يبدو أن الشاعر الكبير الراحل فؤاد حداد قد تمثّل دور الرائي حين كتب قصيدته التي يقول فيها:
أنا الأديب وأبو الأدبا
اسمى بإذن الله خالد
وشعرى مفرود الرقبة
زى الألف
ورقم واحد
والساعة 6 فى العتبة
فقد كتب هذا المقطع على الرغم من صعوبة الأيام التي كان يعيشها، لكنه كان يثق دائمًا في المستقبل، مؤمنًا بأن الإنصاف قادم لا محالة. وهذا بالضبط ما عاشه بعد موته؛ فالقاعدة تقول إن كل شاعر كبير يعيش أكثر بعد موته، حدث هذا مع صلاح عبدالصبور وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وسركون بولص وأنسى الحاج ومحمد الماغوط .. وآخرين امتلكوا تجربة الخلود بعد موتهم، تمامًا كما كتب شكسبير في واحدة من سونيتاته التي ترجمها الشاعر بدر توفيق:
«ما دامت لك أنفاس، سيحيا هذا الشعر، وستحيا فيه حياة أخرى».
هكذا فكرت وأنا بين مقاعد المتفرجين في المسرح القومي بالعتبة أتابع العرض الذى أعده محمد رزق وأخرجه أحمد إسماعيل عن أشعار فؤاد حداد، بل سألت نفسى أكثر من مرة: كيف امتلك فؤاد حداد يقينه بأن «شعره سيبقى مفرود الرقبة ورقم واحد ويُعرض الساعة 9 في العتبة»،
وكيف يستطيع أحمد إسماعيل أن يعثر على كنز في كل مرة يشتغل فيها على فؤاد حداد على امتداد أربعين عامًا وأكثر؟ تذكرت أن أول أمسية شاهدتها لأحمد إسماعيل كانت قبل ثلاثين عامًا مع كورال عمال مطابع روزا اليوسف وهم يغنون شعر فؤاد حداد.
وبخلاف تلك التجربة المذهلة، يمتلك المخرج القدير سجلًا حافلًا بالتجارب المميزة، لعل أشهرها تجربة تأسيس مسرح الجرن، التي كانت محاولة منه لتقديم إجابة عن سؤال الهوية الذى شغل غالبية المسرحيين العرب؛ فمنذ أن تناول توفيق الحكيم هذه الإشكالية في كتابه «قالبنا المسرحى» والسؤال يفرض نفسه، خاصة بعد أن كتب يوسف إدريس «الفرافير».
لم تتوقف المحاولات في العالم العربي كله، لكن تجربة أحمد إسماعيل في مسرح الجرن اكتسبت مكانة فريدة لأنها مستلهمة من فضاء ريفي خالص، غير أن البيروقراطية تكفلت بإجهاضها. وكعادته لم يستسلم أحمد إسماعيل، بل يعود في كل مرة إلى خبيئة فؤاد حداد ويعثر فيها على كنز جديد.
وفى تجربة «أهل الأمانة» ــ وهو عنوان أحد دواوين الشاعر الراحل ــ لم يتمثل الكنز في الأداء الفريد لممثلين كبيرين مثل يوسف إسماعيل أو مفيد عاشور، لأن هذا أمر مفروغ منه، لكنه تجسد في الأصوات الغنائية العذبة والشابة التي نقلت ألحان الفنان الراحل محمد عزت، أحد العارفين الكبار بإرث فؤاد حداد؛ فقد ظل الرجل حتى موته أحد أجمل الغواصين في بحار حداد. وقد أورث عزت نجله شهاب ــ إلى جانب موهبة التلحين ــ موهبة أخرى هي قيادة الأوركسترا والكورال، والقدرة على إدارة حية لأصوات حلوة وعذبة تقف إلى جوار الفنانين نهى حافظ، ورحاب رسمي، ومصطفى سامى.
يثبت عرض «أهل الأمانة» من جديد أن علاقة الشاعر الراحل الكبير مع شهر رمضان المبارك ستظل استثنائية؛ فعلى الرغم من وفاته قبل 41 عامًا، فإن كراماته مع الشهر الكريم لا تنقطع. فقد ارتبط الشاعر في الوجدان العام بتجربة «المسحراتي» التي قدمها مع سيد مكاوي، وهى لا تزال حية لا ينقطع عنا فيضها، ثم جاء «أهل الأمانة» ليؤكد ذلك من جديد. شاهدت العرض رفقة صديقي الباحث الفلسطيني الدكتور محمود بركة، وأبهرته عمارة المسرح وتاريخ تأسيسه قبل أكثر من مائة عام، لكن عندما خرجنا قال لي: «لو استطعت لجئت كل ليلة».
يعبر العرض بما فيه من جمال باذخ عن خياراتنا في لحظة استثنائية تطوقها الحرب، تأتى مليئة بالكثير من التحديات؛ فخيارنا الوحيد لأجل أمننا القومي مرتبط بدعم المقاومة الفلسطينية والحفاظ على ما تبقى من إرث مشترك بين دولنا العربية لمواجهة مخططات التفتيت، مع الإلحاح على شرط الإيمان بالعلم والمعرفة قبل أي شيء آخر. قد تبدو الجرعة الدينية طاغية، لكنها منسجمة مع البعد الصوفي في تجربة الشاعر الراحل، وهى التي تجلت في عمله البارز «الحضرة الذكية» وفى «أهل الأمانة» أيضًا، وبالتالي فهي ليست منفصلة عن اللحظة، رغم ما فيها من حس قومي طاغٍ.
يتوقف الأوبريت أمام اللحظات الحرجة والمضيئة، أو لحظات المقاومة وشد الهمة في تاريخنا، لذلك يستحق أن ترشحه وزارة الثقافة ليقدم في المناسبات الوطنية الكبرى، على الأقل لأنه يحمل شهادة جودة مختومة باسم فؤاد حداد. تحتاج مناسباتنا الوطنية إلى شعر فؤاد حداد القائل:
«أنا طينك يا مصر ومائك
وباكلم نفسى بأسمائك»
نحتاج جميعًا إلى ما فيه من إيمان بهوية مصر التعددية، التي كانت تجربة الشاعر ذاته من أكثر المعبرين عنها، وعن قدرتها على المقاومة والاستمرار، وعن الثقة في المستقبل.
كتب الشاعر:
«يا ذاكرة الشعب المصرى / أنا دايمًا مخلص وجميل
أنا واضح زي الأحلام / مش شرط يقيموا التماثيل».
ومع ذلك فوجئ الجميع بتمثال صممه الفنان أسامة السروي وأهداه لبيت الشعر في احتفال جميل ضم عشاقه الذين يتزايدون، تأكيدًا لما كتبه حين عرف نفسه: «أنا والد الشعراء فؤاد حداد»، وهذا ما أثبتت الأيام أنه التعريف الصحيح.