في اعتقادي أنه لم يتم توظيف المدينة في الرواية العالمية مثلما تم استثمار مدينة باريس فيها، وعلى مدى حقب روائية وزمنية متعاقبة، منذ العصر الكلاسيكي للرواية إلى العصر الحديث، حيث ما فتئت الرواية في العالم، وضمنها الرواية العربية، وإلى يومنا هذا، تواصل استلهام مدينة باريس في نصوصها، وإن بمستويات متباينة، من حقبة زمنية لأخرى ومن روائي لآخر، وذلك بشكل غدت معه باريس اليوم المدينة الأكثر حضورًا وتمركزًا في الرواية العالمية، كما في مجموعة من الأفلام السينمائية العالمية، لاعتبارات عديدة قد يصعب حصرها في سياق كهذا.
فمنذ القرن التاسع عشر، بدا أن باريس قد تحولت إلى مركز جذب للكتّاب وللسينمائيين على حد سواء، من الفرنسيين والأجانب، وكلنا يتذكر ذلك الفيلم السينمائي الرومانسي الأميركي-الإسباني، بعنوان "منتصف الليل في باريس" (Midnight in Paris) (2011)، كتب سيناريو الفيلم وأخرجه الكاتب والممثل الأميركي الشهير وودي آلن، باسترجاعات الفيلم النوستالجية لسنوات العشرينيات في باريس، وبذلك أضحت باريس حاضرة بكثافة في الروايات والأفلام السينمائية العالمية، لا بوصفها مكانًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها مخيالًا ثقافيًا وأدبيًا وفنيًا متحولًا، فهي مدينة التاريخ، والثورة، والحداثة، والفكر، والفن، والحرية الفردية، والهجرة الثقافية، من بلزاك وفلوبير وزولا وبروست، إلى سارتر وكامو ودي بوفوار، ثم إلى همنغواي وجويس وميلر وكونديرا وكورتاثار، وغيرهم من كتاب الرواية الجدد في العالم...
لقد عودتنا الرواية في العالم، تبعًا لاختلاف كل تحول روائي كبير (من رواية واقعية، إلى رواية نفسية، فرواية وجودية، ورواية تجريبية وما بعد حداثية...)، على أن تتخذ فيها مدينة باريس لبوسًا تخييلية وسردية تناسب الحقبة الزمنية التي كتبت فيها، سواء بوصفها عاصمة أدبية عالمية، أو شخصية روائية وفاعلًا سرديًا، أو باعتبارها زمنًا اجتماعيًا وفلسفيًا. غير أن هذا لا يعني أن مدينة باريس ظلت تستفرد لوحدها بهذا الحضور النوعي والتخييلي في الرواية بالعالم، بل إن ثمة مدنًا عالمية أخرى قد نافستها حضورًا وإبداعيًا، مثل: لندن ونيويورك وروما وبرلين ودبلن، فضلًا عن مدن روائية عربية، كان لها هي أيضًا حضور لافت في الرواية العالمية، كبيروت والقاهرة والإسكندرية وطنجة، على سبيل المثال فقط لا الحصر، وغيرها من مدن العالم التي فرضت إغراءها على كتاب الرواية، ممن كتبوا عنها روايات عظيمة، ويبقى الفرق بين تلك المدن جميعها ومدينة باريس كامنًا في أن باريس تظل مدينة عابرة للغات، ومنها اللغة العربية، ما جعلها المدينة الأكثر حضورًا في الرواية العالمية، رمزيًا وتراكميًا، وقد تحولت من مكان إلى أسطورة سردية كونية...
ومع كل هذا الإغراء المديني الباريسي، نلاحظ أن باريس، وإن تراجع حضورها في الرواية العربية المعاصرة، مقارنة بحقب روائية عربية سابقة كان لباريس فيها حضور مهيمن، مشرقًا ومغربًا، حيث انهارت رمزية باريس السردية القديمة، فلم تعد بالتالي فضاء للاكتمال، بل أضحت مسرحًا للاختبار والخيبة، فحضورها اليوم في الرواية العربية يبدو أقل إغراء مما كان عليه الأمر في السابق، فلم تعد باريس "فضاء سرديًا جديدًا"، بل صارت محمّلة بكليشيهات جاهزة. وبذلك انتقل السرد العربي عمومًا من الافتتان بباريس إلى مساءلتها، ومن الاحتفاء بها إلى تفكيك صورتها، وهو انتقال يعكس وعيًا نقديًا جديدًا بالكتابة وبتجربة المنفى وبحدود الحلم الأوروبي نفسه.
نستحضر من بين كُتاب سردية باريس الجدد من الروائيين العرب، كاتبًا تونسيًا يكتب باللغة الفرنسية، إنه الروائي صابر منصوري، الذي أصدر روايته الرابعة عن باريس بالفرنسية، بعنوان "باريس دَين" (Paris est une dette)، عن منشورات إليزاد سنة 2024.
وتذكرنا رواية صابر منصوري عن مدينة باريس، على مستوى عنوانها، برواية سابقة عن المدينة ذاتها، بعنوان "باريس حفل" (Paris est une fête) لإرنست همنغواي، وذلك وفق الترجمة الفرنسية للعنوان الأصلي لرواية همنغواي باللغة الإنكليزية "حفل متنقل" (A Moveable Feast)، ترجمها إلى العربية الكاتب والمترجم العراقي علي القاسمي، تحت عنوان "الوليمة المتنقلة" (دار المدى للثقافة والنشر، 2001). وهنا تكمن أهمية إبراز اسم "باريس" في عناوين بعض الروايات العالمية، حيث يبدو أن رواية همنغواي، في ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، قد تم تعديل ترجمة عنوانها الأصلي بعنوان آخر هو "باريس حفل" (Paris est une fête)، وهو إجراء إبداعي ربما تقَصده المترجم أو الناشر لإظهار اسم المدينة "باريس" في عنوان رواية لكاتب عالمي، ليس فقط لكون "باريس" هي التي تشكل الشخصية المحورية في هذه الرواية، لكن أيضًا لما لمدينة باريس من مكانة كبيرة في الآداب العالمية وفي الوجدان الإنساني بشكل عام، و"في اعتقادي، أن الفرنسيين كان يهمهم، في البداية، إبراز اسم مدينتهم على مستوى العنوان والغلاف، بدل أن يتركوه هكذا مجردًا، باريس التي أعجب بها همنغواي أشد إعجاب، فخلدها في واحد من أجمل نصوصه" (عبد الرحيم العلام، ضوء القراءة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء 2004، ص148). من ثَمّ، كان مناسبًا، ربما بالنسبة للفرنسيين، إبراز اسم مدينتهم (باريس) للقارئين الفرنسي والعالمي، في الترجمة الفرنسية للرواية، بدل أن يكتفوا بترجمة العنوان الإنكليزي الأصلي بصيغته المجردة من اسم مدينتهم - كما تم ذلك في الترجمة العربية الحرفية لعنوان الرواية- وذلك على اعتبار أن باريس أضحت، في تلك الفترة، مجازًا سرديًا ودلاليًا مكثفًا، فقد ظهرت في رواية همنغواي كمدينة للشباب والصداقة والأدب والاكتشاف الذاتي، كما ظهرت عند بلزاك، قبله، باعتبارها مركزًا للطموح الاجتماعي، حيث يأتي الأبطال من الأطراف بحثًا عن المجد.
فيما تبدو باريس، في أعمال روائية لاحقة، فضاء للاستغلال والهشاشة والعزلة الاجتماعية، أي باعتبارها "وعدًا كاذبًا" أو "دينًا ثقيلًا"، لمن يصلها مضطرًا، كما في رواية صابر منصوري، وفي غيرها من الروايات لغير الفرنسيين، المكتوبة عن مدينة باريس، عربية وأفريقية ولاتينية، ما جعل باريس في الروايات العالمية لا تبدو واحدة، فهي المدينة الأكثر قابلية للتحول دائمًا.
على هذا النحو، تبدو صورة باريس في الروايتين معًا ("باريس حفل" و"باريس دين") - كما هي الحال في غيرهما من الروايات- وكأنها يتجاذبها قطبان دلاليان متناقضان: الاحتفال والالتزام، فإذا كان عنوان رواية صابر منصوري يحيل إلى عمل إرنست همنغواي، فإن الكاتب نفسه يؤكد تفاعله في روايته مع عالم وليم فوكنر الروائي أكثر من عالم همنغواي. وإذا كانت باريس، في تمثّلات الحداثة الكلاسيكية، قد قُدمت بوصفها "وليمة متنقلة"، كما في رواية همنغواي، أي فضاء للوفرة والحرية والتجربة الجمالية المفتوحة، فإن سرديات الهجرة والمنفى أعادت تأويلها باعتبارها "دَيْنًا" لا ينفك يتجدد، دَيْن اللغة والإقامة والاعتراف الرمزي، كما في رواية صابر منصوري. من هنا، فباريس منصوري هي غير باريس همنغواي، إنها نقيضها تمامًا. وبهذا المعنى، لا تعود مدينة باريس مجرد مسرح محايد للأحداث، بل تتحوّل إلى فاعل سردي يفرض شروطه على الذات الكاتبة، ويعيد تشكيل وعيها بذاتها وبالعالم. ويكشف هذا التحول الدلالي أن اختلاف صورة باريس لا يعود إلى تغير المدينة في ذاتها، بقدر ما يعكس انتقال الكتابة من وعي حداثي واثق إلى وعي ما بعد كولونيالي مأزوم، حيث تُستبدل بهجة الاكتشاف بثقل المحاسبة، ويغدو السرد مساحة لتفكيك وهم المركز بدل الاحتفاء به.
تندرج رواية "باريس دَين" ضمن "أدب المنفى والهجرة"، وهي تحكي عن شخص اسمه "نادر"، ذلك الطالب التونسي الشاب القادم إلى باريس محمّلًا بآمال كبيرة، ليصطدم بواقع المنفى، يتتبع الكاتب مسار شخصية هذا الشاب المغاربي المشبع بالثقافة الكلاسيكية، منذ وصوله إلى "مدينة النور" في خريف 2018، حاملًا معه مشروعًا أكاديميًا ومعرفيًا، يتمثل في إنجاز أطروحة حول الفعل والتقوى عند بوسويه Bossuet. غير أن هذا الطموح المعرفي سرعان ما يصطدم بواقع باريس القاسي، بما يعكسه من هشاشة وضع المهاجر، والغربة اللغوية والثقافية، والفقر والعمل الهش، لتتعاقب خيبات الأمل وتنكشف أوهام المدينة والجامعة معًا. وبين الانكسار والنجاة، تقود تجربة الهجرة "نادر" إلى مصالحة مفاجئة مع جذوره، حيث لا يكون الخلاص إلا بالعودة إلى المهنة الأولى "الجزارة"، على خطى الأب، بوصفها فعل بقاء واستعادة للذات.
وأمام ما يشهده المنفى اليوم من تفتت ولا مركزية، وقد تعددت المنافي في العالم (برلين، لندن، مونتريال، ستوكهولم...)، فإن تجربة الهجرة ذاتها قد تغيرت من حلم ثقافي/ نخبوي إلى هجرة قسرية، وهذا ما نلمسه بوضوح في روايات حديثة، مثل "باريس دين"، حيث المدينة ليست ملاذًا بل عبئًا أخلاقيًا ووجوديًا.
يغادر صابر المنصوري باريس، "هذه المدينة التي تبتلعنا وتجعلنا ننسى من نكون"، كما كتب هو نفسه، متجهًا نحو غرب فرنسا، حيث لم تعد "باريس عام 2019 مدينة الأمس، مدينة الفرح المشترك، بل غدت مدينة باهظة الكلفة على الأجنبي الذي يتوق إليها"، كما جاء في رواية "باريس دَين"، وهي وإن كانت لا تحيل، خلافًا لما قد يُظن، بأي شكل إلى رواية "باريس حفل" لهمنغواي، فهي رواية تتقاطع فيها ثيمتا الهوية والمنفى، بوصفهما سؤالين مركزيين يحكمان مسار السرد وتجربة الشخصيات، ما يجعلها رواية تقدم صورة مغايرة لباريس، بعيدة عن أسطورتها السياحية والثقافية المبهرة، فهي ليست "احتفالًا" كما في رواية همنغواي، بقدر ما هي "دَين"، بمعنى أنها مدينة لا تمنح نفسها مجانًا، بل تطالب القادم إليها بثمن باهظ: نفسي وثقافي ووجودي، وبتعبير آخر هي مدينة تغري ثم ترهق، تحتضن ثم تستنزف.
وعمومًا، فرواية "باريس دين" لا تقدم المدينة باعتبارها عاصمة للأنوار والاحتفال، بل باعتبارها فضاء للاستنزاف الرمزي والوجودي، حيث ينهض عنوانها بدلالة سيميائية حاسمة تقلب الإرث الأدبي الغربي رأسًا على عقب، وتدخل في حوار نقدي غير مباشر مع صورة باريس الاحتفالية، كما رسخها همنغواي ومن تلاه في رواياتهم. فباريس في رواية منصوري تبدو مدينة تُغري ولا تمنح، وتُحول الحلم الثقافي إلى عبء يومي يثقل كاهل المهاجر والمثقف القادم من الهامش، عبر سرد متوتر يزاوج بين البوح الذاتي والتأمل الثقافي، حيث تكشف الرواية عن هشاشة الوجود المهاجر داخل بنية حضرية طبقية لا تعترف إلا بمنطق السوق. وهكذا لا تبدو الغربة في "باريس دين" حالة عابرة، بل تجربة تأسيسية لإعادة مساءلة العلاقة بين الذات العربية والغرب، حيث تتحول المدينة من وعد بالخلاص إلى امتحان قاسٍ للهوية والذاكرة والمعنى.
صدرت بعد رواية "باريس دين"، رواية جديدة باللغة العربية عن مدينة باريس، عن "دار العين للنشر" بالقاهرة، سنة 2025، إنها رواية "مهدي باريس المنتظر" للروائي محمد إسماعيل، كما صدرت عن الدار ذاتها (العين) وفي السنة نفسها (2025)، رواية أخرى عن مدينة "سان دوني"، بعنوان "ليالي سان دوني" للروائية لنا عبد الرحمن، وهي رواية تكشف "عن وجه آخر لمدينة باريس، خفي في الظل، وهي تحكي عن أبطال يعيشون في الحافة"...
ترصد رواية "مهدي باريس المنتظر" حياة المهجر في فرنسا و"تتساءل عن الإيمان بظهور المهدي المنتظر والهجرة والاندماج، والركض الجمعي نحو منقذ لن يأتي"، ويتم تمرير ذلك كله داخل حيز جغرافي يمتد بين باريس (الدائرة الثامنة) وضواحيها وجنوب فرنسا، حيث تستند الرواية إلى ما عايشه الكاتب في فرنسا، من أحداث مختلفة، وهو يرصد في روايته تحولات المدينة السياسية والاجتماعية، من خلال ثلاثة أمكنة متجاورة فيما بينها، من منظور سارد عالم بكل شيء، يحكي عن مصائر ثلاثة شخوص رئيسة في الرواية، باعتبارها شخوصًا تصارع أوهام الهوية، وتعيش الصدام الحضاري وتغلغل الفكر الخرافي، ومطاردة الطموح، إلى جانب توظيف الرواية لشخصيات أخرى، أجنبية ومغاربية، بأدوارها الموازية المؤثرة في أحداث الرواية.
تعالج رواية "مهدي باريس المنتظر" موضوع الهجرة والاندماج في المجتمع الفرنسي، والإسلاموفوبيا، والعنصرية، والتوترات النفسية والاجتماعية التي تواجه العرب والمسلمين في أوروبا، وتُثير أسئلة حول الإيمان والهروب من الواقع إلى المنقذ المنتظر، كما تظهِر كيف يمكن أن يصبح السعي نحو "الخلاص" وهمًا جماعيًا، حيث تتحول باريس إلى مسرح لتجاذبات جماعية: دينية، وسياسية، وهوياتية، وهي بذلك لا تكتفي بإنتاج الخيبة، بل تعيد تشكيلها في صورة انتظار خلاص متخيّل، يكشف هشاشة الوعي الجمعي في مواجهة الإقصاء، وبذلك، تشتغل رواية "مهدي باريس المنتظر" على نقد مزدوج: نقد الغرب بوصفه فضاء إقصاء، ونقد الداخل الثقافي العربي الذي يعيد إنتاج الهزيمة عبر انتظار "المهدي"، حيث يتحول الرمز الديني إلى أداة سردية لكشف العجز لا لاستدعاء الخلاص.
على هذا النحو، تلتقي روايتا "باريس دين" و"مهدي باريس المنتظر" عند تفكيك صورة باريس بوصفها مدينة الخلاص، وإن اختلفتا في زاوية الاشتغال السردي ودلالة الخيبة. ففي رواية "باريس دين" تُقدم المدينة كفضاء استنزاف وجودي، حيث يتحوّل الحلم الباريسي إلى دَين رمزي يتم تسديده من كرامة المهاجر وهويته، وتغدو التجربة الفردية محور النقد. أما في رواية "مهدي باريس المنتظر" فتذهب أبعد، في نقلها الخيبة من المستوى الفردي إلى الجماعي، مستثمرة رمز "المهدي" لكشف نزوع مرضي نحو انتظار الخلاص بدل تفكيك شروط التهميش. من هنا، لا تبدو باريس في الروايتين معًا مدينة نور، فهي في الأولى مدينة محاسبة أخلاقية صامتة، وفي الثانية مدينة انتظار صاخب، تتقاطع فيها الأوهام الدينية مع الانسداد السياسي والاجتماعي، وهو ما يجعل الروايتين معًا تعلنان نهاية باريس المتخيَّلة، وبداية باريس الواقعية بوصفها اختبارًا قاسيًا للهوية العربية في المنفى، كما تعلن الروايتان، أيضًا، عن انتقال السرد العربي عن باريس من خطاب الافتتان إلى خطاب المساءلة، وهما بذلك تعيدان كتابة المدينة/ باريس ضمن منطق نقدي صارم لتجربة المنفى.
هكذا، إذًا، يتبين مما سبق، أن باريس حين تعود في نصوص الرواية العربية المعاصرة، فهي لا تعود كمدينة نور، بل كمدينة امتحان، بما هو امتحان، في الوقت نفسه، للهوية، واللغة، والجسد، والاندماج، والخذلان..
عن (ضفة ثالثة)