هناك عروض مسرحية تُشاهَد ثم تُنسى، وهناك عروض أخرى، ما إن يُسدل ستارها، حتى يبدأ حضورها الحقيقي في الذاكرة. «يا أهل الأمانة» من تلك العروض النادرة التي لا تكتفي بأن تُقدم على خشبة المسرح، بل تتسلل إلى الوجدان كما لو أنها كانت تنتظرنا منذ زمن، لتوقظ فينا شيئًا قديمًا، صوت الوطن حين يمر من حنجرة شاعر، وروح الشعب حين تتحول إلى إيقاع، والقصيدة حين تخلع عنها الورق وتسير بين الناس، وفي الليلة قبل الأخيرة للعرض، وبحضور الفنان محمد رياض، خرجتُ من العرض لا يشغلني سؤال فني واحد بقدر ما كان يطاردني سؤال مؤلم وبديهي في آن لماذا هذه الأيام الأخيرة؟ لماذا يُرفع عرض كهذا بهذه السرعة؟ ولماذا لا يُمد له؟ بل الأهم لماذا لا يتجول في محافظات مصر كلها تحت راية مشروع التجوال؟ أليس هذا تحديدًا هو نوع العروض الذي يجب أن يخرج من حدود القاهرة، ليصل إلى الجامعات، والقصور الثقافية، والمسارح الإقليمية، والساحات التي ما زالت تعرف معنى أن يُقال الشعر بصوت يشبه الناس؟
منذ اللحظة الأولى، ينجح المخرج أحمد إسماعيل في أن يضعنا أمام حقيقة أساسية هذا ليس عرضًا عن قصائد فؤاد حداد، بل عرض عن فؤاد حداد نفسه عن روحه، ووعيه، وطرقه المدهشة في مصالحة المقدس باليومي، والحلم بالشارع، والوطن بالمائدة، والمحبوب بالمسحراتي، الفضل في ذلك يعود أيضًا إلى الإعداد البارع للراحل محمد رزق، الذي لم يتعامل مع أشعار حداد بوصفها مختارات متناثرة، بل بوصفها نسيجًا داخليًا واحدًا، له نبض واحد وسر واحد. ورغم اختلاف موضوعات القصائد، يشعر المشاهد أن الخيط الأكبر الذي يجمعها هو الإنسان الحدادي نفسه. ذلك الشاعر الذي كان يعرف كيف يكون في القصيدة الشيخ والمريد، العاشق والزاهد، ابن الحارة وابن التاريخ، المسحراتي الذي يوقظ الناس للسحور وللوطن أيضًا. هنا لا تسمع الشعر كجمال لغوي فقط، بل ككائن حي. قصائد حداد لا تُلقى من على خشبة المسرح، بل تتنفس، تدخل وتخرج من الممثلين، من المنشدين، من الموسيقى، من الضوء، من حركة الأجساد، حتى يصبح العرض كله كأنه ديوان مفتوح على الخشبة.
واحدة من أعظم فضائل هذا العرض أنه لا يرفع شعار المسرح الشعبي بوصفه لافتة، بل يحققه بوصفه ممارسة حقيقية، فـ أحمد إسماعيل لا يقدم عرضًا عن الشعب، بل عرضًا من داخل روحه منذ المشهد الأول، تلمح السهولة، لكنها ليست سهولة الفقر، بل سهولة الخبير. كل شيء يبدو بسيطًا، لكنه مصنوع بدقة شديدة لا ديكورات متعالية، لا افتعال بصري، لا استعراض مجاني. هناك وعي كامل بأن جوهر هذا العرض ليس الزخرفة، بل الحالة. وهذه الحالة يصنعها أحمد إسماعيل عبر فهمه العميق لفكرة الحكي، بوصفها جوهرًا للمسرح الشعبي المصري. الممثل هنا ليس مجرد منفذ لدور مكتوب، بل راوٍ ومغنً وشاهد وشخصية في الوقت نفسه. الأدوار تتبدل، الأصوات تتجاور، والوجوه تحمل أكثر من زمن وأكثر من معنى. فتشعر أن العرض لا يسير في خط مستقيم، بل يتحرك كجلسة سمر مصرية قديمة، أو كحضرة رمضانية تمتزج فيها الحكاية بالإنشاد بالوجع الوطني.
وهنا بالضبط تكمن عبقرية أحمد إسماعيل أنه لا يفرض الشعبية على العمل بفظاظة، بل يجعلها تتسلل إليك. لا يقول لك هذا مسرح شعبي بل يجعلك تشعر أنك داخل حي مصري، بين ناس يعرفون كيف يضحكون، وكيف يوجعونك، وكيف يمررون الحكمة في نكتة، والوطن في موال، وفلسطين الحاضر الغائب الذي كان حاضرًا أكثر من الجميع. من أجمل ما فعله العرض أنه لم يتعامل مع فلسطين بوصفها قضية تُذكر، بل بوصفها وجدانًا يُرى. فلسطين هنا لم تكن جملة خطابية، ولا استعراضًا مباشرًا، بل كانت موجودة في النسيج البصري والروحي كله. في الشال الأخضر، في الجلباب الأبيض، في الأسود الممتد وعباءة الحكاء، في الأحمر المتوهج في المقعد والثوب المطرز. كانت الألوان تتجاور لا لتصنع مجرد لوحة جميلة، بل لتخلق تركيبًا دلاليًا كاملًا، وكأن العرض يقول إن فلسطين ليست بعيدة عن مصر، بل تسكنها، وتنعكس فيها، وتظهر في شوارعها وأحيائها وذاكرتها.
هذا الوعي البصري الدقيق يُحسب بامتياز للمصممة مي كمال، التي لم تكتف بتجميل الفضاء المسرحي، بل شاركت في صناعة معناه. فالسينوغرافيا هنا ليست خلفية، بل جزء من النص والألوان ليست زينة، بل موقف ومع اقتراب الختام، حين تتكثف الإحالة إلى القدس، لا يعود الأمر مجرد رمز، تصبح فلسطين في القلب، لا في الخلفية. وتدرك أن العرض لم يكن يستدعيها من باب التضامن، بل من باب القرابة الوجدانية؛ كأننا نراها هناك لأنها تعيش فينا هنا. مفيد عاشور ويوسف إسماعيل ورحاب رسمي حين يتفوق الصوت على الزينة. لأن قوام العرض الأساسي هو الشعر، كان الرهان الأكبر على الأداء والشعر على المسرح سلاح ذو حدين. إما أن يرتفع بالعرض إلى مرتبة نادرة من السمو، أو يفضحه تمامًا إذا خانته الأصوات.
لكن «يا أهل الأمانة» انتصر في هذا الرهان منذ اللحظة الأولى الفنان مفيد عاشور يقف على الخشبة بصوتٍ لا يبدو وكأنه يصدر من ممثل فقط، بل من ذاكرة كاملة. صوته الأجش ليس مجرد خامة، بل تاريخ فيه خشونة الناس، ودفء الحكاية، ووقار العمر، وصدق لا يُصطنع. هو من أولئك القلائل الذين لا يلقون الشعر، بل يُجلسونه إلى جوارك إلى جواره، يجيء يوسف إسماعيل بخامة مختلفة، ذات طابع خاص واضح، تمنح الجملة بعدًا آخر. صلابة ممزوجة بنبرة تأملية، فتتوزع النصوص بينهما بذكاء شديد من المخرج، بحيث تبدو كل جملة وكأنها اختارت حنجرتها بنفسها. أما رحاب رسمي، فتمنح العرض حضورًا أنثويًا شديد الوعي، لا كعنصر مكمل، بل كجزء أساسي من الحالة الشعرية والدرامية. هي لا تشارك في الإلقاء، بل تفتح مسارًا ثالثًا للمعنى، مسارًا أكثر نعومة أحيانًا، وأكثر وخزًا أحيانًا أخرى، والأجمل أن الثلاثة لا يقدمون أداءات منفصلة، بل يدخلون في ما يشبه المباراة المسرحية الرفيعة مناغشات، ارتجالات محسوبة، ردات فعل حية، تلك التي تذكرنا بأفضل ما في ممثلينا الشعبيين، حين يلتقطون نبض الجمهور ويحولونه إلى جزء من المشهد. أما نهى حافظ ومصطفى سامي الغناء هنا ليس فاصلاً، بل قلب العرض.
في عرض كهذا، كان يمكن للموسيقى والغناء أن يتحولا إلى فواصل بين المقاطع لكن ما يحدث هنا مختلف تمامًا نهى حافظ ومصطفى سامي لا يقدمان أغنيات بين القصائد، بل يشاركان في استكمال القصيدة نفسها بوسيلة أخرى، صوتاهما لا يزينان العرض، بل يحملان جزءًا من روحه هناك تمكن هادئ، حضور واثق، وإدراك حقيقي لطبيعة النص الذي بين أيديهما والغناء، سواء أكان فرديًا أو جماعيًا، لا يأتي ليكسر الإيقاع، بل ليؤكده. كل موال، كل إنشاد، كل جملة غنائية تبدو كأنها جسر بين مقطع ومقطع، بين حالة وحالة، بين الحارة والوطن، بين المسحراتي والقدس.
إذا كان العرض كله يقوم على فكرة الحالة الجماعية، فإن الموسيقى هي الروح التي تنظم هذه الجماعة وهنا لا يمكن إلا أن نقف احترامًا أمام تجربة شهاب عزت، الذي لم يكتفِ بقيادة الفرقة الموسيقية، بل بدا وكأنه يكمل وصية فنية. شيء من الصدق النادر. ألحان تعرف قيمة الكلمة، ولا تتعامل مع الشعر كذريعة للتطريب، بل كجوهر يجب أن يُصان. وجاءت توزيعات شهاب لتمنح هذه الألحان حياة جديدة، أكثر اتساعًا، وأكثر جلالًا، دون أن تفقد بساطتها الأصلية. جلوس الفرقة الموسيقية في المستوى الأعلى، كأن الموسيقى هنا تُشرف على العرض، لا بوصفها سلطة، بل بوصفها ضميرًا. هي التي تقود الانتقالات، تضبط الإيقاع، تمهد للمشاهد، وتمنح كل قصيدة نَفَسها الخاص قبل أن تسلمها لما بعدها. النتيجة؟ لا فجوات، لا ترهل، لا شعور بأننا ننتقل من مشهد إلى آخر. بل حالة انسيابية نادرة، كأن العرض كله نَفَس واحد طويل.
من أجمل ما في «يا أهل الأمانة» أنه يثبت أن العرض الكبير لا يحتاج دائمًا إلى إنتاج ضخم، بل إلى خيال ذكي، السينوغرافيا هنا لا تستعرض نفسها، لكنها تعمل طوال الوقت. المستويات المتعددة على الخشبة الفرقة الموسيقية في الأعلى، الكورال في المنتصف، الممثلون في مساحة الفعل خلقت بنية بصرية واضحة، تمنح كل عنصر مكانه، وفي الوقت نفسه تضمن التفاعل بين الجميع. هذه البنية جعلت الخشبة أقرب إلى مجتمع صغير، هناك من يحكي، ومن يغني، ومن يعلق، ومن يعزف، ومن يشهد، ومن يوقظ الآخرين، وكلهم داخل الدائرة نفسها. هذا هو المسرح الشعبي حين يُفهم جيدًا! ليس كثرة ديكور، ولا فقر إمكانيات، بل ذكاء في استخدام البساطة.
من الظلم أن نختصر «يا أهل الأمانة» في كونه عرضًا شعريًا هو أكبر من ذلك بكثير إنه عرض عن فؤاد حداد، نعم وعن الشعر، بالتأكيد؛ لكنّه أيضًا عرض عن مصر عن شوارعها، ولهجتها، وذاكرتها، ووجدانها الشعبي، وعلاقتها بالوطن حين يكون الوطن خبزًا وموالًا وسحورًا وقدسًا وعرقًا وابتسامة. إنه عرض يربط بين الفن والجمهور من جديد، دون تنظير يجعل القصيدة مفهومة بلا تبسيط، وعميقة بلا تعالٍ، ووطنية بلا خطابة. ولهذا بالذات، فإن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في جودته الفنية، بل في ضرورته الثقافية مثل هذه الأعمال لا ينبغي أن تُرفع سريعًا، ولا ينبغي أن تبقى حبيسة المسرح القومي وحده.
بل يجب أن تتحول إلى مشروع تجوال حقيقي، يذهب إلى المحافظات، إلى الجامعات، إلى البيوت التي ما زالت تؤمن أن الفن يمكن أن يربي الذوق، ويوقظ الوعي ويعيد للناس ثقتهم بأن الجمال ما زال ممكنًا.
وهنا نعود إلى السؤال الذي يوجع أكثر مما يُحير لماذا هي الأيام الأخيرة؟ لماذا يُختصر عمر عرض كهذا في بضعة ليال؟ لماذا لا يُمد له؟ ولماذا لا يُعاد تقديمه مرات ومرات؟ خصوصًا وهو عرض لا يعتمد على تعقيد تقني مرهق، ولا يحتاج إلى إمكانيات مستحيلة، بل يقوم على ما هو أثمن من ذلك كله الكلمة الصادقة، الأداء المتمكن، والرؤية النبيلة. «يا أهل الأمانة» ليس رفاهية مسرحية، بل نموذج لما يجب أن يكون عليه المسرح حين يتصالح مع نفسه. حين يخرج من الناس ويعود إليهم. هذا العرض يجب ألا يُرفع بل يجب أن يُحمَل على الأكتاف. «يا أهل الأمانة» ليس مجرد عرض ناجح، بل تجربة فنية كاملة،
قصيدة طويلة تمشي على الخشبة، ومسحراتي يوقظ فينا شيئًا أكبر من الجوع، ووطنٌ يعبر من بين الألحان، وفلسطين تتخفى في الألوان، وشاعر يعود من الغياب ليذكرنا أن الكلمة حين تخرج من قلب الشعب لا تموت. تحية مستحقة لكل عناصر هذا العمل: المخرج الكبير أحمد إسماعيل الذي قدم درسًا جديدًا في معنى المسرح الشعبي الحقيقي، محمد رزق الذي صاغ من أشعار حداد نسيجًا حيًا، مفيد عاشور ويوسف إسماعيل ورحاب رسمي الذين منحوا الشعر أصواتًا تستحقه، نهى حافظ ومصطفى سامي اللذين حملا الغناء إلى مرتبة المعنى، شهاب عزت الذي قاد الروح الموسيقية بوفاء وموهبة، وكل أفراد الفرقة والكورال الذين صنعوا هذا النبض الجماعي النادر.
رجائي الأخير مدوا العرض، جولوه! خذوه إلى مصر كلها. لأن بعض العروض لا يكفي أن تُشاهَد. بل يجب أن تصل.
نائب رئيس قسم الأدب