مصباح الملائكة الأخير

عصام ترشحاني

(إلى محمود درويش)                       

البحرُ.. لكْ
والغيمُ.. لكْ..
هل أنت لي؟
الفلُّ ينبت في خرائب مخملي..
وحدائق التكوين لكْ..
الشعرُ.. مفتوحاً
على الإدهاشِ،
مفتوحاً.. على التخييلِ والتأويلِ،
واللغةِ التي
ابتكرتْ مناسكها اللذيذة في دَمِكْ
الشعرُ.. لكْ
الزهرُ.. في صدر النساء الملهماتِ
ولذّةُ الإنشادِ.. لكْ
حتى الجبال..
بوابلٍ من حَدسكَ الأخّاذِ
تمضي.. مثلما
يمضي الغريبُ إلى الظلالِ
ومثلما تمضي الظلالُ
إلى الغيابِ..
فَهَيْتَ لكْ..
الأرضُ.. مذ نادت عليكَ
ومنذ أن رقصتْ
على إيقاع نبضكِ
تشتهيكَ.. وتتبعك..
ملكٌ.. على عرش الكلامْ..
ـ هذا الكلام فضاؤنا الآتي
ومملكةٌ لنا ـ
والتاجُ لكْ..
ما.. من مليكٍ
سوف يأخذ مطرحكْ..
يا أيها الوطن الذي
سيظلّ في الأعلى..
ونحن هنا.. رعاة شقائق المعنى
سنحمل مشعلك..
*  *  *
لم يبقَ ماءٌ في الرمادْ
أسرى الخرافيُّ الشفيفُ
إلى الأبد..
خرجَ الفؤادُ من الفؤادِ
وغاب جسم الأرضِ
عن لغة البلاد..
وَدَّعتُ محمود الصديق..
وَدَّعتهُ بالدمعةِ الأولى..
وتركتُ دمعتهُ الأخيرة للصلاة..
نَمْ يا حبيبي آمناً
نَمْ مطمئناً.. فالقصيدة لن تنام..
وَدَّعتُ درويش النبي..
وَدّعتُ قامتهُ..
ولفتتهُ.. وحيرتهُ
ودعتُ سحرَ حضوره..
ودعتُ فردوس النشيدِ
إلى الخلودْ..
وسقطتُ من أقصى الغمام..
هو بعض ميراث الألوهةِ
في المدى..
وهو الكتابةُ بالسماءِ،
وبالبنفسج والندى..
هو قبل (زهر اللوز)
فرقان الجراحِ..
دم الرياحِ
على سريرٍ للشذا..
وهو الكنايات التي
يشتقُّ منها الحبُّ
نبرتهُ.. ولوعتهُ.. وغربتهُ
يشتقُّ منها الحبُّ
إثم الشّهدِ
من جسدِ الصدى..
هيَ ذي كمنجتهُ..
تطارد ظبية الأفلاكِ
من كنعان.. حتى وردة الشيطانْ..
هيَ ذي أَهِلّةُ قلبهِ..
بحفيفها.. ترتاد من مِسْك الدّجى
صوفيّة النّهداتِ
والإشراق والرّيحان..
هل كان مصباحَ الملائكة الأخير..؟
هو بعد زهر اللوزِ
كُمثْرى المنونِ..
وصورة الراعي المُبَشَّرِ بالنبوّةِ
والجنون..
هو بعد زهر اللوز،
معراجُ الحروف الحالمة..
يمضي من الموت المؤقتِ
بانتشاء النار
والوَلَهِ المقاوم
ما وراء البحر يمضي
كي يُغنيّ للوطن
يا أيها الذهبيُّ
كم أسْدَلتَ غابةَ ضوئكَ الأخرى
على الموتى..
لكي تُحيي الشجنْ..
يا أيها الذهبيُّ..
كم عانقتَ موتكَ،
والسماءُ.. ذراعها مَدّتْ إليكَ
لتجتبيكَ..
وكنتَ من نور التراتيل الكثيفة
يا صديقي
كنتَ في تيهٍ
يليق بروحك العليا
تعود إلى الحياة..
الآنَ تصعد يا ابن عكّا..
فوق زهر اللوز،
محفوفاً.. بجُندِ الرّبِّ..
تصعد بعد أنْ
ألقيتَ آلام المسيحِ
على فساد الأمكنة..
الآن يتركك الحصان إلى الكفنْ..
الآن يتركك الحصان مُلطخاً
بحِرابه ونزيفهِ الوطنيِّ
يا أنثاهُ..
هُزّي نخلة الشمس الوحيدةَ،
في وَصيّتهِ
فلا يكفي البكاء عليهِ..
يا أنثاه.. لا يكفي البكاء على الوطن


شاعر من فلسطين