يكتب الروائي المصري عن شخصية يوقعها سعيها اليائس لتوفير أدنى احتياجات الحياة في فخ أجهزة الإعلام، وتصير مجرد دمية يحركها القائمون على تلك الأجهزة كما يريدون، ويلفظونها فور مطالبتها بحقها في المشاركة في اللعبة. بصورة تدفعها لإعادة النظر في حياتها ومجتمعها واكتساب وعي جديد.

خيانات شرعية (رواية)

سمير عبدالفتّاح

 

الفصل الأول

لم يبق سوي الانتحار . هكذا فكر "صفوان عبد الفضيل"، وهو يتطلع إلى قصر عابدين من شرفتهِ المسيَّجة بقضبانِ حديدية.. كانت هناك دواب تَجر، وأُناس تُجر، وسيارات تملأ الميدان بالضجيج والغبار، وتدور حول أرصفته الحجرية، كما تدور الدوابُ حول ساقية. لم تكن في السماء نجومٌ تلمع، أو هلالٌ يهل، ولم يكن صفوان ينتظر الليل أو النهار. كان ينتظر عاصفة، يتوقع صاعقة، يود لو يبكي في جبٍ عميق، فهل يرمي بنفسه من الدور الرابع.. أم يذهب إلى النيل

- كما ذهبت جارته الصغيرة - ويقول للدنيا وداعا؟.

لم يكن هناك ما يمكن حصره أو تحديده، سوى همٌٍٍِ غامض ثقيل يمضُّ الروح ويثقل البدن، ربَّما عاد لتعطله، أو لإخفاقاته العديدة.  عشر سنوات وهو واقف عند هذه النقطة الرمادية الحرجة.. يريد العمل ولا يريد أن يعمل، تضنيه الوحدة، ولا يريد أن يزاحمه أحد: يستخدم فوطته ومرآته،أو يحتل خنادق وعيه ووجدانه.

ولكن هل ينقذه ذلك مما يعانيه؟ وممَّ يعاني بالضبط؟ أهو انقباضٌ يمكن حله ـ مثلا ـ بالمال،أم هو اغترابٌ غامضٌ لا يمكن فهمه أو تأجيله؟.

ما يذكره بكل وضوح: أنه سعي في مناكبها، فترك بيته قبل أن تشرق شمس، وعاد ـ غاربا منكسرا ـ بعد أن غربت، ولولا هذه الشقة الحقيرة التي ورثها عن أبيه، لنام في الشارع، لكن ما يؤلمه ويدهشه، أنها لم تضعه في طبقةٍ أرقي، كما لم يضعه دبلوم التجارة في زمرةِ المتعلمين. فإلى متي يظل واقفا بين السماءِ والأرض، وكيف يتحقق الرجل العادي في ظرف غير عاد؟.

لم يكن صفوان يبحث عن وظيفة، بقدر ما كان يبحث عن   حل.. فإن أردت أن تقتله: عيِّنه على درجةٍ يشعر فيها بأنه سيظل عبداً لقوانين ولوائح وأوامر حتى ينتهي أجله.

ماذا يريد إذن؟  

لا يعرف....

ولا يريد أن يعرف..

ربَّما كان يريد أن يلعب.. أن يستكمل ما انقطع بموت أبيه.. ويظل ينتقل من لعبةٍ إلى أخرى، حتى يعود آخر الليل مترباً.. خائر القوى. لا يهم بعدها أن ينام على سلمٍ، أو في حضن أمه.

كان يرى:  أنَّ على الدنيا أن تكون لعبة، وما علينا إلاَّ أن نلعبها كما لعبناها صغاراً.

قال الطبيب: مشكلتك فيك.. حاول أن تتكيف وتتسامي، ثم كتب بعض المهدئات  ومضادات الاكتئاب، وسأله إن كان

قد قرأ شيئاًَ عن الوجودية، أو الأنطولوجيا؟

فلم يجبه بكلمة..

ولم يصرف العلاج، وظل يتجول في الشوارع القريبة من وسط البلد، حتى هدَّه التعب، وازدحمت ذاكرته بهشيم الذكريات، وأشباح السيقان، والصدور الناهدة، فعاد إلى بيته متثاقلا تعباً، ليرتمي على سريره البارد، متطلعا نحو ما فعلته العناكب حول المصباح الوحيد، مستسلما لأضواء النيون الملونة، التي كانت ترميها إعلانات الأسطح البعيدة، فتومض وتنطفئ..

وتومض وتنطفئ...

 

الفصل الثاني

صحا صفوان على صوت ضجيج يأتي من ميدان عابدين وحين حاول أن يفتح عينيه، داهمته شمس الصباح بضوئها الباهر فأغلقهما بسرعة، وظل يسمع ضجيج الميدان مختلطا بزقزقة عصافير، ونداءات باعة، وتراتيل بعيـدة، فتمطي مقاومًا الكسل، وقام ليغلق النافذة فوجد الكناسين في الميدان يساعدون عربات الرش والمسح الآلي، وهي تنبش بأسنانها المعدنية المدورة أسفلت الشارع، فيما تكومت القمامة في حارته الملتوية، وقد نبشتها القطط، وفردت محتوياتها على البازلت المصقول.

وما إن عاد لسريره، حتى شعر بأنه لم يحسم قضاياه بعد، وأن نومه وسهره كانا محض غفوة وهدنة، عليه أن يحارب من جديد، ويواصل ما توقف عنده.

لم يكن هناك ما يمكن أكله.. أو شربه كانت أخر ملعقة شاي  قد استهلكها قبل أن يراه الطبيب، ولم تكن لديه الرغبة في النزول، أو فعل أي شيء، بعد أن أخطرتهم "البلدية" بضرورة التنكيس أو الإزالة.

فهل يذهب إلى أمه في حلوان؟.. وماذا يقول لها؟

أرضعيني من فضلك؟ أنها لا تريد أن تراه، وهو ـ في سريرته ـ لا يريد أن يراها.. فكلاهما يشعر بأنه خان الآخر، وتجاوز خطوطا ما كان له أن يتجاوزها..

أعطته ذهبها ليسافر إلى أوربا فسافر إلى بيروت، ومنها إلى العراق، وبعد شهرين عاد مدينا ومنكسرا.. قال إنه لم يجد أي عملٍ يناسبه: عمل في مطعمٍ للكباب، ومخزنٍ للغاز وورشةٍ للحدادة، ومصنعٍ للحلويات الشامية، ولم يعمر أو يتعلم أي شيء.. كان يشعر أنه خُـدع وأُهين، وعليه أن يعرف من خدعه وأهانه.. كان أبوه قد ترك له الدنيا وراح.. ولم يكن له أصدقاء حتى يحمِّلهم وزر ما جرى.. وقبل أن يدخل في متاهات غامضة ويتهم الزمن، عاد بآخر مليم في جيبه، ليجد أمه قد باعت كل   ما يمكن بيعه لكي تعيش.. فهي لا تعمل، وليس هناك ما يقيم الأود, وحين استنفدت كل الحلول، رضيت بالزواج من شيخ ضرير، لا يعرف أحد كيف يأتي برزقه ".

حين عرض عليها ذلك لم ترفض ولم تقبل". لكن كان عليها أن تجيب على سؤالٍ عسير: من أين آكل وكيف أعيش؟ لا ابن يرعى، ولا زوج يستر.. ولا أخ يخلص، ولا جار لديه ما يمنح. فهل تعمل خادمة؟ حاضنة؟ أين وكيف.. وهي التي تعاني من آلام الركبتين وتحتاج لمن يرعاها.. وينهضها عن الأرض؟. قال الضرير بصبر يوشك على النفاد:

ـ إيه.. فكرتي؟.

فهمست بالموافقة، ثم جمعت حاجاتها في شنطةٍ قديمة، ورافقته صامتة إلى حلوان، وهناك قادها من حارةٍ إلى حارة.. ومن سطحٍ إلى آخر.. وهنالك عرفت أنه مريضٌ وعقيم، وليس لديه دخل ثابت، وعرفت أيضا أنها لم تعد صغيرة، ولا جميلة، ولو قُدر لهذا الضرير أن يفتح عينيه ـ برهة ـ ما تزوجها أبداً.. ولو قُدِّر لها أن تعيش بدونه ما ترددت لحظة..

كان صفوان قد عاد من معراجه الدنيوي كافرا بكل شيء.. ولم يكن لديه ما يقوله لأمه المنتظرة.. هل يقول أنه خسر كل ما لديه؟.. لم يعمِّر في أية مهنة؟ أو يصبر على أية سمكة في أي بحر؟..

لقد أخذ منها كل ما كانت تدخره للزمن: ذهب لم تعد تلبسه، رصيد في مكتب بريد كانت تدخره لآخرتها.. وعدة بطاطين تركها المرحوم. وراديو قديم.. ولم يبق سوى جسمها الهضيم.. وشعرها الأشيب القليل..

ماذا تقول له، وماذا يقول لها.. لا يوجد ما يقال. لذا كانت فرحته طاغية حين عاد ولم يجدها.. كانت قد تركت المفتاح عند جارة تعاني من المرض، فلم يسألها عن أمه، ولم تسأله أين كان..

وحين دخل الشقة، داهمته روائح الطلل والهجران، لم تكن نظيفة، ولم تكن وسخة، لكنه لاحظ أن هناك كوبي شاي لم يُغسلا بعد.. وخطابين كان قد أرسلهما من العراق على منضدة قديمة وكسرتي خبز تجمعت الصراصير والهوام حولهما.. فتح الثلاجة فواجهته رائحة المقابر.. كانت قد فُصلت منذ زمنٍ بعيد، ولم يكن فيها ما يؤكل أو يُشرب، ففتح حقيبته، وأخرج بقايا طعام كان قد قُدم له في الطائرة.. ومنعه الصداع والإحساس بالتقيؤ عن استكماله.

ـ أستاذ صفوان.. أستاذ صفوان.

ثم سمع طرقا على الباب، فنهض متكاسلا ليجدها أمامه.

ـ حمد الله على السلامة يا أستاذ صفوان..

ودون أن تنتظر دعوته، دخلت وأغلقت الباب.

ـ جيت أمتي؟

ـ حالا..

ـ حمد الله على سلامتك.

ـ الله يسلمك.

كانت تعرف أن أمه قد غادرت إلى غير رجعة، وكان يعرف أنها تعمل في محل للكي والتنظيف بالبدروم، وكثيراً ما كانت تأتي إلى السطح لتنشر ثياب الأغنياء، أما هي فتعرف أن: قلبه "جامد" "براوي"، ربَّما لأنه يتطلع إلى البعيد.. إلى ساكنات القصور، ولا ينظر إلى ساكنات الحواري، والمرء سجين ما يظن..

كانت تشبِّهه بصيادٍ غبي، يكتفي بمتعة الصيد وحدها.. ولا يهمه أن تسقط السمكة، أو تهرب غزالة البر..

لذا كنست عليه ضرائح الأولياء، ورشت "ماء القبول" على باب شقته، ودسَّت التعاويذ تحت وسادته، وحين فشلت كل المحاولات عملت بنصيحة زميلتها الأرملة، وحاولت أن تغتصبه في غياب أمه... لكنه قاومها، وصارحها.. بأنه لا يحب النساء، وإن قُدر له الزواج مستقبلاً، فلن يتزوج من عاملة حقيرة مثلها..

ـ معايا دبلوم صنايع ..

ـ وأنا دبلوم تجارة

ـ طظ فيك.. وفي دبلومك.

ـ طظ فيكي وفي أبوكي..

فكرتْ أن تصرخ وتفضحه، وفكرت أن تلقي بنفسها من النافذة علَّه يدخل السجن، لكنه ترك لها الشقة، وذهب إلى سينما  قريبة، وهناك رأي فيلمين مملين، وقبل أن يبدأ الثالث نام، حتى أيقظه عامل النظافة..

يجدر بالفقر ـ دائما ـ أن يطفئَ شموع الذاكرة، لذا كان صفوان يخافه كما تخاف الناس من البرص.. ويعرف أن من يتاجر بالملاليم لا يكسب سوي الملاليم..

لم يكن صاحب رسالة.. ولا موهبة من أي نوع، ولا يهمه أن يحوز ذلك أو يسعى إليه.. كان له مطلبٌ واحد.. وهو أن يحيا في هذه الدنيا حياة "تستحق أن تعاش"، وأن يأخذ نصيبه العادل من "تورتة" هذا المجتمع، أو "هبرة من ثريده".. لذا كان إعراضه عن نوال له ما يبرره، لأنها تذكِّره بفقره، وتقف بينه وبين ما يريد..

كان يعرف أنها تحبه، وتشعر برجولته الكامنة، ولكنه يوقن أنه وحيدٌ في هذا العالم، وأن ما يخايله الآن قد يزول غداً.. وما عليه ـ والحال هكذا ـ إلاَّ أن يحارب وحده وينتصر في كل المعارك، فهزيمة واحدة يمكن أن تنهيه وتنفي وجوده إلى الأبد.       لم يكن على استعداد لأن يراهن بالدنيا على الآخرة، لأنه يعرف أنَّ من لا يستحلب الدنيا، ويصارع في كل أركانها، يخسر كل     ما كسب.

ترى أين قرأ هذا ومتي؟.. لا يذكر بالضبط، ولا يهمه أن يذكره.. ربَّما لأنه يعيشه كل يوم، ويشعر بحرارته اللافحة.. غير أنَّ هذا كثيراً ما يفقده متعة التعامل مع الدنيا، ولا يعفيه من السقوط في حفرها ووهادها الكثار.. ولو قُدِّر له أن يخفض ناظريه قليلاً لرأي "نوال" تشبهه في بعض النواحي، فهي تعيش في نفس الحارة، وتصغره بسنواتٍ قليلة.. وفيها من الجمال والأنوثة ما يمكن أن يرضيه ويشبعه، لو وضعها تحت مجهره   أو نطاق وعيه.

أما هي فترى العمر يجرى.. وحدائقها تبور وتفقد نضارتها. كانت ـ بدورها ـ تنتظر من يأتيها على حصانٍ أبيض؛ من يصعد إلى شرفتها بحبلٍ من شذي، وحين خذلها الزمن تمنت أن يأتيها على أي حصان، أو يصعد بأي حبل.. ولكي تساعده على ذلك، خاضت عدة تجارب، وتورطت في عدة مغامرات.. فعملت بائعة في متجر، وسكرتيرة في مصنع، ومربيه في حضانة، وأمينة لمكتبة، "وكاشيرة" في كافتيريا، ومندوبة مبيعات، ومدرسة خصوصية لأولاد موسرين، وسكرتيرة مقيمة لرجلٍ عجوز,         في مصنع سجاد.

وحين سقطت بعض ثمارها، ولاحت بعض الشعيرات البيض، عملت بمصنعٍ لصبغ الصوف، ثم معمل لسبك المعادن، فمكتب لتأجير التوابيت، وها هي تعمل في محل للكي.,. وخلال هذا الكر والفر، تعرضت لكل ما يمكن أن تتعرض له فتاة جميلة، ناهدة الروح والبدن، فركبت سيارات، ودخلت فيلات، و"رأت "أفلاما,  "وسمعت" أفلاما.. ثم قبلت هدايا ورفضت هدايا.. وتعرضت للخطف والاغتصاب.. فهربت من مواقف، وتورطت في مواقف. وتحت لافتات الزواج والوعد والوعيد، سمحت ببعض الأحضان والمداعبات، وسافرت إلى بعض المواني والمطارات، وانتظرت في بعض السيارات؛ لكنها لم تسمح ـ خلال كل ذلك ـ  بأكثر من ذلك..

كانت توقن أنها كمن تحمل على رأسها طبقا من الزيت  المغلي، وعليها أن تحافظ على توازنها حتى لا يسقط على صدرها فيحرقه، أو وجهها فيمسحه، وكلما ضعفت في موقف، بحكم تكوينها البشري، أو أرضها التي لم ترتو بعد، كانت تنفر كغزالة البر، وتلجأ إلى غابتها الأولي.

كانت ـ مثله ـ وحيدة، ولا يوجد هناك من يحاسبها، بعد أن رحلت الأم، وبقي الأب أسير محبسه.

وهو ما جعل حرصها ـ على جسمها ـ أشد وأدعي،   ليس بحثا   عن فضيلة، أو طمعا في وسام، وإنما لأنها تراهن بكل         ما تملك، وتغامر  بآخر مراكبها في بحر الحياة..

وبدلاً من أن يضعفها شغفها بالأولاد والاستقرار ـ مثل كل البنات ـ ساعدها على التروي، والصبر الجميل.. وكلما عادت إلى بيتها، ونظرت إلى جسمها في المرآة المشروخة، شعرت بأنها كانت على حق.

فمن يجوس في غابات هذا الشعر الناعم، أو يطوف حول هذين النهدين الناهدين، أو يقترب بشفتيه من هاتيك الكرزتين، لابد أن يكون لديه ما يقوله، ومعه ما يدفعه، وله من يضمنه ويكبح جماحه.

وها هي ذي بعد أن تجاوزت الثلاثين، واختلط اليانع  باليابس، والأبيض بالأسود.. بدأت تشعر بأن كل خطواتها لم تكن صوب السعادة.. ولا الصواب المطلق.. وأنها كمن حفر عدة حفر، وتركها دون أن  يرتوي..

نعم.. كانت مثله.. تتطلع للأفق البعيد، فتنجو من حفرةٍ لتسقط في جب،  فراشة جميلة.. محبة للنور والبراح،  لكنها لا ترى ذلك الخيط الرهيف الذي يفصل دائماً بين النور والنار.

بين نهاية البداية.

وبداية النهاية..

 

الفصل الثالث

ها هو صفوان يرقد على سريره البارد، ويديم النظر إلى السقف الكئيب، ثم يضع يديه تحت رأسه، ليتابع العناكب وهي تغزل شراكها في الركن البعيد.. لقد أتي بالجريدة.. لكنه لم يتصفحها.. ولا يحب أن يقرأ كل  ما فيها.. فهو لا يحب السياسة، ولا ينحاز لأي فريق، ولا يفهم في الرياضة، ولا يؤمن بالحظ أو يحب الكلمات المتقاطعة، وليس لديه أي صبر على استكمال مقالة، أو متابعة موضوع، فقد اشتراها لهدفٍ واحد، وهو أن يبحث عن أي وظيفة، بعد أن خاب سعيه، وكلََّت قدماه. ففي الصباح ترك شقته وبحث عن أي وظيفة تناسبه فلم يجد سوى وظائف لا تتفق مع طبعه أو مؤهله، كان أفضلها عاملا في ورشة، أو بائعا في وكالة، أو فراشا في مصنعٍ. وهاله أن يعرف إن من يُعلِّم الأطفال في حضانة لابد أن يكون حاصلاً على مؤهلٍ عالٍ، ولديه خبرةً لا تقل عن ثماني سنوات.

فماذا يطلبون إذن ـ لمديري العموم؟

إنه لم يحصل على الدبلوم صدفة، ولم يجده في صندوق قمامة.. فقد سهر، وذاكر.. نجح ورسب، ضرب وانضرب، حُرم من اللعب والسينما. وجرى خلف الترام، وكاد الترام يجرى عليه. حرمه الامتحان من أول موعد غرام،  وانتظار النتيجة من أول رحلة إلى القناطر. هدده أبوه بالطرد إن رسب هذا العام.. فكاد يفقد بصره من كثرة المذاكرة.. وأعصابه من كثرة الكذب ومستقبله من كثرة الغش، وعقله من قلة النوم.

وها هو يكتشف بأن الغش قد طال كل شيء، وأنه ـ حتى بالغش ـ لم يحصل على أي شيء. وعليه أن يعمل: حمالاً في جمرك أو بواباً في مصنع، أو خفيرا في مزرعة صحراوية، أو جامعًا للملح على شاطئ بعيد.. وحتى هذه الأعمال الحقيرة لم تعد سهلة لأمثاله.. إذ تجد دائماً من يزاحمك فيها.. ومن يسحق قدميك ليصل قبلك.. ومن يحتاج لرشوة أو واسطة. ومع ذلك، بل وبرغم كل ذلك ارتدي أفضل ما لديه. وسارع إلى الميدان القريب.. حيث وجده يغص بالأجراء المحدثين ـ رقيق العصر ـ وضحايا "الإصلاح" الزراعي. يتقاتلون من أجل الحصول على أية فرصة للعمل.. هدم بيت أو رفع أنقاض.. حفر نفق، أو ترميم شارع.

فلاحون لا أرض لهم ولا ملجأ، ينامون عند أقاربهم، ويأكلون الحصرم، حرفيون تركوا أدواتهم بحثاً عن أي عمل.. أي شيء يضمن لهم السجائر والطعام الساخن.  يعرضون صحتهم ووقتهم على أية سيارة تقف، ويخرج سائقها رأسه ليختار من يريد، ويطرد الباقي بإشارات محتقرة. لكم ذكَّره ذلك بعصور العبودية، بعد أن تقنعت وتجملت.. فلم يعد العبد يساق من أغلاله، ولكن من معدته، وربَّما من وعيه..

والنتيجة: أنه الآن بلا عمل.. طاقة تهدر كل يوم.. وليس لديه ما يسعى إليه أو يتوقع حدوثه.. لقد قاوم الانتحار أكثر من مرة، ولكن ما الحل.. ليس هناك ما يعيش من أجله، وليس هنالك من يموت ليرضيه أو يسعده. كلٌ في قوقعته، يضع عطره تحت أنفه كي لا يتسلل إلى غيره..

حتى نوال جارته المراوغة لم تعد تبادله النظرات، أو تفتح صدرها لمداعباته، بعد أن فقدت الأمل في كل حل، وبعد أن أخطرها ـ صراحة ـ أنه لا يجد حلاً قريباً أو بعيداً..,

كل الطرق مغلقة.. ولم يعد أمامه سوى الانتحار،  فهو الوحيد المجاني  وهو المتاح الوحيد لكل البشر، لقد صارحها بأن نظراتها تعزيه.. ولولا لمساتها الحانية   ما بقي ساعة على قيد الحياة.

تعرف أن الشقة موجودة، والحب أيضا.. ويعرف أن الحب وحده لا يكفي.. فهناك دائماً معدة تهصر وتعصر، وقلب ينبض ويرفض، وجسم يطرد ويجلب، ولسان يمدح ويقدح، وعليه دائماً أن يمسك الحية من رأسها، والنحلة من بطنها والأمور من أواخرها.

 

الفصل الرابع

هاهو قد جاوز الثلاثين من عمره، ولم يعد في الجراب حيلة..  حتى الأحلام لم تعد ممكنة، وما يؤلمه: أنه لم يطمع في منصب وزاري.. أو رئاسة جمهورية.. بعد أن علمته الحياة أن يحمل  ما يستطيع، ويأكل ما يستطيع هضمه، ويترك الأحلام لمن يستطيع تحقيقها، يكفيه راتب شهري يقيم أوده، بعد أن عمل في الملاحات حتى أكل الملح أصابعه، وفي تكرير السكر حتى أصيب بالإغماء، وفي جمع روث الأبقار حتى أصيب بالقرف، ومحاجر الجير حتى أصيب بالجرب.. وحين فشل في تأجير صحته  ووقته، فكر في تأجير شقته.. لكن القادم نصحه بالتريث فليست كل المساجد صالحة للنوم. همس في أذنه: احبس نفسك في غرفة، ودع لي الصالة، أما الغرفة الأخرى، فدعنى أؤجرها بالساعة، مقابل أن تعفيني من إيجار الصالة.

كاد صفوان يقول شيئا، لكن القادم صاح محذراً ومذكِّراً بالحال، فوافق علي مضض، لكنه بعد أسبوع داهمته      المباحث، وكاد يدخل السجن لولا أنهم وجدوه مغفلاً،ولا يعرف المخدرات، ولا يغوى النساء، فتركوه بعد أن وقَّع، وتعهد، وأقر. وحين عاد لشقته الصغيرة قال لنفسه: لأبحث ثانية في جريدة اليوم، علني أجد وظيفة تليق بما أحمل، وتجدر بما أستطيع. وحين وجدها، ذهب ليقف في طابور على سلم طويل، لكن طاقته على الاحتمال نفدت، حين قضي ساعات طويلة عرف بعدها    ما كان يجب أن يعرفه: وهو أن كل الوظائف المنشورة لم تكن شاغرة، لكنها تمثيلية تتكرر كل يوم، وفي كل مكان      ثم عرف    ما هو أدهي  وأمر، وهو أن نصف البشر متبطلون، أمَّا نصفهم الآخر فلا يعمل...    كما عرف أن نصف كلام البشر لا أهمية له، أما نصفه الآخر فيمكن تأجيله.

لذلك لم ير الشارع لعدة أيام قضاها في البيت القديم راقدا..   لا يريد أن يقوم، ولا يريد أن يرى أحدا..   أو يرد على أحد.. حتى النوافذ لم ير أي جدوى من فتحها، أو النظر منها, فليتشاجر ـ إذن ـ من يتشاجر، وليسقط أو يحترق من يريد..

ها هو الساكن الأخير قد ترك له ما يأكله، ولكن ماذا عن الأيام القادمة؟   ثلاثون عاما قضاها في هذه الدنيا لم يخرج بصديق، ومن عرفهم أو اقترب منهم: هاجروا أو ماتوا، ومن بقي حيا شغلته الحياة، أو شُغل بها.

لذلك فهو يريد أن يشرب الدنيا جرعة واحدة،  لكنه لا يعرف كيف يبلعها، ولا كيف يهضمها..

وما يضايقه، ويوتره، أن هنالك من يقطِّرها في كأس  نظيف، ويشربها ـ أينما أراد ـ على مهل..

لذا فكر مجدداً في الهجرة إلى أي بلد أجنبي، أي مكان يستوعب جنونه واختلافه، تعلم الفرنسية والإنجليزية، قرأ عن كندا وأمريكا واستراليا.. ثم نسي تجربة العراق وبلاد الواق واق..

 تردد على بعض السفارات والقنصليات.. قدم أوراقا وشهادات، وقف في الحر وفي البرد، وتعرض لفحوص واختبارات.. وبعد أشهر طويلة أتته الاعتذارات والمبررات.. فهم منها أنهم اكتفوا بمن لديهم من إرهابيين، وقطاع طرق.. وطلبت إحدى السفارات الأفريقية أن يثبت أنَّه: لن يهِّرب العاج، أو الماس      وطلبت أخرى أن: يقدم ما يثبت أنه رجل أعمال سخي،  بعد أن توقفوا عن قبول الخرز الملون..

وحين أخطرهم بأنه لا يريد سوى الهجرة والعمل في بلاد الأفيال، لم يفهموا شيئاً..    فرئيس الجمهورية نفسه لا يعمل بعد أن توقفت تجارة الرقيق والعقيق  ولم يسبق ـ أبدًا ـ أن تلقوا طلبا       بمثل هذه الغرابة..

 

الفصل الخامس

في مساء اليوم التالي ظل "صفوان" يتسكع في شوارع المدينة، حتى انتصف   الليل... كانت روائح المشويات والقشريات والكافيار تغزو دهاليز أنفه، وتسيل لعابه.

وفي المطاعم الفاخرة، رأى أولاد الأغنياء يتضاحكون، وهم يأكلون مشويات غريبة، ومزات متنوعة، ويركبون "موتوسيكلات" سباق فائقة السرعة، وخلف كل صبي، صبية شبه عارية، تحرَّض المتزوج، وتُحبط العازب   ومن خلف الزجاج المصقول رأى جرسونات رشيقات، لامعات الشعر والعيون، يرتدين ملابس أنيقة تظهر رشاقتهن  وسيقانهن اللامعة, المنتهية بكعوب مصقولة، كاملة الاستدارة،  فيما تتألق أضواء المحلات، والسينمات والمسارح على جانبي الطريق، وتومض الأضواء الملونة على مدى البصر.

وعلى جانبي الطريق تقف سيارات شبابية مجنونةـ كاجوال ـ قادمة لتوها من ألمانيا، يركبها ـ ويدوس على أنفها ـ أُناس شبعانون، لهم أنوفٌ لامعة، وعيون ملونة، لا يغضبون أبداً إن عادوا آخر الليل ولم يجدوها.. ولا يتعاملون بالعملة المحلية إلاَّ  لكي يرموها للسعاة، والشحاذين، وحارسي السيارات.

وفي الميدان الأنيق المحاط بالبنايات الباروكية والمورسكية الشاهقة، رأى تمثال الجد "طلعت حرب" يتطلع إليه من فوق قاعدته الرخامية، ويشير إلى المجهول .. فيما تزدحم الشرفات والبدرومات بشركات السفر والسياحة ومكاتب التوكيل والبنوك والسفر.

وما إن انعطف نحو عابدين حتى شعر بالبؤس والفقر: أُناس رماديون ينتظرون الباصات، فلاحون يسعون إلى قراهم النائية بأجولتهم وقففهم، باعة نفتالين ودبابيس، ومناديل ورقية, يهيمون في كل مكان...    كلاب لا صاحب لها، تنام بجوار صناديق القمامة.. شباب بلا عمل يتسكعون في الشوارع، ويقفون على النواصي حتى الفجر.. لم ينظر صفوان إلى ساعته، فلم يعد الزمن يعنيه في شيء.. مادام سيعود في النهاية إلى شقته الحقيرة.. بحارة معتمة تتلاصق فيها البيوت والأجساد، وتتناقل عبر جدرانها الحقيرة تأوهات وشكايات ـ ليست كلها حقيرة ـ  وينسل من أبوابها الفقيرة: بنات ونساء إلى جهات غير معلومة، ويعدن قبل أن يطلع الفجر، ويأتي إخوتهم أو أزواجهن من الجامع القريب.

ولولا وجود قصر عابدين لتغيرت كل الخرائط، وتباينت    كل المواقف. يكفي أن تصعد إلى أي سطح لترى ضوءه الباهر، وامتداده المهيب، وتعرف أنه من أوائل القصور التي بُنيت في هذا الحي الذي لم يعرف الحدائق أو النوافير، ولم تبلط شوارعه وحواريه إلاَّ مؤخراًَ، فإن قلت لرفيق لا يعرف المكان إنك ساكن في عابدين، حسدك على ذلك. ففي هذا الميدان العريق، ظل عرابي على حصانه، حين صاح في وجه الخديوي... وفيه أيضا نزلت الإمبراطورة أوجيني،  وتفيأ بظلاله ونستون تشرشل ومونتجمرى، وحاصره رجالات الثورة، وتغني بجماله الشعراء والأدباء والرؤساء، قبل أن يصبح متحفا للعوام.

وإن قلت ذلك لرفيق يعرف التاريخ، وقف على طبقتك ومستواك الاجتماعي.. ورجَّح أن يكون جدك أو أبوك كان خادماً في القصر، أو ماسحاً لأحذية الملك، ولهذا سكن بجوار القصر الكبير، كما سكن أجداده الأُول حين بنوا الأهرامات، وعاشوا في بيوتٍ كالمقابر.

ـ أنت يا أعمي ..

هكذا صاح سائق في صفوان، وهو يكاد يسحق قدميه.

ـ مش تاخد بالك؟.

اعتذر صفوان بايماءة من رأسه دون أن يخرج يديه من بنطاله وواصل الطريق إلى بيته دون أن يرفع عينيه عن الأرض..

كان يمشي وكأنه ترك الجزء الآلي منه يعمل.. فانعطف يميناً ويسارا.. وعند الناصية وقف، وسأل نفسه سؤالاً لا يقبل التأويل أو التأجيل: ـ أي الأشياء أسرق الآن؟ صيدلية؟.. مقهى؟.. شقة مهجورة؟ سوبر ماركت؟ سيارة مفتوحة؟ بار مزدحم؟.

لم تكن لديه أي خبرة يستند إليها، أو خطة يعتمدها.. ربَّما كان يبحث عن أي نزوة أو مغامرة، وربَّما كان يريد أن يرتكب   حماقة ما.. يمكن أن يكررها فيما بعد. لكن الشجاعة خانته في  كل المواقف، فما يكاد يدخل صيدلية أو مكتبة أو حانة، حتى يتردد، ويتلعثم، ويخاف أن يفتضح أمره، فيتحجج، ويسأل صاحبها عن الساعة، أو عن سلعة يعرف أنها غير موجودة... ثم ينسحب بسرعة، وهو يشعر أن صاحب المحل قد قرأ أفكاره، أو عرف مقصده .  ماذا يفعل إذن؟ وكيف يغتني كالآخرين؟        ومتي ينتقم لفقره وحرمانه؟ وإلى متى يظل صائما عن نعم الله الكثيرة   التي تمور من حوله؟.

فكر فيما يرتجيه فوجده قليلا للغاية: يريد شيئاً يأكله، ولبسا يلبسه، وظيفة تستره.. فهو لا يدخن، ولا يتعاطى المخدرات  ولا يطمح إلى قصر، أو سيارة فارهة. وفي نفس الوقت لا يعادي كل ذلك... لكن الفقر عوده دائماً على الحد الأدنى من كل شيء.. فأصبح يكتفي من غابات العالم بشجرة، ومن بحاره بسمكة، ومن نسائه بامرأة، ومن ذهبه بدبلة..

لم يعد يخاف السجن، فهو سجين شقته، سجين وعيه المحافظ المهادن، في عالم يتصارع فيه الناس كما تتصارع النسور  على جيفة..   لا مكان فيه لصابر, أو مهادن، ولكن لمن يأخذ الدنيا غلابا..

كان ذلك يضايقه كثيرا.. ويطيل انطواءه، إذ لماذا لا يكون العدل؟.. لماذا لا تتاح الفرص لمن يرتجيها؟  لماذا يؤخذ باليد ما يجب أن يؤخذ باللسان؟

كانت الشوارع قد خلت من المارة.. حين فكر صفوان في خوض المغامرة الأولي وما كاد يدخل مطعما فاخرًا حتى داهمته المخاوف، وجلله الخجل.. يسرق ماذا؟ كيس فينو؟ قطعة كيك مغلفة؟ يأكل ويجرى؟ لماذا تعلم إذن؟ وكيف ينظر إلى نفسه في أي مرآة بعد ذلك؟.

لكم شعر باحتقار لنفسه لم يشعر به من قبل. وتمني أن يعود إلى شقته فورًا، أو تسحقه سيارة مارقة..

ولكن لماذا لا يكون له ما للآخرين؟.. أليست هذه البلد بلده أيضا؟ ألا تحاسبه حين يخطئ، أو يشرد، أو يخون؟  لماذا لا تعطيه ما يستحق؟  "بعضا من حليبها المبذول للجميع؟

أو ثمرة من ثمارها الدانية؟"

كانت هذه الأفكار كافية لأن تدفعه إلى أقرب بار.. في البداية داهمته العتمة والبرودة، ومن هيئات الزبائن عرف أنه بار شعبي فقير، لكنه كان بحاجة لأي سند.. أي مدد يُعينه على النسيان.. يُسكت فيه ذلك الجزء الصاحي من عقله.. من ضميره.. من عصبه الحائر..

طلب كأسا، وكأسين، حتى شعر بحلقه يحترق، والضباب يغشي عينيه ويميت قلبه.. فداهمته شجاعة لم يألفها في نفسه.. حتى أنه خرج من البار دون أن يدفع الحساب، وساعدته هذه الجريمة الصغيرة على ما هو أكبر، لكنه ما إن يفكر حتى تضطرب عواطفه، فيعرف أن الخمرة الرديئة لم تفعل فعلها، وعليه أن يعود للبار ليُجهز على ذلك "التايمر" الذي ما يزال يعمل في ضميره ويفسد العلاقة بين مطامح الروح، ومطالب الجسد.

لكنه ما إن بلغ البار حتى خشي من صاحبه، فواصل طريقه إلى بار آخر وآخر.. وكلما هم بالدخول شعر بثقلٍ في ساقيه، وذنب يمض قلبه، ووجد لكل حماقةٍ ألف سبب لتركها     أو تأجيلها.

لكنه تعلم شيئا لم يتعلمه من أمه أو أبيه، وهو ألاَّ يسبح ضد فطرته وطبعه، فلا يمكن أن يكون غير ما كان، وأنه لكي يعيد تشكيل وعيه وطبعه، عليه أن يعود إلى رحم أمه، ويبدأ من الصفر.. من النطفة الأولى.. ولأنه عجز عن فعل ذلك فقد ابتاع كل الجرائد، وبحث فيها عن وظيفة جديدة.. وفي الصباح دخل مكاتب، وصعد سلالم، وفي آخر الليل عاد يسحب ساقيه، ويستعد لجولة ثانية، لم يكن هناك ما يخسره، فتقدم لكل الوظائف الممكنة، وترك سيرته في أكثر من شركة، وتليفونه في أكثر من مكان، ووقع على عدة إقرارات وتعهدات دون أن يفقد الأمل.

وبعد منتصف الليل، عاد مرهقا فأكل ما تيسر.

ونام بحذائه..

 

الفصل السادس

في الصباح سمع جلبةً بمدخل البيت، وسمع من يناديه باسمه وكنيته، فتجاهل الأمر لبعض الوقت، فلا أحد يسأل عنه، لكنه حين سمع اسمه كاملا سعي إلي السلم فوجد أُناساً يصعدون إليه فارتعب وفكر فيما حدث في البار، وفي كيفية الهروب فلم يجد مفراً.

ـ أنت صفوان عبد الفضيل؟

أومأ برأسه، وهو لا يجد لعابا يبتلعه، كان يتوقع الشر في كل الحالات، ويقدم الضرر على المنفعة.

ـ احنا قناة الـ B.W.C قناة خاصة، عندنا برنامج مباشر اسمه: "أسبوعان من حياة مواطن" بنختار فيه مواطن عادي ونسجل معاه أسبوعين كاملين على الهواء مباشرة، مش حتعمل أي حاجة.. حتاكل، وتشرب، وتنام، وتقبض. قلت إيه؟

ـ بس كده؟ طب وده يعتبر شغل؟.

ـ اعتبره شغل.. أنت مش طلبت أي وظيفة وتركت عنوانك عندنا؟ تحب تاخد كام؟

ـ طب شيّلوني أي حاجة.. طلّعوني أي سلم.. حسّسوني أنها فلوس حلال..

ـ خمسمائة جنيه كويس؟.. ألف؟

ـ لكن....

ـ خلاص.. خليهم ألفين.. مرتب وكيل وزارة. موافق؟.

وقبل أن يتأمل ويستوعب ويستعيد، وضع الرجل الألف الأولى في يده وقدم ورقة:

ـ إمضي.. والألف التاني بعد التصوير إن شاء الله..

أمسك صفوان بالقلم، وهو لا يعرف إن كان يحلم أم يأمل.. كل ما يذكره أن حياته قد اضطربت، فتداخلت فيها الخيالات وأحلام اليقظة، مع الواقع الرازح من حوله..

ـ إمضي يا أستاذ.. ما فيش وقت.

لم ينتظر طويلا.. فوقع على العقد دون أن يقرأه.

ـ تحب نسجل إمتي؟

ـ زى ما تحبوا..

ـ بعد بكره كويس.. وأهو نعمل شوية دعاية للحلقة O.K.؟.

ـ O.K ..

وقبل أن يغادروا الشقة قدموا أنفسهم لـ صفوان الذي لم تغادره الدهشة بعد.

ـ أنا عبد القادر الشهري المخرج، ودا فتحي البيومي    المعد، ودا سعيد شربت المصور، واللي اداك الفلوس دا الأستاذ صفوت جمجوم مدير الإنتاج.

وقبل أن يغلقوا الباب خلفهم، رجوه أن يترك كل شيء على حاله.. وألا يغير أي شيء في الشقة، أو ينقل مقعدا من مكانه.

وحين تأمل النقود بين يديه، وشعر بملمسها الغريب تيقن أن ما سمعه وشعر به، كان حقيقة واقعة.. وأنَّ ما بين يديه الآن هو ثمرتها اليانعة.. ولكن ما لم يصدقه بعد هو ضخامة المبلغ المدفوع. ألف جنيه في أسبوع؟. إنه مرتب يفوق الخيال، ويحسده عليه أي رئيس جمهورية..

كان أول ما فكر فيه ـ لكي يقطع كل شك ـ أن ينزل الآن فيشتري ما يريد ـ وما أكثر ما يريده ـ فانتعل ما تيسر، ونزل مسرعاً فابتاع أكلاً ولبسا ومأكولات كثيرة، ملأ بها الثلاجة الفارغة، وتخلص من الملاءات القديمة التي حال لونها، وتمزقت أطرافها.. ورمي في القمامة حذاءه المثقوب، وبيجامته التي أكلتها القذارة، وطالها الجرب.

وفي الصباح ذهب إلى السنترال ودفع الغرامة فعادت الحرارة ودفع الإيجار، وفواتير الكهرباء، وغير أنبوب الغاز، وملأ البرطمانات بالشاي، والسكر، والسحلب، والقرفة، واليانسون، وأتي بورق ملون، ففرشه في المطبخ، ثم بخادمةٍ عجوز فمسحت الشقة ٍ"وزفرت المواعين" برائحة اللحم والسبانخ، ورشت الصراصير، وسدت حفرتين للفئران.. ثم أتي بمقعد قديم، فركبه ليغير المصابيح التي احترقت منذ أعوام، وغلفتها العناكب، وأتي بمسامير فثبت بعض المقاعد وطاولة المطبخ، وقبل أن يجزل العطاء للخادمة، رجاها أن تدعك حوائط الحمام وملحقاته ففعلت.. وقبل أن تغلق الباب خلفها، كان قد نزل بسرعةٍ واشترى بعض المزروعات والأزهار، فوزعها على السطح وفي أركان الشقة.. ثم نام قرير العين..

 

الفصل السابع

في الصباح نادوا عليه مجدداً فلم يسمعهم.. ركنوا سياراتهم اللامعة فأغلقت الحارة، وصعدوا بمعداتهم الثقيلة إلى سطحه النظيف.

فتح صفوان بابه وهو يغالب النعاس.. لكنه ما كاد يرى المخرج ومساعديه، حتى بش في وجوههم.. ومد يده ليصافحهم.. بعد أن تيقن أنه لم يكن يحلم.. لكنهم تجاهلوه، وانتشروا بمعداتهم داخل الشقة وخارجها.

ـ هيه.. إيه الأخبار؟

ـ عال..

ـ نشتغل؟

ـ تحت أمركم.

وقبل أن يفكر صفوان في أي شيء، كان المخرج قد سحبه وأغلق الباب، وجلس في مواجهته على مقعد قديم:

ـ شوف يا سيدي..

وراح يعدد له الحركات، ويحدد السكنات.. دون أن يفقد نظراته اللاسعة.

ففهم صفوان أن عليه أن يعيش كما كان يعيش من قبل، وأن ينسي أن هناك ست كاميرات تصوره.. واحدة في المطبخ، وأخرى في الصالة، وثالثة في غرفة النوم، ورابعة في البلكونة، وخامسة على باب الشقة، أما الأخيرة ففي غرفة الكراكيب. ولكي يطمئنه، أخطره أنها كاميرات حديثة وصغيرة، لن تشكل له مشكلة فهي تتحرك عن بعد، أما غرفة "الكنترول" فستكون في مكان آخر خارج البيت، بل وخارج الحي كله، وما عليه إلاّ أن يعيش مثلما كان يعيش قبلا.. يأكل ما كان يأكله، ويشرب ما كان يشربه، ويحادث من كان يحادثه، أما إذا كانت له علاقة نسائية يمكن أن تتجاوز القبلات البريئة، فلينتظر حتى ينتهي التعاقد، حفاظا على تقاليد المجتمع وعاداته، وغمز له بعينه ففهم.. وضحك..

في هذه الأثناء كان العمال والفنيون يعلقون كاميراتهم في كل مكان، ويثقبون الحوائط والأركان بآلات كهربائية مزعجة، فيما تأهب الكوافير، ومدير التصوير، والمونتيرة لبدء أعمالهم، فوجد صفوان من يقص شعره، ومن تجفف له عرقه، ومن تضع البودرة تحت عينيه، وتحف حاجبيه بملقاط صغير في يدها..

ـ كل المطلوب منك هو تنفيذ الأوامر.. ولا تخرج إلا بإذن.. مفهوم؟

هكذا قال المخرج وهو يشرف على وضع الكاميرات، ويتأكد من الإضاءة، ويساعد مدير التصوير في تحديد الأبعاد والزوايا..

ـ تحب نغير اسمك؟

ـ لا.

ـ عارف اسم البرنامج؟

ـ أسبوعان من حياة مواطن..

ـ برافو.. لبِّسه المايك يا رضوان.. وعرفه ازاى يخلعه ويشغله..

كان أولاد الحارة قد تجمعوا على السطح ليعرفوا ما يجرى.. فطردهم صفوان على الفور، ودخل ليغير ملابسه قبل أن تعمل الكاميرات.

ـ لو تحب نركب لك كاميرا في الحمام ممكن نزودك 50% من الأجر.. إيه رأيك؟

ـ لا.. الحمام لا ..

ـ ليه؟ أنت أولى بألف جنيه في أسبوعين.. ويكون في علمك.. أنا ممكن اظبطها على النص اللي فوق بس.. قلت إيه؟

حاول صفوان أن يجد منفذاً للهروب.. لكن المخرج ضغط على يده، وهمس في أذنه، ثم غمز بإحدى عينيه، فوافق على مضض..

قال صفوان لـ صفوان: لأصبر على الاستحمام أسبوعين مثلما صبرت على الفقر سنوات. وبالألف جنيه أستطيع بعدها أن أسبح في شرم الشيخ، وأترك جسدي لنعيم "الساونا" وبنات الساونا، ومساج الساونا، وكريمات الساونا.. يا عيني على الساونا.

ـ إن كانت لك آراء سياسية تغضب الحكومة، فلا داعي لها.. أما الدين فأبعدنا عنه لا تفت في أي شيء.. كل. وأشرب. ونم. وبعد أسبوعين أفعل ما بدا لك..

هكذا نصحه المعد وهو يغادر الشقة.. فيما راح المخرج يتابع "البروفات" على "مونتور" صغير مع مساعديه، ويختبر الإضاءة.

ـ خلاص يا عم صفوان.. اتفقنا؟

ـ اتفقنا..

ـ أي خروج تتصل بي عشان أبعت لك كاميرا متنقلة، تروح معاك في أي مكان. مفهوم؟

ـ مفهوم

ـ قدامك ساعتين بالضبط.. ونبقي على الهوا لمدة 24 ساعة في اليوم.. ماتخعلش المايك إلاَّ لما تنام. مفهوم؟

ـ مفهوم..

 

الفصل الثامن

مر اليوم الأول على صفوان، كما تمر الأيام العادية.. صحا من النوم متأخرا فدخل الحمام، وأعد فطوره المعتاد، ثم خرج ليروي مزروعاته المنتشرة على السطح والأسوار، ومن هناك تطلع إلى قصر عابدين.. حيث رأى الحرس وهم يغيرون وردياتهم بصلابة عسكرية واضحة. وعلى باب شقته التي تحتكر السطح الرحيب لاحظ الكاميرا وهي تتابعه آليا فتجمد لبعض الوقت، لكنه ما لبث أن تذكر ما حدث، فأغلق الباب، ووضع "المايك" في مكانه فسمع المخرج يناديه:

ـ صباح الخير يا أستاذ صفوان.

ـ صباح الخير..

ـ احنا مش اتفقنا أنك ماتسبش المايك إلاَّ لما تنام؟..

ـ آسف يا أستاذ عبد القادر.. مش حتتكرر.. نسيت.

ـ أرجو ذلك.. تحب تقول حاجة للمشاهدين؟.. أنت حتكون على الهوا بعد ربع ساعة.

ـ أحب أشكرهم.. وأتمني إني ماكونشي ضيف تقيل عليهم.. و..

ـ لا.. لا.. تقدر تقدم نفسك قبل ما نفتح الخط المباشر بينكم.. سمعت المذيعة قالت إيه امبارح؟

ـ معنديش تليفزيون ولا راديو..

ـ قالت إنك مواطن مصري عادي جدا.. عازب.. ومتبطل.. ولا تكاد تجد قوت يومك؟

ـ دا صحيح.

ـ وأنك للسبب ده فكرت في الانتحار أكثر من مرة، وفشلت؟.

ـ مظبوط .

ـ ولا ترى أي أمل في المستقبل البعيد؟

ـ ولا بعد ربع ساعة..

ـ للدرجة دي؟... وقالت إنك ضحية من ضحايا رئيس الحكومة.. وفشل سياساته.. و

ـ تمام.. تمام.. بس انتوا قلتوا متتكلمش في السياسة.. أصدق مين فيكو؟

ـ صدقني أنا.. أنا المخرج.. أنا "الليدر" والمسئول الأول عن البرنامج ده.. مفهوم؟

ـ مفهوم.

وبعد ربع ساعة أتته أول مكالمة، فتردد.. لكن المخرج أمره بالرد.. فرد:

ـ صباح الخير يا صفوان.. أنا أمك. فاكرني؟

ـ صباح الخير يا أمي.. إيه اللي فكرك بيه؟

ـ شفتك في تليفزيون الجيران قلت أكلمك.. ولا أنت نسيتني؟

ـ..............

ـ وبعدين إيه العز اللي انت فيه ده.. تلاجة مليانة، وهدوم جديدة، وميه معدنية، أمال بتيجي تشحت مني ليه.. هما أدولك كام؟

ـ وبعدين يا أمي.. دا وقته؟

ـ وقته ونص.. ويكون في علمك بقي.. أنا ليه تُمن الشقة اللي أنت قاعد فيها دي.. آه.. ومن حقي أني أرفع عليك قضية كفالة.. أنا أمك ومن حقي تصرف علىَّ.. و..

ـ وهو انتو عن سيبتولي حاجة عدله قوى.. آهي حتتنكس.. ويقع فوق دماغنا مع السلامة يا أمي..

ـ وكمان بتقفل السكة في وشي.. اخص عليك آلو.. آلو..

وضع صفوان السماعة وذهب ليعد كوبا من الشاي، فرن الهاتف من جديد..

ـ فيه إيه تاني؟.. نعم؟

ـ آلو.. برنامج أسبوعين من حياة مواطن؟

أدرك صفوان أن المتصل ليس أمه، فتدارك الأمر:

ـ أيوه.. مين حضرتك؟

ـ مش مهم مين زفتتي.. بالذمة دا اسمه كلام؟.. أنا عمرى   ما شفت جحود زى كده..

ـ حضرتك طالب نمرة كام.

ـ أيوه ياخويا استهبل استهبل.. مش أنت صفوان عبد المجيد؟

ـ عبد الفضيل يافندم.

ـ عبد الفضيل ولا عبد الرحيم مش مهم، كلكم عبيد.. المهم أني شفتك في التليفزيون، وسمعت الكلام اللي دار بينك وبين أمك.. وأحب أقولك أنك ولد عاق.. جاحد.. ناكر للجميل.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبدون عبدون: السبتية.. القاهرة.

وضع صفوان السماعة متعجباً، وقبل أن يذهب ليعد الشاي رن الهاتف من جديد:

ـ نعم؟. فيه إيه تاني؟.

ـ آلو.. برنامج أسبوعين من حياة مواطن؟.. ممكن أشارك في البرنامج..

ـ أتفضلي أنتي شاركتي بالفعل..

ـ على فكرة حضرتك إنسان جاحد.. ناكر للجميل..

ـ الله.. الله.. وبعدين يا ست انتي.. عيب كده.

ـ عيب إيه؟.. أنت تعرف العيب؟.. حد يكلم أمه بالشكل ده؟ دانت نموذج للفساد.. جاتك نيلة عليك وعلى اللي عمل البرنامج..

وقبل أن تبصق المتصلة في التليفون، كان صفوان قد وضع السماعة، وعرض المخرج فاصلاً قصيراً اعتذر خلاله لصفوان عما جرى مبرراً ذلك بـ: "حرية الإعلام الجديد". وأكد أنه سيوقف ذلك حالما تنتهي "الساعة الحرة".

وحين قال إنه لم يتفق على ذلك، طالبه المخرج بأن يقرأ العقد جيداً، وخاصة البند الثاني ـ الفقرة الأولي ـ ثم صاح آمراً: أكشن.. فانتهي الإعلان ورن جرس التليفون:

ـ آلو.. نعم؟

ـ ممكن اشترك معاكم؟

ـ اشتركي ياختي..

ـ ممكن أسألك.. أنت متجوزتش ليه لحد دلوقت؟

ـ ليه؟ عندك عروسة ليَّ؟.

ـ أنت ألف واحدة تتمناك يا أستاذ صفوان.. أمور.. ولون.. وعندك شقة..

ـ أيوه بس أنا مابفكرشي في الجواز دلوقت؟

ـ عشان ملقتش اللي تفهمك.. اللى تقدر مشاعرك النبيلة.. وقلبك الأبيض.

ـ أعتبر ده غزل.. ولا إعلان زواج؟

ـ أعتبره زى ما تعتبره.. أنا من حقي أعلن عن نفسي.. تعرف في مصر كام ألف عانس.. كام ألف أرملة.. كام ألف محرومة، احنا داخلين في نفق يا أستاذ صفوان نفق مظلم مش عارفين حيوصلنا لفين.

عرض المخرج إعلانا لمدة دقيقة نصح فيها صفوان بعدم التمادي مع المشاهدات، فتظاهر صفوان بالموافقة، وهو يتمني أن تكون كل المكالمات بهذه الصورة، قبل أن تأتي المكالمة التالية:

ـ آلو.. ممكن أكلم التحفة اللي انتوا جايبينه لحد بيوتنا ده؟

ـ الله.. جرى إيه يا أستاذ.. أنا أعرفك منين ولا تعرفني منين؟

ـ أنا ما يشرفنيش إني أعرفك.. دا مرد ترده على أمك       يا جاحد.. يا فاشل؟

ـ عيب كده يا أستاذ.

ـ العيب مش عليك.. العيب على تجار الخيش. كل واحد عمله فضائية يقول فيها اللي عايزه.. فين الرقابة.. فين النقابة.. فين الـ..

وما كاد المخرج ينزل بإعلان حتى خلع صفوان المايك ورماه على الأرض غاضبا:

ـ أنتم جايبني هنا عشان تهزأوني؟.

ـ معلش يا أستاذ صفوان.. آخر مكالمة وتنتهي "الساعة الحرة" أرجوك..

ـ "دي مش "ساعة حر"ة.. دي ساعة سودة.. ساعة مسخرة.. حتى المكالمة الوحيدة اللي فيها الرمق قطعتوها. أنا مش حأرد على حد"..

وهنا اضطر المخرج لاستخدام العصا والجزرة.. فوعد وتوعد.. فما كان من صفوان إلا أن يرد على آخر مكالمة وأمره لله:

ـ آلو..

ـ نعم

ـ من فضلك ممكن أتكلم مع الأستاذ سعدان؟.

ـ النمرة غلط يا أستاذ أنا اسمي صفوان.

ـ متأسف.. متأسف.. أنا الدكتور سعيد الخربوطلي أستاذ الطب النفسي بجامعة حلوان.

ـ حلوان البلد ولا المحطة؟

ـ في الحقيقة أنا عايز أشيد بفكرة البرنامج.. وبالخدمة الإعلامية اللي بتقدمها الـ B.W.C صحيح هي مش جديدة، وبنشوفها في أكتر من فضائية عابرة للقارات وبيسموها تليفزيون الحقيقة ـ ريالتي. تي. في ـ لكن النكهة المصرية مدِّياها طعم تاني خالص.

ـ طبعا.. ما هي لازم تديها طعم تاني.

ـ أنا في الحقيقة مش متابع جيد للتليفزيون.. لكن أتيح لي أني أشوف حوالي ساعتين ـ  Live ـ من البرنامج. ونفسي يكون فيه تحليل معمق كل كام ساعة، لسلوك وردود أفعال حضرتك بواسطة علماء وخبراء في علم الاجتماع والاقتصاد والنفس والتربية وغيرهم لتقييم وتقويم سلوكك يا أستاذ صفوان..

ـ أنا سلوكي معزولة كويس يا دكتور.. الخوف تيجي القفله منكم مش مني..

ـ أنا بتكلم جد.. يعني لو سألتني نفسك في إيه دلوقتي.. أقول نفسي أعرف حركة المعدة، وطبيعة الإنزيمات والهرمونات اللي فيها، وأمتي بتزيد أو بتقل، الضغط، وسرعة النبض والترسيب.. فسيولوجيا العقل، وغيرها من الوظائف الحيوية.

ـ يظهر أن عندكو أزمة في الفيران يا دكتور.

ـ أنا آسف.. أنا مقصدش أي إهانة لحضرتك.. أنا قصدي بما أننا بنتصارح وبنتكاشف في عصر العلم والتكنولوجيا، ليه مايكونش فيه كاميرا داخلية قدّ الترمسة تـ..

ـ كاميرا تاني؟.. مش كفاية اللي في الحمام؟ دانا أمي مشفتش جسمي من يوم مافطمتني..

ـ يا أستاذ صفوان كلنا هذا الرجل.. هو أنت لوحدك اللي بيدخل الحمام؟.. القضية أنك أكثرنا جرأة وشفافية. ورغبة في خدمة العلم.

ـ علم إيه يا دكتور.. احنا حنضحك على بعض؟.. هو أنا لو كنت لاقي آكل كنت عملت كده؟

ـ ما هو ده اللي ممكن يعمله علم الاجتماع.. وعلم النفس الاجتماعي وغيرهم. وبعدين يا سيدي التكنولوجيا سهلت لنا حاجات كثيرة.. وأصبحت المناظير اللي كنا بنتباهي بيها من سنتين بس بقت موضة قديمة. دلوقت نقدر نزرع كاميرا في كبسولة صغيرة قدّ الترمسة.. تبلعها زى البرشامة، عموما دي فكرة بقدمها لمخرج البرنامج..

وبكرر تحياتي وتقديري للجميع..

 

الفصل التاسع

مر اليوم الثاني على صفوان كأنه دهر.. تراكمت فيه الأحداث والتحفظات، وسمع فيه بعض الشتائم والمهاترات، فتصلبت ملامحه عدة مرات، وقبل أن ينام شعر بتغيرات داخلية لم يشعر بها   قبلا: اضطرب هضمه، وتوترت أعصابه، وداهمه الصداع والأرق. فتذكر أنه لم يأكل جيدا، ولم ينم ظهرا كما  تعود، ولم يدخل الحمام، أو يرى الشارع، ولو أتيح له أن يرى نفسه في عيون الآخرين لتوقف نبضه. إذ لم يعد وحده في شقته، حتى ولو كان ضيوفه الأرازل مجرد كاميرات من حديد.

لكنه استطاع ـ بقدرته القديمة على الصبر والتحمل ـ أن يتكيف بسرعة، ويغير بعض سلوكياته وعاداته الغذائية، فتعلم كيف يأكل بالشوكة والسكينة، ويمسح فمه بمنديلٍ نظيف، ويغسل أسنانه قبل أن ينام. وفي اليوم الثالث، حدث ما حدث في اليوم الثاني.. لكن بحدة أقل واعتياد أكثر.

وفي صباح اليوم الرابع، بدأت ردود الأفعال تأتيه في شكل هدايا عينية، ومنتجات مصرية وعربية: أدوات كهربائية ومنتجات ألبان، كتب وتذاكر سينما، منظفات صناعية وروائح، موبايلات وتحف ثمينة، سجائر أجنبية ومعلبات، فواكه وبذور، براويز، وألبومات مصاحف وأناجيل، حبوب وبقول، شنط وستائر معدنية، حراير وولاعات، منتجات بحرية ونيلية، سبح وساعات رقمية، بيتزا وهوت دوج، معجنات وسكاكر.. دعوة لزيارة لبنان ومارينا، وأخرى لجزيرة كريت وبادوفا.. ومن رجل أعمال دعوة لزيارة فيلته في شرم الشيخ، ومن سعودي أتته عمرة مجانية، وباقة ورد من ملكة جمال تونس، وكاميرا فيديو من شركة يابانية، ومن فضائية عربية لزيارة قبرص، أو التزلج على جبال لبنان، ومن قناة جنسية تدعوه لزيارة موقعها على الانترنت، ومن فصيل صومالي يدعوه للتبرع بثمن بندقية لقتل خصم، ومن مغترب عربي يدعوه لزيارته      في أحراش أفريقيا، كما تلقي حزمة بخور من كويتي يزور  الهند، وباقة ورد من حقوق الإنسان، وكمبيوتر بلا أي مقدمات   أو فوائد من شركة خليجية..

وهكذا اكتشف العاملون بالقناة أن شقة صفوان، وسطح بيته تحول إلى معرض "خبيث" للدعاية والإعلان، فاتصلوا بالمختصين وخبراء الإعلان، فنصحوا صاحب القناة بأن يتسامح مع الهدايا الشخصية المغلقة، وألا يتسامح قط مع أي ابتزاز أو التفاف، وعلى من يريد أن يعلن عن سلعته فعليه أن يدخل من الأبواب    الشرعية والمشروعة، وأن يتخذ كل الإجراءات المالية والقانونية الواجبة، وأكدوا على ضرورة أن يصادر كل الهدايا التي تحمل علامة تجارية واضحة، أو مضمرة.

يستشف من خلالها أي دعاية مجانية لأي شركة أو مسئول حزبي أو عقائدي، وأن يتساهل مع الهدايا الصغيرة طالما كانت داخل مظروف، أو طرد، أو جوال غير ممهور بأي علامة تجارية. ولما تأكد مدير الإنتاج أن صفوان لا يملك غسالة      ولا تليفزيون ولا مكنسة كهربائية ترك له ذلك بعد أن أزال علاماتها التجارية، واضطر أيضا أن يزيل علامة شركة كوكاكولا ويضع علامة "بيبسى" التي تعاقدوا معها بالأمس، ولم تصلهم منتجاتها بعد، ليشربها صفوان ـ باستمتاع ـ أمام المشاهدين ويسكب الباقي على رأسه ..

كان صفوان قد طلب أن ينزل إلى وسط المدينة مثلما كان يفعل كل يوم، فأرسل له المخرج كاميرا لترافقه إلى هناك.. وفي حارته التي لم يرها منذ ثلاثة أيام، لاحظ أن الناس تشير إليه    وتتهامس، ووجد البقال الذي لم يشتر منه شيئا منذ مات أبوه، يصافحه بحرارة، ويطلب أن يتصور معه، وهو ينظر للكاميرا صائحاً:

ـ أبوه كان صاحبي.. الله يرحمه..

وعلى الناصية سمع النساء تزغرد، والأطفال يصافحونه ويرسمون بأصابعهم علامات النصر، كاشفين عن أسنانهم المتسخة، وعيونهم الذابلة.

في البداية لم يستوعب الأمر كما يجب، فلم ير نفسه في التليفزيون أبداً، ولا يعرف كيف يمكن ذلك. كل ما يعرفه أنه التحق بعمل، وعليه أن يؤديه.. أما أن يكتسب شهرة أو جاها، فلم يفكر في ذلك أو يتوقعه.

لكنه ما كاد يصل إلي شوارع وميادين وسط البلد، حتى رأى وعرف كل شيء.. ففي أحد محلات الأجهزة الضخمة التي كان يتصعلك أمامها ولا يجرؤ على دخولها قبل أسبوع، رأي نفسه يتحرك في عشرات التليفزيونات المعروضة للبيع.. فظن أنها مجرد دائرة تليفزيونية مغلقة، لكن الأمر اختلف حين رأى المدير والبائعات الجميلات يدعونه للدخول فدخل، وتأكد مما لم يكن يتوقعه، ولاحظ أن البنات يصافحنه ويحاولن أن يبقين أيديهن في يديه لأطول فترة ممكنة، وهن يتفرجن على أنفسهن في عشرات الأجهزة المعروضة عبر الفاترينات المصقولة.. وقبل أن يستجيب لدعوة المدير على "التفضل" بشرب القهوة في مكتبه، سمع المخرج يصيح عبر سماعة الأذن اللاسلكية ويحذره من ذلك، ويطلب من المصورين أن يكثروا من لقطات الزوم على الوجوه، مخافة أن يظن صاحب القناة أنها دعاية مجانية للمحل، وفي "الأمريكين" طلب "مكرونة بالبشاميل" لأنها أرخص وجبة يقدمها المحل، لكنه فوجئ بالنادلات الفاتنات يملأن طاولته بالجمبري، والحمام المحشي بالمكسرات، وسلطات المايونيز والكافيار، واللحم البارد والنبيذ، وعدة أطباق أخرى لا يعرف اسمها، تُوضع على  الطاولة، وقبل أن يذكرهن بما طلب، فوجئ بالمدير يصيح مرحبا ويأخذه في حضنه، قبل أن يقدم نفسه للمشاهدين، فيما كان صفوان يحاول أن يفهِّمه أنه لم يطلب كل هذه المأكولات..

لقد طلب شيئاً واحدا ومحددا يستطيع أن يدفع ثمنه، وسبق له أن أكله هنا حين باع ملابس أبيه وأغراضه القديمة لبائعٍ متجول.

لكن المدير أقسم بحسم قاطع، وعزيمةٍ لا تلين ألا يقبل مليما.. وأكد أنه: لشرف كبير للمحل، ولصاحب المحل، أن يزوره "صفوان بيك".. أمير الأمراء، ونصير السياحة العابرة، وأشهر المشاهير، ثم طلب منه ـ بحياء بنت بكر ـ أن يتكرم ويصعد للدور الثاني حالما ينتهي من غدائه، حتى يتناول ما يطيب له من مشروبات وحلويات وفواكه مستوردة على حساب المحل.. فما كان من صفوان إلا أن نزع السماعة من أذنه حتى لا يسمع صراخ المخرج، وانقض على الأكل وكأنه يأكل لأول مرة في حياته، وفي صحوة لا تحدث كثيراً في مثل هذه الحالات، تذكر المصورين فطلب أن يأكلوا معه، بل قام بنفسه ونزع السماعات عن آذانهم.. متحملا كل النتائج. وفيما كانوا يأكلون ويشربون، كانت لعنات المخرج تتناهي عبر السماعات البعيدة.

ـ يا مفاجيع يا ولاد الكلب.. والله لأحولكم كلكم للتحقيق.. حط السماعات يا حمار أنت وهو.. خربتوا بيتي الله يخرب بيوتكم..

فيما كان صاحب المحل يهدي لكل فرد من أفراد الطاقم لفة كبيرة، عليها اسم المحل واضحا وضوح الشمس، وكأنه يوزع ميداليات أولمبية على المتفرجين. ولكي يرفع من نسبة الضغط والسكر لدي العاملين في الكنترول، ولدي صاحب القناة، ظل يصافح كل واحدٍ وهو يهديه هديته، ويمهرها ببسمة تجارية لكاميرا البرنامج، وقبلة عريضة للأهل والأصدقاء..

 

الفصل العاشر

اجتمع رئيس القناة ـ لأول مرة ـ بطاقم التصوير الخارجي الذي رافق صفوان إلى وسط البلد.. وظل يتكلم ساعة دون أن يسمح لأحد بالرد أو الاعتراض.. وبعد أن تناول كل حبوب الضغط والسكر، هددهم ـ فردًا فردًا ـ بالرفت والطرد، إن كرروها.. قال أنه يخسر "دم قلبه"، ويتعرض كل يوم للحبس والاغتيال من أجل شرف المهنة، وأنتم "تلغون"، و"تظلطون" و"تهبرون"، و"تشفطون" في وسط البلد، وأين؟.. في محلات: إن دخلتها لتصافح صديقك وخرجت، لابد أن تكون وارثا محدثا، أو لصا محترفاً، فما بالك بست حناطير يهجمون على أصناف من الحلويات، والمشويات، والمقليات، والآيس كريمات، والمزات، والمشروبات أراهن إن كان وزير الصناعة نفسه يعرف أسماءها.. وهل هي من المطبخ الصيني أم النرويجي الهندي أم الأمريكي، الإيطالي أم الياباني؟ قال:

" لقد فكرت أكثر من مرة في بيع هذه القناة المشؤمة، أو عرضها للاكتتاب العام، بل وتمنيت أن يحرقها إرهابيون، أو تقع عليها طائرة ركاب أمريكية، أو حتى فرنسية، لأستريح وأعود لتجارة الخشب، لكنني تذكرتكم وتذكرت بيوتكم التي ستخرب، وأولادكم الذين سيشردون..  قلت يا ولد: إن كنت قد عصيت الله عدة مرات، "وزودتها حبتين" في شبابك، فليكن هؤلاء المساكين فرسانك إلى الجنة أو حبلك في النار"..

ثم أقسم بجد جدوده أنه لا ينام مثلما ينام كل البشر.. وإن نام: تفزعه الكوابيس، وكثيرا ما يرى جسده جيفة بين ضباع وكواسر لا تعرف الشبع.. مع أنه لا ينتج دراما حتى يخاف الرقابة، ولا يبتز الضيوف، رغم أن بعضهم يكاد يعلن عن بضاعته بفجاجة من يبيع النفتالين في الباصات، ويدقق في اختيار المذيعين وبرامج الهواء حتى لا يرن التليفون البرتقالي، ثم تساءل:

ـ "هل أدَّعي النبوة وأنكر أنني تاجر؟.. وإن مصلحتي تسبق وعيي؟ لتذهب "الخدمة الإعلامية" إلى الجحيم.. أعلِّم من؟ ولماذا؟ وما دور الحكومة ومؤسسات الحكومة؟ أنا لست "بابا نويل" لأوزع هداياي على البؤساء، ولولا المنافسة التي لا ترحم  لعرضت أتفه البرامج، واستوردت أرخص الأفلام ونافقت كل الناس"..

وما كاد أحد المصورين يرفع يده ليدافع أو يشرح، حتى صاح المدير محتدا وكاد يرمي بمطفئة السجائر في وجهه، ثم نعت الجميع بالتنطع والتواكل، قبل أن يؤكد أن:

ـ هناك التزامات لابد أن تُدفع، أجور ومرتبات لموظفين وموظفات.. مشاكل يومية مع المرور، والبلديات، غرامات تأخير وتمويل، وتخزين، قضايا مرفوعة في عشرات المحاكم المصرية والعربية ضد برامج أو مذيعين، من محامين متفرغين، يبحثون عن الأضواء، بعد أن زادت أعدادهم، وقل رزقهم.

تعويضات لعاملين تضرروا، أو أصيبوا أثناء عملهم، محاضر تصوير خارجي بدون إذن، استدعاءات لمحاكم ومديريات أمن تهديدات مضمرة ومعلنة من جماعات متطرفة، اتهامات خارجية بالعمالة والتجسس، شتائم وسباب، واتهامات بالعنصرية من بعض الدول الشقيقة.. مشاكل مع شركات الإنتاج والتوزيع، قضايا محجوزة للحكم من فنانات ومطربات لأضرار مادية أو معنوية. أحكام لتثبيت بعض المراسلين، وإعادة بعضهم الآخر، رشاوى مقنعة ومغلفة بالسكر لوسطاء ومستشارين لا نعرف فيما نستشيرهم، أو متي نحتمي بهم، فضائيات تنافسنا في السماوات والأرض  و "أنتم نايمين في العسل، ولو تأخر مرتبكم يوم تفضحونا في الصحف والمجلات مش كده وبس.. لا.. ورايحين تلغوا وتمزمزوا وتظلطوا في أغلي محلات وسط البلد.. محلات ـ أنا يا صاحب المحطة ـ أخاف أدخلها... كفاية البنات اللي فيها.. وجمال البنات اللي فيها..

آخر مرة دخلت البن البرازيلي كان من سبع سنين، دفعت عشرة جنيه في فنجان قهوة شربته وأنا واقف، ولما رجعت البيت كنت عايز أطلق مراتي. فما بالك بالأمريكين والماكدونالدز والاكسلسيور والويمبي والهوت دوجز. وهلم جرا..

أنا حاكتفي المرة دي بالخصم.. لكن قسما عظما.. لأدخلنكم في دوامات، ما حد فيكم يعرف فيها رأسه من فاسه.. ولا فانلته من لباسه..

رفعت الجلسة..

 

الفصل الحادي عشر

لم يعرف أحد ـ ولا صاحب القناة نفسه ـ لماذا استثني صفوان من الخصم، واكتفي بتعهد كتابي بعدم تكرار ما حدث.. لكن الرسالة وصلت، وهذا ما كان يهمه، والمثل يقول "اضرب المربوط يخاف صفوان عبد الفضيل ومن والاه".

كانت القناة قد بدأت تنتعش بالفعل، وتقف على قدميها في ظل منافسة لا ترحم، وهو ما يعني لكل ذي عينين وعقل تجاري: زيادة الموارد وتطوير الخدمات وتوفير الحوافز والمكافآت، حتى لدي من يتعامل مع مشروعاته كما يتعامل "العربجي" مع حصانه.. من مصلحته أن يطعمه لكي يأتي له بالمزيد، لذلك استعان برأي الخبراء والنصحاء، والمنشقين على الفضائيات الغريمة، ورمي بكل أوراقه، كما يرمي الصياد الماهر بآخر طعم لديه، فانهالت الإعلانات والتوكيلات من شتي أرجاء العالم العربي وبلاد المهجر البعيد، بعد أن دخلت القناة إلى البيوت.. وزاد الإقبال على مواقعها بشبكة الانترنت، وباتت مصدراً موثوقاً لدي وكالات الأنباء والصحف، وشركات السياحة والإعلان.

وأصبح اسم "صفوان" يتردد في كل مكان، بعد أن تحول شيئا فشيئا من مجرد "رجل عادي" يبحث عن وظيفة، إلى بطل قومي ورمز لكل المقهورين، والمقموعين، والمتبطلين في العالم، وبات من الوفاء للقيم النبيلة ومسايرة للموضة والعصر، أن تسمي آلاف المواليد باسم صفوان.. قبل أن ينتقل الاسم ومشتقاته إلى المحلات وأسماء الشوارع، وشركات الصرافة والتوكيلات والمصايف:

صفوان للاستيراد والتصدير، صفوان للملابس الجاهزة الصفوان للحج والعمرة، شارع صفوان ـ أنور السادات سابقا ـ فندق صفوان باللاذقية.. صفوان للمعجنات والسكاكر، سد صفوان البحري ـ النيل الأزرق سابقا ـ صفوان للرخام والجرانيت جمعية الصفوان للأعمال الخيرية، أسماك ورخويات صفوان، صفوان للغسالات والحمامات، ستالايت صفوان، صفوان لتشغيل الأيدي العاملة، صفوان للخدمات العقارية، زوروا موقع صفوان على الانترنت، الصفوان للزجاج والبراويز، صيدلية صفوان. رزنامة الصفوان، براغي وشراشف الصفوان، برج الصفوان المعدول ـ بيزا سابقا ـ الصفوانية لتصدير الأيدي العاملة.

ثم زاد الإقبال والتعاطف مع أول اتصال لصفوان مع المشاهدين.. إذ يبدو أنه لمس ذلك العصب الغامض في كل البشر.. ذلك الخيط الرهيف المشترك الذي راوغ العلماء والفقهاء واستعصي على الخبراء والمدراء..

كانوا قد نصحوه بالعموميات، والبعد عن الأقانيم الثلاثة، لكنه فتح كل الملفات، ولمس بالفطرة ـ أو بقوة الكبت والدفع الذاتي ـ كل الكوامن والكوابح.. فتكلم عن طفولته، وكيف حرم من أبسط الحقوق: حرم من عطف الأب، وحنان الأم، وصدر الأصدقاء وتعاطف الصديقات، فلم يلعب، ولم يغامر، ولم يطمئن، ولم يفرح، ولم يعش طفولته أو صباه.

بحث عن حلول ومخارج، لكن الإخفاق كان يلازمه، كما يلازم الظل صاحبه، أين يكمن الخلل إذن؟ أين خرائط الأمل والسعادة؟ وما قيمة أن يعيش المرء وحيداً في هذا العالم الصاخب الصامت؟.. لا ابن يذكره، أو هدف يسعى إليه؟

ظلام دامس، فراغ لا حد لامتداده.. شموع تخبو كل يوم في حنايا الذاكرة.. وعلى سطحها القريب أولاد يضربونه، وكلاب صغيرة تطارده في الحواري، فيرمي كراريسه ويسعى نحو أمه فلا يدركها.. فئران تنام تحت وسادته.. ذباب لا يقف إلاَّ على وجهه.. مراهقات يسخرن من بنطاله المفتوق وحذائه المثقوب.. وظائف ينالها من لا يريدها.. صديقة تتركه إلى عجوزٍ غني كوابيس تداهمه إن استراح لحظة، آمال وطموحات يدوسها الكبار بأقدامهم الثقيلة، وعيونهم الشاخصة الصقيلة.. لم يبق ـ إذن ـ إلاَّ الهشيم.. إلا القبض على كرامته كما يقبض الصقر على فريسته فهو لم يضرب عن الزواج تبتلا، أو حباً في العزوبية، ولم يعرض عن الدنيا حبا في الفقر، أو رغبة في الزهد.. وإنما يأسا من الأمل، وخوفا من المجهول، وما يتعسه ويشقيه أنه يعرف النهاية.. يعرف تلك النقطة الأخيرة التي يتوجب عليه أن يصل إليها.. بلا أي جائزة أو بطولة أو معني أو أثر.. وعند هذه النقطة داهمته الدموع، وكأنه لم يبك في حياته، وكأنه يريد أن يتطهر من صمته الطويل، المرير، يتطهر ممن خانوه، وخدعوه، وتركوه وحيداً بلا أي وتد يربطه بالدنيا، أو رصيد من أمل.. أو رغبة في الحياة. وأمام الكاميرا قال للمشاهدين:

ـ أنا فكرت أبيع كليتي... فكرت أبيع عيني.. لكن ما فكرتش أسرق، أو أخون، أو أكون غير ما كنت..

رحت أبيع دمي في معهد السرطان.. وقفت في طابور مش ممكن تشوف أخره إلا بطيارة هليوكوبتر، شميت روايح لا تحتمل وشفتهم وهُمَّا بيمدوا دراعاتهم من طاقة ضلمة لممرض تخين.. وقبل دوري بنفرين قال لنا: "تعالوا بكره"..

ـ يا عم خلصنا.. احنا ما صدقنا وصلنا.. احنا هنا من الفجر..

ـ بص في الساعة يا روح أمك.. صايع أنا زيك؟ مليش بيت؟.

تاني يوم رحت المدبح.. وفضلت أشيل في لحوم، وأغسل في مصارين، لحد ماطرشت مصاريني، وفي الآخر أدوني شوية شغت.. رحت أغسل إيدي.. كلتهم القطط، بعت دهب أمي ورحت الخليج، وفي جمرك الرطبة قالوا لي جاي ليش يا مصري؟ قلت مش عارف.. فتشوني وقالوا: وين شنطتك؟ قلت في بيتنا.

قالوا: ما عندنا سياحة ولا فلاحة. تشرب بترول؟

قلت: أشرب.

قالوا: أدخل ولما ترجع ما تخبي شيء في تكة سروالك، ولا في جواربك.. ولا في...

قلت حاضر.

وبعد ست شهور رجعت مديون، ومهزوم.

ـ وين أغراضك يا فرعون؟..

قلت: سرقوها الهنود والسنود.

قالوا: الحمد لله.. غادر.

فغادرت..

 

الفصل الثاني عشر

لم يتوقع أحد أن يأتي رد فعل المشاهدين على اعترافات صفوان بكل هذه الحدة والانتشار، حتى صفوان نفسه لم يتوقع ذلك... فقد حكاه مرة لزميلٍ كان يشاركه الغرفة في الملاحات فتركه ونام، وتهامس به مع نوال فلم تحفل به، بل صارحته بأن حياتها أكثر ميلودراما، وصارح به رفيقا عربيا ـ ذات ليلة ـ فقال: كلنا ذلك الرجل..

فماذا حدث بالضبط.. هل الناس هي التي تغيرت، أم هو الذي تغير؟.. ولماذا تكون نكتة الغني دائما مضحكة؟ أهو امتداد للفقر والمعاناة، أم غياب للعدل والمنطق؟.

أسئلة لا يستطيع أن ينكرها أو يثبتها أحد.. ولكن أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة من الحدة والشدة، فذا ما يستوجب الحيرة.. فما إن توقف صفوان عن الكلام حتى انهالت المكالمات والاتصالات عبر كل الهواتف، والرسائل الالكترونية، ولم تسلم تليفونات مدير القناة، ولا المخازن، ولا الأمن الصناعي ولا العلاقات والاتصالات، من الرنين والضجيج.. حتى الموبايلات الشخصية لحرس المبني، وعمال الديكور والمهنيين، وحينذاك وجد صاحب القناة أن الموضوع قد "دخل في الجد"، وأن بعض الوزراء اتصلوا به عبر الخط الأحمر، وشد بعضهم على يده، وأبدى الآخرون تخوفهم من تأليب الرأي العام ضد الحكومة، أو إثارة كل المحبطين والمتبطلين ـ وما أكثرهم ـ في العالم العربي.

وكانوا على حق، ففي صباح اليوم التالي، تصدرت قضية صفوان صفحات صحف المعارضة قبل أن تنتقل إلى الصحف العربية وشبكات الانترنت. واضطرت الصحف القومية أن تشير إلى ذلك في صفحاتها الداخلية ولو من باب إبراء الذمة.

وما أثار دهشة المراقبين ـ والمسئولين الأمنيين ـ هو خروج عشرات المظاهرات والمسيرات الكبرى إلى شوارع العواصم العربية وبلاد المهجر. فهل آن للشعب أن يقول كلمته؟ هل آن "للرجل العادي" أن يصل "للرجل العادي"؟ هذا ما كتبته الصحف والمجلات على صدر صفحاتها الملونة، فانهالت ثرثرات النخب، وتعليقات النخب، وتناقضات النخب.. وتنبأت صحيفة قومية بعصر الرجل العادي.. بعد انحسار دور السلاطين وأنصاف الآلهة، وتقوقع الأرستقراطية على مصالحها، وبات على من يراهن على المستقبل القريب أن يعرف أنه يراهن على حصان نزق..

لذلك حاول المخرج ـ بإيعاز من مدير القناة ـ أن يقنع صفوان ببلع كاميرا في حجم حبة البازلاء، حتى تكتمل    الدائرة، ويعرف الناس ما يدور في الداخل والخارج معا.. فرفض صفوان مرات ومرات، وحين أقنعه المخرج، بحيله التي لا تنتهي، رأي صفوان ما في معدته فكاد يتقيأ.. فعبر "مونتور" صغير مع المخرج رأي صفوان معدته ملأى بالنفايات اللزجة والانقباضات الدائبة، فأغمض عينيه قرفا وامتعاضا، ولم ينقذه من التقيؤ، سوى رنين التليفون:

ـ ألوه.. واد يا صفوان

ـ مين اللي بيتكلم؟

ـ وكمان مش عارفني.. مش عارف أمك يا قليل الأصل..   يا ناكر الجميل؟.

ـ عيب يامه كده.. الناس سمعانا.. وكفايا اللي حصل المرة اللي فاتت..

ـ وهو أنا متصلة بيك إلا عشان كده.. طب لما أنت عارف الناس الكبارات دول كلهم، ما تخليهم يعالجوا ركبة أمك يا جاحد ولا أنت زى اللبلاب...

ـ مالها ركبتك يامه؟

ـ مالها ركبتي؟.. وأنت من إمتي كنت بتسأل على ركبتي    ولا على حياتي؟ متكلم الوزير يجيب لي مرهم ولا حاجة.. أنت مش عارف إن ركبتي مجزوعة؟.

ـ وأعرف منين يامه.. ماهو لو كان ليكي موقع على الانترنت كنت عرفت.

ـ وكمان بتتريق يا ابن عبد الفضيل؟.

ـ من غلبي يامه.. من غلبي.

ـ وأنت إيه اللي مغلبك يا روح أمك.. عايش أحسن عيشة.. وبتاكل حاجات عمري ما سمعت عنها.. ولو كان أبوك عرفها مكانشي مات.

ـ طب إيه اللي يرضيكِ يا أمي؟ أأمريني.. أنا تحت أمرك.

ـ أبعت لي حتة قماشة حلوة.. وشوية لحمة من اللي عندك دي.. جايز ركبي تخف شوية.

ـ حاضر يامه.. أي خدمات تاني؟ مع السلامة..

وضع صفوان السماعة، وهو يحاول أن يخفي رد فعله ليبدو متماسكا فلايكرر ما سبق. وما هى إلاَّ دقائق حتى جاء الاتصال التالي.

ـ ألو.. أيوه يا صفوان بيه، أنا سعفان التايه عضو مجلس الشعب.

ـ شعب مين حضرتك؟..

ـ شعب مين؟.. شعب مصر يا ابني.. أنا نازل إن شاء الله عن دايرة إمبابة، عمال، ورمزي هو القفل.. ويشرفني أني أنول صوتك الأسبوع القادم إن شاء الله.

ـ أيوه.. بس أنا مش ساكن في إمبابة... وبعدين ماعنديش بطاقة انتخابية..

ـ مانا عارف يا ابني انك ساكن في عابدين. لكن اطمئن.. كل دي حاجات بسيطة.

ـ و............. ..

ـ ماتشغلش بالك.. كل دي تفاصيل هايفة.. وبطاقة الانتخاب حتاخدها إن شاء الله وأنت واقف.. نفسي أخدمك يا أخي.. بس أنت سيبك من الفئات.. ومقالب الفئات.. وخش على العمال والفلاحين.. وربنا يسهل، خلاص يا صفوان.. متنساش. سلامو عليكم..

وما كاد يضع السماعة، حتى سمع المخرج يصرخ أثناء الفاصل ويندب حظه العاثر.. وبعد أن هدأ قليلا، عرف أنه شارك في بث إعلان مجاني، ومخالف للقانون والدستور، وأن رئيس المحطة سيفصله، وربَّما يسجنه أو يوقف راتبه ورزق أولاده..

ولم يسكته سوى رنين جديد، فرد صفوان:

ـ يارب متكونشي أمي.. نعم.. آلو.

ـ سلامو عليكم

ـ وعليكم السلام.

ـ والله أنا سمعت الـ chating بتاع الست والدتك، وشايف أن بعض الناس بيحسدوك، رغم أنك معندكش تكييف كويس، وأنا بصراحة مش قادر أفهم حتى الآن ليه ميكونشي فيه تكييف في كل بيت مصري؟.. احنا بلد صحراوي وعندنا تسع شهور حر و..

ـ طب أتشرف الأول باسم حضرتك.

ـ أنا عاصم النحلاوى مدير مبيعات شركة C.W.B لأجهزة التكييف، والوكيل الوحيد والأخير لمنتجات شركة K.L.S العالمية وبيشرفنا إن حضرتك تتكرم وتقبل جهاز اسبليت من أحدث منتجات الشركة هدية، ولو وافقت حضرتك، بكره الصبح حتلاقيه متركب.. وعال العال...

ـ يا سلام.. عمار يا مصر.. لسه فيه ناس هبله كده.. قصدي على نياتها كده؟.. تصدق بإيه يا أستاذ؟

ـ لا إله إلا الله.

ـ رد صفوان.

ـ أنا أول مرة في البرنامج ده أشوف حد بيقدم خدمة لوجه الله... روح يا شيخ.. ربنا يكتر من أمثالك.. ويخليك الوكيل الوحيد لكل الشركات..

ـ العفو يا أستاذ صفوان دا أنت مثل، وقدوة، بس لي رجاء..

ـ إيه حتطلب مقدم.. ولا غيرت رأيك؟

ـ لا.. أنا بأمثل شركة محترمة يا أستاذ.. كل رجائي إن العمال والفنيين اللي جايين يركبولك الجهاز بكره إن شاء الله مايخدوش مليم.. احنا مانعين البقشيش، احنا شركة محترمة.. ووكلاء لشركة محترمة.. باي باي..

وقبل أن يفيق صفوان من الصدمة، جاءته المكالمة الأخيرة:

ـ آلو..

ـ نعم

ـ بطلنا القومي.. وتاج راسنا.. الأستاذ صفوان عبد الفضيل؟

ـ أفندم

ـ احنا مكتب الأستاذ / ربيع مفتاح المحامي بالنقض ومحاكم أمن الدولة.

ـ ربنا يكفينا شركم.. نعم.

ـ احنا مكتبنا في شارع 26 يوليو فوق سينما ريفولي على طول، الدور الثاني.

ـ إن شاء الله الإرهابيين حيفجروه.. قول.

ـ شوف يا مولانا.. الأستاذ ربيع كلفنا أنا الأستاذ / عادل سليمان المحامي.. وزميلي الأستاذ، مظلوم عبد الراضي المحامي برفع قضية مستعجلة ـ على حساب المكتب طبعا ـ ضد كل من أهانك باعتبارك رمز وطني.. وثروة قومية.. و..

ـ طب ومستعجلين ليه؟

ـ ما هي لازم تكون مستعجلة يا أستاذنا.. ويكون في علم حضرتك.. حنختار أشيك وأوسع محكمة فيكي يا مصر.        كل المطلوب من حضرتك شوية بيانات. معاك الأستاذ       ربيع، أتفضل يا أستاذ ربيع..

ـ ربيع إيه في الحر ده؟..

ـ السلام عليكم يا بركتنا.. أنا أخوكم في الإسلام الأستاذ / ربيع مفتاح المحامي بالنقض وكافة شيء..

ـ نعم.

ـ نعم الله عليك.. عامل إيه يا نصير المظلومين.. يا فخر كل المحامين.. يا منقذ الأيتام والمساكين، يا... بقول لحضرتك إيه.. تسمح لي أقول قصيدة؟

ـ لا.

ـ طب معاك الأستاذ / مظلوم عبد الراضي..

ـ أقطع دراعي إن ما كانوا عصابة.

ـ سلاموا عليكم يا فخر كل المصريين.. يا زعيم كل الـ..

ـ خش في الموضوع يا أستاذ.. مين اللي ظلمك؟

ـ ما شاء الله.. دا مش ذكاء وبس.. لا.. ده ذكاء وخفة دم كمان... طب بقول لحضرتك إيه؟..

ـ قول.

ـ كنا ناويين نرفع جنحة مباشرة على الدكتور اللي شجع حضرتك على بيع كليتك.. وعلى الجزار الجشع اللي شغل حضرتك وضحك عليك.. وعلى الموظف العراقي اللي شتمك في الجمرك وقال لك يا فرعون.. وإن أمكن نعرف اسم الحرامي الهندي اللي سرق أغراضك.. وعكر مزاجك..

ـ أيوه.. بس أنت عرفت التفاصيل دي منين؟

ـ أنت مش قلت الكلام ده على الهوا يا أستاذ؟.. ودا يعتبر في حد ذاته بلاغ ـ وتوكيل رسمي ـ لمن يهمه  الأمر..

ـ يا أستاذ أنا مقلتش حد حرضني أو شجعني على بيع كليتي.. أنا قلت فكرت.. عارف يعني إيه فكرت؟ تاني حاجة أنا مقلتش أن الجزار ضحك علىَّ، أنا قلت إنه اداني شوية شغت، وعبال ما غسلت راسي ورجعت، لقيت القطط أكلتهم. تحب ترفع دعوى على القطط؟. أما بالنسبة للحرامي الهندي فأنصحك ـ بما أنك فاضي، وجاي تكلمني عن حاجات فات عليها ربع قرن ـ أنك تختصر الوقت وترفع دعوة على رئيس الهند شخصيا.. ولما تحبسه هايجيب لك الحرامي غصب عنه من تحت الأرض..

ـ فكرة عبقرية.. معاك اسمه وعنوانه؟

ـ لا.. إنت بس تروح الهند وتسأل.. وبالمرة فيه هناك نوع من اللب للناس الفاضية.. يادوب تقدر تقزقز تلات حبات في اليوم.. هاتلك خمسة ستة كيلو..

وربنا يسهل.

 

الفصل الثالث عشر

في قاعة اجتماعات بفندق كبير اجتمع "رهط" من الخبراء والإعلاميين لمناقشة ظاهرة القنوات الحرة، آخذين من "ظاهرة صفوان" نموذجا على تشكيل الرأي العام، وتغيير اتجاهاته. وكان المطلوب: "تدبيج" تقرير جامع مانع يكون تحت يد صانع القرار.

قال أكبرهم سنا: دعونا نضع الأمر في نصابه. ففي طفولتنا الباكرة، كنا نتجمَّع "كالكتاكيت البردانة" في حديقة عامة لنرى "التليفزيون" وهو يرمي علينا بصور الحروب، ولقاءات الضباط. وكلما ضج أحدنا، أو خالف النظام، كان الموظف المسئول يصعد على سلم ليطفئ "التلفزيون" حتى نتعلم الأدب ونعرف فضل الحكومة وسلطة الحكومة...

ولا يفتحه إلا بعد شفاعات، ومعاهدات وأيمانات. وفي لقطة   لا تنسي:

أراد أحدنا ـ من فرط الحماسة ـ أن يصافح عبد الناصر شخصياًَ وهو يخوض طريقه بين الجموع، فأخذ مقعداً، وتسلل خلف الجهاز الغريب، ولا نعرف ماذا فعل، لكننا سمعناه، يصرخ صرخة الموت، والكهرباء تنقطع..

لم يكن التليفزيون متاحا حتى للأغنياء، كما لم يكن الراديو موجوداً إلا في قصر عبود باشا، وأبو رجيلة باشا، والخواجة صيدناوى وغيرهم، إذ كان يحتاج لخدم تحمله، وحشم تشغله، وحرس يحميه ..

كان يبث قناة واحدة لمدة ساعتين، بالأبيض والأسود وفي أحيان كثيرة بالأسود والأسود..

أما الآن فيستطيع أي فلاح أو عامل بسيط أن يري العالم بضغطه على "ريموت كنترول".

وقال أكثرهم شبابا:

ـ لنكف ـ إذن ـ عن التغني بالسيادة الإعلامية، فنحن في سباق مع الزمن، ولم نعد نملك إلا أن نكون جزءاً من هذه القرية الكبيرة.. وفرعا من إشاراتها العابرة. وإن كان لنا أن "نجابه" و"نقاوم" و"نتصدى"، فلنجابه التخلف، ولنقاوم التبعية، ولنتصد للخمول والتواكل..

وقال أرجحهم عقلا وحكمة:

ـ أنا شفت الولد اللي اسمه عطوان أو صفوان في B.W.C. ولو سألتوني عن رأيي لقلت إنه أصدق الكذابين.

مهم يا جماعة إن المشاهد يشارك في اللعبة.. ويشوف نفسه في مرآة الآخرين، خصوصا الرجل العادي.. لازم تُسكت فيه نوازع السخط والعدوان، وتُشعِره إن فيه أمل.. وإن "الدور عليه". ويمكن دا يكون سر من أسرار "الأغنية الشبابية" إن الناس تقف مع المطرب، وتغني معاه، أو ترد عليه، وهو يحرص على أن يقدم الميكرفون وينزل وسطهم في عملية تمسرح وتطهر. وباي باي لعصر المنابر والمواعظ..

وقال آخر:

مين كان يتخيل إن لاعب كرة ربَّما لا يجيد القراءة والكتابة ويعيش في قرية أرجنتينية نائية، يصبح أكثر شهرة من غاندي  وجيفارا، لمجرد أنه ـ في مرة من المرات ـ "شاط الكورة برجله فدخلت جول"؟. أو مطرب لم يقرأ كتابا في حياته، يتجاوز القارات بأغنية أو إشاعة بثتها فضائية من الفضائيات؟.

ـ إنها من علامات القيامة يا أستاذ.. اللهم أكثر من أمثالك    يا صفوان.

هكذا صاح أحدهم فتركوه يخطب، ووقعوا على تقرير، أوصوا فيه بعكس ما قالوه..

 

الفصل الرابع عشر

كان صفوان قد بدأ يمل هذه اللعبة الغبية، التي غيرت تكوينه الكيميائي فبدأ يضايقهم، ويحاول أن يبتعد عن القاهرة فقرر أن يسافر إلى الفيوم، علَّهم ينهون عقده، لكنهم لم يفعلوا، ففي الصباح اضطرت إدارة الإنتاج أن ترسل عربة البث الخارجي لترافقه إلى الفيوم.. لكن صفوان رفض أن يركبها.. وقال إنه كان يسافر في سيارات أجرة عادية، مع مسافرين عاديين، بعضهم يحمل قفص فراخ فارغ بعد أن باع ما فيه، وبعضهم الآخر قادم لتوه من سجن القناطر، أو قصر العيني، أو معهد من المعاهد العلاجية.

حاول المخرج ـ بما له من رصيد في قلب صفوان ـ أن يقنعه بأنه سيبث على الهواء، مثلما يبث مباراة في كرة القدم، ولا يمكن أن يذهب في هذا الجو الخانق، والبعد الشاسع بدون عربة بث مجهزة، وطاقم فني على أعلى مستوى، ومتابعة أمنية  ترافقنا، وتسلمنا لغيرها.

ولكي يحسم الأمر أشار إلى الدش المتحرك فوق السيارة المكيفة، وإلى أجهزة البث والمونتاج والصوت والاتصالات فأدرك صفوان أنه على حق، وأنه لكي يجهز سيارة عادية بكل هذه المعدات والآليات فلن يكون ذلك قبل شهر أو شهرين.. لكنه أراد أن يعاند ويتمرد معتمداً على رصيده لدي رجل  الشارع، وصعوبة أن تستغني القناة عن خدماته.

ولكي يكسب "عبد القادر" الوقت اتصل بإدارة الإنتاج فأرسلوا ملابس وأقفاصًا لفلاحين وتجار وطلبة، وسيدة بطفلها الرضيع كانت تلح منذ أسبوعين على أي عمل .

وهكذا اكتمل " النصاب القانوني " فتحركت السيارة   بمصورين، ومساعدين يرتدون ملابس عمال، وكهربائية في زى تجار، ومدير إنتاج في زي قرصان خارج لتوه من السجن، وامرأة كانت محجوزة برضيعها في قصر العيني، ومخرج يلف رأسه الصغير بعمامة تاجر كبير، ويحاول أن يسيطر على بطة متسخة البطن والذيل تحاول عند كل مطب أن تطير، أو تنقر عمامته أو نظارته الطبية عند كل منعطف..

فيما راح صفوان يغفو بين الحين والآخر.. ويحاول أن يستعيد ذكر آخر مرة زار فيها الفيوم، فوجدها بعيدة، وغير سعيدة.. حيث تاه في شوارع متربة تغص بالمعيز والكلاب الضالة.. وعلى مداخل البيوت المعتمة تجلس النساء على الأرض المبتلة تفلي كل واحدةٍ منهن رأسها أو رأس ابنها.. وتتطلع بفضول ـ لا يقبل الحياء ـ في الذاهبين والقادمين .

على مشارف المدينة استقبله "السيد المحافظ" بين جوقة من رجاله المبجلين ولاحظ صفوان أن المحافظ قد انحني قليلاً وهو يصافحه، وكذلك فعل أتباعه.

ـ أهلا يا ابني.. الفيوم نورت.

ـ منورة بأهلها يا سيادة المحافظ.. أخبار السمك إيه؟

ـ جاهز يافندم.. اتفضل حضرتك على الأوبرج.

ـ أنتوا زرعتوه في الأوبرج؟.. طيب والبحيرة؟.

ـ بحيرة إيه يافندم؟

ـ بحيرة قارون.. لسه موجودة؟

ـ طبعا.. طبعا.. حتروح فين يا باشا.. اتفضل حضرتك.. الطريق يا حمدان أهلا وسهلاً.. أهلاً وسهلا.. أنا عارف إن حضرتك جاى عشان وادي الريان.. لكن ياريت تسمح لنا بنص ساعة من وقت حضرتك نستعرض فيها إنجازات المحافظة.

ـ إنجازاتك مشهودة يا سيادة المحافظ.. كفاية اللافتات اللي على الطريق من الجانبين: ابتسم أنت في الفيوم.. سبحان الله.. ابتسم أنت في الفيوم.. سبحان الله.. من أول متر في الجيزة لحد هنا.. بس فيه حاجة بسيطة قوى مخلتناش نبتسم طول الوقت، وهي إننا رحنا سنورس لأننا ملقناش أي يافطة تدل على الفيوم، لكن كويس.. استمروا.. ربنا معاكم.

ـ يا صفوان بيه متنساش إن الأمية عندنا في الفيوم أكثر من 60 في المية.. نكتب لمين ولا مين؟.. إحنا يا سعادة الباشا محافظات شهيدة.. كومبارس.. إحنا وبني سويف، وبنها، تابعين لغول اسمه القاهرة. لا حد بيظهر إنجازاتنا، ولا أعيادنا.. لا عندي فنادق، ولا شواطئ، ولا بنية أساسية تشرفني وترفع راسي..

ـ أنت مش عندك عيال؟..

ـ الحمد لله عندي سعاد وطلعت..

على فكرة يا صفوان بيه.. طلعت ابني مبسوط من برنامجك قوى.. ولما عرف إني حقابلك النهارده طلب صورة من حضرتك.. وكان نفسه يشوفك لكن الامتحانات بقي هي اللي...

ـ هو في سنة كام؟

ـ تانية ثانوي.. لكن أنا وعدته إن حضرتك حتشرفنا مرة ثانية.. ولا إيه يا صفوان بيه؟ أطمنه؟.

 

الفصل الخامس عشر

بدأ السيد / W.G الرئيس والمدير والوكيل الأول والأخير لقناة b.wc. يدير مواتير عقله، وتروس ذاكرته، فشخص مشكلة صفوان على الفور، وهداه حسه الرأسمالي، ووعيه البراجماتي   إلى العلاج الناجح، فقد علمته التجارب إنَّ البشر مثلهم مثل القرود، مربوطون من شهواتهم.. يتصرفون بمنطق الخوف من العصا، أو الطمع في الجزرة، ومن السذاجة أن تنتظر من أي قرد أن يعمل لك "عجين الفلاحة" مجانا.

لكن النجاح غير المتوقع لصفوان ـ وجماهيريته التي تجاوزت الحدود ـ لم تبق في يده سوى خيار وحيد: وهو الجزرة.

لذلك قرر أن يرفع أجره ومكافأته، ليقطع عليه كل سبل الهروب والتمرد، لكن صفوان فاجأه بما لم يتعلمه في كلية التجارة، أو أدغال الحياة، حين أخطره أنه لن يستكمل          هذه المهزلة، إلا إذا حصل على 20% من مردود      الإعلانات، خصوصاً بعد أن وصلت الأمور لديه إلى "فتحة الإست"، وأغلقت كل منافذ الحرية، ولم يعد باستطاعته حتى المشي في الشوارع، أو إقامة أي علاقة طبيعية مع غيره من البشر.

إنه تعويض بسيط قد يستطيع به ـ بعد أن تنتهي اللعبة ـ أن يحبس نفسه في شقة أوسع حتى يموت، أو ينتقل إلى حي آخر    لا يعرفه فيه الكثيرون.

أما رئيس القناة فقد لاحظ أنَّ صفوان قد تجاوز كل الخطوط الحمر، ولافتات التحذير التي وضعت لأمثاله، فاستعان بمستشاريه، ومن يرسل لهم مرتبات شهرية دون أن يراهم، فأفاده بعضهم برأيه، واعتذر بعضهم عن الحضور. لكنه أدرك أن مثل هذه البرامج يصعب الرهان على نجاحها في المستقبل، فهي كالكباب لا يؤكل باردا، وكالبيرة لا تشرب إلا باردة، ومثلما أهاجت عواطف الناس بسرعة، يمكن أن ينساها الناس بسرعة.. وعلى اللبيب أن يقطف ثمار ذلك ولو كانت نيئة، قبل أن يتركها لغيره ناضجةً ودانية. ولكن هل يعني ذلك أن يدفع 20% من صافي الإعلانات؟ وهل يخضع للابتزاز بكل هذه السهولة؟ أي حرية تلك التي يتكلم صفوان عنها؟.. ومن منا يملك هذه الحرية بالفعل؟.. كلنا نضحي بحريتنا من أجل مصالحنا.. ونقدم المصلحة على الوعي، والضرورة على الحرية، وجزء من مشكلة المسود أنه لا يدرك أنني سيد عليه، ومسود من غيره، "ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض ". لذلك حاول أن يناور ويهادن، يعد ويتوعد.. لكن كل هذه المحاولات لم تؤثر على صفوان، الذي بدا كأنه قد باع كل شيء، وراهن بكل ما يملك وبدت أيامه الأولي أكمل وأفضل، صحيح أنها كانت فقيرة ومحبطة لكنه كان يشعر فيها بإنسانيته، بقدر ما على التأمل، يجعله يفرح حتى بالحد الأدنى من الحياة.. نعم.. كان يستطيع أن ينام دون أن تداهمه الكوابيس، يرتدي ثيابه أو لا يرتدي.. يأكل ما يجده دون أن يشقيه ما لدي غيره، يدخل الحمام أو لا يدخل يمارس دوره الطبيعي كمخلوق يخطئ ويصيب، يسقط وينجو، يحلم ويأمل، يسهر أينما شاء، ويعود وقتما يريد.

أما الآن فقد شعر بتغير في تكوينه العضوي، في فطرته، في حساباته.. ولهذا وذاك يريد أن يعود لنقطة الصفر.. للهواء الطلق والدنيا البراح. وإن قُدر له أن يبيع كل هذا، فليكن بمالٍ وفير.. فهو لا يبيع بعض وقته، أو حتى بعض جهده لفرد أو حكومة، لكنه يبيع طبعه، وحريته، ووعيه، وعلى من يشتري كل ذلك أن يدفع الكثير.

أما مدير القناة فقد شعر بإحباط لم يشعر بمثله، حتى وهو يخسر صفقة الخشب الأولي، ولا حين رسي المزاد على    غريمه، كان وقتها يتاجر بالآلاف، أما الآن فيتاجر بالملايين، ومن يتاجر بالملايين يمكن أن يخسر الملايين. ومع من؟.. مع عاطل مبتز لا يساوى راتبه... "أنا الذي صنعته، وهيكلته ونجمته وأنا من يستطيع أن يهدم هذا الهيكل ويطفئ هذه النجمة.

كله بمالي.. بنفوذي.. بصلاحياتي، وحيثياتي الاجتماعية.. ومن يسبقك يا حصان إن كنت تجرى وحدك؟."

بعد ساعتين من رفض صفوان لأي تنازلات، أو مساومات، كان الرئيس قد اتخذ قراره الحاسم.. فهو لن يضحي بألفين أو ستة آلاف جنيه كل يوم، ولكن يمكن أن تصل الأمور إلى ربع مليون... ولمن؟.. لصفوان عبد الفضيل الذي لا فضل له أو صفاء والذي لا يرينا إلاَّ سطحه الخارجي، ويداهمنا بظلامه الداخلي. لذلك جاء القرار باترا وساحقاً، وهو أن نبحث عن بديل لصفوان يدين له بشكله.. ويدين لنا.

بمضمونه ووعيه..

 

الفصل السادس عشر

اجتمع السيد/  W.G بمستشاريه على وجه السرعة، وأخطر من حضر منهم بما جرى.. وبعد أن قدم المشروبات الأرضية والسماوية ماطلوا، وطلبوا وقتا ليفكروا في الأمر، لكنه هب واقفا وضرب طاولة الاجتماعات ضربة، لو نزلت على جبل    لسحقته، وهددهم بأن بيته سيخرب، وبيوتهم أيضا ف20%     لا تعني سوي الخراب.. صحيح أنني أكسب الكثير، ولكنكم تعرفون أنَّ رجل الأعمال في بلادنا كأرنبة البراري.. عليها أن تلد الكثير والكثير لتبقي لها واحدة أو اثنتان، وحين حاول أحدهم أن يفاوضه حول ذلك رده الرئيس على عقبيه، وأكد للجميع أنه حاور وداور، لكن صفوان أغلق في وجهه كل أبواب الحوار. والناس عادة تهتم بالظل، ولا تهتم بالشجرة التي صنعته. وهذا هو حال الكبار، ينحنون للأقزام ليصعدوا على أكتافهم، فإذا ما تربعوا على الأكتاف، لم ير الآخرون غيرهم..

ـ أنتم أول من يعلم كم تعبنا وبذلنا من جهد ومال، لكي نجمله وندربه ونقدمه للآخرين، وعلينا الآن أن نعصره ـ كالزيتونة ـ لآخر قطرة. فهاهو الوقت يداهمنا، والمنافسة لا تعرف الرحمة، فلا تمطرونا بشعاراتكم، ولكن قطرونا بخبراتكم، وأخطرونا بما نفعل: "نغلق الباب أم نفتحه؟.. هل نستمر في اللعبة، أم نهدم كل قلاع الرمال التي بنيناها؟.. هل نؤكد أنها محض لعبة رملية ليدوسها كل عابر؟ أم نوغل في الممازحة ونصدق أنفسنا؟. دعوني أسمع إجابات لا أسئلة، فإجاباتي قليلة".. غير أنه لاحظ أنَّ إجاباتهم جاءت فيما بين السماء والأرض، فعزا الأمر للمشروبات، ولم يخطرهم بما عزم، حتى وهو يودعهم على باب مكتبه، ويثني على إجاباتهم، وما كاد يخلو بموظفيه، حتى عاود ضرب الطاولة.. ولعن كل المستشارين والأكاديميين، وقال كلاما كثيراً، فهموا منه أنه يريد بديلاً لصفوان، تكون له نفس الملامح والخصائص، حتى ولو كلفه ذلك مليون دولار: "ابحثوا في كل المحافظات.. في القرى والنجوع.. وها هو توقيعي لمن يبحث عنه في لندن أو بغداد.. أو يجده في بيروت أو طنجة".

كل ما أطلبه منكم هو السرعة والسرية.. ولتعملوا بمنطق الخلايا المنفصلة، ولترموا بكل الأسرار في حجرى.. فهناك مكافآت مجزية، وترقيات واجبة.. وبدلات مفتوحة.. أريد نسخة مطيعة من صفوان عبد الفضيل.. نسخة أستطيع أن أمسح بها حذائي حينما أريد.. أما أين تجدونه وكيف، وما هي الوسائل والأساليب، فهذا شأنكم.. ليتقنع أحدكم بقناع صعيدي، أو تاجر جلود.. خواجة أو خوجه.. عسكري أو حرامي.. فكلها خيارات مفتوحة، المهم ألا يعرف أحدكم بما يفعله الآخر، وأن تنكروا أي علاقة لكم بـ B.W.C حتى لا ينقلب السحر على الساحر".

وبلهجة خطابيةٍ غير معتادة صاح وهو يقف لينهي الاجتماع:

ـ أيها السادة.. من فضلكم.. أتحفوني بصفوان المسخ.. صفوان النذل.. صفوان المطيع ككلب.. الخنوع كحمير الجر.. الأكول كدودة القز.

ورآه آخر مغادر وهو يفرك بيديه الكبيرتين، صورة حديثة لصفوان عبد الفضيل.. ويثقبها بنابيه البارزين..

 

الفصل السابع عشر

مر وقت طويل قبل أن تعود اللجان بتسعةٍ أشخاص.. وفي شقة مفروشةٍ بوسطٍ البلد، استقبلهم السيد/  W.G  متنكراً في زى خليجي.. كان أغلبهم بالفعل يشبهون صفوان في الملامح.. لكنه حين اختبرهم كلٌ على حدة أصابه الإحباط، وكاد يطلق النار على نفسه.. فها هو الوقت يمضي، ولم يبق على تهديد صفوان سوي ساعات، ويترك لهم الشقة إلى حيث لا يعلمون.. وها هم مبعوثوه المختالون لا يجدون في أركان الأرض سوي هؤلاء الأوغاد . وما زاد من دهشته أنَّ أبعدهم شبها لصفوان هو أقربهم صوتا وطبعا إليه، فصرفهم بمعروف، واستبقي الأخير. ولم يعد أمامه إلاَّ أن يصنع قناعا محكما في أوروبا، ويُوكل من يدربه ويلقنه ويمرِّسه على دوره الجديد، في أقل وقت ممكن. وحين أتي قناع صفوان ألبسه "للبديل"، فهاله ما رأي: نفس الملامح والأبعاد والتفاصيل.. نفس الصوت والجسم والرسم.. لكنه قبل أن يخطو الخطوة الثانية كان قد ربط "البديل" بتعاقدات وإقرارات وشروط لم يفرضها الغازي على النازي.. ثم لعق شفتيه ونابيه، وهو يتوعد ابن عبد الفضيل.. الذي    لا يعرف أنَّ بين النور والنار خيطا لا يدركه إلاَّ الممعنون..

وعبر الهاتف فاوض صفوان لآخر مرة، فيما كانت القناة تعرض فقرات أرشيفية عن بداياته، والمظالم التي داهمته في طفولته. وحين فشل في ذلك أشار لمرافقيه، فقيدوا صفوان، بعد أن خلعوا ثيابه، ورموه في غرفة المهملات ثم كمموا فمه..

وحين عاد البث المباشر كان البديل قد لبس لبسه وجلس على مقعده، واستعار سمته، فيما قضي صفوان ليلته على البلاط عاريا ومكبلا في الظلام.

تفهم رجالات الأمن والخبراء ما حدث لصفوان ببعض الارتياح.. فاضطر السيد  W.G/ أن يزيل كل المخاوف، فأكد أن صفوان محجوز في مكان أمين حتى ينتهي البرنامج، ويذهب كلٌ إلى حاله، واضطر أن يصارحهم بكل ما حدث، فلم يجد أحدهم بدا من الموافقة.. فالكل شريك.. والكل في مركبٍ واحد.

والحق أنَّ صفوان قد أحرج الكثيرين، حين فتح قلبه مجانا فغير حسابات وأربك تدابير، وهو ما أغضب المسئولين، ودفع بعضهم للتهديد بغلق القناة، خصوصا والانتخابات على الأبواب، لكن صاحب القناة طمأن الجميع وحذرهم من غوايات العاطفة.. فنحن لم نعد أمام نفرٍ من الأنفار، أو شخصٍ من الشخوص، وإنما أمام ظاهرة مازالت تتنامي، وتتفاقم كل يوم، بعد أن فقدت الحكومات سيطرتها على وسائل الإعلام وأدوات العولمة، وبات عليها أن تعالج الأسباب والنتائج، ولا تجيب على الأسئلة الجديدة بأجوبة قديمة.

ثم وعدهم بأنه من أشعل جذوة صفوان، وهو ـ بعون الله ـ من سيطفئها.. ويهدم المعبد على من فيه..

إذ كسر صفوان ـ بالفعل ـ كل الأقفاص التي وضعوه  فيها، وتخطي كل الخطوط الحمر والزرق التي رسموها حوله.. فقد أرادوا به أن يمتصوا غضب تلك الشرائح المحبطة من البرجوازية الصغيرة.. وإلهائهم عن الغلاء والفساد والبطالة، لكنه أعرض عن ذلك، وعمل لحسابه الخاص. ليس لأنه متمرد   بطبعه، وإنما لأنه إنسان.. نسي دوره، ولم يدرك أن لهذا الدور خطوطا وحدودا، وقدرة على الاحتمال، والأهم من كل ذلك: أنه لم يحسن التوقيت، لذلك، بات عليهم تحجيمه وتقبيحه بنفس الحماسة التي عملوا بها لتنجيمه وتجميله.

في البدء كانت هناك خيارات كثيرة لدي السلطة، ولم تكن B.W.C من ضمنها.. منها استقدام فريق البرازيل، أو ريال مدريد، أو افتعال أي قضية تشغل الناس، ولو لبعض الوقت، كما حدث مع "فتاة العتبة" التي شغلت الرأي العام لفترة طويلة، قبل أن يكتشف الناس أنها تمثيلية وحدوتة ملتوتة..

لذلك ما إن لاحت موجة صفوان حتى ركبوها على الفور.. ودعموها بكل الدعائم والشَّباك، على أمل أن تسقط في أيديهم كل الغنائم الناضجة.. أما الشوك والحصرم، فللأعداء والحاسدين والمتربصين..

 

الفصل الثامن عشر

قبل أن يظهر البديل بيومين، فوجئ الجميع بما لم يخطر على بال أحد، وهو أنه ألثغ لا يستطيع نطق كل الحروف التي تحتوى على حروف معينة.

كانوا قد ركزوا جهدهم على تطابق الملامح، وتقارب الحركات والسكنات فنسوا غيرها.. ثم اختبروا شعوره بالكرامة، فلم يجدوا ذرة من كبرياء.. حتى إن أحدهم ضربه على قفاه ـ مازحًا ومختبراً ـ فضحك، وركله آخر في مؤخرته فواصل الضحك، ولم يستطع كبح ضرطه..

قالوا: ممتاز.. هذا ما كنا نبحث عنه. فهو يصلح لكل العصور، ويستأثر بجل المصائب..

لكن عيوب النطق يمكن أن تكشف كل شيء.. وتطيح بكل الترتيبات والحسابات.. لذا تحرك السيد/ W.G. وفتح كل الخطوط مع مستشاريه.. وحين انتهي من وصف الكارثة، أتته الردود مائعة.. نعسانة.. شاحبة، فاستدعي المخرج، وأمره أن يؤجل ظهور البديل لمدة 24 ساعة حالما يعلَّمه أحد الخبراء كيف ينطق حروف النحس هذه.

أما صفوان: "فلا تخرجه من محبسه، حتى ولو قامت القيامة، فهو كالنمر الجريح، إن خرج الآن فلن يبقي على أحد، وسيهدم كل المعابد". غير إن الخبراء اعتذروا لضيق  الوقت، ونصحوا بألاَّ ينطق هذه الحروف أصلا، أو يتجنب كل شيء، فلا يرد على أي تليفون، وهو ما يعني خسران القناة لعشرات الآلاف من الجنيهات كانت تتحصل عليها من وزارة الاتصالات وغيرها من جهات تبيع الكلام.. لأناس تحب الكلام.

ـ في ستين داهية.. خسارة بخسارة..

هكذا صاح السيد/  W.G. وهو يعطي الضوء الأخضر لمخرج البرنامج، ويرمي بسيجارته من النافذة.

وهكذا بدأ اليوم الأول بدون صفوان، فراح المخرج يستعرض السلع داخل الشقة، وينزل بالإعلانات القديمة لبنات يتقصعن ويتمخطرن على شاطئ البحر، حتى ظن الناس أن كارثةً ما قد حلَّت بصفوان، وأن هؤلاء إنما يمهدون لإعلانها أو إخفائها. وقبل أن تغرب الشمس كانت بعض الإشاعات قد تكاملت وانتشرت داخل الوطن وخارجه.

وقبل أن تشرق شمس اليوم التالي، كانت المظاهرات والاحتجاجات والتساؤلات المستريبة قد وصلت إلى مقر القناة بوسط العاصمة.. ووُجد بين الغاضبين من يكسر زجاج    المدخل، ويعتدي بالسب والضرب على أمن المبني، ومن يطالب بدم صفوان..

ووجد السيد/  W.G  نفسه في موقف لا يُحسد عليه، ولا يؤمن فيه على حياته، فأمر سائقه بالعودة إلى البيت.. قبل أن يراه الغوغاء.. ومن هناك اتصل بالمسئولين والمختصين ورجالات الأمن، وظل في فيلته بالروضة حتى جاءته الأوامر..

ـ "ارجع إلى القناة.. وتعامل مع الأمور بحكمة"..

فتنكر في زى فلاح، وتسلل بسيارته إلى هناك.. وحين دخل مكتبه من باب الطوارئ وجده محطما، وقد تناثر الزجاج والحصى في كل مكان..

نادي على السعاة فلم يجد أحدا.. وعلى الأمن فوجدهم بالمستشفي، اتصل بإدارة الإنتاج والكنترول واستديو الهواء، والإدارة الهندسية فطمأنه الجميع.. وأخطروه بأن شرطة مكافحة الشغب قد صرفت الجميع، وقبضت على بعضهم، أما مذيعات الربط ومساعدات المخرج فيختبئن في البدروم.. ولولا رحمة الله لأشعل المتظاهرون النار في المبني وسياراته العديدة على الجانبين فاتصل بالمخرج على رقمه   السري، وعرف أنه في حديقة الحيوان. فأمره بأن يذهب فوراً إلى بيت صفوان، ويحاول أن يرضيه بأي مبلغ من المال.. فإن وافق على استكمال البرنامج كان بها.. وإن بانت منه أنياب الغدر والانتقام، فليبقه في محبسه بين الحياة والموت.. ويأتي بالبديل قبل أن تغرب الشمس..

وقبل أن يبدي المخرج أي ملاحظة، طمأنه الرئيس، ونصحه بالصبر، حالما تنتهي إدارة الإنتاج، من عمل مُجسَّم لشقة صفوان في جبل المقطم. وبعدها يحلها الحلال.

وقبل أن ينهي المكالمة، أمره بغلق كل التليفونات، وكاميرات البث، وملء الفراغ بأي مادة مسلية، ثم نصحه بضرورة أن ينسي بيته وأولاده هذه الأيام العجاف، إن أراد ـ فعلاً ـ أن يربيهم، بعد أن اختلط "الحابل بالنابل" والصالح بالطالح.. ولم تعد القضية قضية رأي عام يمكن تقنينه أو تدويله.. وإنما قضية أمن قومي.. لا يمكن تأجيله أو تأويله.

وقبل أن تغرب الشمس، كان البديل الجديد قد استلم عمله بالفعل بعد أن دربوه، وعلموه، ولقنوه..

الفارق الوحيد الذي لم يلاحظه سوى المخرج هو ضيقه بالقناع الجديد.. والعرق الذي كان ينز من تحته، ويدعوه للهرش، فطلب من الفنيين تشغيل التكييف كله، وطلب من البديل ـ الذي لم يكن قد سمُّوه بعد ـ أن يكف عن النظر الدائم للكاميرات المثبتة في كل أرجاء الشقة.

وهي تفاصيل لم تكن تهم رئيس القناة، مادام الغرض من البديل قد تحقق، واستطاع ـ بخبرته وحسن تصرفه ـ أن " يوئد الفتنة في مهدها".. حتى ينام قرير العين، لذلك استجاب لرأي المخرج، ونقل صفوان مكمما ومقيدا إلى فيلته النائية بـ "كينج مريوط"، بعد أن سمع المخرج صوت تمرده داخل الغرفة المغلقة وخاف أن يفاجئ الجميع على الهواء ويكسر الباب، أو يرفع الكمامة ويفضح الجميع..

حاول بعض المشاهدين أن يتصلوا بصفوان، ويسألونه عما جرى.. وعن سر نظراته القلقة إليهم، لكن القناة اعتذرت لهم، وذكرّتهم بقواعد اللعبة وهي أن الاتصالات لها مواعيد مقدسة، لا تزيد عن ساعتين، حتى نريح ضيفنا الكريم.

وقبل أن يثبِّتوا الكاميرا على ميدان عابدين ـ بسياراته   المارقة ـ أكدوا لكل المشاهدين أن صفوان يعاني من وعكة خفيفة بسبب السهر والأكل الكثير.. وأنه لن يستطيع أن يرد اليوم على تليفونات المشاهدين بناء على نصائح الأطباء، فعذراً للجميع.. وشكراً لاهتمامهم.

وبهذا تخلصت القناة ـ وصاحب القناة ـ من أشرس تحديات اليوم الأول، وقطعت الطريق على مظاهرات واحتجاجات قيل أنها ستخرج من بيروت وبغداد، ومراكش، وعمان، وبعض المغتربين في أوربا والأمريكتين وربَّما شارك في إذكائها جمعيات أهلية ودولية يصعب حصرها.. أو رد فعلها.

فلم تعد القضية قضية شخص ـ آخر ـ يعيش في صحراء أفريقيا أو عبر البحار والمحيطات، وإنما قضية كائن حي.. مثلي ومثلك.. لابد أن يعيش ويتنفس، يأمل وينال، يفرح ويغضب.. يخطئ ويصيب.. شخص يعيش خارج نطاق جسمي نعم، لكنه يدخل غرفة نومي.. وتلابيب وعيي، أراه أكثر مما أري أهلي وأصدقائي.. وكأنه مرآتي..

أراه بكامل رغبتي وامتناني ..

 

الفصل التاسع عشر

بعد أن انتصف الليل، وجد صفوان نفسه مقيدا في شنطة سيارة تخترق الشوارع بسرعة جنونية، وتنعطف بشدة نحو اليمين ونحو اليسار.. وكلما عبرت حفرة، أو صعدت مطبا، سمع صوتا حديديا لأدوات الرفع والربط وهي تصطك من حوله، وتصطدم بأجسام معدنية مزعجة. ومن حركة السيارة وسرعتها، عرف أنها عبرت قرى، وانتظرت قطارا، وها هي تترك الأسفلت إلى الصحراء. تأكد له ذلك حين أنزلوه في الظلام، واقتادوه إلى سور أو مبني بعيد، وسمع نباحا لكلاب، وترحيبا بالقدوم.

ـ يا مرحبا.. يا مرحبا بالرداله.

ـ جايبين لك أمانة يا عطوان.

ـ أهلا بريحة الحبايب.. محفوظة يا بيه.. إتفضلوا..

وسمع فتحا لبوابة حديدية، ورأي بقعاً من الضوء تنتشر على مدى البصر.

لم تكن هناك حاجة لعصب عينيه، كان الظلام كافيا فرأى زميل عطوان يعد الشاي على راكية نار هامدة، فيما تمتد الصحراء على الجانبين.

ـ أشغل الكهربا يا سعادة الباشا؟

ـ لا يا عطوان.. إحنا ماشيين على طول.

ـ من غير متشربوا شاي؟..

ـ إسمع يا عطوان.. أوامرك حتاخدها من البيه الكبير.. فاهم؟

ـ فاهم يا بيه.. سامع يا درداوى؟

ـ سامع يا عطوان.

ومن حوارهما عرف أنهما حارسان من الصعيد الجواني، وأن من أتوا به إلى هنا لابد من رجال G.W لكنه تأكد أنه مخطوف ومحبوس في بدروم فيلا تبعد مئات الكيلو مترات عن مسكنه بعابدين، وعليه ـ الآن فصاعداً ـ أن يتخلص من قيده، وما كادت السيارة تغادر المكان، حتى بحث في الظلام فوجد مقعدا صعد عليه إلى نافذة صغيرة، فرأى أسوارا عالية، ورأى عطوان وجرجاوي يتحلقان حول النار، ويعدان الجوزة والشاي.

كان الإرهاق قد أتلف كل حواسه، بحث في الظلام عن شيء ينام عليه، أو شيء يحل قيده، وأشياء تساعده على الانتقام..

حاول صفوان ـ أكثر من مرة ـ أن يهرب من هذا الحبس الانفرادي وفشل، كانت إجراءات "الحماية" صارمة، ومتعددة الخطوط: كلاب ألمانية جائعة، لها فم التماسيح ومهارة الفهود، أجراس إنذار بخلايا ضوئية فائقة الدقة، حراس من "الصعيد الجواني" يتناوبون الحراسة ليلاً ونهارا.. صحراء ممتدة إن أخطأت الطريق طمرتك الرمال المتحركة، وإن ضللت نهشتك النسور والضواري.

ومن محبسه البدرومي المعتم.. كان يسمع الحراس وهم يتسامرون حول النار، وسمعهم يتصايحون، فنادى:

ـ عطوان... جرجاوى..

فنهض الرجلان رعباً، دون أن يجرؤ أحدهما على التقاط سلاحه.

ـ مين؟.. مين؟..

هكذا صاحا بصوت واحد، وهما يستعيذان من الشيطان الرجيم.

ـ أنا صفوان.

ـ صفوان مين؟.

ـ صفوان اللي..

ـ ايوه.. ايوه.. وعاوز إيه يا صفوان أفندي؟.

ـ عايز أشرب شاي.

ـ شاي إيه الساعة دي؟.. داحنا كنا نروح في داهية.. أنت بتتكلم منين..

ـ بتكلم من بقي ..

ـ أنت حتهزر معايا.. مانا عارف أنك بتتكلم من خاشمك..طب يكون في علمك، إحنا ممنوع نتكلم وياك واصل. ولا حتى نقولك سلامو عليكم.

ـ ليه يا عم درداوي؟

ـ أوامر.. وبعدين أنت عرفت اسمي كيف؟

لاحظ صفوان أن هنالك بعض الفلل والقصور، التي بناها بعض الموسرين ـ غسلا لأموالهم، أو خوفا من تقلبات الزمن ـ في الصحراء الغربية، متناثرة وخيالية المساحة.. لبعضها عدة حمامات سباحة، ومهابط لطائرات الشارتر، ومضمار لسباقات الخيول، ومزارع للنعام والغزلان، تمتد بامتداد النظر، نادرا ما يراها أصحابها.. ونادرا ما ينام فيها ـ أو خارجها ـ إلا الخفر أمثال: "جرجاوى" و"عطوان".

ـ الشاي يا ولد العم.. بس وحياة أبوك.. ما تقول لحد..

وأنزل الكوب من خلال حديد الشباك، فشب صفوان على المقعد ليلتقطه بلهفة، وما كاد يرتشف الرشفة الأولي حتى شعر بأنه أفضل شاي شربه في حياته.

ـ معندكوش تليفزيون هنا يا عم درداوي؟

ـ عندنا في البلد يا سعادة البيه.

ـ بقول هنا.. عند الجيران.. عند..

ـ هنا كيف.. إحنا جايين نتفرج ولا نحرس الفلل؟ ماتقطعش عيشنا وحياة أبوك.. هات الكباية، وكفياك خربطه..

ـ يعني أنت مشفتنيش في التليفزيون قبل كده؟

ـ وأشوفك ليه؟.. متقال أنت؟.. ولا الريس قناوى؟

ـ ياله يا درداوي.. فوتك من الكلام الماسخ ده.

هكذا صاح عطوان من بعيد، وهو ينفخ في النار، ويضع إبريقا أسود بلا غطاء حولها، فيما ظل صفوان يحاول الخروج من هذا المعتقل الكئيب.. الذي لا تعرفه السلطة، ولا يدركه القضاء.

كان أول ما فكر فيه: أن يذهب إلى النائب العام، أو يدعو لمؤتمرٍ صحفي، أو يتصل بوكالات الأنباء، أو منظمات الحقوق والأمم المتحدة.. أن يبوح بكل شيء، ويكشف كل مستور ومكنون.. كان يعرف أنهم لم "ينجموه" لأنهم محبون لهذا الشعب، أو حريصون على كرامته، وإنما لأنهم يكرهونه لأقصي مدي.. ويتجاهلونه لأبعد درجات التجاهل.. أما هو فيشعر أنه ساعدهم على ذلك ـ أملا في الخلاص، أو رغبة في المغامرة ـ وعليه أن يعتذر للجميع وعلى الهواء مباشرة.. ويحذرهم من غوايات الحل الفردي.. فقد مضي عصر شمشون، وأدهم الشرقاوي، وانقضي عصر الفتوحات الصغيرة، وبات على من يرغب في تعلم الرقص، أن يتعلم المشي أولا، ومن يتعلم صيد الغزلان، أن يتعلم كيف يقاوم النمور..

 

الفصل العشرون

ظل "الدوبلير" يلعب دور صفوان بإتقان لم يدهش المخرج وحده، وإنما أدهش كل من صنعوه، ودربوه، وتداركوا به كل المثالب. فساعدهم بالصبر الجميل، وتجنب عيوب النطق والثرثرة، ولم يعترض حين حلقوا شاربيه كي لا يظهرا تحت القناع، وتحمل ضيق القناع وروائحه المقززة، وأثبت أثناء التدريب أن الإنسان ـ فعلا ـ أصله قرد.. فكلما رفض أو تمرد رموا له بجزرة جديدة، أو موزة مغلفة بطبقة سكرية.  كانوا قد وقفوا على تاريخه القديم، وعرفوا أنه كان مدمنا "للماكس فورت".. فأذاقوه "الهروين" و"الكودائين"، وكل ما يبعده عن التأمل، أو يشجعه على الانتحار.. ثم علَّموه كيف يتمسكن ليتمكن، ويعوض إخفاقه السابق في التمثيل، وذكَّروه بما فعله المخرج الواقعي، حين رماه في المجاري ليلا، وحين أصر على أن يرميه من سيارة مسرعة كي يعطيه ـ في النهاية ـ أجر دوبلير، وينتشله من وحل الكومبارس..

قالوا له: "دعنا نصدق كذبك".. وحين أجاد الكذب صدقوه..

ـ "أنت عبارة عن سنارة.. وظيفتك أن تغري السمك، وأن تكون وسيطا بين "الطُعم" والصياد، فلا تطمع في سمكة، ولا تسع إلى ذلك.. فهناك تشبيه آخر لا داعي لذكره، حتى لا تغضب الحمير.. ما يهمنا في الأمر هو الطاعة.. مفهوم؟".

ثم بدأت  الخطوة التالية، فطلبوا منه أن يتدرج في "الغتاتة" و"الغلاسة" و"البواخة"، و"اللزوجة" و"اللتاتة" حتى يكرهه الناس شيئا فشيئا.. وعلموه كيف يأكل بشراهة مقرفة، ويلحس أصابعه بطريقة مقززة، ويتكرع بصوت عالٍ بين الحين والآخر، وكيف يظهر وجهه عكس ما يضمر قلبه، وينفث دخان سيجارته في وجه مشاهديه. وأن يصدر ما يحب من أصوات حين يكون في   الحمام، أو على السرير، حتى جاء الحوار الأخير مع المشاهدين ليحقق كل  ما أرادوه.. وسعوا إليه:

ـ آلو.. تسعة وسبعين ربعمية تسعة وخمسين؟

ـ هو بعينه.. نعم؟

ـ خليك معايا لو سمحت. مصر معاكي يا ست أم عتريس.

ـ آلو؟

ـ آلو.. نعم.

ـ أنا اللي قلت آلو الأول.

ـ أهلا وسهلا.. مين حضرتك؟

ـ حضرتي؟.. أنا سعاد يا صفوان.. أختك المتجوزة في كفر علام. أنت نسيتني ولا إيه؟

ـ أبدا.. أبدا.. ازيك يا سعاد؟ عامله إيه؟ عندك كام ولد؟

ـ ستة يا خويا.. عقبال منشوف ولادك. بقولك إيه يا خويا..

ـ نعم يا أختي؟

ـ أنت مش عايز تفرحنا بحتة عيل والا إيه؟

ـ مش لما أتجوز الأول يا سعاد؟

ـ وإيه اللي مانعك يا خويا.. الشقة وعندك.. طب دانا سمعت أنك بقيت راجل كبير قوى.. صحيح الكلام ده يا خويا؟

ـ صحيح.

ـ وبتطلع في التليفزيون كل يوم؟

ـ ليه وانتو معندكوش تليفزيون ولا إيه؟

ـ تليفزيون إيه يا خويا؟.. مش لما نربى العيال الأول.

ـ هم متربوش يا سعاد والا إيه؟

ـ أتربوا يا خويا.. عقبال ولادك.. بس الحمل بقي تقيل قوي والراجل تعب.. بقولك إيه يا خويا؟..

ـ نعم ياختى؟.

ـ ما تشيل معانا شوية..

ـ أشيل إيه؟

ـ شيل معانا نص العيال.. خد تلاتة عندك يسلّوك.. أو شوف لهم أي شغلانة في أي حتة. دا الواد عتريس معاه شهادة كبيرة قوى.

ـ عتريس مين؟

ـ ابني البكر.. قعد كتير قوي في المدارس لحد ما خد العدادية؟

ـ ما شاء الله.. طب والتانيين خدوا إيه..

ـ ما خدوش حاجة.. لكن ولله الحمد، فيه واحد فيهم بيعرف ألف به كلها، من غير ماحد يقوله.. أو يغششه.

ـ ربنا يخليهم لك يا سعاد.. بقولك إيه؟

ـ أقفلي دالوقتي.. وإن شاء الله أطمنك.. إديني يومين تلاتة.. أنتي بتتكلمي منين؟

ـ بتكلم من دوار العمدة ربنا يخليه.. دا بيحبك قوي قوي     يا صفوان وشافك في التليفزيون.. ونفسه يكلمك.. خد كلمه     يا حضرة العمدة.. أمسك يا راجل متتكسفش..

ـ آلو.. يا سعادة الباشا.. أنا مكسوف قوي يا ست أم عتريس.

ـ أهلا يا عمدة.

ـ دا شرف للبلد كلتها أني باكلم سعادتك يا صفوان بيه.

ـ الشرف ليه يا حضرة العمدة.. كفاية أن أختي بتتكلم من عندك.. وبتقول إنك حاططها في عنيك.

ـ يا سعادة الباشا دي مش في عنيه وبس.. دي فوق راسي.. تعالي يام عتريس قولي لأخوكي أخدتي إيه من الدوار امبارح..

ـ أخدت أنجرين لبن رايب، وزلعة مش، ربنا يخليه لينا ويحميه يارب.

ـ سمعت يا سعادة الباشا.. قلت حاجة أنا؟ نعمل إيه بس.. أدوار يا سعادة الباشا وبنأديها.. على أمل أنها تتحسب لنا عند ربنا سبحانه وتعالي. بقول لحضرتك إيه يا باشا.

ـ نعم؟

ـ بصراحة كده أنا عايز سيادتك تتشفعلي عند السيد مأمور المركز.

ـ ليه كفالله الشر؟

ـ عايز أجدد يا سعادة الباشا.. ومش عارف سعادته واقف في طريقي ليه..

ـ تجدد إيه.. بطاقة عائلية؟

ـ عائلية إيه يا سعادة الباشا.. عايز أجدد العمودية.

ـ وهي العمودية بتتجدد هي كمان؟

ـ شفت أنت قلت إيه؟.. تسلم البطن اللي جبتك.. آدي يا سيدي عيوب السياسة.. قال إيه.. عايز يجيب ابن عبد الشكور مكاني.. أقوله يا باشا دا كان حرامي معيز، يقولي إيه يعني ما أنت كنت حرامي فراخ.

ـ طب بأقولك إيه يا عمدة.. الكلام دا مينفعش لأننا على الهوا.. فوت علىَّ بعد شهرين، وربنا يسهل..

بعد هذه المكالمة الموفقة التي أدَاها البديل، تلقي السيد / W.G عدة مكالمات خاصة، على تليفونه الخاص، تهنئة بالتوفيق، وحسن الاختيار فهاهو "الدوبلير" قد أتقن دوره بصورة لم يلحظها أحد.. ولكن ما لم يعرفه الجميع أن صفوان لم يكن له أي أخت، في أي مكان.. وأن أباه قد ترك بلدته بالصعيد بحثا عن لقمة العيش، فلم يعرف له عم أو خال، ولم يزرهم أي قريب أو بعيد، وكلها علي أية حال ـ تفاصيل لا تهم أحداً. ما بات يهم المسؤلين بصدق هو: كيف نستحلب هذا النجاح لآخر قطرة؟ وكيف نقود خيوله الجامحة، حتى تنتهي الانتخابات، وتستتب الأمور؟. لكن حدثت مشكلة لم تخطر على بال أحد، ولم يخطط لها سوي القدر.. وهي موت أم صفوان ـ الحقيقي ـ وضرورة أن يدفنها بنفسه. لذلك أخطروه على تليفون البرنامج، وانتظروا أن يأتي ليدفنها، لكنه لم يحضر..

وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحد، غير أن "أولاد الحرام" وما أكثرهم في هذه الدنيا، نفخوا في النار، وصعَّدوا الأمور إلى الحافة فصعبت. وتناثرت الأسئلة: كيف تظهر لنا عكس ما تبطن.. كيف تحاول أن تقنعنا بإنسانيتك وعفويتك، وأنت بلا قلب ولا ضمير؟؟

حتى لو كانت أمك قد هجرتك ـ لأي سبب من الأسباب ـ فأين فضيلة التسامح والفروسية؟. أين نبل البنوة والأبوة التي خلقها الله حتى في ديدان الأرض؟. ألست الأجدر بالعقوق والنكران؟ كيف تحاول إقناعنا بما لا تؤمن به؟

هكذا نشر أحد المعارضين في عموده اليومي بصحيفة    قومية، وآخر في صحيفة عربية، لكن تأثير ذلك ظل محدوداً في نطاق ضيق، هامس، يمكن السيطرة عليه ببعض الحيل         وما أكثرها.. غير أن المعارضين للظاهرة برمتها نفخوا في نارها الخابية فاتقدت، وتردد صداها في عدة صحف وبلاد، وبات على السيد/ W.G ومستشاريه أن يبحثوا عن حل من الحلول، فاجتمعوا بضغط من جهات أمنية عليا، وفاحت روائح القهوة واليانسون والجنزبيل، والشاي أبو لبن:

اقترح أحدهم أن يستعان بصفوان الحقيقي ـ ولو على سبيل الإنسانية ـ فنضرب عصفورين بحجر واحد: نصالحه فنحيّد شره، وفي نفس الوقت نصوره وهو يبكي على قبر أمه..

غير أن السيد / W.G كان أول المعترضين على ذلك، مؤكداً أن صفوان الحقيقي قد خرج من التاريخ، وعلينا أن نستعين بالدوبلير، خوفاً من الفضائح، واتقاء لشراسة صفوان         الحقيقي، خصوصاً بعد أن تكرس إحساسه بالتآمر والمهانة، ووصل بظهره للحائط الأخير. وبات كالنمر الجريح إن فتحت له القفص، عقر أقرب قطعة في جسدك..

واقترح آخر أن يغروه بالمال والجاه، حتى يصوروه وهو ينقل أمه من مقابر الفقراء، إلى مقابر الشهداء، لكن المخرج تدخل معترضاً، وقال إن صفوان غير مؤمن، ولن يضيره أن تسلخ الشاه بعد ذبحها، واقترح أن يبحثوا عن حل آخر..

وقبل أن تنتهي القهوة واليانسون والجنزبيل، اتفقوا على ترك النمر في قفصه، وتدريب القرد على "بكاء الأطلال"، و"دموع التماسيح". فوأدوا الفتنة في مهدها، وانتظروا برقيات التعازي..

بعد يومين من التدريب والتهذيب والتشذيب، فوجئ السادة المشاهدون ببث حي من قرافة البساتين، حيث اصطفت السيارات السوداء الفاخرة على الجانبين، فيما راحت الموسيقي الرسمية تعزف مارشاتها الجنائزية المألوفة وفوجئوا بصفوان الحزين يرتدي بذلة ـ شارلستون ـ حزينة، ببيون أسود، وقبعة سوداء تعود للقرن الثامن عشر، وهو يصافح أناسا بدا عليهم الحزن والجلال، وقد اصطفوا على الجانبين بثياب سوداء.. بين حملة الأعلام والنياشين.. وما أن خرجت الجثة من حفرتها الحقيرة    ـ قبل أن تنهشها الكلاب ـ حتى دخلت في تابوت صُنع من خشب الورد، ومُوِّه بماء الذهب، وعُطِّر بالرياحين والزهور النادرة.

ولم يعد على "الدوبلير" في هذا الحر اللافح إلاَّ أن يخلع قبعته، وينحني وهو يضع زهرته على تابوت أمه، ويريح خده الدامع على أخر من تبقي له في هذه الدنيا.

آخر من يعرف في هذا الوجود.. آخر من يحمل صفاته، وينتمي لنوعه..

ولم يعد على الكاميرات المحمولة والمنقولة، إلاَّ أن تفتح على "بان أفقي" واسع على سيارات المعزين والبث الفضائي، وهي تتحـرك بجلال ورتابة خلف عربة الشهيدة ثم تنزل بـ "زووم" أو "كلوز أب" على وجه البديل، وهو يذرف دموع الوداع ويركب سيارة المدير السوداء. أما ما حدث بعد ذلك فلا يهم تأكيده أو  نفيه، فقد قيل إن الجنازة عادت بعد انتهاء البث، وخلع الممثلون ثيابهم السوداء.. ولم يقبضوا أجورهم، إلاَّ بعد أن تخلصوا من الجثة العفنة، فرموها في مكانها القديم، وعادوا بالتابوت    المؤجر، والسيارات المؤجرة، والثياب المؤجرة، ووضعوا الزهور الصناعية في مكانها.. والنياشين المقلدة في صناديقها.

وقيل إن الكومبارس أكلوا سندوتشات فول وطعمية، وقيل إنها هامبورجر بالكاتشب والمايونيز، ورجَّح من لم يأكلها أنها شاورمة بالبيض والمستردة، فيما أقسم مدير الإنتاج أنها كباب ونيفة، ولديه كل فواتير العملية.

وكلها تفصيلات، وتعليلات لا تفسد للأكل شهية..

 

الفصل الحادي والعشرون

ظل صفوان سادراً في سجنه الصحراوي لا يعرف ما حدث لأمه.. أو يحدث في شقته. وكلما حل الظلام، حاول أن يحل قيده ويتحرر، لكن نباح الكلاب المتواصل كان يخيفه ويؤجل كل قرارات الهروب. فيما ظل البديل يمارس دوره ـ المقرر ـ مراوحا بين الصواب والخطأ، والقيام والقعود، وكلما انحرف يميناً أو يساراً، أو تداخلت لديه الأمور، وجد من يقوِّمه، ويصحح أخطاءه أولا بأول، وكأنه "روبوت" يعمل بالكهرباء. حتى أتت المرحلة الأخيرة، والتي خططوا لها أيضا، فنصحوه بالمزيد من الصفاقة، والقماءة، والأنانية، حتى يكرهه المتفرجون على مهل..

وفي جميع الحالات، كانت القناة تكسب من الغاضبين، ومن الفرحين معا، وتتحرر من مأزق صفوان ـ وظاهرة صفوان ـ الذي سببه لكل من يريد أن ينفرد بالاهتمام والسلطة وحده. فوسعوا من دوائر المشاركة، وفتحوا كل الخطوط بين البديل ومشاهديه.

ـ آلو.. لو سمحت حضرتك، ممكن أشارك في السيرك اللي انتوا ناصبينه ده؟

ـ أفندم؟.. سيرك إيه حضرتك؟

ـ مساء الخير أولا..

ـ مساء النور..

ـ في الحقيقة أنا مش عارف ـ يا أخ صفوان ـ أبقي معاك ولا ضدك... أحيانا أحس إنك فاهم اللعبة، وبتلعبها بذكاء ووعي طبقي نبيل جداً..  وأحيانا أحس إنك أهبل وأهطل، وبيستخدموك كأداة لتخدير الناس، وتزييف وعيهم.

ـ يا أستاذ.. من فضلك رقق ألفاظك شوية Please أنت جرحتني.. أنا مش منبر في ميدان عام.. كل واحد عنده بقين.. أو حافظ له كلمتين يطلع على قفايا ويخطب.. أنا قفايا ورم يا إخوانا.

ـ عفوا.. عفوا يا أستاذ صفوان.. أنا مقصدش أي إهانة لحضرتك.. لأني في الأول أبديت إعجابي ببعض الجوانب في شخصيتك، وشايف إن من واجبي إني ألفت نظرك للفخ المنصوب لك، ولأمثالك، مش لأني أذكي منك ـ لا سمح الله ـ ولكن لأني واقف بعيد.. فشايف أكتر.. وأنت زى اللي قاعد في شقة مكمكمة.. كل ما يتعود عليها كل ما يحس أنها عادية.. لأنه بقي جزء منها.. والمشكلة إني شايف اللي أنت مش شايفه.. وشامم اللي أنت مش شمه.

ـ شايف إيه حضرتك؟

ـ شايف إن الوعي لازم يحمي صاحبه. لازم يحصنه، ويوفر طاقته، لأن الوعي اللي ميحميش صاحبه يبقي وعي زائف.. عدمي.. تقدر تقولي إيه قيمة القراءة والخبرة والمعرفة إن ماظهرتش على السلوك والطبع والـ..

ـ طب إيه اللي يرضي حضرتك، تحب أروح أرمي نفسي من برج ايفل؟.

ـ بالعكس يا سيد صفوان.. أنت لازم تعيش.. ولازم تقاوم.. وتعرف أعداءك وقضيتك، وتعرف ازاي توزع معرفتك دي على كل محتاج.. عشان متبقاش زى طور الساقية.. فاكر إن كل ما يدور ويلف، إن السكة حتخلص.. أو البير حيجف..

ـ أنت حضرتك شغال إيه بالظبط؟

ـ أنا كاتب قصة.

ـ قصة؟.. واسمها إيه القصة دي؟

ـ أنت فهمت غلط يا أستاذ صفوان.. هي مش قصة واحدة.. قصدي كاتب قصصي.

ـ المهم.. نصيحة مني: أوعي تكون بتكتب الكلام ده في قصصك ليحبسوك.. خلى حد تاني يكتبها لك.. مع السلامة..

وما كاد يستعيد توازنه، حتى جاءت المكالمة الثانية:

ـ آلو.. أستاذ صفوان..

ـ نعم.. عايزه إيه أنتي كمان؟

ـ عسل يا خواتي.. عسل.

ـ جرى إيه يا أخوانا.. هي البلد بقت كلها نسوان ولا إيه؟.. نعم يا رزله؟

ـ على فكره أنا بأموت في الراجل الحمش.. المر.. بحس إني ست و..

ـ هاتي من الآخر.. وبلاش كهن نسوان..

ـ نسوان؟ ياي.. طالعه من بقك زى العسل.

ـ بقولك إيه يا ست أنتي ولا يا آنسة أنتي.. أنا..

ـ آنسة يا عسل.. آنسة يا سكر.

ـ آنسة ولا عانسة.. ربنا يخدكم كلكم.. ويكون في علمك بقي.. أنا مش بتاع جواز.. ولا ليه في الستات من أصله.

ـ مفيش راجل ملوش في الجواز.. ولا في الستات.. يعني إيه مالوش في الستات؟

ـ وبعدين في قلة الأدب دي.. أنتي حتردي على سؤالي بسؤال ولا إيه؟

ـ اسأل أنت يا طعم.. يا مسكَّر بالقوى.

ـ.... إنتي عارفة لو كنتي قدامي دي الوقت كنت عملت فيكي إيه؟

ـ إيه يا قمور ..

ـ كنت ضربتك قلمين على خلقتك..

ـ يارتني كنت قدامك يا طعم.

ـ واحتمال كبير أني أخلع الجزمة واديكي بيها على دماغك.

ـ اعتبر ده وعد؟

ـ أنتي يا ست أنتي معندكيش كرامة؟

ـ أعمل بيها إيه في حضن عسول زيك؟

ـ تعملي بيها إيه؟ على فكرة بقي.. أنا عرفت سبب عنوستك. إنتي اسمك إيه؟

ـ سميني يا طعم.. تحب يكون اسمي إيه؟

ـ ممكن يكون: رزله.. غلسه.. لزقة.. تنحة.

ـ عسل يا أخواتي عسل.. حطني بس في بطاقتك وسميني زى ما تحب.

ـ وأحطك ليه ولا تحطيني.. دانا أصلا معنديش بطاقة.. بقولك إيه.. حد مصلتك علىَّ؟

ـ ياريت يا طعوم.

ـ إنتي باين عليكي من النوع اللي صحته بتتحسن لما يتهزأ.. تسمحي تقفلي السكة ولا أقفلها أنا في وشك؟.

وما كاد ينتهي من هذه المكالمة حتى رن التليفون من     جديد، فرد مغتاظاً:

ـ آلو.. الأستاذ صفوان؟

ـ أنا الأستاذ قطران.. نعم؟

ـ ازيك يا ابني.. أنا الحاجة شعيده فراج من روض الفرج.

ـ ربنا يفرجها عليكي... وياخدك.

ـ علّى صوتك شوية يا ابني.. أنا مش شمعاك.

ـ "وكمان طرشه.. أمال شعيده ازاى؟" بقولك ربنا يخليكي.. أأمري يا حاجة.

ـ تعيش يا ابني.. والله أنا عندي مشكلة.

ـ "طبعا ما هو لازم يكون عندك مشكلة.. المهم متكونش في الرُكب".

ـ علّى صوتك شوية.

ـ بقول لحضرتك إيه المشكلة.. عايزه تتجوزي؟

ـ أتجوز؟.. أتجوز إيه يا ابني؟.. دأنا عندي 84 شنة. حناخد زمانا وزمن غيرنا؟

ـ ربنا ياخدكم كلكم.. نعم..

ـ أنا يابني ربنا مديني من وشع، وقاعده في شقة تمليك خمش أوض ـ على النيل ـ من يوم المرحوم ما مات من تلاتين شنة.. لا عندي عيل ولا تيل..

ـ "أقطع دراعي إن ما كانت بترسم على جواز".. وبعدين؟

ـ وبعدين قالوا لي على حكايتك قلبي انفطر.. قلت يابت ليه متغيريش رأيك وتكتبي لواحد زي ده ربع ميراثك.. جايز ربنا يغفر ذنوبك.. ويدخلك الجنة.

ـ "عشم ابليش.. هي الناس فاكره الجنة دي إيه دوران شبرا.. أي حد يروحه؟" هو جوزك كان شغال إيه؟

ـ نعم؟

ـ بقول لحضرتك جوزك كان شغال إيه؟

ـ كان شغال مدير عام في وزارة الري.

ـ "آه.. يعني كان غاسل أمواله كويس؟.

ـ بتقول إيه مش شمعاك.. تعالي يا تفيدة.. علّى التليفزيون شوية. قول يا ابني، بس علّى صوتك

ـ أنا بأقول بدل ما حضرتك تتفشخري.. وتعملي نفسك "ماما نويل" على الهوا كده.. روحي اشتريلك قبر.. ولا كلي لقمة حلوة قبل ما تموتي.

ـ إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده؟.. ماما نويل إيه وقبر إيه ومين اللي قالك إني معنديش بدل القبر قبرين؟ دا جزاتي يعني؟.

ـ طبعا يا هانم.. لأنك اشتريتي الدنيا بفلوسك.. وعايزه تشترى الآخرة برضه بفلوسك. ضمنتي السعادة في الدنيا.. وعايزه تضمنيها في الآخرة. غسلتي أموالك في الدنيا.. وعايزه تغسليها في الآخرة.

ـ آخرة لما تلمك.. إنت قليل الأدب.. متربتش.. وأنا غلطانة إني اتصلت بيك..

ـ غوري يا وليه يا كركوبة إنتي.. هي ناقصة قرف؟.

وأشار للمخرج في الكنترول المركزي بعد أن أغلق الخط: "انزل يا عم بأي أغنية حديثة".

فيما كان رئيس القناة يتابع الأمر من مكتبه على النيل وهو  يكاد يموت من الضحك.. ظل المخرج ومن معه يكظمون ضحكهم، حتى جاءت المكالمة الأخيرة:

ـ آلو.. على فكرة إنت إنسان معندكش ذوق. حد يكلم واحدة ست زى أمه بالشكل ده؟ إنت إيه، مترتبشي؟.. الحق مش عليك.. الحق علينا اللي صدقناك.. وتعاطفنا مع مشكلتك.. دا إذا كان فيه مشكلة أصلا..

ـ حيلك يا ست إنتي حيلك.. إنتي بالعه إيه.. ضفدعة؟

ـ ضفدعة لما تأكل لسانك.. إنت بني آدم إنته؟

ـ اسم الله عليكي.. إنتي اللي كلك ذوق.. وأدب وتربية..

ـ غصب عنك يا مجرم.. يا أبو لسان طويل ..

ـ إنتي عارفة لو مكنتيش واحدة ست.. أنا كنت مرمط بيكي الأرض.

ـ أرض لما تلمك.. وتلم أمثالك.. ويكون في علمك.. أنا حارفع عليك قضية سب وقذف إنت والحمار اللي مشغلك..

ـ ارفعي.. رفعك ونش خربان.. وليّه فاضيه..

وضع السماعة قبل أن ترد، ونظر للمخرج نظرة عاتبة، فيما كان رئيس القناة يحاول أن يكبح ضحكه الهستيري، فهاهي خطته تحقق أغراضها، بدأت الناس تكره صفوان بسرعة، كما أحبته بسرعة. وثبت له سذاجة الرأي العام، وسهولة تشكيله. إذ يستطيع بأي مغنٍٍ يصيح بكلمتين تافهتين أن يغير اتجاهه، وبأي لاعب كرة أتيح له ـ ذات يوم ـ أن يركل ركلتين في "الجول" أن يحقق ما لم يحققه فيلسوف أو ثائر..

كان وقت البرنامج قد قارب على الانتهاء.. يومان أو ثلاثة، ويفكر في لعبة جديدة، فلماذا لا يفكر في المدن  الجامعية، يتعاقد مع بيت طالبات.. يفتح كاميراته على ميدان عام.. يشترى هامش وقت راقصة أو لاعب كرة، فيصورها وهي تأكل أو تنام.. أو يصوره وهو يتدرب، أو يتعامل مع الجماهير.. كل الخيارات مفتوحة ومقبولة، والمهم في التفاصيل.. في طريقة التقديم والعرض.. أما الأفكار فليدعها ملقاة على قارعة الطريق، وليتنافس على أنقاضها المتنافسون.

وما إن أتي صباح جديد، حتى عرضت القناة اعتذارًا رسمياً عما حدث بالأمس، فلا أحد يعرف ما حدث لصفوان بالضبط.       وما الذي غيره بهذه السرعة وبمثل هذه الدرجة؟ هل هي عيوب متأصلة فينا كمصريين، أم هي محض سلوك فردي ـ مرحلي ـ لا يقاس به أو عليه؟

لهذا وذاك سنضطر آسفين بالاكتفاء بالصورة والحركة وحدهما.. ولن نسمح بفتح الخطوط مباشرة مع السادة المشاهدين منعا لتكرار ما حدث بالأمس، وحفاظا على قيمنا وتقاليدنا الأصيلة..

وبهذا ضمنت القناة استمرار اللعبة.. وإحكام الدور، وإراحة القيادات.. غير أنَّ شيئا وحيداً خرج عن الدور، ونطاق    التوقع وهو جفاف ينابيع الإعلانات والاتصالات، لكن        السيد / W.G كان يتوقع كل الاحتمالات، ويعرف أن المعلن    ـ بدوره ـ جبان، يحسبها كما يحسب جحا غنماته.

لذلك لم يعد أمامه إلاَّ أن يضرب ضربته الأخيرة.. فنقل "اللوكيشن" إلى جبل المقطم، بعد أن انتهي قسم الديكور من عمل ماكيت من الفوم والكرتون لشقة صفوان، ونقل إليها كل شيء، ولم يبق لصفوان ـ أن قُدر له أن يعود ـ إلا كراتين الهدايا.. وفوارغ المعلبات وهشيم الدنيا..

وبهذا يطوى صفحة صفوان

وبديل صفوان

وظاهرة صفوان

إلى الأبد.                                        

 

الفصل الثاني والعشرون

قبل أن ينتصف الليل، كان صفوان قد قرر الهروب، ولم تعد أمامه سوي بعض التفاصيل والإجراءات البسيطة، فحل قيده، وتزود ببعض الماء والغذاء.

كان يعرف أن الفجر هو أضعف حلقة في وعي الحرس، حيث ينعدم التركيز، وتبدأ الحركة، ويصبح صوت الأذان، وحركة الناس، ستاراً لكسر الأبواب، وسبيلاً للفرار.

لكن الاتجاهات كانت قد اختلطت في عقله، فلم يعد يعرف الشرق من الغرب، ولا اليمين من الشمال، ففي لياليه الطويلة    ـ والمريرة ـ كان يشم رائحة يود، ويشعر بوجود بحر     قريب، بحر هائج مديد، وفي أحايين أخر، كان يسمع صوت كروان وحيد، يتجاوز الصحراء الممتدة، وكلاباً تقلد الذئاب، وحين يصمت الجميع كان يسمع هسيس الليل، ويشم شذي الفجر، وبرودة الصحراء الناعسة.

لم تكن لديه خيارات كثيرة، فليهرب إذن إلى السلوم أو   الفيوم، مطروح أو الواحات، الطريق الزراعي أو الصحراوي، وهناك تبدأ الخطوة الثانية.

وقبل أن ينتهي الناس من صلاة الفجر، كان صفوان قد تسلسل إلى حديقة الفيلا.. ورأى الخفير مضجعا أمام النار، فتحسس طريقه إلى الخارج، وما كاد يصعد السور الأسمنتي حتى نبحت الكلاب، وحاولت أن تقطع سلاسلها، وتهبر كعبيه، فتجمدت الدماء في عروقه، وما كاد يسمع صوت الخفير وهو يصيح: مين هناك؟ حتى رمي بنفسه خارج المعتقل محدثا جلبة نبهت الخفير إلى مكانه فجرى نحوه، وهو يصوب بندقيته وينادي على زميله..

ـ واد يا درداوي.. هات سلاحك يا واكل ناسك.

ما كاد يطلق الطلقة الأولي حتى انتبه الجميع إلى الخطر، وخف المصلون ـ وجلهم من الحرس والخدم ـ لنصرة زميلهم. غير أن صفوان كان قد تستر بالظلام والأشجار الصحراوية وواصل الفرار حتى وصل إلى طريق مرصوف، ومن هناك ركب إلى "الرست هاوسِ" على الطريق بين القاهرة والإسكندرية، حيث وجد سيارة عامة لم يكن محصلها يتوقع أن يركب أحد من هنا.. فركب إلى ميدان التحرير، وليس في جيبه مليم يركب به إلى حي عابدين، فأخذ طريقه إلى هناك مترجلا.. وهو يشعر كأنه طائر يعود إلى عشه، لكن شعوراً بالخوف والمرارة كان يراوده دون أن يحصر سببه أو يدرك نهايته.

ماذا يفعل لو وجدهم هناك؟.. وكيف يواجههم؟ هل يدعو لمؤتمر صحفي، يذهب إلى البوليس؟ مديرية الأمن؟ وزارة الإعلام؟ النائب العام؟

متي يبدأ الخطوة الأولي، وكيف ينهيها؟ كانت القناة قد طردت البديل واستغنت عن خدماته، بعد أن انتهي البرنامج، وبدأ الإعداد لبرنامج جديد.. برنامج "لا يخدش الحياء" ولا يتعارض مع "القيم" و"التقاليد". وكان البديل قد أدي دوره على أكمل وجه، فأغضب الجميع، وصدم كل من تعاطف معه، أو حاول الدفاع عنه، وباتت رأس صفوان مطلبا لقطاعات كثيرة من الناس. فهو لم يهزم ذاته وحدها.. وإنما هزم طبقة، وخان جيلا بكامله.

لم يتخل عن حقٍ يخصه، وإنما عن قضية مات وسجن من أجلها الآلاف.. وانكسر بسببها الملايين.. طبقة كاملة سعت نحو النور فحرقتها النار، ثم تحققت هواجسه حين رأي من يتأمله باحتقار، ويبصق باتجاهه، ومن يسبه من بعيد ويلقي عليه بأعقاب السجائر. وقبل أن ينتهي من ميدان التحرير، وجد من يحيط به من الشباب والرجال ومن يحاول أن يعتدي عليه بالضرب، ويتهمه بالمروق والخيانة..

كما وجد من يسبه بأقذع الألفاظ، ويحاول أن يدفعه ويرميه على الأرض.. في البداية.. لم يفهم صفوان سر كل هذه المشاعر العدائية.. كان يتصور عكس ذلك، يتوقع أن يحملوه على الأكتاف. فقد رفض أن يخدعهم، وحبس من أجلهم في جب حقير، ماذا يملك ليعطيه؟ ماذا كان يتوجب عليه فعله ولم يفعله؟.. فلا هو ابن شداد ولا زرقاء اليمامة..

وعلى مقهى ريش وجد من يستدعيه ويتأمله.. وحين تأكد من شخصه أدخله المقهى، وانهال عليه ضربا وعضا.. وكلما عرف الناس بوجوده هجموا على المقهى وأوسعوه ضربا ولطما.. وجد من يرقد عليه ويحاول خنقه، ومن يشده من ساقيه ويسحله على الأرض، ومن يمزق ملابسه أو يلقي عليه بشاي ساخن، فظل يطول ويقصر، ينكمش ويتمدد، والناس تتكوم عليه، وتعض كل  ما يظهر منه، وهو ذاهل مصدوم.. لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يبدأ.. كأنه في كابوس.. في برزخ يفصل بين الحياة والموت..

ثم حدث سكون مطبق.. سكون لم يعد يسمع فيه سوى دقات قلبه. سكون سرمدي مخيف، لا تبدو له نهاية.. ولا بداية..

ثم وجد من يضرب خديه ويناديه باسمه:

ـ صفوان.. صفوا..ا..ان.. صفوا..وا.. وان..

وحين فتح عينيه، عرف أنه ما يزال في المقهى، ورأي رجال الإسعاف يضمدون جروحه المتفرقة، وسمع لغطا من حوله وصياحا حاسما لصاحب المقهى يطالبهم بالخروج، وسمع ألفاظ العطف والاحتقار تحيطه من كل جانب.. لكن ما كان يعزيه ويبقيه على قيد الحياة.. هو شعوره العميق بأن من ضربه لم يكن يضرب فيه "صفوان عبد الفضيل" وإنما يضرب كل من خدعوه، وأهانوه وأجهضوا أحلامه ".. كانوا معذورين فقد ساهم في خداعهم، حين خدع نفسه، وسكت حين كان يجب أن يتكلم".

هكذا أقنع صفوان نفسه، وهو يغادر المقهى مربوطا بشاش كثير..

كان صاحب المقهى قد شعر بالإثم والمسئولية، فحاول أن يصالحه بأي شيء يأكله، أو يستر به جسده، لكن صفوان رفض بكبرياء، أذهل الغاضبين، وكسب ود المتعاطفين، حاول بعضهم أن يسانده إلى البيت، لكنه أصر على الرفض، وقال إنه يود أن يمشي وحيدا، ثم أخذ طريقه متحاملاً إلى بيته، كما يتحامل الفيل إلى مرقده الأخير. لكن غصة في قلبه كانت تملأ فمه بمرارة.. ودمع كظيم.. زاد من مراراته يقينه بأنه خسر حربه الأخيرة.. ولم يعد هناك من يسمعه، أو يفهمه، أو يسأله الحقيقة..

كما أيقن أنه مستهدف، وعليه أن يتخفى ويتقنع، إن أراد أن يرى الشارع في مقبل الأيام.

فالناس لا تنسي كل شيء، وإن نسته فهي لا تنساه مرة واحدة.. فتكتفي بالعناوين، أو تقف عند الظواهر.. لأنهم غير مستعدين لدفع ثمن الحقيقة.. أما الآن.. فكل ما يتمناه ألا يخرج من البيت أبداً، أو يرى أحداً، لذلك صرف النظر عن المؤتمر الصحفي، أو الاتصال بأي مخلوق.. وتمني أن يولد من جديد ليتدارك أخطاءه وخطاياه..

وفيما كانت أضواء المساء تومض من حوله.. لاحظ بقايا صوره على الشوارع وواجهات المحال، وكلما اقترب من عابدين زادت الملصقات الممزقة وعبارات التنديد والكراهية، وما كاد يدخل بيته المعتم حتى استل سكينه الذي شحذه في الاعتقال، وقرر أن يقتل من يمنعه من الدخول، وساعده الظلام والأربطة التي لف بها رأسه ومنخاريه المتورمين على الدخول دون أن يعرفه أحد.. كانوا قد غادروا قبل يومين..

وما كاد يقف أمام باب شقته، حتى شعر بارتياح عميق، وسكينة لم يشعر بها من قبل.. آن له أن يستريح، ويصحو وقتما شاء..  آن له أن ينسي ما جرى.. بعد أن انسحب الغزاة بكاميراتهم البشعة وأصواتهم المنكرة ورحلوا إلى غير رجعة، لكنه ما كاد يدخل الشقة، ويضيء النور حتى صدمه ما رأى.. فقد أخذوا كل شيء: الهدايا والأجهزة وعينات الدعاية والإعلان ولم يتركوا سوي الفوارغ.. حتى ملاءة السرير أخذوها، ولم يتركوا شيئا في المطبخ يمكن أن يؤكل أو يُشرب.. حتى حفر الكاميرات ولافتات الدعاية لم يرمموها.. وتركوا البلاعات مسدودة، والأبواب مكسورة، وأعقاب السجائر في كل مكان. لقد خربوا حياته.. وهاهم يحولون كل ما له إلى أنقاضٍ وأطلال.

كان يدرك أنه لا يكفي المرء أن يكون طيبا ليحيا في سلام.. وكأنما البشر ما خلقوا إلا للصراع والمقاتلة، وها هو يحاول أن يكبح غيظه وينسي ما جرى كي لا يصاب بالجنون.. فارتمي على السرير، وهو لا يعرف ما يتوجب عمله الآن.. أو ما يمكن تأجيله..

هل يأخذ السكين ويذهب إليهم؟.. يذهب إلى من؟ ويبدأ بمن؟ بعد أن كثر أعداؤه وتفرعوا؟ هل يقتل نفسه فيريح ويستريح؟...

فكر في كل الاحتمالات، وهو يضع رأسه المهموم على الوسادة المتسخة، ويجيل النظر فيما حوله، وكأنه يراه لأول مرة..

كانت الجروح والرضوض قد نشرت آلامها في سائر الجسد، وبات من المستحيل النوم بها.. فإن تسامي عليها، داهمته مهانة الاعتقال والتجويع.. فظل يئن كنمر جريح، وكلما غفا لحظة، هب مرتعباً ناطقا بكلام غريب.. لا يمكن وضعه في جملة، أو شرحه في قاموس.

لم يكن أمامه سوى أن يعيش ويستمر.. ليس حباً في الحياة، وإنما رغبة في التحدي، وربَّما في الانتقام.

وقبل أن يطلع الفجر سمع طرقا على الباب، ومحاولات لفتحه، فهب من نومه مفزوعاً وهو يقاوم الألم:

ـ مين؟

ـ افتح..

لابد أنهم من رجال القناة.. أتوا ليرجعوه إلى الصحراء أو من زوار الفجر. صاح:

ـ أنت مين؟

ـ أنت اللي مين؟

ـ أنا صفوان عبد الفضيل.

ـ وأنا صفوان عبد الفضيل..

فكر صفوان أن في الأمر خدعة ما، فاستل سكيِّنا واقترب من الباب وهو لا يعرف إن كان يحلم أم يهذي..

ـ أنت عايز مين؟

ـ أنت اللي عايز مين.. إيه اللي جابك شقتي؟.

بدا الصوت مخمورا، لكنه يشبه صوته.. وحتى يتخلص صفوان من كل الهواجس فتح الباب فوجد شخصا يشبه:

ـ مين؟

ـ أنت اللي مين؟

ـ عايز إيه؟

ـ أنت اللي عايز إيه؟

ـ دي شقتي .

ـ ودي شقتي ..

اختلط الأمر على صفوان فلم يعرف إن كان يكلم مرآة، أم يكلم شخصا آخر من لحم ودم، ولكي يثبت أي يقين، دفعه فاندفع.. صاح محتداً:

ـ أطلع بره.

ـ أطلع من شقتي؟..

ـ بقولك أطلع بره لأجيب كرشك.

ـ أنت تجيب كرشي.. طب والله لأجيب كرشك إنت..

وظلا يتصايحان ويتدافعان ويصطدمان بالباب والجدران، حتى صحا الجيران وصعد بعضهم إلى السطح ليستطلع الأمر، وكان من بينهم نوال، لكنها لم تعرفه لأول وهلة..

كان العراك قد بلغ منتهاه. فركب البديل فوق صفوان      مرة، وركبه صفوان مرة وظلا يتدحرجان داخل الشقة   وخارجها، والناس تتفرج، فيما كان قرآن الفجر يتناهي من بعيد.. وهما ينتقلان من النور إلى العتمة، ومن العتمة إلى النور، ولم يستطع أحد أن يفصل بينهما.. فيما كانت الخمور وسوء    التغذية، قد أجهدت البديل، فطاشت ضرباته، لكنه شعر بأنه قد تورط في مشاجرة، وما عليه إلا أن يستمر في دوره، حتى بعد أن انتهي كل شيء.

كانوا قد أوهموه بأن صفوان الحقيقي قد مات، ومن حقه أن يرث كل ما كان له، أما صفوان فقد شعر رغم تشوش عقله، واضطراب أعصابه، أنه يخوض معركته الأخيرة وعليه أن ينتصر فيها، ويدافع عن آخر خنادقه في هذه الدنيا.

لكن ما أغضبه بحق، وأدمي قلبه، أن الجيران قارنوا بين المتعاركين فانتصروا للبديل، حتى بعد أن تخلص صفوان من كل الضمادات والأربطة.. ولو كانت هناك مرآة لعذرهم جميعا، فقد غيرت اللكمات تضاريس وجهه، فنفخت مناطق، ولونت    مناطق، ولو قدر لأمه أن تراه الآن ما عرفته..

 وما كاد يطيح بآخر برجٍ في عقله، أن "نوال" لم تعرفه.. ولم تميز بينهما وهما يتقلبان على الأرض.. ولو قُدر لها أن تستفتي قلبها وحدسها لعرفته.. ففيم كان يركب فوق البديل ويكيل له اللكمات، سمعها تشتمه، ورآها تدفعه بقدمها في ظهره وتصيح:

ـ سيبه يا مجرم.. يا متوحش..

فركب البديل فوقه، وضربه على جرح كان يتعين خياطته، لكنه لم يشعر بأي ألم.. وكأن الغضب الساحق قد ضخ في جسمه برميلا من المسكنات.

ولا يعرف ما حدث بالضبط، لكن ما حدث لم يذهله       وحده، وإنما أذهل الجميع وجمدهم في أماكنهم، فقد وجد في يده قناع البديل، فرماه مرتعبا، وقد داهمه شعور بأنه قطع رأسه.. لكن دقائق قليلة كانت تكفي ليعرف الجميع كل شيء..

كان البديل قد نزل عن صفوان وارتمي بجانبه مستسلما   لقدره، فيما ظل صفوان راقدا لا يستطيع أن يقف، ولا يرغب في المقارنة بين الوجه والقناع.

فران على الجميع صمت عميق.. شخصت فيه العيون، وتوقفت ضربات القلب، وكانت "نوال" أول من تحرك، فشعر صفوان بها وهي تحاول أن تنهضه عن الأرض، وكأنها تعتذر عن جهلها.. وساعدها آخرون في مساندته إلى سريره.. فيما راح البديل يجهش ببكاء مرير، شعر الناس بصدقه فلم يضربوه.

كان أذان الفجر قد دعا الناس للصلاة، فنزلوا بأسئلتهم وصمتهم، ووجدت نوال نفسها وحدها، فخافت على سمعتها، وتركت صفوان منهارا على  سريره، والبديل مازال ينتحب كطفل يتيم، فيما كانت أضواء قصر عابدين تتألق من بعيد.. وترسل إعلانات الأسطح الكبيرة بأضوائها المتقطعة على جسد هامد، خامد، وقناع فقد حرارته.

وضل طريقه إلى ركن قصي.

 

الفصل الثالث والعشرون

لم يستطع صفوان أن يغفو لحظة واحدة، ربَّما لأنه يريد أن يعرف كل ما جرى، ويفسر كل ما حدث، وربما لأنه لم يستطع أن ينسي كل ما حدث. فقد حاول أن يحصي خسائره فوجدها فادحة، وحاول أن يتسامي ويضعها في جراب خبرته فوجدها أثقل مما كان يتوقع.

ثلاثون عاما من الوعي قضاها في مناطق رمادية فاترة، لم يتورط في مغامرة ولم يتوسط في خناقة أو مصالحة.

كان يقف ـ بفطرته ـ بين الأبيض والأسود، بين الحار والبارد، فلا طال "عنب الشام، ولا بلح اليمن" وشيئاً فشيئاً فقد إحساسه بالزمن والمسافة، ويئس مما لا يستطيع بلوغه.

لم يكن يتوقع أن تحدث كل هذه المآسي في يوم واحد.. ولكنها حدثت.. وما عليه إلا أن يعالجها بأكبر قدر ممكن من      الحكمة، وأقل جهد يمكن بذله وإيتاؤه.

ربَّما تمني ـ في دخيلته ـ أن يختبر هذا، أو يجرب ذاك، لكن ليس بكل هذه القسوة والفجائية.

كان كمن يطلق النار على رأسه ليجرب خبرة الموت، لهذا ظلت الأحداث تجرى أمام ناظريه، كما تجرى شرائط الأحلام.

ولكي يمسك بأي حقيقة يمكن حصرها.. تساند على   الجدران، وأضاء النور، ليجد الخراب يحاصره من كل        جانب، فخرج من الشقة حين سمع أنينا يتردد ليجد "البديل" ما زال راقداً على الأرض، لا يستطيع أن يقوم، وربما لا يرغب في ذلك، فتعكز إليه وهو يشعر بأن قدرته على الإبصار قد      ضعفت، ولم تعد لديه القدرة حتى على الكلام..

وما كاد البديل يشعر بوجوده، حتى انهارت مقاومته، وراح يجهش ببكاء يمض الروح، ويرجف البدن، وكأنه طفل يتيم فقد كل ما كان له في هذه الدنيا.

وحينذاك شعر صفوان بذنب لا يعرف مصدره، ربَّما لأنه شارك في ظلمه. أو بالغ في إهانته أمام الناس.. وربَّما لأنه نزع قناعه، أو حرمه مما كان يتخيل أنه حق من حقوقه.

كان عليه أن يتدبر الأمور، ويعرف أنه ضحية مثله، ولابد أنه خضع بدوره للابتزاز، والغواية، حين أوهموه بالمال والجاه، وعشموه بالشقة والشهرة، وهاهم يلفظونه كقشرة البندق، بعد أن أكلوا لبابه.. وغيروا خرائطه وطبعه.

كان صفوان يوقن أننا جميعا نلبس هذا القناع، كلٌ بطريقته لذلك حاول أن يقنعه بالدخول حتى الصباح فرفض، وحاول أن يقدم له ما يمكن أكله فلم يجد..

كانت رائحة الخمر ما تزال تفوح من جسد البديل، كأنه تحمم بها، لكن وعيه كان حاضرا، كأنه لم يذقها في حياته.

وحين هدّه التعب رقد بجواره على بلاط السطح، وهاله أن السماء ما تزال تنبض بالنجوم البعيدة، والآمال الممكنة.

رجاه صفوان أن يزوره كلما ضاقت به الأحوال، أو أراد يوما أن يصارح صديقا.

ثم بحث في جيبه عما يعطيه فلم يجد، لكن الرجل أعفاه من كل حرج، حين وقف على قدميه، وشعر ـ فجأة ـ بأن هناك ما يتعين عمله، بعد أن أدرك أنه ارتكب ـ بدوره ـ جريمة دون    أن يدري حين حرم شخصا ـ لا يعرفه ـ من اسمه       وكينونته، ونافسه حتى على بيته ورزقه.

لذا عاد إلى صفوان معانقا ومعتذراً، وهو يكبح عشرات المشاعر المتضاربة التي عصفت بخاطره، وحين غادر المكان تساند صفوان على الجدران حتى دخل شقته، وقبل أن يرتمي على السرير هامداً سمع رنين التليفون فرفع السماعة، وهو لا يصدق أنهم تركوا الحرارة، ولم يقطعوا الأسلاك كما قطعوا       روابطه، وحطموا حياته.

ـ آلو..

ـ اسمع يا صفوان.. أوعي تفتكر أنك هربت مننا.. لا.. إحنا اللي سيبناك لأنك بقيت ورقة محروقة.. سيجارة واتشربت، جزمة ودابت..

ـ مين اللي بيتكلم؟

ـ مش مهم تعرف. المهم تتأكد أن سكوتك حيساوى حياتك.. أي اتصال بفضائيات، أو وكالات، أو صحف أو.. أو.. إحنا مش مسئولين عن حياتك. مفهوم؟ أنت في نظر الجميع ميت، ولو مت تاني مش حتلاقي حد يرمي عليك دمعة باردة. اشتري حياتك     يا صفوان.. واقلب الصفحة.. سلام..

ـ آلو.. آلو..

وضع صفوان السماعة وهو يشعر أن معاركه لم تنته بعد، كان ـ بالفعل ـ قد قرر السكوت، وطي صفحات سوداء، لكن يبدو أن ما يدركه العقل قد لا يدركه القلب. وها هم من حارب من أجلهم يتنكرون لتضحياته، ويقفون في صف أعدائه. لمن يقاوم إذن ويراهن بحياته؟.. لمن يحفر كل هذه الخنادق الأمامية؟ وما قيمة أن يلعب كل هذه الأدوار حتى النهاية؟.

بل ما قيمة أن يأكل، أو يشرب، أو يعيش؟.. إذا كانت كل معاركه قد باءت بالخسران..

وعادت كل النصال السامة إلى صدره؟.

 

الفصل الرابع والعشرون

ظل صفوان راقداً بثيابه الممزقة، وجروحه المتجلطة، هامدا كصقر جريح.. لم يعد يحفل بشروق الشمس أو غروبها، بعد أن فقد الوقت دلالته، والأكل طعمه، والليل شذاه.. كان عليه أن يغتسل، ويعيد ترتيب وعيه وحياته، إن أراد ـ فعلا ـ أن يواصل الحياة.. فوجد من العزيمة ما يعينه على ذلك، لكن قواه خذلته، فلم يستطع التخلص من تلك النفايات التي تحيطه، وتزحم ذاكرته:

أكواب بلاستيكية منسحقة، بقايا بيتزا تعفنت في علبها، أعقاب سجائر وقشور بندق، أشلاء "تكة" و"كنتاكي" و"ماكدونالدز"، كراتين شامبو ومعلبات ماكريل، مضادات حموضة، حفاضات أطفال وكريمات لإطالة الشعر وأخرى لإزالته.

تمني صفوان لو يكنس كل ذلك قبل أن ينام، فأتي بمكنسة قديمة، كانت في الأصل سارية لعلم، وكنس ما حوله، وكأنه يكنس جثثاً تعفنت وحان دفنها.. فتح الثلاجة فوجدها خالية إلا من طعام عفن، وجبن قديم، فهل يخرج للناس شاهراً سيفه؟

كانت معدته قد تعودت على الجوع، وبات عليه أن يعيد فطامها على مهل، فشرب آخر كوب شاي لديه، ودخل ليستحم.

وما كادت المياه الباردة تسقط على جروحه المفتوحة، حتى شعر بسياطها تلهبه، ومع ذلك شعر بارتياح لم يشعر به قبلا، ربما لأنه يشعر بنسائم الحرية، وعبق الإرادة، وربَّما لأنه يستطيع     ـ الآن ـ أن يقول لا.. وأن يتجرد من كل ملابسه ـ وأقنعته ـ دون أن يخاف جمهوراً، أو يخجل من كاميرا..

طقوس صغيرة كان يمارسها ببساطة، قبل أن يهجم المغول، ويغير المغيرون.  وها هو ـ بعد كل ما جرى ـ يعيد اكتشاف ذاته، ويعرف أن الحرية هي أقرب القيم البشرية للفطرة، وأبعدها عن المنال..

وتساءل عن قيمة العقل بغيرها؟.. قيمة المعرفة؟.. قيمة الوطن والوجود؟ وهاله أن تتمتع بها الطيور والدواب، ولا يتمتع بها البشر.

كان صفوان يعرف أن صوته لا يصلح للغناء إلاَّ في الحمام..

فغني.. كما لم يغن من قبل..

غني بصوت عال خالٍ من المعني، فخرج الصوت مزيجا من الوتري والنحاسي، ومن الشجن والفرح، في سيمفونية هو سامعها الوحيد.. ومالكها الوحيد، فهل يحرص على المعني؟ وما معني أن يصل إلى أي معني؟

ملعون أبو المعني..

كان عليه أن يرتدي ثيابا نظيفة، وأن يفتح معدته بأي    شيء، وظل يتجول عاريا في شقته، وكأنه ولد من جديد، تمني   لو يطير.. لو يتجاوز الغمام لكنه شعر بأنه لم يتحرر من الداخل بعد، وأن معركته الأخيرة يجب أن تكون مع نفسه. مع العادات والمفاهيم والقيم المضللة التي تبناها، وابتلعها تقية أو نفاقا.. تلك التي جمَّلها الآخرون وجعلوها خيارا وحيدا.. من يخرج عن قضيبيها الضيقين كافر أو جاحد..

كان يدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحيداً في هذه الدنيا.. لكن عليه دائماً ألا يغرق في لزوجتها حتى المنكبين، أما كيف يقيم هذه المعادلة العسيرة بأقل قدر من الخسائر، وأكبر قدر ممكن من الحكمة؟ فهذا هو السؤال الذي لم يجب عليه سقراط، ولم يحسمه من أتوا بعده.

وعلى سريره البارد كاللحد، تذكر بعض ما جرى فداهمته الحكمة، وطاوعته الأماني، فعرف أن عجائب الدنيا سبعة، أولها الإنسان.. وآخرها الإنسان .. "ذلك المخلوق الغامض، المراوغ المتناقض، الذي لا يصوّر الشيطان إلاَّ على شاكلته، ويصبح مرعبا إن وضع نابين من بلاستيك، أو أخفي وجهه أو عينيه. كائن يطمع فيما تملك، وينازعك حتى على جسدك.

إن أتيح له أن يسلبك زوجتك ما تأخر، فهو يحاربك حين تضعف، ويهادنك حين تقوى.. وصراعه معك مرهون بضعفك وقوته، وقوتك وضعفه..

وما كرمه المفرط، أو بخله المحبط، إلاَّ تجليان للأنانية  والتقنع، فهو لا يهبك إلاَّ ليفوز بإطرائك، ويوهمك بأنه أفضل منك، ولا يقتسم معك بالعدل، حتى تظل في حاجة إليه.. أما أنت فتتمني فقره قبل أن تتمني غناك.. وتطالب بالحق والعدل، حتى تركبهما وتدوس على غيرك..

حتى زوجتك وأولادك: إن حرمتها من رجولتك ـ وأموالك ـ خانتك، وإن حرمتهم الميراث هجروك، وقاطعوك في شيخوختك، فأنت رائع بقدر ما تعطي، كريم بقدر ما ترمي، حنون بقدر      ما تمنح..

كائن مربوط من عواطفه، كما تربط البقرة من أنفها، يستطيع أي خطيب مفوَّه، أو دجال مموَّه، أن يسحبه وقتما يريد، مخلوق لم يتوقف يوما عن حرب أخيه؛ فإن صادقته ـ لتتجنب شره ـ بحث عما له فيك، وبحثت عما لك فيه.. أما هو فيريد أن يثبت لنفسه   ـ وللآخرين ـ أنه محبوب ومطلوب، وأن العيب ـ كل العيب ـ فيهم هم، لا فيه ولا فيك..

وما صبره على بخلك "وغتاتتكِ" وعدم تماثلك وامتثالك، إلاَّ ليستحلب آخر ما له فيك.

مخلوق لا يعرف الغيرية، ولا الصبر الجميل.. فقد نافق أمه لترضعه، وهادن أباه ليعلمه ـ ويورثه ـ ولا يطيع خالقه إلاَّ طمعا في جنته، ورئيسه إلاَّ ليضمن راتبه، وحكومته إلاَّ خوفا من سجونها. إن كان رجلا طمع في كل النساء.. وإن كانت إمرأة طمعت في بعض الرجال..

وما أدبه البادي، ووجهه النادي، إلا قناعا يحتمي خلفه إلى حين. كائن يولد عاريا مسلوخا، ويموت كذلك.

إن سقط من طابقين مات.

وإن وثب مترين أصبح بطلا ـ أولمبيا ـ على قومه..

فهل هو الدهاء والحيلة، أم الغباء والغيرة؟."

شعر صفوان ـ فجأة ـ أنه أضعف مما كان يتصور، ربَّما لأنه أدرك أنه من لدن ذلك المخلوق.. وجزء من بصاقه. وتساءل عن قيمة أن يظل المرء يقاتل ليحصل ـ في النهاية ـ على ما حسمته الصراصير في جحورها؟

ثم تساءل عما يمكن أن يفعله في قادم الأيام..

فهو لا يستطيع أن يرى الشارع حرصاً على حياته، ولا يستطيع أن يتقنع ما بقي له من حياة.

فكر أن يتخفى في زى فلاح، أو يتنكر في زى امرأة، وفكر أن يغير من ملامح القناع الذي تركه البديل، وفكر أن يخرج بعد أن ينام الناس، ولكن إلى متي يفعل ذلك ولماذا؟..

كان أول ما فعله أن بحث عن باقي الألف جنيه التي أخذها كعربون ولم يصرف نصفها، لكنه لا يذكر أين أخفاها.. ربَّما كانت تحت الثلاجة، أو في قاع مقعد، تحت السرير أو في طيات ملاءة. لبس ملابس نظيفة، وتفقد كل ما حوله.. بحث في كل مكان هدته إليه الذاكرة فلم يجد شيئا.. إذن فقد أخذوا كل شيء، حتى أجرته كعبد مطيع. ماذا ينتظر إذن؟ وكيف يقتلهم جميعا؟.

فتح غرفه المهملات فرأى محبسه القديم.. ووجد كل شيء في مكانه.. تذكر كيف كمموا فمه بلاصق عريض، ونقلوه إلى الصحراء. وكيف كان الضوء يأتيه شحيحا فلم يعرف إن كان ضوء الصباح أم المساء؟ لكنه خاف على بصره، وخاف على وعيه، بعد أن فقد حاسة الزمن، وحاسة المكان، وكاد يفقد حاسة الكلام..

ما أبعد المسافة بين الأمس واليوم.. بين البداية والنهاية فبالأمس القريب، كان المكان يضج بالحياة والبذخ، وها هو يلوذ بالصمت والموات.. لا قلب يخفق، ولا تليفون يرن، لا صوت يسمع، ولا طير يرف.. ماذا حدث بالضبط؟..

لم يطل صبره.. إذ ما كاد يرقد على السرير مستسلماً للنوم، حتى رن جرس التليفون فرد بلهفة:

ـ آلو

ـ ازيك يا صفوان .

ـ مين؟.

ـ أنا نوال.

ـ نوال مين؟

ـ اخص عليك.. مش عارف نوال مين؟

ـ آه.. لا مؤاخذة.. ازيك يا نوال.. هو أنتي يعني اللي عرفتيني؟ معلهش اعذريني.

ـ أعذرك لحد إمتي بس؟.. عموما أنا شايفاك قدامي دلوقت..

ـ شايفاني ازاي؟.. هم لسه بيصوروني؟ اتكلمي..

ـ شايفاك في تليفزيوني طبعا.. وبالأمارة كنت راقد على السرير ولما سمعت التليفون قمت ترد..

رمي صفوان السماعة من يده، وتطلع حوله متنمراً.. ماسحا كل الأركان والدواليب بنظرات مستريبة، باحثة عن أدوات الجريمة..

إذن فالكلاب مازالوا يلعبون معه لعبتهم القديمة، ويصورونه في الخفاء بعد أن حطموه، وهدموا أوتاده.. لم يكفهم ما فعلوه، وهاهم يعاودون أحابيلهم، لقد شم روائحهم النتنة، وآن له أن يكيل لهم الصاع صاعين..

ـ آلو.. صفوان.. رد علىَّ يا صفوان.. متفهمش غلط.. آلو..

ـ من فضلك يا نوال ماتدافعيش عن حد.. حطي السماعة.. واتصلي بعدين..

وقبل أن يسمع المزيد أغلق الخط، وبحث عن بلطة صدئة، كان قد وجدها في القمامة، وبدأ بالطاولة القديمة فحطمها.. وبالبلتكانات والستائر فأسقطها على الأرض.. وبضربة قاصمة أنزل النجفة القديمة، وجرى إلى دولاب أمه فأسقطه على  الأرض، وحطم أركانه الأربعة، وهو يري الخشب يتأوه، ويتناثر تحت بلطته الباترة.. ثم قلب الثلاجة على وجهها فتحطمت  أطباق، وانكسرت أكواب.. ونزل على مكتبته الصغيرة فسواها بالأرض.. قبل أن يقلب السرير، ويمزق المراتب والمخدات، حتى فازة الورد الصناعي لم تسلم من ضربة محكمة، وبعد أن هده التعب، وكاد قلبه يتوقف غيظا، بحث عن الكاميرات المبثوثة فلم يجد شيئا.. وبدلا من أن يُهدئ ذلك من ثورته، زادها اشتعالا.. فقد وضعوا كاميرا في كبسولة ورموها في معدته، فكيف يعجزون عن وضعها في علبة سجائر.. أو فازة.. أو حتى علبة كبريت.. وهل يعجز عبيد التكنولوجيا ومستوردوها المحدثون عن فعل أي شيء؟

قام صفوان وواصل الضرب والتحطيم، حتى أتي على كل شيء في معبده الصغير، وحتى ينام منتصرا.. ألقي بكل شيء إلى الشارع، فسمع صراخا، وسبابا وتساؤلات، لكنها لم توقفه عن إلقاء كل ما ورثه عن أبيه وأمه في الشارع، وفوق الأسطح المجاورة، وحين انتهي من كل شيء، فرش ملاءة على الأرض ليستريح قليلا، فرأي ميدان عابدين متألقا بأضواء السيارات عبر مرآة معلقة فكسرها.. ثم أطفأ النور، وحاول أن ينام فلازمه الأرق وطاردته الكوابيس والمخاوف..

ماذا يفعل الآن؟.. وأين توجد تلك الكاميرات بالضبط: في شقته أم في عقله؟

وهل انتقم من جلاديه.. وكاشفي أسراره؟ أم انتقم من نفسه؟.

لم يكن أمامه أي حل أخر.. فما زال يذكر ذلك الفيلم الأمريكي الذي تجسست فيه المخابرات على تليفون عميل، حتى وهو مغلق..

فهل يتركهم يخترقونه، ويحولوا جسده إلى صندوق زجاجي   لا يحمي ولا يستر؟

وما معني أن يفقد المرء حريته وسيادته حتى داخل شقته وخندقه الأخير؟. إذن لا يكفي أن تكون طيبا، ومنعزلا، لتنعم بالسلام والأمان، وما عليك إلا أن تبتسم لأعدائك وأنت تشحذ بلطتك.

وفيما كان صفوان يحاول أن يوقف طبول الحرب في داخله، علّه ينسي بعض ما جرى، سمع طرقا خفيفا ـ ومتباعداً ـ على بابه، فتحسس بلطته في الظلام، لكنه أدرك أن قدرته على رفعها لم تعد ممكنة، لكن الطرق عاد من جديد أكثر إلحاحا    واسترابة، فصاح وهو بين اليأس والرجاء:

ـ مين؟

وانتظر فترة عصيبة، قبل أن يأتيه الرد هامسا:

ـ أفتح يا صفوان.. أنا نوال.

وما كاد يسمع اسمها حتى شملته الطمأنينة، فأراح جسده على الأرض، وكأنه ملاءة فُرشت على ملاءة، وسمح لها بالدخول فسمعها وهي تدفع الباب بهدوء وتضئ النور، ثم تقترب بحذر وارتباك، قبل أن تضع يدها على ظهره الموجوع، وترى الخراب من حوله:

ـ إيه اللي عملته ده يا مجنون؟.. حد يعمل كده؟

ـ........

ـ إنت قافل تليفونك ليه.. أنا حاولت اتصل بيك لكن..

ونظرت حولها فاكتشفت أنه رمي بكل شيء، فلم تعد بحاجة لأي إجابات. شكي صفوان من الرقابة.. وأنه يكاد يفقد عقله، قال إنهم يحاربونه في خندقه الأخير.. وما عليه إلا أن يقاوم..

ـ "هما مين دول؟.. أنا كنت بأهزر معاك يا صفوان.. تصوير إيه اللي بتتكلم عنه؟ إنسي بقي.. أنا كان قصدي إني شيفاك في تليفزيون قلبي وروحي، والطبيعي لما تتكلم في التليفون أنك تتكلم من السماعة مش النجفة.. ولا إيه؟ متاخدش كل حاجة جد كده.. قوم.. قوم أغسل لك راسك على الحنفية".

وحاولت أن تنهضه فلم يساعدها.. كان الانكسار يمنعه من الوقوف، ويؤثر حتى على تنفسه، فما قيمة أن يحرص على أي شيء، أو يدافع عن أي قيمة؟

تركته نوال وراحت تبحث عن أي شيء تملأه بماء فلم     تجد، فملأت كفيها وعادت لتدلك به ظهره، وهي تحاذر الجروح والخدوش.

ـ عرفت إن أمك ماتت؟.

ـ حسيت..

قال ذلك وقد داهمه شعور ساحق باليتم والكهولة. قالت:

ـ البقاء لله..

وبمنطق المرأة التي قررت أن تقيم، قامت وكنست ما حوله فوجدت لفافة النقود الضائعة ـ وضعتها في يده، ثم حاولت أن تضع أكلا في فمه فلم يستطع مضغه، سقته بعض العصائر التي أتت بها، وأخذته في حضنها فشعر بأمان وسكينة لم يشعر بهما حتى في وجود أبويه، دفن وجهه بين ثدييها، وكأنه يود لو يعود لطفولته الأولي.. حيث الأمان والبراح، وداهمه إحساس مرير بأنه لم يجن الكثير من هذه الدنيا بمفرده.. وأنه حاقد على كل من وضعوا أيديهم المعقمة في جراب العمر.. وسرقوه..

وعند هذه النقطة لم يستطع منع دموعه، ولا كبح انتفاضات جسده، فبكي على صدرها كطفل يتيم، وتركته يفرغ أحزانه على صدرها، شاعرة بجسمه المرتعد يشهق بين ذراعيها كطائر ذبيح.. لم تكن تدري أنه ضعيف إلي هذه الدرجة..

ولم يكن يدرى أنه وحيد إلى هذا الحد..

فبعد أن هدأت أعصابه، وانتظمت ضربات قلبه، فتحت كل النوافذ ليدخل الضوء والهواء، ثم ساندته إلى النافذة المطلة على الميدان، فرأي القصر الكبير، ورأي الميدان يغتسل بضوء الصباح.

ـ نبني القصور ولانسكن القصور.

هكذا همست نوال، وهي تتطلع نحو القصر البعيد.. ثم ترنو إلى صفوان بعينين شاخصتين مترعتين بالندي، لم يفهمها على الفور، لكنه أدرك أن في عينيها عمقا وغموضا لم يسبق له أن لاحظهما من قبلّ

ـ تيجي نسكن القصر؟

ـ ياريت.

هكذا رد وهو يتأمل رموشها السوداء الطويلة، وعينيها الواسعتين القريبتين، عيون المرأة حين تطلب، وترغب، كما رأت في عينيه ضعف الطفل العنيد، الذي يعض أصابعه ليؤلم أمه..

ـ شايف العروسة اللي هناك؟

مسح الميدان بعينيه فلم يجد شيئاً..

       1فين؟

وضعت خدها على خده، وأشارت للبعيد:

       2هناك.. اللي لابسه أبيض في أبيض.

       3دي ملاك دي.. ولا إيه؟

       4أبدا.. دي مجرد عروسة جميلة