساذجة التي لا تنفذ إلى جواهر الأشياء وصميم الحقائق».
ومستنداته التي تمت مناقشتها مطولا، مرجعها الأساسي هو المقارنة بين ما هو طبيعي وبيئي (الصحراء) والتي نسب لها الجدب كحقيقة معروفة، و(الخيال) الذي رأى فيه ميزة الخصب. وهي مقارنة غير عادلة ولا تستقيم منطقيا بين ما هو مادي وما هو روح. كما تختلط في تعليلاته الجوانب الاجتماعية والنقدية بشكل مرتجل كتفسير الإيجاز لدى العرب بأنه متأت من أنهم لا صبر لهم على الإطالة، فمالوا إلى الإيجاز. متناسياَ واقع الشفاهية المتحكمة في التفوّهات الأدبية، وصعوبة تدوينها وطبيعة الخطاب دون تدوين ودون تلق قرائي حيث كانت الشفاهية تحكم العمليتين.
ولم يقدم الشابي تعريفا مناسبا للخيال يمكن أن نعده مهاداً لرؤية واضحة، وهو الشاعر الذي يأتي للنقد من تلك الملَكة التي يراها ضرورية في الشعر، فيرِد تهويم لفظي رومانسي غير متعين كتعريف وتقريب لمفهوم الخيال، بأنه فانوس الحياة السحري الذي لا تسلك مسالكها بدونه، وقوله معرّفا بمنهجه: «أريد أن أبحث في الخيال عند العرب من ذلك الجانب الذي تتدفق فيه أمواج الزمن بعزم وشدة. وتنهزم فيه رياح الوجود المتناوحة مجلجلة داوية جامحة، وتتعاقب عليه ظلمات الكون وأضواؤه وإصباح الحياة وإمساؤها».
أما الخيال في الحداثة الشعرية فله موضع مهم، انعقدت عليه نظريات السرياليين وتجسدت في نصوصهم. وإن كان بعضها مفرطاً ومفتقراً للترابط، نظراً لتحكم الإحساس باللاجدوى، وتسفيه الواقع، والرغبة المتناهية في مخالفته. لكن موضع الخيال ضروري في قراءة أشعار السرياليين، وكأنهم بذلك يحررون الخيال من سطوة الرومانسيين الذين أغرقوه بميوعة صورية وابتذال عاطفي، كما يردّون به على النزعة العقلية التي تريد الشعر مكمَناً للفكر والتعقل، وترهنه بالحقيقة. رغم أن بعض الفلاسفة لم يرتضوا الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال.
يقول جلال الدين الرومي «ليس في العالم خيال دون حقيقة» ويرى ابن عربي أن الخيال هو معيار المعرفة. ولعله بذلك يقلب المعادلة الأخرى التي ترى أنه لا حقيقة أو معرفة بدون خيال، ومن الأدلة أن كل مخترعات الإنسان وتوصلاته العلمية والفكرية بدأت بالخيالي المتصوَّر في عالم قادم أو متوقَّع غير متعين. ومنها حلم الطيران على سبيل المثال، فهو من صنع خيال الإنسان في آداب الحضارات القديمة وأساطيرها التي صورت الإنسان باحثاً عما وراء الأبعاد المرئية والمدرَكة بالعقل. ومنها واقعة طيران الطيور وتحليقها البعيد، التي راقبها الإنسان واختار محاكاتها بخياله.
وسردت الأساطير كثيراً من الوقائع التي يخترق فيها الإنسان والحيوان أحياناً، حدود الواقع والفضاء القريب، ليصعد علوّاً بفضول المعرفة وتعضيد الخيال. وربما هذا هو ما دفع أينشتاين للإقرار بأن الخيال أهم من المعرفة. ومن توسيعات الخيال وتنوع طاقته وما يولِّده من رؤى، انتبه المحللون النفسيون إلى أهمية الأحلام كجانب خيالي غير مدرك، وغير خاضع للتنظيم الذهني أو التراتب المنطقي للأشياء كما هي في الوعي قبل النوم. تلك الأحلام ينطلق فيها أحد حصانَيْ العربة وهو اللاوعي ليتحكم في وجهتها، بعيداً عن التوازن والانضباط الذي يفرضه طرف القيادة الآخر، وهو الوعي الذي يسبت ويغيب مفسِحاً لشاشة الأحلام بالاتساع، والتعويض عن مفقودات أو خسائر أو رغبات كبَتها النهار أو الوعي، وسياقاته ومواضعاته.
سوف تتسع دائرة الحلم وتخيلات الحالم وتهيؤاته، ليتولد صنف آخر من الأحلام هو أحلام اليقظة التي تكتظ بالاستيهامات واستحضار الرغبات في حال من الوعي، ولكن بانفلات من رقابته الصارمة، والتمدد في غيبوبة من موجات التخيل العارمة التي تبني تشكلات مخالفة لما في الواقع الذي يرفضه الحالم، مستيقظاً هذه المرة. تقدم الأحلام مادة تعويضية عن مفقود أكبر من المحتوى، وهو الشكل البديل للمفقود. فيحضر الأشخاص والأمكنة والأشياء في هيئات بديلة وأسماء أخرى وأماكن وأزمنة مغايرة. وهذا ما أدركه الشاعر صلاح فائق حين قال: «الأحلام تلفزيون الفقراء» في قصيدته «رحيل». ففي هذا التخيل الحلمي تنبسط شاشة حرة لا يقيدها مبرمج أو مهيمن وتقدم للحالم الذي لا يملك شيئاً ما يعوضه خيالياً عن مفتقدات الواقع وحرماناته وعسره وتراتباته الاجتماعية الضاغطة.
يعترف شعراء الحداثة بما تمثل طاقة الخيال لهم. كما في أبيات فرناندو بيسوا:
«لقد ربتني المخيلة
على يدها تمت دائماً أسفاري
بواسطتها دوماً أحبيتُ وكرهت، تكلمتُ وفكّرتْ».
عن (القدس العربي)