«في حضرة الغياب» سيرة تزهد في التفاصيل

ميلود بنباقي

"في حضرة الغياب" سيرة تتحرر من التفاصيل ومن قيود الذاكرة انسجاما مع مقومات ذلك الجنس الأدبي الذي سماه جان إيف تادييه: المحكي الشعري. ففي هذا الجنس لا يستطيع الكاتب/ الشاعر أن يقول كل شيء. إذ لكي يكون الخطاب شعريا, يتوجب عليه اعتماد ذاكرة انتقائية تختار من الأحداث ومن الشخصيات ومن عناصر الفضاء ما يتناسب مع نوع الخطاب. أي ما يوافق الخطاب الشعري. فليس كل ما تختزنه الذاكرة، قابلا لأن يصاغ صياغة تحافظ على صدق التاريخ وواقعية الذاكرة، وعلى دقة الشعر وبهائه في وقت واحد. لذلك نراه يختزل مراحل نموه الأولى التي تطلبت من عمره الطبيعي سنوات. وسنوات في كلمات قليلة مرت مسرعة عبر مراحل طفولته: "تكبر على مهل وببطء. وتود لو تقفز أسرع أسرع في السباق إلى غد تروض فيه الكلمات"(1).

أما الرحيل بعد النكبة ومرارة التهجير والتشرد والضياع بعيدا عن مسقط الرأس وبيت العائلة وحقولها, وحالة الحرمان والفقر التي يعيشها اللاجئون ـ الأرقام، فلا يحظى سوى بفقرة كان من الممكن أن تتحول إلى كتاب مستقل وإلى سيرة كاملة, لو اختار الشاعر لكتابة سيرته الذاتية سبيلا آخر غير سبيل المحكي الشعري. "أما الأغاني، فلن تسمعها إلا من راديو الجيران. وأما الأحلام فلن تجد متسعا لها في بيت طيني، مبني على عجل كقن دجاج، يحشر فيه سبعة حالمين, لا أحد منهم ينادي الآخر باسمه منذ صار الاسم رقما. الكلام إشارات يابسة تتبادلونها في الضرورات القصوى, كأن يغمى عليك من سوء التغذية، فتداوى بزيت السمك... هبة العالم المتمدن لمن أخرجوا من ديارهم"(2) .

ثم يصور مصير الوطن بعد تلك النكبة في جملة واحدة تقول في بضع كلمات ما قاله التاريخ الفلسطيني في فصول طويلة: "وصار الواقع فكرة وانتقل التاريخ إلى ذاكرة"(3). وبذلك تحققت أسطورة العودة الصهيونية, وشرد الفلسطينيون في الفيافي: " كتبوا روايتهم: عدنا. وكتبوا روايتنا: عادوا إلى الصحراء"(4) .

وفي سرده لبعض حوادث الطفولة، يلمح الشاعر/ الكاتب إلى تلك الحوادث بجمل قصيرة تغنيه عن التفاصيل وتعفي ذاكرته من الإجهاد والبوح الصريح: "وعشت لأن سائق الشاحنة انتبه في اللحظة الأخيرة إلى ولد يصرخ بين مؤخرة الشاحنة وبين الجدار الذي تلتصق به. وعشت، لأن سائق سيارة رأى في الظلام قميصا أبيض واقفا على حافة الشارع، فأنقذك من خطر الليل وأعادك إلى الأهل المشغولين بتقليب الافتراضات على جمر الخوف"(5).

ففي الحادثة الأولى لا ندري عن أية شاحنة يتحدث، ولا متى أو أين وقعت الحادثة، ولا نعرف مقدار الخوف ونوع المشاعر التي تأججت في نفس الصبي في تلك اللحظة، كما لا نعرف خاتمتها. وفي الحادثة الثانية لا نعرف كيف تاه الصبي عن بيته ولا متى أو أين. وكأن الشاعر يخاطب قارئا شاركه هاتين الواقعتين، فهو يذكره بهما فقط. تبلغ قمة الإيجاز منتهاها عندما يصف حدة القصف وغزارة القذائف خلال حصار بيروت، منتقيا كلمات تقول كل شيء بأقل جهد وأدنى طاقة ممكنة:

"سألتك، فقاطعتني قذيفة تبحث عن هدف مراوغ"(6).

عندما يتحدث درويش عن الآثار التي تركها موت صديقه الشاعر معين بسيسو في نفسه، يقفز على التفاصيل التي لا تسعف محكيه الشعري, فيذكرها بإيجاز قائلا: "تتجه نحو الباب فلا ينفتح. تنسى أنك قد سحبت المفتاح من القفل، ووضعته على الطاولة. فأنت تفعل ذلك منذ فترة طويلة، منذ مات صاحبك في غرفة مغلقة: تبقي القفل جاهزا لاستقبال مفتاح آخر تحتفظ به مدبرة المنزل التي تأتي في منتصف النهار"(7).

الأسلوب الشعري ها هنا لا يطاوعه ليفصل القول عن موت صديقه الشاعر. فما كان يهمه في تلك الحادثة هو الحديث عن عاداته اليومية وإحساسه بالموت. وتقدمه في العمر وسرعة مرور الزمن. لكنه عندما يريد أن يعود لتلك الحاثة نثريا، فإنه يقدم تفاصيل أكثر. يقول في حوار مع عبده وازن: "لكنني لن أخفيك أن الطريقة التي مات بها الشاعر معين بسيسو في الفندق، وكانت غرفته مغلقة، وعلى الباب إشارة" الرجاء عدم الإزعاج "جعلتني أخشى هذه الإشارة، أو اللافتة. فجثته اكتشفت بعد يومين. الآن كلما نزلت في فندق لا أضع هذه الإشارة على الباب. ولا أخفيك أيضا أنني لا أضع مفتاح البيت في القفل عندما أنام"(8)

1 ـ الشخصيات:
إذا كان السارد في المحكي الشعري يوثر الحديث بضمير المتكلم، حسب تادييه، فإن سارد محمود درويش يشذ عن هذه القاعدة ويفضل استعمال ضمير المخاطب "أنت". يحيل ضمير المتكلم على تطابق السارد والشخصية المركزية الذي تفرضه الكتابة السيرذاتية. وهو ما يسميه جيرار جنيت السرد "القصصي الذاتي". أما استعمال ضمير المخاطب في السيرة الذاتية، فيعترف فيليب لوجون أنه لا يعرف "سيرة ذاتية كتبت بهذا الشكل، غير أن هذا النهج يظهر بطريقة عابرة في خطابات يوجهها السارد إلى الشخصية التي تحيل عليه"(9).

ويخلص إلى ضرورة الفصل بين مشكل الضمير وبين مسألة تطابق السارد مع الشخصية المركزية. يقحم السرد بضمير المخاطب المسرود له في لعبة السرد، إذ يجعله شخصية بدوره. غير أن اختيار الضمائر قد لا يكون له دائما ذلك التأويل الذي نلصقه به. ذلك أن "أهمية الاختيار الصوتي قد لا تتوقف فعلا على أي ميزة أو سيئة ذات طابع صيغي، أو زمني، وإنما على الواقعة الخام لوجوده فقط: فالكاتب ـ في تصوري ـ يرغب يوما في أن يكتب حكاية بضمير الشخص الأول، وأخرى بضمير الشخص الثالث، مقابل لا شيء، هكذا، على سبيل التغيير"(10) .

غير أننا لا نشاطر جنيت هذا الرأي ونحن بصدد "في حضرة الغياب"، فدرويش لا يكتب بضمير المخاطب من أجل التغيير فقط، أو التمرد على هذا الضمير أو ذاك، ما دام قد خبر جميع الضمائر في رحلته الشعرية الطويلة. وإنما نرد استعماله لهذا الضمير إلى الحالة النفسية وإلى الأسئلة الوجودية والفلسفية والفكرية والذاتية التي لامسها بشفافية مطلقة، وعمق لا يضاهى، وعذوبة لغوية فائقة. لقد كان هاجسه في هذا السفر الجميل: سؤال الوجود والعدم. سؤال الموت والحياة، السؤال الملح، أو السؤال الجوهري، بل السؤال الذي يليق بكل من جاوز الستين. سؤال قاد صاحبه إلى أن ينثر نفسه سطرا سطرا، فيصبح اثنين في واحد، أو واحدا في اثنين. واحد مات وآخر ينتظر. واحد انتهى منذ توقف قلبه عن النبض في باريس إثر عملية جراحية معقدة، وآخر ولد عندما عاد القلب للنبض بصدمة كهربائية.

صار الشاعر ـ الكاتب اثنين إذن، فكان لزاما على النصف الذي ولد أن يخاطب نصفه المنتهي: أنت. "وكما أوصيتني، أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعيك إلى هذا السفر الأخير، وأدعوهم إلى اختصار الوداع، والانصراف إلى عشاء احتفالي يليق بذكراك"(11) .

يعيش الشاعر حياته الثانية في شخص نصفه الآخر "... أنت إلى حياة ثانية، وعدتك بها اللغة"(12)، أما هو/ أناه، فإلى موعد أرجأه أكثر من مرة، موعده مع الموت. هذان الاثنان في واحد اللذان يهيمنان على النص ويشكلان الصوتين الرئيسيين فيه، أو شخصيتيه الأساسيتين بدون منازع، ظهرا في شعر درويش من قبل في ديوانه "سرير الغريبة". ففي هذا الديوان تفتح الحبيبة صدرها وجوارحها وتخاطب الشاعر: "واسكن معي جسدي"، ليتوحدا ضد الغربة وضد المنفى ويصيرا ثنين في واحد أو واحدا في اثنين. يستوحي درويش "مقولة رامبو الشهيرة:" الأنا آخر "بل هو يعيد صوغها وفق ما يتراءى له ووفق انصهاره بامرأته وانفصاله الأليم عنها": هل أنا أنت أخرى، وأنت أنا آخر؟ "يسألها، وعوض أن يعلن الشاعر رغبته في الاتحاد بامرأته يجاهر بالثنائية" الأبدية "والانفصال كأن يقول لها: ينقصنا أن نعود إلى اثنين كي نتعانق أكثر"(13)، موظفا الأسطورة الإغريقية، أسطورة الإله زوس الذي فصل الكائن المزدوج بعضه عن بعض.

خرجت منه أناه وخرج منها وذهبا في مسارين مختلفين: الوجود والعدم. لكنهما متلازمان، فلكي تفهم أحدهما لا بد لك من العبور من بوابة الآخر، فالعدم "ضروري لاختبار الوجود"(14). هذا الانفصال هو فسخ لعقد مبرم "بين عبث وعبث"(15). دون معرفة الغالب والمغلوب الذي قد يكون طرفا ثالثا هو الموت. نصفه الآخر هو صاحبه "المترف بالأوصاف النقيضة، المسرف في البحث عن عبث لا بد منه لتدريب النفس على التسامح"(16). حروف اسمه مفككة، ورث عن أسلافه براءة النظر للتلال كي يعد النجوم على أصابع يديه العشرة. حين يُسأل: من أنت، يجيب: أنا أنا، ليبقى "كائنا" مبهما هلاميا، أو ظلا لكائن آخر لا يقل غموضا والتباسا. هذا الانشطار، وهذه الهلامية والضبابية اللتان تسمان الشخصيتين الأساسيتين في النص، هي وسيلة الشاعر لملامسة هذا السؤال المربك، المحير، المعجز، المليء بالألغاز والأسرار والمخفيات: سؤال الموت. فالشخصية الواضحة المعالم، والخطاب الواقعي يعجزان عن خوض هذا الموضوع الوجودي الشائك.

سؤال الموت عند درويش شديد الصلة بالبعد الميتافيزيقي، دنا منه أكثر في ديوانه "جدارية"، حيث كتب عن تجربة شخصية" كانت مناسبة لي للذهاب في سؤال الموت، منذ أقدم النصوص التي تحدثت عن الموت، ومنها ملحمة غلغامش التي تحدثت أيضا عن الخلود والحياة"(17). لم تأت الحياة على طبق من ذهب للمسرود له "الأنت"، فقد ولد نحيلا هزيلا كخاطرة عابرة أو كنبتة شعير خاوية. شرق بحليب أمه وشكا من سوء التغذية ولم يصدق أحد أنه سيعيش. لقد ولد موته معه، لكنه قاومه وداوم على شرب زيت السمك ليداوي ضعفه ووهنه الجسدي. وبما أنه شخصية فوق واقعية، فقد ولد في مكان فوق واقعي أيضا، هو قارعة الزنزلخت. وبسرعة سيكتسب مهارة تسمية الأشياء فور تفتح عينيه على الحروف، خصوصا حرف النون الذي أقام معه علاقة خاصة. يحب الشعر والإيقاع والحكاية التي تلبسته في ديوان جده. لقبوه بالشقي والحالم وراح ينظم أشعارا حماسية. لكن النكبة ستضاعف عمره وتجعل له ذكريات وهو بعد في السابعة، وستبني له ماضيا يراه بعيدا في أرضه المغتصبة وبيت العائلة المنهار. يهيمن حضور هذه الشخصية على حضور شخصية المتكلم "الأنا" نفسها التي تستمد شرعية حضورها من وظيفة تقديم المسرود له للمتلقي، وتتبع مراحل حياته ونموه ورسم بورتريه الجسدي والنفسي. إلى جانب هاتين الشخصيتين الهلاميتين، يقدم النص شخصيات واقعية تنتمي للحقل العائلي، هي:

أ ـ الأب: عصفت به النكبة فنقلته من حياة اليسر إلى الشدة والعسر ليقضي عمره في صراع مرير وطويل من أجل لقمة العيش وتعليم أبنائه الثلاثة، حتى إذا هده التعب وخارت قواه ولم يعد قادرا على حمل الصخرة وحده، طلب من أبنائه أن يختاروا من بينهم من يترك المدرسة ليساعده. لكن عندما رآهم يتطوعون جميعا، سالت من عينيه دمعة وتراجع عن قراره. كتوم صبور، لا يكشف جرحه أمام ابنه. مات بضربة شمس أثناء تأديته فريضة الحج.

ب ـ الأم: هي نفسها الأم ذائعة الصيت التي فاحت رائحة قهوتها الشهيرة. بيضاء البشرة، طويلة الشعر، حادة اللسان. فلسانها "يجرح المبرد"(18). تلعن "الزمن الذي نقل أسرتها من مزارعين إلى لاجئين"(19). تحب العمل والحركة فلا تسمح لأحد بمساعدتها حتى وهي شيخة. تصحو في الفجر، تصلي وتعد قوتها، تنظف البيت وتسقي الورود وتعد طعامها وتنتظر ضيوفها.

ج ـ الجد: كان أهل القرية يقصدون بيته فيجتمع الساهرون في ديوانه. يروي الحكايات ويرغم حفيده "الأنت" على تناول العسل.

د ـ الجدة: تحضر صورتها في النص مقرونة بالعسل مثل الجد. فهي "تضع المنخل على وجهها لتتقي عقصات النحل وتقطف الشهد بيد جريئة"(20) .

يبتكر محمود درويش في محكيه الشعري هذا شخصية فريدة هي الشخصية الصفر، أو الشخصية العدم. ينيط بها وظيفة التلقي، فيجعلها مسرودا له ـ لها. وهي غير واضحة المعالم طبعا. "وستروي إلى لا أحد واضح الملامح"(21). فهل هي المونولوج الداخلي حيث لا وجود لشخصية ثانية سوى شخصية الذات المتكلمة؟ أم هي شخصية تجمع كل الشخصيات، فصارت من فرط تعددها،عدما؟ "وستروي لي عندما أتقن التدوين، أو ستروي للاأحد"(22)

2 ـ المكان:
المكان في هذا النص طبقات ومستويات متعددة بتعدد الصور والمواقف والإحالات ونوع الشخصيات والحالات الشعورية. ولتوضيح هذه المستويات نجمل أنواع الأمكنة المبثوثة في النص فيما يلي:

أ ـ المكان الخيالي ـ الشعري: يمثله مكان ولادة الشخصيتين الهلاميتين: الأنا والأنت. "ولدنا على قارعة الزنزلخت"(23). ومدار اللازورد "أدخلتك إلى مدار اللازورد، ودربتك على فك العزلة"(24). والمكان الصورة "ليس المكان هو الفخ إذ يصير إلى صورة"(25). ومكان المكان "لتثبيت المكان في مكانه"(26). والمكان الكائن الحي "دم المكان"(27)، "أرض تغطي جرحها الأنثوي بورق التين وبصوف الخراف"(28). تندرج ضمن هذا النوع كذلك الأمكنة الأسطورية "بلاد الجن"(29).

ب ـ المكان الواقعي: تمثله تلك القرية المنحوتة في سفح جبل، بيوتها تتكون من ثلاث غرف عبارة عن لوحة عشوائية "رسمها فنان أعمى على عجل"(30) دلالة على بنائها الفوضوي أو العشوائي. تطل نوافذ بيوتها على جهة واحدة، هي الجهة التي يأتي منها حرس الحدود "الضبع" الذين كانوا يبثون الرعب بين السكان. في هذه القرية عرف المسرود له من آثار النكبة المدمرة ما دفعه إلى كراهية النصف الثاني من طفولته. وتمثله أيضا مدن كالقاهرة وبيروت وصبرا وشاتيلا... أماكن تحيل على صور راسخة في ذهن ونفس السارد والمسرود له. فالقاهرة ساحرة ساهرة تتماهى في الحلم مع الجنة. وبيروت مدينة الملاجئ والقصف والقذائف والدبابات والطائرات وفظاعات الحصار الطويلة. وصبرا وشاتيلا مرادفان للمجزرة الشنيعة التي ارتكبت فيهما والتي صورها النص انطلاقا من تناص مع مقطع لجان جونيه. وباريس مرادف لمحنة القلب والملذات والخريف الحالم. وتونس تستذرف الدمع مدرارا لحظة وداعها المر.

ج ـ المكان الرائحة: "المدن رائحة"(31) يقول النص، فعكا رائحة اليود البحري والبهارات، وحيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة، وموسكو رائحة الفودكا، والقاهرة رائحة المانجو والزنجبيل، وبيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون، وباريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة، ودمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة، وتونس رائحة مسك الليل والملح، والرباط رائحة الحناء والبخور والعسل. في هذا المستوى ينتقل إدراك المكان وتمثله من الشعور الداخلي وحاسة البصر، إلى حاسة الشم التي لا تستعمل إلا لإدراك الروائح وحدها.

د ـ المكان الكثافة: يمثله السجن المغلق على نفسه وعلى السجين. "حرمان الكائن من مشهد الشجرة والبحر"(32). يحث على التذكر والاسترجاع في أقصى وأقسى درجاتهما "تأتي الحقول إليك بحفيف السنابل الذهبية. والشمس تملأ قلبك بضوء البرتقال. وتأتي إليك زهور السفوح المبعثرة كشعر فتاة فوضوية. ورائحة القهوة المشحونة بهياج الهال تأتي إليك"(33). ينقلنا هذا المكان إلى أدب السجون (محكي السجن) بملامحه المعهودة. فالأرض هنا متران مربعان، والباب الحديدي دائم الإغلاق وأصوات الأحذية الثقيلة في الممرات تحمل إليك حساء العدس المطبوخ بالسوس. أصوات تذكر السجين بأن يوما جديدا قد طلع، لأنه في زنزانته الضيقة محروم من النور والشمس طول اليوم. السجين معزول عن العالم الخارجي عزلة تامة، فلا تصله أخبار ولا يعلم "إن كانت حرب جديدة قد اندلعت، أو كانت الحرب القديمة قد وضعت أوزارها"(34). المرحاض وعاء يستبدل في أوقات معلومة، ولا جديد في الزنزانة التي تشكل قطيعة مع الزمن، ما دام الزمن يصنعه الحدث ووقوع الجديد ورحلة الشمس.

هـ ـ اللامكان: يمثله المنفى. "اللامكان هو المنفى"(35). وهو أوسع من المكان، فلا حدود له سوى المطارات والموانئ والبحار، ولا اسم له ما دام مشرعا أمام كل الأمكنة والخرائط والأسماء. "وفي الأمل ما يكفي من العافية لقطع المسافة الطويلة من اللامكان الواسع إلى المكان الضيق"(36).

وـ الهنا والهناك: بعد النكبة سيصبح المكان ثنائية مرة تحمل عناوين التشظي والتشرد والتهجير، ثنائية الـ"هنا" والـ"هناك. الداخل والخارج. الوطن والشتات ـ المنفى". قبل أن يلقنوك فقه الرشد التدريجي، ودرس الجغرافيا الضروري لمعرفة المسافة بين "هنا" و"هناك"(37). الهنا واقع مر، والهناك حنين دائم "خذني إلى هناك"(38). صار المكان متحركا بعد أن كان ثابتا، صار حقيبة وجواز سفر بدوره. "المكان على أهبة السفر"(39). أصابته عدوى التشرد، فراح يبحث عن سكانه وراح السكان يبحثون عن مكانهم "وكلما تشرد المكان في سكانه الباحثين عنه"(40). فليس للمكان وجود مستقل بذاته، إذ لا معنى له ولا وجود إلا بوجود سكانه الأصليين. الزمن أيضا يصير إلى اثنين انسجاما مع ثنائية المكان وازدواجيته. فالنكبة كانت برزخا بين ماض دخل إلى الذاكرة منذ دخل المحتل إلى فلسطين، "ماض رضيع مزروع في حقول كانت لنا"(41). وبين حاضر خرج من الشباك بساعة نحس واحدة، هو حاضر اللاجئين المشردين، المكدسين في المخيمات "نشتري الماء من آبار الجيران، ونقترض الخبز من سخاء الحجر"(42) .

3ـ الزمن:
ينتج عن تعدد مستويات المكان، تعدد في مستويات الزمن كذلك، إذ الزمن فخ منصوب "يتربص بنا على حافة المكان"(43). هناك الزمن الاستيهامي أو الحلمي حيث تتماهى جميع الأزمنة وتنصهر في بوتقة واحدة يصير فيها المستقبل ماضيا، والماضي مستقبلا. "إن المستقبل منذئذ، هو ماضيك القادم"(44). وحيث الزمن (الليل) خباء للموت وحيث الخريف الباريسي عناق إيروسي محموم بين الظل والضوء. يدخل المكان والزمن في علاقة حميمة، فيصير أحدهما وصفا للآخر "فجر ريفي". فالفجر في هذا المكان(الريف) ليس هو أي فجر. والخريف في باريس ليس هو أي خريف. فخريف باريس يقهر الموت ويبعده "أ في مثل هذا النهار يموت أحد؟". يكتسب الزمن خاصياته من المكان، فيأخذ منه ألوانه وهيبته وبهاءه، أو ضيقه وانغلاقه وضجره، والعكس صحيح.

4 ـ الرمز والأسطورة:
يوظف محمود درويش الأسطورة على مستويين:

ـ المستوى الأول: يوظف فيه الأساطير التاريخية(وخصوصا الإغريقية) باعتبارها إرثا إنسانيا يعيد بناءه واستعماله كنوع من أنواع الاستعارات. يقول: "فتنة الأسطورة تجعلك نهبا لانتقاء الاستعارات" (45). "في هذا الإطار يأتي استعماله لأسطورة حرب طروادة ليخلق شخصيات جديدة خرجت سالمة من الأسطورة وطرواديين جدد"(46). يختلفون عن الطرواديين الأصليين في أنهم لم يخطفوا هيلين ملكة إسبارطة، ولم يكونوا سببا في الحرب. مسالمون، طيبون، بل ضحايا ذنبهم "أنهم ولدوا على سفوح شبهت بالدرج المؤدي إلى الله"(47). أي في مهد الديانات: فلسطين. شجعان، وفصحاء ذو وبلاغة، لكنهم "انكسروا أمام الدبابات"(48). ثم "هجروا وبعثروا في مهب الريح"(49). ينتمي المسرود له لهؤلاء الطرواديين الضحايا، المشردين. فهو "شاعر طروادي نجا من المذبحة"(50). تسعف هذه الأسطورة الشاعر/ الكاتب في إثراء خطابه ومنحه القوة وشرعية التاريخ الإنساني المشترك، مثلما تخدم القضية التي يدافع عنها سواء كتب عن ذاته أو عن شعبه. قضيته الشخصية كذات شردت وهجرت وأبعدت عن الأهل ومسقط الرأس ومواطن الطفولة، وكشاعر ذاق مرارة المنافي والاعتقال وهدد في حياته وحريته... وقضيته الجماعية التي لا تكاد تختلف عن القضية الأولى.

ـ المستوى الثاني: أما المستوى الثاني للحضور الأسطوري في نص "في حضرة الغياب"، فيتجلى في البناء الخاص الذي يصل بالنص إلى المستوى الأسطوري. حيث يصبح النص ذاته أسطورة دون الاستناد لمحكي أسطوري، إذ يتحول إلى خطاب "يتجاوز الحس والعقل، ويتحرك كما يتحرك الحلم، من غير أن يستند بناؤه إلى حد من الحدود"(51). في هذا المستوى لا يطرح "التساؤل عن العلاقات الممكنة وغير الممكنة، وإنما نتتبع الصورة وهي تنمو شيئا فشيئا، من غير أن تعتمد على الموازنات والمقارنات والتشبيهات والاستعارات بين الأشياء"(52). يحفل النص بالكثير من مثل هذه الصور الأسطورية التي تبني فيها اللغة نفسها من الداخل، متقدمة في كل الاتجاهات، عاصفة حينا، هادئة حينا آخر. تتوالى كما الأحلام دون رقابة ودون حدود، خارجة عن السائد والمألوف و"المنطقي"، خاضعة فقط لمنطقها الخاص، منطق الحلم والأسطورة، الذي هو في الأول والمنتهى منطق الشعر. بهذا المعنى يصبح النص من أوله: "سطرا سطرا أنثرك أمامي بكفاءة لم أوتها إلا في المطالع"(53)، إلى نهايته: "وغائبان أنا وأنت، وحاضران أنا وأنت. وغائبان/ فبأي آلاء ربكما تكذبان"(54)، أسطورة. يقول درويش: "ظلام يوحد العناصر في كهف الوجود الخالي من الصور. يطفح المجهول المحمول على عواء الذئاب وعلى هسيس العشب الدامي. وتمشي خطوة على خواطر سوداء، وعلى صخرة ليل خطوة. وأنت تسأل في سرك عما يجعل العتمة صلبة، وعما يجعل الحياة صعبة. وتحن إلى مطر في الجنوب، إلى مطر يذيب هذا الحبر الكوني الهائل، وتقول: لو هطل المطر علينا في هذا الليل لذاب الظلام ورأينا خطانا والطريق، وقادتنا رائحة المطر إلى الشجر الذي شب في الغياب ودخلت أغصانه العالية إلى الغرف."(55).

يبني هذا المقطع أسطورته عبر لغة خاصة يطغى عليها الليل وظلامه والمطر والكون والوجود. ظلام مطبق يتصاعد ويتنامى ليصبح سيد الوجود. لا سبيل لمحوه إلا بمطر يذيب ظلمته وينير الطريق المعتمة، ويقود لشجر عجائبي يشب كما الإنسان ويتسلق الجدران ليتسلل للغرف العالية. النص في مجمله مبني على شاكلة هذه الصور الأسطورية التي لا يمكن حصرها سوى بحصر النص نفسه. نمثل لها بمقطع آخر يقول فيه السارد: "وأخرجوك من الحقل. أما ظلك، فلم يتبعك ولم يخدعك، فقد تسمر هناك وتحجر، ثم اخضر كنبتة سمسم خضراء في النهار، زرقاء في الليل. ثم نما وسما كصفصافة في النهار خضراء، وفي الليل زرقاء"(56). اقترب محمود درويش في هذا النص من تجربة الموت بشكل قوي ولافت، مما حتم عليه استعمال زخم هائل من الرموز والاستعارات والتشبيهات والصور واللعب بالكلمات. "نحتاج عادة إلى كلمات بسيطة للتعبير عن وقائع الحياة. إلا أن الموت يشذ عن هذا، فنضطر إلى استعمال ألفاظ ملتوية واحتفالية للإخبار عنه"(57).

خاتمة:
"في حضرة الغياب" سيرة ذاتية، أو سيرة شعرية، استثمرت المحكي الشعري استثمارا محكما، قلصت فيه الهوة وحطمت الحدود بين الشعر والنثر. اشتغلت على وقائع معيشة، حقيقية، تعود لمسار درويش الشعري والحياتي، وأخرجتها إخراجا جماليا رائعا، فكانت بحق، قصيدة مثخنة بروح الشعر العالية. قصيدة محمود درويش الشاعر الفلسطيني الكبير، وقصيدة شاعر افتراضي يدخل معه الشاعر الأول في حوار طويل. حوار شعري، فلسفي، فكري، وجودي، ذاتي... قصيدة الواقع، وقصيدة المتخيل. يوظف النص لغة قصيدة النثر مبديا مهارة عالية في الانتقال من فن إلى فن، فجاء نصا نثريا مفعما بالشعر، أو قصيدة شعرية مفعمة بالنثر. رغم أن درويش يفرق بين النوعين: الشعر والنثر. فعندما يكتب نثرا، يسميه نثرا لا قصيدة. معليا من شأنه، واضعا إياه في نفس مرتبة الشعر، مبديا إعجابه بقول الشاعر باسترناك: "أجمل ما في القصيدة ذلك السطر الذي يبدو نثريا". سيرة تجعل من السيرورة الزمنية بوتقة تنصهر فيها الأزمنة وتتداخل اللحظات والمراحل. فينتقل ساردها بمرونة من الماضي إلى المستقبل، ومن الحاضر إلى الماضي ومن الطفولة إلى الرشد، ومن الذاتي إلى الجماعي، ومن الشخصي إلى العائلي، ومن الواقع إلى الحلم. سيرة تكثف المحكي وتختصر الذاكرة، فتقفز بخفة على مراحل حياة الشاعر لتنتقي منها ما يرضي الخطاب الشعري من حيث الإيجاز والتلميح. سيرة، أو نافذة مشرعة، أطل منها الشاعر على مهل هذه المرة، على تجربة الموت. قبض على اللحظة المنفلتة، المراوغة، اللزجة... وحاورها كما يحاور صديق صديقه. أو كما يناور غريم غريمه. من انتصر، ومن انهزم؟

مع الموت، لا يطرح مثل هذا السؤال أبدا. يمثل ضمير المخاطب "الأنت" الموظف في هذه السيرة، صورة الأنا في ماضيها. الأنا قبل موتها في تلك الدقيقة ونصفها. مثلما يمثل تقدم العمر وانسيابه السريع، وتدفق الزمن... صوب اللازمن. يخاطب الشاعر أناه، كما يخاطب نفسه في مرآة. بل كما يخاطب صورة قديمة له، أو ضيفا طارئا.

"في بيت أمي صورتي ترنو إلي
ولا تكف عن السؤال:
أأنت، يا ضيفي، أنا؟
هل كنتُ في العشرين من عُمري،
بلا نظارة طبية،
وبلا حقائب؟
كان ثقب في جدار السور يكفي
كي تعلمك النجوم هواية التحديق
في الأبدي..
(ما الأبدي؟) قلت مخاطباً نفسي
ويا ضيفي... أأنت أنا كما كنا؟
فمن منا تنصل من ملامحه؟
أتذكر حافر الفرس الحرون على جبينك
أم مسحت الجرح بالمكياج كي تبدو
وسيم الشكل في الكاميرا؟
أأنت أنا؟ أتذكر قلبك المثقوب
بالناي القديم وريشة العنقاء؟
أم غيرت قلبك عندما غيرت دربك؟
قلت: يا هذا، أنا هو أنت
لكني قفزت عن الجدار لكي أرى
ماذا سيحدث لو رآني الغيب أقطف
من حدائقه المعلقة البنفسج باحترام.
ربما ألقى السلام، وقال لي:
عد سالماً..
وقفزت عن هذا الجدار لكي أرى
مالا يرى
وأقيس عمق الهاوية. قصيدة "في بيت أمي" من ديوان "لا تعتذر عما فعلت"".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ محمود درويش، في حضرة الغياب، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى 2006، ص:30.
2 ـ نفسه، ص:45.
3 ـ نفسه، ص:47
4 ـ نفسه، ص:48.
5 ـ نفسه، ص:51.
6 ـ نفسه، ص:75.
7 ـ نفسه، ص:96.
8 ـ عبده وازن، الغريب يقع على نفسه، رياض الريس للكتب والنشر، ط 1 يوليو 2006، ص:154.
9 ـ فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي، المركز الثقافي العربي، ط 1 1994، ص:27.
10 ـ جيرار جنيت, عودة إلى خطاب الحكاية، ترجمة محمد معتصم، المركز الثقافي العربي، ط 1: 2000، ص:148.
11 ـ في حضرة الغياب، ص:9.
12 ـ في حضرة الغياب، ص:10.
13 ـ عبده وازن، الغريب...، مرجع سابق، ص:37.
14 ـ في حضرة الغياب، ص:11.
15 ـ في حضرة الغياب، ص:12.
16 ـ في حضرة الغياب، ص:12
17 ـ عبده وازن، الغريب..، مرجع سابق، ص:94,93.
18 ـ في حضرة الغياب، ص:160.
19 ـ في حضرة الغياب، ص:160
20 ـ في حضرة الغياب، ص:45.
21 ـ في حضرة الغياب، ص:42
22 ـ في حضرة الغياب، ص:43.
23 ـ في حضرة الغياب, ص:17.
24 ـ في حضرة الغياب، ص:20.
25 ـ في حضرة الغياب، ص:19.
26 ـ في حضرة الغياب، ص:19.
27 ـ في حضرة الغياب، ص:17.
28 ـ في حضرة الغياب، ص:37.
29 ـ في حضرة الغياب، ص:27.
30 ـ في حضرة الغياب، ص:44.
31 ـ في حضرة الغياب، ص:90.
32 ـ في حضرة الغياب، ص:64.
33 ـ في حضرة الغياب، ص:59 ـ 60.
34 ـ في حضرة الغياب، ص:61.
35 ـ في حضرة الغياب، ص:53.
36 ـ في حضرة الغياب، ص:19.
37 ـ في حضرة الغياب، ص:39.
38 ـ في حضرة الغياب، ص:39.
39 ـ في حضرة الغياب، ص:49.
40 ـ في حضرة الغياب، ص:50.
41 ـ في حضرة الغياب، ص:47.
42 ـ في حضرة الغياب، ص:47.
43 ـ في حضرة الغياب، ص:19.
44 ـ في حضرة الغياب، ص:23.
45 ـ في حضرة الغياب، ص:68.
46 ـ في حضرة الغياب، ص:67.
47 ـ في حضرة الغياب، ص:67.
48 ـ في حضرة الغياب، ص:67.
49 ـ في حضرة الغياب، ص:67.
50 ـ في حضرة الغياب، ص:67.
51 ـ أحمد الطريسي، الأسطورة في الشعر ومستوى الإدراك المعرفي، مجلة نزوى، العدد السادس، أبريل 1996.
52 ـ نفسه.
53 ـ في حضرة الغياب، ص:9.
54 ـ في حضرة الغياب، ص:181.
55 ـ في حضرة الغياب، ص:43.
56 ـ في حضرة الغياب، ص:14.
57 ـ فانسان توماس، الجثة واللغة والصور، ترجمة أحمد الفوحي, مجلة علامات، العدد الرابع،1995، ص:100.