تقرير من تونس

«الحياة رقصة»

احتفاليّة بأربعينيّة الشاعر عبد الحفيظ المختومي

مصطفى القلعي

"لأنيّ أحبّ الحياة كثيرا

وأعشق شارعا لم تصلْه الأغاني

سوف أقاوم موتي

وفصلَ نسيان النساء

لأنّي أخاف الوداع

كخوفي عليّ من الأصدقاء

وخوفي على أصدقائي

من الأصدقاء

سأعبد ظلّي

أقيم صلاةً لكلّ بلادٍ

رعت جسدي

من ريح الشّتاء"

عبد الحفيظ المختومي (الكنعاني المغدور): الأعمال الشعريّة الكاملة، ص 228.

 

 

المؤسّسة الرسميّة التونسيّة تكرّم المبدعين المنشقّين:
أقامت المندوبيّة الجهويّة للثقافة بتونس احتفاليّة بعنوان "الحياة رقصة" احتفاء بأربعينيّة الشاعر عبد الحفيظ المختومي (23/4/1954- 2/11/2011) بدار الثقافة ابن رشيق بوسط العاصمة تونس، يوم السبت 17 ديسمبر 2011. وحفّة، كما يحبّ أن يدعوه أحبّته من الأصدقاء والرفاق، شاعر منشقّ عرفته مدن عربيّة وغربيّة كثيرة خلال مسيرته النضاليّة والوجوديّة. فقد انتقل حفّة بين تونس وبيروت وعدن والجزائر والرباط وظفار ودمشق وروما وباريس وغيرها. وقد حضر الاحتفاليّة، إلى جانب عائلة حفّة، أصدقاؤه ورفاقه ومحبّو شعره وتلاميذه وممثّل عن الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين وممثّل عن السفارة الفلسطينيّة بتونس.

المؤسّسة الثقافيّة الرسميّة التونسيّة بدأت تتلقّى التحويل الثوريّ الذي كانت تفتقده. فالاحتفاليّة بأربعينيّة حفّة بشكل رسميّ تعدّ اعترافا من قبل هذه المؤسّسة بالمبدعين المنشقيّن. وكان حفّة أكبرهم. فلم يرضخ حفّة لسلطة يوما ولم يلن. كان يهادن بعض المؤسّسات كمؤسّسة العائلة ومؤسّسة العمل. ولكنّها كانت مهادنات عابرة يغلب عليها الانقطاع والتوتّر والاضطراب.

تأبين حفّة شاعرا ومناضلا:
وقد ألقى الديبلوماسيّ الفلسطينيّ كلمة مؤثّرة ذكّر فيها بخصال حفّة مناضلا وشاعرا وإنسانا. واعتبره جسرا وصل، ولا يزال يصل، بين الشعبين والثورتين التونسيّة والفلسطينيّة. كما ذكر ممثّل الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين بتونس، في كلمته التأبينيّة للشاعر المناضل عبد الحفيظ المختومي، أنّ حفّة كان قد انتظم في صفوف المقاومة الفلسطينيّة تحت لواء الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. وكان إبّان اجتياح بيروت، قائد فصيل عسكريّ مسلّح مرابط في الصفوف الأماميّة للجبهة. وذكر أنّ حفّة كان يؤدّي دورا تثقيفيّا لمقاتلي الجبهة الشعبيّة إذ كان يؤمّن لهم دروسا في التوعية السياسيّة وفي المبادئ الماركسيّة وفي اللغة والأدب. كما كان يكتب في مجلّة المعركة التي كانت تصدرها المقاومة أثناء الحصار باسم "ابن الخضراء". وقد نعته الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين ووصفته ﺒ "الشهيد المناضل الوطنيّ والقوميّ عبد الحفيظ المختومي (أبو غسّان) الكنعاني المغدور".

موسيقى ووردة وديوان:
وقد كانت احتفاليّة حفّة موسيقيّة بالأساس خالية من الرثائيّات والبكائيّات. فقرأ نجله غسّان آخر قصيدة كتبها حفّة قبل وفاته على الورقة نفسها التي خطّ عليها نصّه الأخير. كما أدّت فرقة أجراس لعادل بوعلاّق أغاني وألحانا ملتزمة من أشعار حفّة ومحمود درويش. ثمّ تتابع على الرّكح العديد من أصدقاء حفّة من الفنّانين على غرار سمير العقربي ورضا الشمك اللذين عزفا ألحانا فاتنة وأدّيا أغاني من أشعار الفقيد.

ولقد لاحظ الحاضرون جميعهم الدّور الكبير الذي قام به الشاعر محمد الهادي الوسلاتي، صديق حفّة الحميم، في إعداد هذه الاحتفاليّة والسهر على كلّ تفاصيلها لضمان نجاحها. ولقد فاجأ حفل حفّة من حضره بالحصول على وردة ملفوفة في بوستير حفّة مع نسخة مجّانيّة من أعمال الشاعر الكاملة التي سهرت المندوبيّة الجهويّة للثقافة بتونس على إنجازها بمساهمة أصدقاء الشاعر وعائلته في وقت قياسيّ بمناسبة هذه الاحتفاليّة بذكرى أربعينيّة الشاعر. وتتكوّن الأعمال الكاملة من الدواوين الستّة التي كان الشاعر قد أصدرها. وهي، على التوالي: "فصل من ليالي السندباد" و"وجه للوطن" و"لها.. وليس لغيرها" و"الكنعانيّ المغدور" و"صوت من أقاصي الصمت" و"يا آخر العاشقين".

حفّة حبيب الحياة:
ودون أن ينقطع عن رحلاته بين المدن، انتهى المقام بحفّة في تونس في منتصف الثمانينيّات بعد انتهاء المعركة في بيروت وتهجير المقاومة الفلسطينيّة إلى تونس. عاد حفّة إلى تونس بآمال خائبة ومرارة فوق احتمال الكائن. والتحق بالوظيفة أستاذا للثانوي وهو للوظيفة كاره. وعاش حياة صاخبة جدّا. كان حفّة يكره الصّمت والوحدة. كان يحبّ الجماعة والصخب. كان حفّة يحبّ شارع بورقيبة ومقهى الأونيفار (l’univers) ودار الكاتب قبل أن تغلق ودار الصحفيّ وجريدة لوموند (Le Monde) والماغازين ليترار (La magazine littéraire) وغسّان كنفاني وصباح فخري والمرأة الجميلة.
كان حفّة عنوانا بارزا في شارع بورقيبة. كان هذا الشارع هويّته. وكان حفّة هويّته. كان الحرس والشرط يعرفونه. وكان يعرفهم. يلقي عليهم التحيّة، أحيانا، ويشاكسهم أخرى. لازال أحدهم، في مركز شارل ديقول المقابل لدار الكاتب بالعاصمة، يذكر حين دخل عليه حفّة ذات ليلة، وهو لا يعرفه، رافعا شكوى بشخص أضناه واعتدى عليه طالبا من الشرطيّ أن يأخذ له حقّه منه، وهو مصرّ على ملاحقته. كان حفّة غاضبا جدّا وصارما جدّا. وكان الشرطيّ المسكين يسجّل الشكوى. وحين سأله عن اسم المعتدي المشتكى به، أجاب: هو عبد الحفيظ المختومي. فلا تسألوا عمّا أصاب الشرطيّ. ولم ينقذ حفّة ليلتها إلاّ وصول ندمائه وقد كانوا يبحثون عنه. كان حفّة يردّد كلّ ربيع: "حفيظ يبحث عن حفيظ".

كان حفّة يحبّ الأناقة. كان يكره البؤس. كان حفّة يكره النقود. فكان يُخرج ما اجتمع منها بين يديه، حين يتلقّى أجره، ويشرع في توزيعها على من حضر من الأصدقاء كلّ حسب طلبه. وحتى من لم يطلب يلحّ عليه حفّة في أخذ نصيبه. كان حفّة جميلا. أسدا حين تراه. حريصا على شواربه وعلى لحية ذقنه يطيلها في أناقة وعلى شعر رأسه يسدله على كتفيه ويسوّيه ويسرّحه. ما كان حفّة يحضر في غير أناقة ورشاقة أبدا. كان يعتبر ذلك علامة على حبّه الحياةَ. كان حفّة ذا مهابة وحضور آسرين. كان حفّة خفيف الظلّ حاضر البديهة كثير النكتة. كانت حلقة حفّة في الحانة أو في المطعم مقصد السّاهرين على اختلاف انتماءاتهم وإيديولوجيّاتهم ووظائفهم ومناصبهم ومراتبهم. وكانت تكبر حتى تفيض على المكان. كان حفّة يمجّد الصداقة. ويعتبرها قيمة القيم. وكان يسمّي الصديق حبيبا. فعنه راجت كلمة "حبيبي" في شارع بورقيبة. كان حفّة يقبل على أصدقائه بشوشا ضاحكا طربا. وكان يتركهم باكيا بعد أن توقظ الصفراء أو الحمراء فيه ربّة الشعر. كان حفّة يبكي بقدر ما يضحك. كان حفّة هشّا شفّافا هشاشة وشفافيّة جارحتين.

كان حفّة حميميّا عطوفا. كان حفّة يكره قيادة السيّارة ولم يفعل ذلك أبدا. كان حفّة يكره الهواتف ووسائل الاتّصال الحديثة فلم يمتلك منها شيئا. كان يخاف أن تلهيه عن حميميّة الأجساد. كان حفّة حفّاظة للشعر ممتعا الجلسة. كانت لحفّة ذاكرة عجيبة فلا ينسى أبدا من يراه مرّة أو يلتقيه لقاء عابرا. كان حفّة يحبّها كثيرا صفراء مشعشعة أو حمراء ذات أسرّة، لا يهمّ. المهمّ أن تكون بين يديه في كلّ زمان ومكان.

«الحياة رقصة»:
هذه الجملة أكّد غسّان المختومي ابن الشاعر أنّها آخر ما نطق به حفّة قبل وفاته ﺒ 10 دقائق. تصوّرا... وهي العبارة التي اختارها أصدقاؤه عنوانا لأعماله الكاملة وعنوانا للاحتفاليّة بأربعينيّته. قال لي حفّة يوما، منذ زمن: "أبو سطيف؛ أنا لا أخاف الموت. ولكنّي أخاف البرد وحدي". حبيبي حفّة؛ ماذا فعل بك برد ماسوج؟