يتتبع الباحث المغربي مسارات الكتابة الروائية في هذا النص الروائي المغربي المتوج بجائزة البوكر السنة الماضية، حيث يلتقط توجهه الفني ومساراته الحكائية المتشابكة. رغم أنه في النهاية يستجيب لواقعه الخاص واقع الكتابة وهي تستعيد المادة الحكائية، وتنضد الخطابات والسجلات والصيغ وفق رؤية إبداعية تتوق إلى إنتاج المعنى.

مسار الكتابة في رواية «القوس والفراشة»

قراءة في مسار اللامتوقع

عبد عزيز ضويو

يرى ميلان كانديرا أن الرواية فن لمعرفة الذات والعالم، تتوسل اللغة والمتخيل لتخلق عوالمَ  حكائية وفق شروط الفن الروائي التي تنافي الاستئثارَ بالحقيقة، ومصادرة حق كل شخصية في فهم وضعيتها. ومهما بدت وشائج النص الروائي بالعالم الخارجي واضحة وقوية، فإنه يظل وفيا لواقعه الخاص، هو في الأخير واقع الكتابة وهي تستعيد المادة الحكائية، وتنضد الخطابات والسجلات والصيغ  وفق رؤية إبداعية تتوق إلى إنتاج المعنى.

لعلي بالقوس والفراشة تروم هذا الاتجاه الفني، وهي تلتقط مسارات حكائية متشابكة لشخصيات تتحرك في اتجاهات متباينة بحثا عن مخرج لورطتها، وفهم ما يحدث لها ولمحيطها، فنضدت انتظامات سردية على ايقاع التشظي وتعدد سجلات القول وتنوعها. وهي في ذلك،  تصدر عن راو بضمير المتكلم هو يوسف الفرسيوي، من مميزاته أنه كاتب وصحفي، غزير الاطلاع على الأدب وشؤون السياسة والمجتمع، إنما يروي انطلاقا من لحظة انقشعت فيها أوهامه، يلفه ضباب كثيف، حيرانا تنهشه الأسئلة والهواجس. في الزمن الحاضر الذي تمتد فيه الحكاية في مجملها، تصل رسالة قصيرة تنعي مقتل ياسين ابن يوسف، فينطلق السرد ويتبلور تأملا وغوصا في دائرة الشخوص التي تشكل مجتمع الرواية . ومن النافل أن نؤكد أن تنامي السرد وتفرعه يظل رهينا بطبيعة علاقة شخصية الراوي يوسف بهذه الشخوص، وبأهميتها في معمارية الرواية، ودور ذلك في إفراز الرؤية العامة.

نحن إزاء شخصيات تقبل على الحياة بنهم، ترقص وتغني أحيانا، لكنها تعيش أيضا حالة الألم والشجن، وهو ما يؤسس للتعارضات والمفارقات اللازمة لخلق عوالم روائية مبدعة . وحينئذ لم يأت توظيف كلمة "تراجيديا" عرضا، وإنما لتوصيف حالة مفارقة بؤرية يمكن القول إنها رحم نصي تنشد إليها حالات ومواقف كثيرة تبرر اعتماد الكاتب هذه الكلمة في الكثير من المواقع الحكائية . على أن الرواية تؤسس لفهمها الخاص للتراجديا، حيث تميل إلى اعتبارها نوعا من التصادم الفادح مع الزمن، مع التشبث بالحياة على الرغم من كونها "ورطة حقيقية"(ص.54). لعل هذا الشرط المعيشي المفارق هو ما سيكيف نظرة يوسف إلى ذاته ومحيطه، ويغدو الحكي حينئذ تنويعا في غاية الثراء للفعل ولردود الفعل، حيث يقدح زناد السرد عند كل حدث أو خبر طارئ، وينتفض مونولوكات وحوارات وتأملات حول محدودية جهد الإنسان، وعزلته وعِزاله.. من هنا تتبلور الرواية على إيقاع اللامتوقع كسمة للحدث الجلل الذي تفجر منه نبع السرد، وهو مقتل ياسين الذي كان حتى التكهن بحدوثه مستحيلا، فانطبعت الأشياء في ذهن شخصية يوسف منفلتة من عقالها، لا يحكمها منطق التعلة والحصيلة  كما يبرز هذا السؤال المركزي " لماذا يتحتم علي في كل مرة يحصل لي فيها شيء أن لا أرى أي شيء ينذر بحدوثه" (ص.134).

 وإذا كان يوسف الفرسيوي هاته البؤرة التي تخزها رؤوس المفاجأة المدببة، فلأنه لا يعيش فقط وضعية "تراجيدية" جراء الجراحات التي اتخنت حياته، بل لوقوعه أيضا تحت تأثير المسحة التراجيدية في  الحيوات الأخرى، وهكذا..تغدو إضاءته لحياة الآخرين إضاءة لحياته الذاتية، رغم التباين الذي يمكن تسجيله شكليا بين الأحداث والمحن.، وهو ما خلق في رحم النص خيوطا سردية تتقاطع أحيانا وتتشابك في كثير من الأحيان لتكون سياقات سردية لاستعادة موضوعة التصادم مع الواقع، وإثراء الشعور بتلوينات المعنى الذي يؤسس له النص.

في المستوى الأول، نحيل على محكي يوسف في علاقته مع أسرته الصغيرة، وفيه نتعرف على الماضي السياسي ليوسف، وعلاقته المتوترة بزوجته هنية، ودخوله في دوامة الانهيارات والمخاوف بمجرد توصله برسالة تنعي مقتل ابنه ياسين في ظروف لها علاقة مع الطالبان، وما تلى ذلك من نكبات  كفقدانه لحاسة الشم، دلالة على فقدان وسيط الرائحة الضامن لعلاقته الطبيعية بالأشياء، وفقدان الإحساس بمتعة العيش والمعنى، الخواء والفراغ، والسقوط في متاهة نوبات الإغماء المتكررة، الشعور باليأس، ثم نهاية العلاقة مع الزوجة هنية . والحال أن علاقته بيوسف هي ما يشكل صلب هذا المستوى، ذلك أن استعادتها يخترق المادة الحكائية، كلما كان ياسين موضوع تذكرات يوسف ومونولوكاته، تأتي في شكل حوارات افتراضية بينهما، يكون فيها صوت ياسين أنسا ليوسف المأزوم في خلوته، حتى ولو كان صوتا معارضا ومعاتبا ومؤنبا. وكان لتتبعه لهذا الخيط، أن جعل المأساة الأصلية (مقتل ياسين) تستمر في حياته، وهو يبحث، دون جدوى، عن شظايا منطق يبرر به نمو بذور التطرف والكراهية والعبث في بيته المتشبع بقيم الحداثة . فكانت حصيلة هذا المسار أن تلبسه وهم جديد بإمكانية عيش ياسين في الضفة الأخرى، أ و بالأحرى بإمكانية عثوره على خيط يقوده إلى الحقيقة، وهو الخيط الواهم ذاته الذي سيفضي به إلى نهاية النص حيث تبزغ الحقيقة في عريها الفاجع، حين يرى عصام الذي كان يعشق الموسيقى والحياة، ويغني الراب، واتهم بعبادة الشيطان، يفجر ذاته .

لعل هذا المستوى السردي الذي يؤطر النص كله بمناخه المتوتر يلقي بظلاله على ظروف بلورة المستويات الأخرى، بشكل مباشر أو عبر التصاديات النصية الاستعارية، ففي المستوى الثاني المرتبط بالاختلالات التي تشوب التحققات العمرانية والاخلاقية والسياسية داخل المجتمع، يمكن أن نحيل على محكي مشروع أبي رقراق الملهم لتهيئة مدينة الرباط، وما تضمنه من نقاش حاد حول جدوى وجود هذا المشروع. حيث سيتبلور الحكي إلى نقطة الحديث عن مقترح تركيب قوس عند مصب النهر . وهي الفكرة ستتعرض لسخرية التقنيين، قبل أن تأخذ مسارات ملتوية، تنكرت لأصحابها، لتظهر بدون ملامحها الجمالية "مجرد نغمة باهتة في سمفونية التنمية المستدامة"(ص.140). وهنا لا بد أن تحدث الصلة بعنوان النص "القوس والفراشة" لنلمس الشحنة الرمزية للقوس بصفته بديلا جماليا للقناطر والمعابر، وتعبيرا عن الحاجة إلى الخيال العنصر الوحيد القادر عن مقاومة فجاجة الرؤية المعمارية عند أصحاب المشاريع، وتسلطهم على المجال العمومي كما في جاء في كلام فاطمة.

إلى ذلك تنشد سجلات العمل الصحفي، والتي انتظمت سياقات لتناول سلوك الشبكات المسيطرة على الشأن العام، والفضائح التي شغلت الناس إلى حد الهوس، وشيوع ثقافة عامة تداعت للخراب بسلبيتها الفادحة، كما رُصد المكان الذي صار عرضة لتشويه ملامحه على يد دهاقنة مافيا العقار، كما حدث لمراكش التي جردت من رصيدها الرمزي من جراء المتاجرة في تاريخها . بيد أن إدماج هذا المستوى السردي في البنية الحكائية لا يكتسب إجرائيته الإبداعية إلا حين نمضي في مسار التشويه التي يرصده حتى نهايته، حيث نتوقف عند حدث تنظيم حفل افتتاح "الفراشة"، وهي العمارة التي بناها أحمد مجد واستعار لها معماريتها من شكل الفراشة . ولأن هذا الاسم غير مناسب لبناية يصفها النص بالمستفزة، حتى أطلق عليها المراكشيون تنذرا "بوفرطوطو" (ص.291)"، وكون هذه الإعارة لا تنصف الفراشة بخفتها ورشاقتها وجمالها الحالم، فإن اقترانها بعنوان الرواية (القوس والفراشة)، يعيد موضعة الدلائل ، فإضافة إلى إحالتها على سلوك التمويه والتدليس وقوة سلطة المال لدى المشيدين الجدد، تشي بإمكانية تحويل المطامح والمطامع للقناعات، فتتغير القيم التي تكون قد حرمت العمر من سنوات عديدة، لنجد شخصية أحمد مجد بصفته أحد المدافعين عن حقوق الانسان، وعن بناء القوس الحامل لقيم الجمال، يصمت عن تأثيث أحد المقتنين للشقة الخرافية التي اشتراها في عمارته بتمثال باخوس المسروق من موقع وليلي. وبذلك يحبل العنوان بتعارض دلالي يكثف  المنطق العام الذي يحكم المنحى الأكسيولوجي في النص. 

في المستوى الثالث، ينفتح الخيال على آفاق أسطورية، وهو يستعيد سلوك محمد الفرسيوي منهمكا، بخطابه العالم، في عمله دليلا في موقع وليلي الأثري. والحال أن هذه الأسطرة تبدأ باعتماد دليل أعمى لقراءة رسومات فسيفسائية تحتاج إلى بصر حاد. غير أن هذه المفارقة تختفي حين يحضر العمى هبة تتيح لمحمد الفريسيوي في زمن الخراب والانهيار " أن يصبح  إلى الأبد قطعة فسيفسائية عظيمة" (ص.179)، حيث لا شيء في نظره يستحق أن "يمد إليه شباك مخه" (ص.175). وهو ما يتعضد بصورته في ذهن ابنه يوسف الذي تصافت علاقته به بعد أن اتهمه بقتل والدته ديوتيما، فأضحى ليديه " شاعرا خرج من أحشاء الأرض ليرصع هذه المدينة المنسية بفسيفساء دواخله، مهتما في كل لحظة بإبراز المآل التراجيدي لكل محاولة شعرية في هذا العالم" (ص.208). ومن ثم، يغدو استبطان الجمالية الممهورة بالفجيعة تجليا باطنيا يمد محمد الفرسيوي بتأويلات دقيقة للرسومات الفسيسائة للملاحم والتراجيديات الأسطورية. غير أن نزعته البطولية تحيل هذه الاستعادة عند التماهي المطلق مع الرسومات خطابا حول ذاته :" فلو قدر لي صيت مماثل لكنت أنا نفسي في فسيفساء ضخمة، الفرسيوي يخنق ثعابين الغابة الحرشاء في زرهون، الفرسيوي يخرج ديوتيما من الجحيم (ص.177). ولعل هذا التماهي صدى لطموحات ومآسي طبعت حياة محمد الفرسيوي : منها رغبته في إعادة بناء أمجاد جوبا الثاني، أسطرة محمد بن عبد الكريم الخطابي بفسيفساء رومانية على جدران فندق الزيتون، ومماثلة انتحار زوجته ديوتيما بانتحار المرأة الأسطورية كاتون كما يشير إلى ذلك رسم على جدران وليلي (ص.174). بيد أن الحمولة التراجيدية للرسومات الفسيفسائية ترتد بالتأويل إلى عنوان الفصل " فسيفساء نحن وإلى الأبد"، وتفتح مجالا لإمكانية تصادي المسارات حول الإيحاءات الفسيفسائية، حيث تصبح حياة "نحن" الجماعية بصفتها قطع فسيفساء أبدية ظلالا لتراجيديا الحياة في الرسومات الإغريقية، وهو أحد الامتدادات الممكنة لهذا المستوى السردي في ثنايا النص.

وفي المستوى الأخير، الذي آثرنا نعته بالمستوى الانفراجي لكونه بنى نصية صغرى تخترق المحكي، بحمولة دلالية تؤسس الأفق المضيء في النص، وتعزز الطابع المفارق للحياة. إنه الخيط السردي المحتفي بالعلاقات الإنسانية النبيلة عموما، والمستعيد للعلاقة مع المرأة بشكل خاص: علاقة يوسف بالغالية، امتداد الأم في الحياة، وبفاطمة الصديقة الضرورية للحياة في ظل العلاقة التجاسدية المستحيلة، وبليلى المرأة التي استعاد برفقتها حاسة الشم بكل ايحاءاتها . لكن تظل هذه العلاقة بليلى سياقا أثيرا للحديث عن هذا المستوى .  ويجدر بنا أن نعود إلى الفصل المستعيد لرحلة يوسف وليلى رفقة الكاتب سراماغو إلى موقع وليلي، حيث تولدت تلك الصحبة العفوية بينهما، يوسف تائه يسكنه الخواء والخوف، من جراء خسارات الحياة التي تكبدها، وليلى الباحثة عن حب يغمرها وينسيها الخراب الذي يلفها. سيبلور السرد هذه النطفة إلى أن تحققت علاقة غرامية جامحة أفرزت، داخل الترددات والخصومات والقطائع ومشاعر الغيرة، مشاهد ومواقف رومانسية حركت دواخل يوسف بعد الموات، ونبض قلبه بالحب من جديد . وهو ما منح  للسرد تجديد إيقاعاته، وفتح للقراءة فسحات لتأمل تعقدات مشاعر الانسان، وسبل تصريف الضيق والبقاء على الحياة. ومن ذلك أن بلورت ليلى من خلال قراءتها الشغوفة لرواية سراماغو الانجيل حسب المسيح رؤيتها لسر الجمال في الكتابة المتشبعة بالتراجيديا، فصاحت مندهشة أن الدقة [في تركيب الكلمات] هي أفضل تجليات الجمال" (ص.40)، غير أن ذلك ليس سوى وسيط خيالي لكي تعود إلى هواجسها وأسئلتها، حيث ستربط شرط  الجمال في الكتابة بشرط الجمال في الحياة . فكلاهما يستمد جماليته مما يفارقه ويعارضه : "فالخير لكي يكون خيرا لا بد أن يتضمن جذوة الشر"ص.41)، وأن " الخراب الأكثر جمالا هو الذي نراه حولنا كل يوم فيما يتهاوى من أحلام"(ص. 51). ولعل اقتناع يوسف بهذه النظرة المفارقة هي التي ستعيد له توازنه الهش حين تترنح به الحياة، إلى درجة أن عيشه على هديها دفعه إلى العمل على إقناع الآخرين بها " حاولت أن أفهمها أن الحياة تكون أفضل عندما تحتفظ بكل قدرتها على مفاجأتنا.."(ص.306). وبذلك أضحى هذا المستوى السردي المتداخل مع المستويات الأخرى حاملا للرؤية التفاؤلية في التعاطي مع الحياة رغم كل شيء.

والواقع أن عرض هذا المستويات بهذه التراتبية الواضحة لا يمكنه أن يحجب تشابكها الكثيف أو الثراء الجمالي المنبعث من تركيبة الرواية، وعمق الأسئلة التي يطرحها والأصقاع الدلالية التي ارتادها. يسند ذلك نفس حكائي اعتمد لغة شفافة ودقيقة، استطاعت بكثير من الحذق أن تسلس القراءة على الرغم من تداخل العوالم التخيلية، فأنتجت نصا روائيا أسس لواقعية جديدة تمزج الحقيقي والأسطوري والاستعاري، وتجعل من الكتابة الروائية متعة تعوض الخسارات وتحث على طرح الأسئلة وتحرض على الحياة.

 

باحث من المغرب

* القوس والفراشة ، محمد الاشعري ، منشورات المركز الثقافي العربي، بروت 2010 رواية فازت بجائزة بوكر العربية لعام 2011