أعلنت "لجنة المرأة العربية" في جامعة الدول العربية "القدس عاصمة للمرأة العربية لعامي 2025 ــ 2026"، كما أعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية، بالتعاون مع وزارتي شؤون المرأة، وشؤون القدس، عن فوز رواية "إيشي"، للروائية الليبية عائشة الأصفر، بجائزة "القدس للمرأة العربية للإبداع الأدبي للرواية العربية"، وبهذه المناسبة نحاور الفائزة.

الأدب حياة تُخلق مع الشخص الشغوف بالخيال

حوار مع الكاتبة الليبية عائشة الأصفر

أوس يـعـقـوب

 

تزامنًا مع "اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية"، الذي يصادف يوم 26 أكتوبر/ تشرين الأوّل من كلّ عام، وإعلان "لجنة المرأة العربية" في جامعة الدول العربية "القدس عاصمة للمرأة العربية لعامي 2025 ــ 2026" خلال الدورة الـ(44) للجنة، أعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية، بالتعاون مع وزارتي شؤون المرأة، وشؤون القدس، عن فوز رواية "إيشي"، للروائية الليبية عائشة الأصفر، بجائزة "القدس للمرأة العربية للإبداع الأدبي للرواية العربية"، وقيمتها المالية عشرون ألف دولار، والتي تبرعت بها الفائزة لصالح الشعب الفلسطيني. الأصفر من مواليد عام 1956 في مدينة سبها (جنوب غرب ليبيا)، وهي خريجة قسم الفلسفة في جامعة قاريونس ببنغازي عام 1978، نشأت وتقيم في سبها، ودرست في مدارسها حتّى الشهادة الثانوية 1974م. واشتغلت بالتعليم.

تُعَدّ ضيفتنا إحدى الرائدات الليبيات في مجال الطيران المدني، حيث سجلت حضورها كأوّل امرأة ليبية تقود طائرة في نادي سبها للطيران، في 10 يناير/ كانون الثاني 1974، كما نالت رخصة طيار خاصّ في يونيو/ حزيران من العام ذاته، وكانت على رأس سرب الاستعراض خلال افتتاح مطار طرابلس عام 1974، لتحصل حينها على استحقاق وسام الريادة في الطيران المدني. قُلدت الأصفر عام 2020 "درع الدولة للتميّز والإبداع" من قِبل وزارة الثقافة الليبية. وتكريمًا لمسيرتها الإنسانية والأدبية، أصدرت الوزارة في النصف الأوّل من العام المنصرم كتابًا بعنوان "رائدة من الجنوب"، أعدّه الباحث والكاتب الليبي الراحل، علي محمد بوقصة، الذي سلّط الضوء على تجربة الأصفر في مجال الطيران، والتحدّيات التي واجهتها في مسيرة تُعَدّ الأولى من نوعها للمرأة الليبية. كما تناول الكتاب (56 صفحة) "رحلة كفاح استثنائية لأديبة مبدعة تميّزت بإنتاجها الأدبي والثقافي والفكري".
أصدرت عائشة الأصفر ست روايات هي: "اللي قتل الكلب" (2007)، و"خريجات قاريونس" (2007)، و"اغتصاب محظية" (2012)، و"النصّ الناقص" (2017)، و"علاقة حرجة" (2019)، و"إيشي" (2023). في هذا الحوار، نتحدث مع عائشة الأصفر عن روايتها "إيشي" الفائزة بجائزة "القدس للمرأة العربية للإبداع الأدبي للرواية العربية"، التي تنحاز إلى الهمّ الإنساني في تجلّياته الأكثر هشاشة، من خلال تناولها قضايا الإنسان المهمّش، وتجارب النزوح والتهجير، والبحث القلق عن الهوية في مجتمعات الظلّ. كما يتطرّق الحوار إلى خصوصية تجربتها الأدبية في المشهد السردي الليبي، وإلى الحضور اللافت للرواية الليبية على الصعيدين العربي والعالمي في العقد الأخير.

(*) أبدأ حواري معكِ، بسؤالك: كيف تحبّ الروائية عائشة الأصفر تقديم نفسها إلى القرّاء؟
لأنّ الإنسان يحمل كلّ متناقضات الحياة، يصعب عليه اختصار نفسه في كلمات. أقول عني: إنسانة بسيطة، ثقافتي شعبية، أقدّس كلّ التراب من نجد إلى فاس، الحياة عندي نسبية، أبرّر للآخر رؤيته وإن خالفتها، عاطفية، لم أجرب القهر ولا الحرمان، لكنّي أعيشه كلّ لحظة مع البؤساء والمسحوقين، يرهقني وطن مستباح حدّ العار، حدّ الاستسلام... أمنيتي أن أراه شامخًا.

(*) نِلتِ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي "جائزة القدس للمرأة العربية للإبداع الأدبي في الرواية العربية المنشورة" لعام 2025. كيف استقبلتِ الخبر؟ وما البعد الرمزي لهذا الفوز، ولتبرعك بقيمة الجائزة للشعب الفلسطيني؟
فلسطين كانت وستبقى قبل الجوائز، وقبل الدولار، وفوق كلّ الحسابات. عندما بشرتني منسقة الجائزة قائلة: "مبارك... فزتِ بالجائزة"... هتفتُ: "البشرى لفلسطين ... البشرى لفلسطين"، وعندما زادتْ: "وقيمتها عشرون ألف دولار"، كان ردّي عليها: "نحن نخجل أن نأخذ من فلسطين، نحن نقدّم لفلسطين".
ويبقى هذا الفوز في نظري مختلفًا على جميع الأصعدة، فهو أوّل وصول لروائية ليبية لقمّة جائزة (تنافسية) للرواية المنشورة، بعد أن مهدت روائيات ليبيات بنيل جوائز، سواء كانت جوائز تقديرية، أو تكريمية تمنح على مجمل الأعمال، أو حصولهنّ على تراتيب في القوائم القصيرة والطويلة للجوائز، فجاءت "إيشي" بسبق التتويج، وفوق كلّ ذلك أنّ الفوز حظي بإجماع لجنة التحكيم في منافسة قوية ضمن مائة وثمان وتسعون رواية لروائيات قديرات من مختلف الدول العربية. وقبل هذا، أن تقام الجائزة على أرض فلسطين فهو أكبر توسيم للبعد الرمزي لهذا الفوز.

(*) ما الذي تمنحه الجوائز الأدبية للكاتب/ة غير المكافآت المالية؟ وما الذي تضيفه هذه الجائزة لك، وللرصيد الأدبي الليبي؟
مع الأسف، أغلب المهتمّين بالإبداع لا تشدهم إلّا النصوص الفائزة بجوائز، وكأنّ الفوز هو ختم جودة عبور للعمل الإبداعي، لكن علينا أن نعترف أنّ الجوائز رغم ما يشاع عنها فهي ظاهرة صحية، وتقدّم للساحة الأدبية النصوص المميّزة. وكان لحضور الأدب الليبي فيها فرصة للتعريف به، وكان جسر تواصل مع القارئ من خارج حدود جغرافيته.

(*) تنحاز روايتك "إيشي" إلى الهمّ الإنساني في تجلّياته الأكثر هشاشة، من خلال تناولها قضايا الإنسان المهمّش. وهي بذلك تشترك مع رواياتك الخمس السابقة بالرغم من أنّ لكلّ رواية عالمها المختلف عن الآخر، في التعبير عن واقع الحياة الليبية وتشابكاتها وتحوّلاتها وفي القلب منها المرأة. فما هي دلالات انحيازك للمهمّشين، لا سيما في مجتمع الجنوب الليبي؟ ومن قبل، ما هو العالم الذي يأخذنا إليه نصّ رواية "إيشي"؟
المجتمعات البشرية تتشابه في ثوابتها الإنسانية وأسباب معاناتها وعوامل استقرارها، و"إيشي" نموذج محلّي لواقع عالمي مقلق. رواياتي استحضرت أغلب المدن الليبية، ولم تقتصر على الجنوب. تنطلق الشخوص من مكان، لتتجدّد في آخر، الجنوب في "إيشي" فقط بؤرة تمدّد في كلّ ليبيا وخارجها، بشخوص متحوّرة تنشطر وتتناسل بالهمّ نفسه، وبالمعاناة والتشظّي.
"إيشي" الشخصية المنفصمة التائهة الباحثة عن ذاتها، وعن هويتها، "إيشي" فراغ الدولة والفكر، الخوف والانفلات، هي التغيير الديموغرافي بمدن الجنوب القصية، وتبعات زلزال ما يسمّى بالربيع العربي والفوضى الخلاقة.

(*) مُنحتِ عام 1974 وسام الدولة (الفاتح) للريادة في مجال الطيران كأوّل امرأة تقود الطائرة في ليبيا. وهنا يحضرني السؤال التالي: ما الذي قادك من عالم الطيران إلى عوالم الأدب والكتابة؟
في رأيي، الأدب حياة تُخلق مع الشخص الشغوف بالخيال، وبالعالم الموازي للواقع. ولأنّه كذلك، فهو حياة متأصلة فيه. هنا، الأدب سابق ومؤثّر لأي مسارات أخرى يعتمدها المبدع في حياته العملية، وقد لا تكون ذات علاقة. فتجد المبدع مهندسًا، أو طبيبًا، وقد يكون ميكانيكيًا، أو حتّى عسكريًا، يربط بين كلّ ذلك خيط قوي هو الإبداع. أمّا الطيران فمثّل لي مرحلة مبكرة وقصيرة شُغلتُ عنه بمواصلة دراستي الجامعية التي تزامنت معه في عام 1974، لكنه يبقى تجربة مؤثّرة ومميّزة في حياتي، وصفحة مضيئة ومهمّة في تاريخ المرأة الليبية.

(*) من أين تأتي الحاجة إلى الكتابة؟ ما الدوافع العميقة إلى ذلك؟ وما الذي تريدينه شخصيًا من الكتابة؟
هنا يحضرني سؤال حفيدتي (لماذا تكتبين؟). وشوشتها: (ربّما لأنّي لا أجيد الكلام)، فعلًا ربّما في الكتابة متّسع للتعبير عمّا يربك اللسان، أو هي براح خاصّ مملوك لك تشكّل فيه أفكارك، وترسم داخله عالمك المراد بطواعية، فتقذف فيه ضغطك الداخلي. الكتابة حالة فردية خاصّة، بالنسبة لي حالة تطهير ومقاومة ذاتية للتكيف مع بشاعة العالم بتعرّية تفاصيله الخرساء المكبوتة في صمتها.

(*) ما الذي تضعينه في حسبانك حين تُقدّمين على كتابة رواية جديدة؟
الصدق ثمّ الصدق... والانحياز للإنسان، فهو القيمة الحقيقية للحياة، تقتحمني شخصيات من الشارع، تنام وتصحو معي، شخصيات تقدّم نفسها لي كما هي بلا خجل.

(*) في تقديرك، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الرواية في خدمة قضايانا المصيرية؟ وهل بوسع الوقائع الروائية أن تغيّر الوقائع الميدانية القاتمة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية؟
مهمّة الرواية ليست تغيير الواقع، لكنّها تحرض عليه بطريقتها. في دول العالم، حيث القراءة ثقافة سائدة، نجحت الرواية في التأثير على توجيه الوعي الجمعي للقضايا الساخنة، وهذا ما لا نجده في مجتمعاتنا العربية وسط انشغال المواطن بين رجال الأمن، ورجال الدين، وسطوة الأخلاق، ورعب الميليشيات، وطوابير الغاز والسيولة، والبحث عن جحر آمن يرقد فيه مطمئنًا.

(*) بعد ست روايات، هل ترين أنّ النقد تناول جميع جوانب تجربتك الأدبية، أو أنّه حتّى الآن ثمّة زوايا وطاقات كامنة فيه لم يقرأها أحد من النقّاد بعد؟
بداية، لا يوجد لديّ هوس الانجذاب النقدي لنصوصي من قِبل النقّاد، ويسعدني أن تحظى تجربتي الروائية على خفوتها باهتمام المختصّين داخل وخارج ليبيا، ممتنة لمن حازت رواياتي انتباهه، وأجد العذر لمن أعرض، أو غفل عنها، فلكلّ ذائقته، والبحث الإبداعي في النصوص يعد من صميم عمل النقّاد، وعليهم مواكبة النتاج الأدبي. أمّا الروائي فمهمّته تنتهي مع آخر جملة ختم بها روايته. نعم، تبقى جوانب وزوايا كامنة في أي نصّ. وحسب رأيي، لا يمكن لدراسة واحدة، أو عدد من القراءات، الإحاطة بكلّ زوايا العمل الإبداعي، فالنصّ الإبداعي براح مفتوح، ودائمًا، وعند كلّ قراءة، هنالك (اكتشاف جديد) لدهاليزه وخطوطه، وهذه خاصية النقد الحقيقي.

(*) سبق فوزك بـ"جائزة القدس"، فوز الروائية نجوى بن شتوان عام 2023 بـ"جائزة جون فانتي للإنجاز مدى الحياة"، عن مجمل أعمالها الأدبية والإبداعية. ونال الروائي محمد النعاس "جائزة البوكر" عام 2022، وحاز الروائي هشام مطر على جوائز أدبية عالمية عدة. هذا عدا بروز اسمي إبراهيم الكوني، وأحمد إبراهيم الفقيه. لكن يظلّ المشهد السردي الليبي الحديث مغيبًا عربيًا، رغم القفزة النوعية والمتميّزة التي حقّقها في العقد الأخير، من حيث عدد الكتّاب والروايات المنشورة! وهو ما يدفعني لسؤالك: ما تفسيرك لهذا التغييب، وما هي أسبابه؟ وكيف السبيل لكسر جدار العزلة إن صح التعبير؟
هذا يعني أنّ الرواية الليبية حاضرة رسميًا في الأوساط الأدبية، وغائبة شعبيًا على مستوى القرّاء. أرى هذه العزلة تنطبق على أغلب البلاد العربية. بدورنا، لا نعرف من كلّ بلد إلّا اسمين، أو ثلاثة، وهذا في الأغلب، وعند الجميع، يعود سلبًا وإيجابًا للإعلام، وللتوزيع، ولهمّة دور النشر، ولغياب الدعم الحكومي للمكتبات وللمناشط الثقافية، وأحيانًا لعلاقات الروائي نفسه، والحلّ يكون بتأمين كلّ ذلك، ثمّ لا نستغرب الجهل بالمبدع خارج بلده إذا كانت هذه معضلة محلّية أيضًا! نحن ــ حديثًا ــ لا نعرف كلّ مبدعينا في الداخل، وأظن أن باقي العرب مثلنا.

(*) أخيرًا، ما هو جَديدُك الطازج على صعيد الكتابة الإبداعية؟
الرواية فكرة، وعندي لم تهدأ بعد، لم تستقرّ، تتمدّد الفكرة أوّلًا، تستحوذ على كلّ شيء في داخلي. حينها نقول: ثمّة رواية في الطريق.

 

عن (ضفة ثالثة)