أثار الانتشار الجماهيري الواسع لرواية الكاتبة الجزائرية شهية عدد من الباحثين والنقاد للتعرف على أسرار هذا الانتشار، وهنا يقدم الباحث التونسي كتابا كرسته الباحثة التونسية زهرة كمون لتفسير هذه الظاهرة وإرجاعها لما تدعوه بالشعري في كتابتها.

الشعريّ في روايات أحلام مستغانمي

مجدي بن عيسى

يحمل كتاب الشعريّ في روايات أحلام مستغانمي للباحثة زهرة كمّون(1)، قيمة مزدوجة: فهو من جهة أولى الكتاب الأوّل ـ في حدود علمنا ـ الذي يخصّص بالكامل للبحث في سرّ نجاح روايات الكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي، والثاني هوّ الصيغة العلميّة والأكاديميّة التي جاء عليها البحث متجاوزا بذلك الرأي الانطباعيّ السائد، والذي يجد في أعمال الروائيّة الجزائريّة قدرا وافرا من الشعر. وهو ما أشار إليه الأستاذ محمد الباردي في تقديم الكتاب قائلا: «إنّ هذه الدراسة تحاول أن تجيب عن هذا السؤال: ما سرّ نجاح هذه الروايات التي تكتبها أحلام مستغانمي؟ والجواب كان من عنوان الدراسة ذاته. إنّ الشعريّ يمثّل عنصرا أساسيّا في إنشائيّة هذه النصوص الروائيّة. وتتمثّل عندئذ مهمّة الباحثة في تحديد ملامح هذا البعد الشعريّ»(ص 7).

تنطلق الباحثة إذن من فرضيّة تعمل على إثباتها، وهي أنّ سرّ نجاح مستغانمي في رواياتها مصدره شعريّة لغتها، ولا يقتصر على سحر حكاياتها وحبكة السرد فيها. يقول الباردي في هذا المعنى: «من النادر أن تلقى رواية تظهر للقراء في طبعتها الأولى هذا الرواج الذي لقيته روايات الكاتبة الجزائريّة الأصل أحلام مستغانمي، ولا سيما روايتها الأولى (ذاكرة الجسد). والناقد المختصّ عندما ينظر في بناها السرديّة لا يجد فيها شيئا جديدا، لا في مستوى التقنيات السرديّة الموظفة فيها، ولا في مستوى إنشائيّة القصّ عامة، ومع ذلك انتشرت هذه الروايات واستجابت لأفق انتظار القارئ العادي والقارئ المختصّ. والسرّ كلّ السرّ في أنّ الكاتبة أضفت على نصّها السرديّ هذه الغنائيّة الساحرة والعميقة، التي لا تتوفّر عادة إلاّ في النصوص الشعريّة. فقد اقتربت هذه الروايات من الشعر، واستفادت من طاقاته الإبداعيّة وبنت نصوصا سرديّة مغايرة ـ بهذا المعنى ـ لعبت فيها اللغة الشعريّة بإمكانياتها المتعدّدة دورا أساسيّا وجد فيه القارئ ضالته»(ص 6).

حدود الشعر ـ حدود السرد
بعد الإقرار بمبدأ الرحابة والمرونة التي صارت عليها الرواية الحديثة من جهة قدرتها الكبيرة على استيعاب مختلف الأشكال التعبيريّة، قديمها وحديثها حيث استثمرت عبر تاريخها الممتدّ من الأشكال الأدبيّة الأخرى ما به تغتني وما به تؤسّس أشكالا فنيّة جديدة (ص 9) تنطلق الباحثة في الفصل الأوّل إلى البحث عن الأسس النظريّة التي يقوم عليها التمييز بين الشعريّ والسرديّ في التراثين النقديين الغربي من جهة والعربيّ من جهة ثانية. حيث اعتبرت التمييز بين الشعريّ والسرديّ محدثا في النقد الغربيّ، قديما متأصّلا في التراث العربيّ. فإذا كان أرسطو قد أسّس لنظرياته في الشعر على عدم التعارض بين السرد والشعر من جهة قيام الأشكال التمثيليّة الإغريقية على الشعر مما أدى إلى توثيق الارتباط بين الشعر والسرد، فإنّ جذور القطيعة بين الشعر والسرد تعود لما عرف في تاريخ الشعر الفرنسي الحديث بثورة اللغة الشعريّة التي مهّد لها شارل بودلير وارتبطت بكتابات ستيفان ملارميه ولوتريامون وآرتر رمبو (ص 17).

هذه القطيعة تتواصل في التصوّرات النقديّة الغربيّة في أعمال البنيويين وأصحاب التصورات اللسانيّة الباحثين عن سمات علميّة للأدب، بل نرى هذه القطيعة تزداد اتساعا لتتحوّل إلى تعارض أصيل بين الشعر والنثر، في إطار مسار نقديّ ومعرفيّ محموم استمر طوال القرن العشرين تقريبا على أيد أعلام من أمثال رومان جاكبسون، وجون كوهين للبحث عن سمات علميّة للشعر ولمختلف الأجناس الأدبية. هذا الجهد المعرفيّ، الذي طمح إلى العلميّة، لم يكن له تأثير عميق على مسار الرواية الحديثة الآخذ في التطوّر بسرعة تجعلها قادرة على استيعاب مختلف الأشكال التعبيريّة حتى الأشدّ بعدا وتناقضا عنها في عرف النقّاد، هذا فضلا عن الأصول التراثيّة الإغريقية التي لم تفصل ضمن الإنتاج التمثيلي والملحمي بين الشعريّ والسرديّ، كما ساهم العصر الحديث وفي نفس الفترة التي نشأ فيها القول بالتعارض بين الشعر والسرد، في إنشاء أجناس فرعيّة تأخذ من الشعر بعض خصائصه، ومن النثر بعض مميّزاته مثل قصيدة النثر والقصّة الشعريّة، والنثر الشعريّ والشعر القصصي (ص 18). هذا التآلف الذي أقرّته الممارسة الأدبيّة بين الشعر والسرد، وهذه الأجناس الفرعيّة التي قامت على التخوم ما بين الشعر والنثر، حفّزت النقّاد ـ تقول الباحثة ـ لملاحظة ظاهرة تفاعل الشعر والسرد، إذ يجتمعان في خطاب واحد، ووضعها موضع بحث ودرس (ص 19) فكانت بعض المحاولات المهمّة في دحض المبدأ القائل بوجود اختلاف في الطبيعة بين الشعر والسرد، وفي نفي وجود سرد خالص أو شعر نقيّ خالص أيضا على حدّ عبارة الباحثة.

في الأدب العربيّ كان الفصل بين الشعريّ والنثريّ أصيلا وعريقا بحيث أجمعت المدوّنة النقديّة العربيّة القديمة على الفصل التام بين ما هو شعر وما هو من النثر، ورفضت إيّ خلط بينهما. تقول الباحثة: إنّ التصنيف الثنائيّ شعر/ نثر ظلّ شائعا بحيث أنّ النقّاد الذين صنّفوا الأدب إلى أكثر من نوع كانوا ضمنيّا يوزّعونه على هذين القسمين الكبيرين، وظهرت كتب عديدة تتبنّى هذا التصنيف في العنوان ذاته، فوضع العسكريّ كتابه الصناعتين: الشعر والكتابة، وجعل ابن الأثير مثله السائر في أدب الكاتب والشاعر، وسمّى كتابا آخر له الجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور في مقابل بعضهما كقسمين مستقلين يتوزّع عليهما الكلام (ص 20). ولكنّ الباحثة تستدرك على التصوّر النقديّ النظريّ بواقع الممارسة الإبداعيّة لتؤكّد تداخل الفنين في أكثر من موضع قديم أو حديث من الأدب العربيّ منذ مرويات امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة الشعريّة، وهي تؤكّد بناء على هذه الملاحظة التأصيلية لتداخل الفنين في الممارسة الإبداعية العربية القديمة على أنّ الشعر قد ظلّ يخترق الأشكال النثريّة والسرديّة بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة، مقدّمة ألف ليلة وليلة، ومقامات الهمذاني وإشارات التوحيدي الإلهيّة، وكتابات الريحاني وجبران نماذج على هذا الاختراق الأصيل الذي يمارسه الشعر على النصوص النثريّة والسرديّة.

وبناء على ما تقدّم تستنتج الباحثة قائلة: وهكذا يتّضح لنا أنّه بقدر ما حاول الخطاب النقديّ العربيّ إقامة الحدود بين الأجناس الأدبيّة، وبقدر ما كرّس مبدأ الفصل بين الشعر والنثر، نجح الخطاب الإبداعيّ في هتك هذه الحدود واختراقها مؤكّدا التداخل والتلاقح بين الشعر والنثر في النصّ الواحد. كما تعمّم الباحثة استنتاجها فتقول: وبذلك نلاحظ عدم الانسجام بين الممارسة النقديّة وبين الممارسة الأدبيّة سواء في الإنشائيّة الغربيّة أو في السّاحة الأدبيّة العربيّة، فبقدر ما كرّس الخطاب النقدي الغربي والعربيّ على السواء مبدأ الفصل والتعارض بين الشعر والنثر، تجاوزت الممارسة الإبداعيّة هذا الفصل محقّقة ضروبا شتّى من الوصل والانسجام والتناغم (ص 23).

وقد وفّقت الباحثة في إظهار عراقة الفصل بين الشعريّ والسرديّ كضرب من ضروب النثر أو اللا شعريّ، ولكنّها لم تستطع في تصوّرنا للمسألة التي أثارتها ضمن هذا الفصل النظريّ، أن تقف على الأسس النظريّة التي قادت تفكير النقاد في السرد بوصفه لا شعرا، لا بوصفه نثرا، وهذا خطأ ثان وقعت فيه الباحثة وهي تسوّي في أكثر من موقع بين السرد والنثر، رغم الخلاف المفهوميّ الشاسع بينهما عند البنيويين وأصحاب النظريات الأدبيّة الحديثة.

إنّ الشعر يقف في مجمل التصوّرات النقديّة الحديثة في مقابل اللا شعر وليس في مقابل السرد أو النثر، بوصف الشعر (في مجمل المشروع النقدي الغربيّ الحديث والواقع تحث تأثير اللسانيات وعلميّة العلوم) جنسا أدبيّا لا بوصفه منجزا إنشائيّا لأنّه في هذا المستوى يشترك مع السرد في ضروبه المتنوّعة بوصفها جميعا خطابات إنشائيّة أو شعريّة، وبذلك يمكن الحديث عن تداخل بين الشعر والسرد وضروب من الانسجام والتناغم، وهو ما لم ينكره النقد الغربيّ الحديث وهو يسميّ كلّ استعمال أدبيّ وفنيّ للغة شعريّة، ولكنّه يسمي شعرا الجنس الأدبيّ الخاص المتميّز في إنشائيّته من جهة كونه جنسا أدبيّا يمتاز عين غيره من الأجناس الأدبية ذات الشعريّة أو الإنشائيّة كذلك.

لقد أحالت الباحثة في تمييز مقوّمات الشعر على جاكبسون من جهة وعلى كوهين من جهة ثانية وتعاملت مع مفاهيمهما في الشعريّة على قدم المساواة، في حين أنّهما مختلفان في ضبطهما لحدود الشعريّة في الخطابات الأدبيّة، فإذا كان كوهين حاسما في وضع نظريّته في الشعريّة اعتمادا على ما يسميه الشعر الكامل والذي يضعه في تعارض مع مختلف الخطابات الأدبيّة وغير الأدبيّة، فإنّ نظريّة جاكبسون في الشعريّة والقائمة على مبدأ الوظائف التي تؤديها اللغة في الخطابات اللغويّة جعل الشعريّة قائمة في الشعر وفي غيره من الأجناس الأدبيّة(2).

وعموما فقد أبدت الباحثة ضعفا نظريّا في مستوى المفاهيم والمصطلحات من شأنه أن يقعدها دون البلوغ إلى النهايات المتوقّعة من المقدّمات النظريّة في مثل هذه البحوث، وهو ما بدا واضحا في اقتصار الباحثة طوال الفصل الأوّل على تقديم بعض المعطيات التاريخيّة حول تطوّر العلاقة بين الشعر والنثر، دون الذهاب بعيدا في عرض الأسس النظريّة لهذه العلاقة في مختلف المراحل التي عرضتها أو في المدونتين الغربيّة والعربيّة.

ما نسوقه أيضا في مقام نواقص هذا الفصل هو صمتها طوال عرضها لمختلف العلاقات السالبة والموجبة بين الشعر والسرد، عن بيان حدّ مفهوميّ واضح لكليهما حتى وهي تحيل على من خصّص للموضوع بحوث خاصة كدومينيك كومب في كتابه عن الشعر والسرد حيث تكتفي الباحثة بوصف الكتاب بكونه محاولة مهمّة جادّة لتأكيد التفاعل والتآلف الحقيقيّ بين الشعر والسرد (ص 19)، دون أن توضّح أيّ وجه من وجوه التفاعل والتآلف التي أشادت بها في الكتاب وقيّمت أهميّته وجدّيته.

الشعر والرواية
في القسم الثاني من الفصل الأوّل تبدو الباحثة أكثر تمثّلا لموضوعها ولمفاهيمه حيث تعالج علاقة الشعريّ بالروائيّ، وإذا كانت لم تتخلّ عن طريقتها في تحسّس موضوعها من خلال تطوّره التاريخيّ وفترات ظهوره ومراحل تطوّره في النصوص الإبداعيّة وفي النقد، فقد استطاعت أن تقدّم حدود واضحة ودقيقة للشعر وللرواية فإذا كان همّ الروائيّ الحكي وتحريك الأحداث وأفعال الشخصيات، يكون اشتغال الشاعر على اللغة، حيث يوجّه فنّ الرواية نحو الموضوعيّ والعام والحدث والتأمّل الأخلاقي، في حين يوجّه الفنّ الشعريّ نحو الذاتيّة والمهمّ والانفعال والتأمّل الفلسفي (ص 26).

هذا الاختلاف من شأنه أن يؤول إلى تكامل ووحدة في كثير من الأعمال الروائيّة تعرض الباحثة لبعض نماذجها الغربيّة والعربيّة كآلان فورنييه، وجيرودو وكوكتو ومورياك من الأدب الفرنسي، وجبران خليل جبران، وإدوارد الخراط من الأدب العربي، حيث تحتفظ هذه النصوص السرديّة بالجانب القصصي من الرواية بما في ذلك الشخصيات التي تحدث لها حكاية ما في مكان ما، ولكنّ آليات السرد في الوقت نفسه تستدعي الشعر، حيث ينشأ نوع من التنازع(وليس الصراع كما تترجم الباحثة لفظة جون إبف تاديي) بين الوظيفة المرجعيّة بمهامها الاستدعائيّة والتمثيليّة، والوظيفة الشعريّة التي تشدّ الانتباه إلى شكل الرسالة ذاتها،(ص 28) والعبارة للناقد الفرنسيّ من كتابه القصّة الشعريّة، نقلتها الباحثة عنه في مسعاها لضبط آليات مفهوميّة واضحة لتضافر الشعر والسرد في النصّ الروائيّ.

وتختم الباحثة هذا القسم الثاني من الفصل الأوّل بتأكيد الفروق الدقيقة بين الشعر والرواية كخطابين مختلفين في مستوى الوظائف وطرائق التشكيل الدلالي، غير أنّ تاريخ الممارسة الإبداعيّة العربيّة والغربيّة ـ تقول الباحثة في خاتمة الفصل ـ أكّد إمكانيّة التفاعل بين الروائي والشعريّ، وأسهمت بعض الدراسات النقديّة وخصوصا الغربيّة منها في تأكيد إمكانيّة التقاء كلا الجنسين في النصّ الواحد (ص 33). وقد تكفّل بقيّة البحث بتوضيح أوجه هذا الالتقاء بين الشعر والرواية من خلال المدوّنة التي اختارتها الباحثة ممثّلة في روايتي: ذاكرة الجسد، وفوضى الحواس للكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي. فقد وزعت الباحثة مادة بحثها على بابين خصصت الباب الأوّل لفحص خصائص الشعر في النصّ الروائي، أو تجليات حضور الشعر في الرواية، ثمّ خصصت الباب الثاني للبحث عن الشعريّة في مقوّمات السرد ضمن العمل الروائيّ، بحيث أنّ الشعريّ سيحضر في النصّ الروائي المدروس بوجهين: بما هو جنس أدبي أو لا سرد، حيث يفترض البحث هنا وجود مقوّمات الشعر كمقوّمات خاصة بجنس أدبيّ يفترض فيه التميّز والاختلاف والاستقلال عن غيره من الأجناس الأدبية ـ وهو مفهوم الشعريّة كما حدّده جان كوهين، كالإيقاع، والصورة الاستعاريّة الشعريّة، وضروب الانزياحات المختلفة، على الباحث إثبات وجودها في نسيج النصّ الروائي، كما يحضر الشعر بالمعنى الذي حدّده البنيويون وأصحاب النظريات الأدبيّة المتأثرة باللسانيات بوصفه لغة أدبيّة مفارقة للخطاب الأدنى، وهو معنى الشعريّة بالمفهوم الذي صاغه جاكبسون.

هذا التصوّر يضعنا أمام مفهومين للشعر، وأمام مصدرين للشعريّة في النصّ الروائي الموسوم بالشعريّة، مصدر هو من خصائص كلّ عمل روائيّ، بما هو بناء فنيّ قائم على جملة خصائص فنيّة، وإن فارق هذه الخصائص طبيعتها الروائيّة لتتلبّس أكثر بالشعريّة في مستوى صياغتها القائمة على التكثيف التصويريّ والدلالة الترميزيّة، ومصدر هو من خصائص الشعر كجنس أدبيّ مختلف عن الأنواع السرديّة، وقع توليفه ضمن العمل الروائيّ ضمن حساسيّة جديدة ومختلفة.

هذا التصوّر يبدو أصيلا في تناول الموضوع، من جهة كونه جامعا لصور الشعريّة ومصادرها في النصّ الروائيّ، بحسب المفاهيم التي انتهى إليها البحث الأدبيّ والنقديّ الحديث، غير أنّه لم يذكر ضمن الفصل النظريّ الأوّل، في حين ذكرته الباحثة ضمن المقدّمة العامة التي عرضت خلالها لمراحل البحث وخطّته، وقد كان من الأفيد تقديم مجمل مفاهيم الشعريّة وأشكال حضورها في النصوص الأدبيّة عامة ضمن الفصل الذي وضع كمهاد نظريّ، والذي نعتقد أنّه بحاجة إلى مزيد ضبط، وإعادة مراجعة، ليستحقّ مكانته كفاتحة لبحث في موضوع نحسب أنّه غير مسبوق في النقد الروائي العربي.

بين الشعر والشعريّة
تنطلق الباحثة في الكشف عن مصادر الشعريّة في روايتي أحلام مستغانمي من معقل الشعريّة ألا وهو اللغة، اللغة بوصفها الغاية التي تقصد الرسالة الجماليّة في الفنّ الشعريّ، حيث يكون جمالها هو مقصد الشاعر الأوّل، قبل البحث عن وظائف المرجع والتأثير وغيرها من الوظائف التي تضطلع بها الخطابات اللغويّة.

وقد فرّعت الأستاذة زهرة كمّون هذا المبحث على أربعة مجالات هي: المعجم، والتركيب، والصورة الشعريّة، والإيقاع. ففي مجال المعجم تلاحظ الباحثة أنّ الروائيّة الجزائريّة آثرت في الاستعمال معجما هو أقرب إلى معاجم اللغة الشعريّة، ألا وهو معجم الوجدان والمشاعر، وأحصت الباحثة في هذا السياق، وتأكيدا لملاحظاتها كلمات من مثل: الحبّ، والشوق والعشق والحزن، والموت في الروايتين لتؤكّد بعده أنّ الروائيّة وهي تكرّر الكلمة الواحدة العديد من المرّات في الصفحة الواحدة، لم يكن همّها همّ الروائيّ الذي يحكي حكاية فيكون اهتمامها باللغة وبالمعجم تحديدا إلاّ بمقدار ما يمكّنها هذا المعجم من حكي حكايتها، بل كان همّها موّجها نحو اللغة ذاتها تنتقي ألفاظا بعينها وتكرّرها العديد من المرّات لكي تشدّ الانتباه (ص 65)، إنّ أحلام ـ والعبارة للباحثة ـ ترسم لنا صورة الواقع بلغة مغرقة في الوجدانيات، ونحن بهذا الكلام لا نروم أن نثبت أنّ لغة الشعر هي لغة الوجدان في حين أنّ لغة الرواية هي لغة المرجع فتكتسب بذلك لغة الرواية شعريتها من تلبّسها بالطابع الوجداني، بل إنّنا نريد أن نلاحظ أنّ إغراق لغة الروائيّة في حقل الوجدان يقرّب لغة الرواية من لغة الشعر، ذلك أنّ الوظيفتين التأثيريّة والانفعالية مرتبطتان بالشعر أكثر من ارتباطهما بالرواية، ولغة الوجدان هي لغة التأثير والانفعال بامتياز (ص 67).

إلى جانب المعجم تناولت الباحثة مسألة التركيب من اجل تبيّن ضروب الخرق التي طرأت على بناء الجملة وعلى بناء المقطع، واستجلاء لمواطن الانحراف والعدول المولّدين لشعريّة الخطاب. وقد لاحظت في دراستها لبنية الجملة ظاهرة التقديم والتأخير متفشّية في مجمل فصول الروايتين، ومن خلال جدول إحصائيّ لظاهرة التقديم والتأخير في فصلين مختارين من الروايتين المدروستين، بيّنت الباحثة ارتفاع نسبة تواتر الظاهرة، مما يجعل منها عملا قصديا وواعيا من قبل الكاتبة، كما تلاحظ الباحثة تضاؤل الوظيفة الإخباريّة في أغلب حالات التي وقع فيها انزياح تركيبيّ قائم على التقديم والتأخير، وفي المقابل تهيمن الوظيفة التأثيريّة، وبذلك تقول الباحثة: يكتسب الكلام أبعادا شعريّة مادامت الوظيفة التأثيريّة مرتبطة بالشعر أكثر من ارتباطها ببقيّة الأجناس الأدبيّة الأخرى (ص 86). الوظيفة الـتأثيريّة للظاهرة لا تنفي الوظيفة الشعريّة، بل تعاضدها وتقوّيها، وكثيرا ما تغيب الوظيفة التأثيريّة لتترك المجال رحبا للوظيفة الجماليّة، فالتقديم والتأخير يولّدان إيقاعا تطرب له النفس ويحقّقان شعريّة الكلام مادام الإيقاع هو جوهر الشعر. هذا بالإضافة إلى أنّ ظاهرة التقديم والتأخير التي تطرأ على بناء الجملة تخلق توتّرا لدى المتقبّل، والتوتّر يحقّق جماليّة الكلام (ص 87).

أمّا في مستوى تركيب المقطع فتلاحظ الباحثة تواتر ظاهرة التداعي في العلاقات بين الجمل، وهي ظاهرة خاصة بالشعر من جهة غياب الروابط المنطقيّة والسببيّة الموجّهة للغة السرد، حيث تسلك الكاتبة أحلام مستغانمي كلا المسلكين، فهي تتبع منطق السرد فتتالى الجمل تتاليا منطقيّا سببيّا، ولكنّها كثيرا ما تعدل عن منطق السرد وتحتكم لمبدأ الشعر فنلاحظ الانقطاع بين الجمل وانعدام الترابط المنطقيّ السببي بين أكثر الجمل فيغدو المقطع مفكّكا كما الشعر (ص 83).

وإذا كانت الصورة الشعريّة هي مكمن شعريّة الشعر وأحد اسراره الخالدة، فإنّ البحث عن حضوره ضمن روايتي مستغانمي وتبيّن مداه كفيل بتأكيد شعريّة لغتها، وهو ما قامت به الباحثة ضمن عمل إحصائيّ للفصلين من الروايتين لتؤكد بعده عن الكثافة الشديدة للصور الشعريّة في لغة مستغانمي مجازا وتشبيها واستعارة، ولم تغب هذه الظاهرة إلاّ في الصفحات التي تهيمن فيها الحكاية السيّاسيّة والواقع الجزائري، حيث تؤكّد الباحثة في خاتمة الفصل أنّ لغة مستغانمي هي لغة مشحونة بالصور المجازيّة المثقلة بالإيحاء متلبّسة بالغموض تهيمن فيها الوظيفة الجماليّة والانفعاليّة، وتتراجع فيها الوظيفة المرجعيّة، وكلّ هذه السمات هي سمات اللغة الشعريّة، وهي السمات التي صيّرتها لغة شعريّة ونأت بها عن لغة السرد الروائيّ الذي يتّسم بالوضوح والتصريح (ص 128).

واستكمالا لأضلاع المربّع الشعريّ في روايات مستغانمي (معجم، تركيب، صورة، إيقاع) تتناول الباحثة ظواهر تعدّها من خصائص الشعر من جهة ما توفره فيه من إيقاع هو أحد أهمّ معاقل الشعر وأكثرها ظهورا وامتيازا، ألا وهي ظواهر التكرار في المفردات، والصيغ الصرفيّة والتراكيب الجزئيّة، والتوازي التركيبي القائم على التناظر التركيبي بين الجمل، والشكل الطباعي القائم على التوزيع الطباعي على بياض الصفحة. وعلى هذا النحو ـ تستنتج الباحثة ـ مثّل الإيقاع الذي حضر في روايتي أحلام مستغانمي بأشكال وأنماط مختلفة مظهرا من مظاهر شعريّة الروايتين، ذلك أنّ الإيقاع بما هو خصيصة من أهمّ خصائص الشعر حضر في روايتي مستغانمي حضورا مكثّفا فأكسب كلتا الروايتين أبعاد شعريّة ووسّع مجال الشعر فيهما (ص 153).

في الباب الثاني تقصر الباحثة عملها على تفحّص درجة الشعريّة في بعض مقوّمات النصّ الروائيّ، كالشخصيات والزمان والمكان، والحكاية. حيث تذهب في فاتحة هذا الباب إلى تأكيد ما ذهب إليه جون إيف تادييه من أنّ الرواية الشعريّة لا تتخذ صفتها تلك إلاّ من أوضاع مخصوصة تكون عليها مقوّماتها السرديّة.

انطلاقا من هذه الفرضيّة تفحص الباحثة عنصر الحكاية في الروايتين المدروستين لتخلص إلى أنّ غلبة موضوع الحبّ والموت والشعر وتواترهما في الحكايات المدوّنة الروائيّة المدروسة من شأنه إعطاء سمة شعريّة لا سيما إذا كانت هذه المواضيع من المواضيع الأثيرة عند الشعراء، كما أنّ طبيعة سرد هذه الحكايات في الروايتين بما وضعته الكاتبة فيها من غرابة تخرق العقد التخييلي الروائيّ مع القارئ، ومن خلط شفيف بين الوهم والواقع قد ساهم بدوره في إكساب الأثر أبعادا جماليّة هي أقرب إلى الشعريّة. تتناول الباحثة أيضا ظاهرة متعلّقة بنسق السرد، والمراوحة الدائمة في النصوص السرديـّة بين السرد والوصف، حيث تلاحظ حضور ما تسميه بالأنا الغنائيّ، حيث نلاحظ ـ والعبارة للباحثة ـ أنّ السارد أثناء سرده حكايته كثيرا ما يوقف عمليّة السرد ويفسح المجال لظهور الأنا الغنائي الذي تقطع تدخّلاته مسار الحكاية لينشئ وقفات غنائيّة تفسح المجال أمام الذات للبوح العاطفيّ والتعبير الانفعاليّ (ص 196) وهو ما من شأنه أيضا أن يهب إيقاع السرد سمات شعريّة.

أمّا في مستوى تناولها للشخصيات فتلاحظ الباحثة أنّ الروائي الشاعر يحجم عن وصف بطله، فهو لا يريد أن يرسم شخصيّة معيّنة محدّدة يوهم بوجودها في الواقع بل يرسم صورة تفتقر إلى التحديد والتعيين فلا يعنيه أن توجد في الواقع أو أن لا توجد بل المهمّ أن تحمل هذه الصورة هواجسه ورؤاه فتكون رمزا من الرموز (ص 214). وهي السمات التي تلاحظها الباحثة في أغلب شخصيات مستغانمي في ذاكرة الجسد وفوضى الحواس، لا سيما الأبطال، حيث تتحقّق شعريتها من جهتين: من جهة كونها شخصيات غير محدّدة الملامح، وكونها بالتالي قد نزعت عنها سماتها الواقعيّة لتغدو شخصيات رموز، ومن جهة امتلاك جلّها لرؤية شعريّة وفلسفيّة في الحياة تنحو منحى شعريّا.

في مستوى دراستها للأطر الزمانيّة والمكانيّة في روايتي مستغانمي تلاحظ الباحثة أيضا الشبه بين الأطر الروائيّة التي تتحرّك فيها وخلالها شخصيات الروايتين وبين نوعيّة حضور شبيهاتها في النصوص الشعريّة من جهة كونها مشحونة بقدر كبير من الذاتيّة في الأمكنة، وبانعدام التسلسل الزمني بين الأحداث في الأزمنة، حيث تتحدّد شعريّة المكان والزمان في روايتي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس بتراجع الوظيفة المرجعيّة وبروز الوظيفة الانفعاليّة وتحفيز الوظيفة الجماليّة الشعريّة في وصف المكان وتحديده، وفي ظاهرة التفتّت والخرق والغموض التي وسمت عنصر الزمان في الروايتين (ص 251).

وعلى هذا الأساس يكون حضور الشعريّ في أعمال أحلام مستغانمي الروائيّة في لغتها وفي مقوّمات سردها، حيث تضافر الجانبان لتحقيق ظاهرة طريفة وغير معهودة في الأدب الروائي العربي، كان سببا رئيسيّا وراء النجاح الجماهيريّ الباهر وغير المسبوق الذي حققته مستغانمي في مجمل أعمالها الروائيّة لا سيما عملها الأوّل ذاكرة الجسد. وقد لاحظت الباحثة بداية تناقص شحنة الشعريّة مقارنة بين الروايتين المدروستين بعد الرواية الأولى، وعزت ذلك إلى أنّ العمل الأوّل كان أقرب عهدا إلى عوالم مستغانمي الشاعرة، وقد وضعت روايتها بعد ديوانين منشورين من الشعر، ثمّ مع تتالي الأعمال الروائيّة بدأت شحنة الشعر تتناقص في الأعمال الموالية تاركة للسرد المرجعيّ النصيب الأوفر. مما يعني أنّ قصورا في لغة أحلام مستغانمي الروائيّة أرغمها على وضع كتابة أقرب إلى الشعر فلمّا استقامت لها لغة السرد بدأت تهجر لغة الشعر، وإن بدرجة قليلة. وهو قصور رائع مكّن المكتبة الروائيّة العربيّة من نوعيّة خاصة وغير مسبوقة في الفنّ الروائيّ، شهد له الشعراء والنقاد والجمهور بالنجاح والتوفيق.

خاتمة البحث وآفاقه
تختم الأستاذة زهرة كمّون بحثها بحوصلة عامة لمجمل استنتاجاتها في البابين الذين وزعت عليهما عملها، بالتساؤل عن سرّ وجود الشعريّ في الروائيّ السرديّ، أهو أزمة في الرواية وقصور؟ أم هو بحث عن آفاق غير مرتادة وتجديد ونفور مما هو قائم مكرّر ومبذول؟ ولا شكّ أنّ أسئلة كهذه تفتح آفاقا للبحث على الأستاذة كمّون أن تنظر في آفاق الإجابة عنها في النصوص الروائيّة العربيّة قبل كلّ شيء، لأنّ الحديث عن أزمة في الرواية العربيّة (وإن أمكن الحديث عنه في مستوى المنجز الفردي لكلّ روائيّ على حدة كما فعلنا منذ حين ونحن نتحدّث عن أزمة في لغة مستغانمي السرديّة) غير مطروح، وإن كان قد طرح منذ عقود في الرواية الغربيّة الأوروبية، كما أنّ البحث عن إجاباته العميقة تحتاج إلى أدوات في البحث عن وجوه التآلف بين الشعريّ والسرديّ لا تقف عند البحث في وجوه الشبه الممكنة بين خصائص الشعر وخصائص السرد كقطاعين مستقلين من قطاعات الكتابة الإبداعيّة، بل تتجاوز ذلك إلى البحث عن مصادر خفيّة وخاصة للشعر وللشعريّة في النصوص الروائيّة، والتساؤل عن مدى إخلاص الرواية للشعر أو للسرد كسمات وقواعد معلومة يسهل العثور عليها أو على أشباهها في هذا النصّ أو ذاك.
ــــــــــــــــــــ
(1) ـ زهرة كمّون: الشعريّ في روايات أحلام مستغانمي ـ دار صامد للنشر والتوزيع/ سلسلة: بحوث أكاديميّة/ صفاقس ـ تونس/ مارس 2007.
(2) ـ للتوسّع ينظر: مفاهيم الشعريّة لحسن ناظم ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت الدار البيضاء: 1994.