يكتب القاص والناقد المصري هنا عن هذه المجموعة الشعرية الجديدة ويكشف سمات تخليقها لذات مثقلة بالتجارب، ولنوع جديد من قصيدة جيل التسعينيات العامرة بالصور النابعة من تردي الواقع المصري من حول الشاعر، وازدحام الواقع بالماضي ووطأته، والمكتوبة بلغة بسيطة قريبة من الواقع ومسكونة بالتفاصيل اليومية.

سيرة الذات تحت وطأة الذاكرة

في ديوان «يَحمِلُ سلَّةً مُزدَحمةً بالماضي» للشاعر المصري جرجس شكري

صابـر رشـدي

 

في هذه المجموعة الشعرية «يحمل سلة مزدحمة بالماضي» للشاعر والكاتب المسرحي جرجس شكري، نجد أنفسنا أمام ذاتٍ مثقلةٍ بالتجارب، مثل وعاءٍ ممتلئٍ حدَّ الكثافة والضغط، تحتاج إلى التحرر وتفريغ ما في داخلها، وعرضه علينا على شكل قصائد ونصوص شعرية، تمليها ذاكرة أرادت الانفلات من أسر عبءٍ ما زال حياً ومؤثراً. فالماضي هنا لا يمثل زمناً منتهياً، ولكنه يمثل التجربة الإنسانية التي تُشكِّل المرء، وتسيطر على حاضره، بما يجعل العودة إليه ضرورية عند محاولة ترتيب الذكريات، وتحويله من عنصرٍ منتهٍ، إلى حضورٍ قويٍ وفاعلٍ في تشكيل الوعي. مع الاحتفاظ بالسمات الفنية التي تميز قصيدة جيل التسعينيات التي ينتمي إليها الشاعر، من رفضٍ للقوالب الجاهزة، ومزج الشعر بالسرد أحياناً، والشعور بالاغتراب واللايقين، والعيش على الهامش، وبروز القلق والخسارة كثيمتين لا تكفان عن الحضور في كثيرٍ من النصوص، من خلال قصيدة النثر، التي تشتغل على الذاتي تحديداً، بلغةٍ بسيطة، قريبةٍ من الواقع، ومسكونةٍ بالتفاصيل اليومية.

إننا نراقب إنساناً عادياً، يعبر عن تجاربه الخاصة، شديدة الفردانية، غير معنيٍ بالصوت الجماعي، أو الانحياز للقضايا الكبرى، كأنه يعي ما استقر عليه أبناء جيله من قطيعة مع الأجيال السابقة، بالخروج من الأسلوب المفتعل، العاجز عن التعبير، والانغمار في الخاص والعادي، ومقاربة الأماني المشروعة، عبر الرؤى والأفكار المثالية صعبة التحقيق، حتى لو كانت هناك ضروبٌ من الحزن والكآبة تلقي بظلالها على بعض النصوص. إنها محاولةٌ لإدراك ما يحاول الشعراء عدم التحاور بشأنه مع الآخرين، مشفوعةً بالرغبة في حياةٍ أكثر امتلاءً، وأكثر امتثالاً للتطلعات المشروعة.
يقول جرجس شكري في مقطع من قصيدة «بعد الميلاد»:

«عن رجلٍ

يحملُ سلةً مزدحمةً بالماضي

ويذهبُ بعيداً

ربما يلتقي طاولةً كانت تقبع في طفولته

إلى جوار الباب

أو قطعةَ خوفٍ احتلَّت يوماً

من أيامه البعيدة

فيداري خجلَه ويهربُ حزيناً».

ثم يأخذنا معه في هذه الرحلة لمتابعة «أنا» تحمل تاريخاً قاسياً وتعمل على استعادته، للتطهر منه، والخلاص النهائي من سيرته. الخوف هنا ليس مجرد شعور، إنه يبدو كقوة مسيطرةٍ داخل النفس، والخجل علامةٌ على وعي الذات بضعفها وانكشافها، عندما تأتي الأيام على هيئة صور وظلال، وتنفلت فتاةٌ من النسيان، كانت تُعدُّ له محبةً بحجم السماء، ليمر في شوارع بعيدة، هرباً من محبتها.
هكذا نخطو مع رجلٍ يجمع كل مساءٍ الكلمات ويحاول ترتيبها، معتذراً عن كل كلمة لم تمارس عملها، باحثاً عن المعاني في هذه الكلمات، كما في قصيدته الأخرى، المعادلة، أو بالأصح، المضادة لهذه القصيدة، والتي بلغ فيها طموح الذات أقصاه، لأن الأمنيات معلقةٌ في ماضٍ تخييلي، ناتجٍ عن اللعب والتجريب ووهج الإبداع. يكفي أن نتلقى المفارقة من عنوان القصيدة «قبل الميلاد»، ونحن نطالع مقاطع منها:

«كُنتُ حطاباً في العصور الأولى

عندي بلطةٌ تُشبه يدي

حين ندخل الغابة معاً

تبكي الأشجار وتتساقط أوراقها».

«وكنتُ جندياً في جيش الملك الإله

أحرسُ معبداً خارج المدينة

بيتي قريبٌ من النهر

وأطفالي يكبرون مع أوراق الشجر».

إنه ينهل من زمنٍ أسطوري، بدائي، لكنه أيضاً زمن التأسيس، وبداية تشكل السلطة المقدسة.
عند الانتهاء من قراءة هذه القصيدة، وبعد رصد التحولات من زمن الطبيعة، إلى زمن السلطة، إلى زمن الأب، نستمع إلى شاعرٍ يلهو أحياناً، وهو يلجأ إلى المنحى السوريالي. فهو تارةً يكون صاحب حانةٍ في مدينةٍ قديمة، جوار البحر، وحيداً، ليس لديه زوجة ولا أطفال، بعد أن سئم من الارتباط العائلي، وتارةً يسخر من الفلاسفة واللصوص الذين يجيئون إلى حانته، ويتجادلون كل ليلةٍ حول أصل المعرفة والأنواع. وفي الوقت الذي يحضر فيه قديسون محملون بتعاليم غامضة، مما يضطره إلى غلق الحانة، وبيع كل ما يملك، ليعود إلى لحظته الآنية حاملاً سلة مزدحمة بالماضي، يتأمل أيامه في صمت، يكتب أشعاراً، ويذهب إلى المسرح كل مساء، ليشاهد بشراً يلبسون أقنعة للضحك، وأخرى للبكاء.
أما في قصيدة «أنا» التي تعتمد على المونولوغ، فهي تعمل على وصف المشاعر الداخلية والتأملات، مجسدةً حالةً من الوعي أثناء عملها على مراجعة كثير من الأمور المؤلمة في هذه الحياة، وكأنها تبحث عن لغز الوجود، ومصادر الأشياء، دون أمل في العثور على جواب:

«في الليل

وحين أذهبُ للنوم

يسهرُ الغموض على راحتي

في ملابس السهرة

وأنا في الطريق إلى الحقيقة

الشوارع تلمع من الفراغ

في الشعر

وبينما فمي مزدحمٌ بالمجاز

لم تُبقِ الحربُ حجراً على حجرٍ».

عبر هذه «الثلاثيات»، القريبة من شكل قصيدة الهايكو، وهذا التقطيع في القصيدة الواحدة، وكأن التأملات تجري على نظام الأبيغرامات المنفصلة، وإن كانت تصلها ببعضها وحدة الموضوع، القائمة على الصراع الداخلي، والتي تؤكد أن الشعر الشخصي، الذاتي جداً، لم يمت، وما زال يجد لنفسه موطء قدم في رحاب الشعراء.
نحن هنا بإزاء غموض أصبح حالة وجودية دائمة، وحقيقة تبدو كمسار، لكن دون وجهة واضحة، والحرب لا تقوم بتدمير المكان فقط، ولكنها تدمر معها المعنى أيضاً، حتى تبدو اللغة عاجزةً أحياناً عن احتواء الواقع، والتعبير عن مرارته، وهي تحاول فض الصراع بين الذات الشاعرة، وبين العالم المجهول.
في قصيدة «حدث أن» وفي مقطعها الثاني، تبرز هذه الحيرة بقوة، عندما يعلن أن حذاءه تسلل في المساء، وراح يطوف الشوارع، ثم عاد إليه حزيناً. يحكي عن أقدام تمشي حافية، بعيداً عن أصحابها، هذا الحذاء الذي يقوده، أحياناً، إلى طرقات لا يعرفها. إنه القفز من المعنى الظاهري الذي يصف الحذاء ككيان مستقل، يسير في الحياة وحده، إلى المعنى الرمزي، الذي يعني أن الشاعر يدرك أن حياته تسير دون إرادة منه، وكأنه منفصل عن نفسه، لا يسيطر على مصيره، بما يوحي بأنه مجرد تابعٍ للظروف والأقدار، لا أكثر.
الأفكار نفسها، بالوتيرة نفسها تقريباً، نجدها في المقطع الثالث، حيث يعلن الشاعر بأنه ذات مساءٍ، طار رأسه عالياً، ثم عاد يرقص، وهو يحكي عن أرواحٍ هائمة، وموتى لا يعرفون أسماءهم. رأسه الذي يهرب كل مساءٍ دون أن يعرف أين يفكر.
طيران الرأس يعني الانفصال عن الواقع، والانغماس في الشرود الذهني، في أثناء البحث عن حياة خارج المألوف، بما يجعلنا نكتشف أننا نستشعر إحساساً بالوحدة والفراغ، لكائنٍ تائه يبحث عن ذاته بين حطام رحلته الدنيوية.
أما في قصيدة «مجرد فكرة» فنتقدم خطوةً أخرى مع التساؤلات الوجودية، مراقبين شاعراً قلقاً، لا ترسو سفينة أشعاره على مرفأٍ آمن:

«لنفترض أنهم اشتروا أياماً

أكثر بياضاً

ضحكوا ملء أفواههم

ثم صلوا بخشوع

وتركونا بلا مغفرة

لنفترض أنهم

نزعوا البيوت من أبوابها

سرقوا كل الأحلام

ثم اعتذروا للصباح

بعد أن زرعوا مقابر

بدلاً من الأحلام».

هكذا يمضي في افتراضاته، متسائلاً، مرات أخرى في بقية المقاطع، عن هؤلاء الذين استعاروا وجوه أعدائهم بعد أن قتلوا وشبعوا، ثم خرجوا على الشاشات بوجوهٍ لامعة وملامح حادة. ثم يقف، بعدها، حائراً، في ختام القصيدة، ناعياً الفطرة النقية والبراءة:

«لنفترض أن الواقع صار حلماً

ولم يستيقظ أحد

واقتنى كلٌّ منا منظاراً

بدلاً من عينيه

هل سنرى أبعد مما يجب؟».

قصيدةٌ تقوم على بنيةٍ افتراضية، لا تصف الواقع مباشرة، ولكنها تسعى إلى كشف قسوته، عبر الاحتمالات، وعبر الميل إلى الطابع الفلسفي، الذي يغلف الإدانات المبطنة، من أجل تمريرها بهدوءٍ داخل النص. فنحن في الحقيقة، بصدد نقد أخلاقي، مقرون بالحزن العميق، يشير إلى فقدان الرؤية الطبيعية، واستبدالها برؤيةٍ مشوهة، فيكفي أن يقول الشاعر: «لنفترض» ليزرع في قلوبنا الشك تجاه كثير من الأشياء.
تتكرر الرموز، متغلغلة في تفاصيل معظم النصوص المأهولة بمراجعة كثيرٍ من الأمور، مراجعاتٍ تصل حد الاحتجاج أحياناً، وترمق بعينٍ مشفقةٍ اغتراب الذات عن العالم المعاصر، وتوقها إلى الانعزال، والنأي بعيداً.
يرسم لنا جرجس شكري، في قصيدة «مسرحية مأساوية» عدة مشاهد دالة وموجزة، مستمدةً من حرفيته ككاتبٍ مسرحيٍ أيضاً، يستطيع وضع أفكاره في النور على خشبة المسرح، لينشئ نصاً يستحق الفرجة:

«يبدأ الفصل الأول…

بجثةٍ ملقاةٍ على خشبة المسرح

مع إضاءةٍ صاخبة

وحولها الممثلون يخلعون ملابسهم

يضحكون

يرقصون

ويسخرون من الميت

ثم تتلاشى الإضاءة».

هذا وصف مشهد، يُعدّ كمدخلٍ لمسرحية قصيرة، لكنه ينبئ المتلقي بالاتجاه الذي سيقوده إليه الشاعر.
إنها دراما العبث واللامعقول، حيث تضاء الصالة على جمهورٍ غاضب، يبكي احتجاجاً على الميت. إن الشاعر/ المسرحي يمضي في تشكيل تراجيديا موجعة، يزلزل بها خشبة المسرح، ويشرك فيها جمهور القاعة كممثلين لا يبحثون عن مؤلف. تدور المأساة على لسانه، على النمط الإغريقي، فرد من الجوقة يعمل كدليل للعرض، لا حوار هنا بين الأشخاص، فقط الصمت، والإيماءات، والمشاعر الحزينة، هي كل ما هنالك. الشاعر يصف، والمسرحي يعيد ترتيب المشهد، بينما العالم يدخل في جحيمٍ مستعر.

جرجس شكري:
«يحمل سلة مزدحمة بالماضي»
آفاق للنشر والتوزيع. القاهرة 2026
86 صفحة.

 

 

عن (القدس العربي)