تعيد (الكلمة) هنا نشر هذه الدراسة عن الوقف الوطني للديموقراطية، وتذكر قراءها بقضية مقدم جون ماكين بطائرة حربية للإفراج عن موظفي مؤسسات هذا الوقف الثلاث حينما اعتقلوا وتم تقديمهم للمحاكمة في مصر، فأميركا لا تتخلى عن موظفي استخباراتها. وشكره للمجلس العسكري والإخوان الذين سهلوا له الإفراج عنهم.

الوقف الوطني للديمقراطية «نيد NED»

الواجهة القانونية لوكالة الاستخبارات المركزية

تييري ميسان

منذ ثلاثين عاما خلت، والوقف الوطني للديمقراطية يقوم سرا بتنفيذ الجانب القانوني من العمليات غير القانونية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. ومن دون أن تثير أي شكوك حولها، فقد تمكنت هذه الواجهة من نشر أضخم شبكة فساد على مستوى العالم، جندت من خلالها نقابات عمالية، ومدراء شركات، إضافة إلى أحزاب سياسية من اليمين واليسار على حد سواء، بغرض الدفاع عن المصالح الأمريكية نيابة عن أعضائها. وقد أدان الكرملين في عام 2006 ازدياد انتشار الجمعيات الأجنبية في روسيا، مشيرا إلى أن البعض من هذه الجمعيات متورط في مخططات سرية، تهدف إلى زعزعة استقرار البلد، بقيادة مؤسسة أمريكية. لتنشيط الديمقراطية وتداركا لقيام "ثورة ملونة" فقد وضع فلاديسلاف سوركوف لهذه المنظمات غير الحكومية نظاما صارما. وصف هذا الاطار الاداري في الغرب بأنه هجوم جديد "للدكتاتور" بوتين ومستشاره ضد حرية التجمع. وعندما اتبعت دول أخرى السياسة نفسها، اتهمتها الصحافة العالمية "بالدكتاتورية". وتؤكد الحكومة الأمريكية أنها ستبذل قصارى جهودها من أجل "تنشيط الديمقراطية في العالم"، لذا فقد طالبت الكونغرس بمد "نيد" بالأموال الكافية، كي تتمكن الأخيرة من التحرك باستقلالية، وبشكل مباشر أو غير مباشر، في مساعدة الجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات العمالية في هذا المجال، وفي أي مكان من العالم.

ونظرا لكون هذه المنظمات غير حكومية، كما يستدل عليها من اسمها، فهي قادرة على القيام بمبادرات سياسية، تعجز السفارات عن الاضطلاع بها، خشية وقوعها في مطب انتهاك السيادة الوطنية للدول التي تستضيفها. وهنا بيت القصيد.  فهل "نيد National Endowment for Democracy" وشبكة المنظمات غير الحكومية التي تتلقى الدعم المالي منها، هي مجرد مبادرات منبثقة عن المجتمع الأهلي، والذي اتهم الكرملين بقمعها ظلما وبهتانا، أم أنها واجهات للاستخبارات الأمريكية التي تم ضبطها بالجرم المشهود في التدخل بالشؤون الداخلية في أكثر من دولة؟ للاجابة على هذا السؤال لابد من العودة إلى الأصول، وآلية عمل "نيد" (الوقف الوطني للديمقراطية). لكن علينا قبل أي شيء آخر، أن نقوم بتحليل ما يعنيه المشروع الرسمي للولايات المتحدة في "تصدير الديمقراطية". فـ"الطهريون" المتزمتون الذين أسسوا الولايات المتحدة، كانوا يرغبون في أن تكون بلادهم "مدينة ساطعة" تمنح النور للعالم. فقد ظنوا أنفسهم رسل لنموذج سياسي

أية ديمقراطية؟
تنتمي الولايات المتحدة، كمنظومة شعب، إلى الآباء المؤسسين، الذين يعتبرون أنفسهم كمستعمرين قدموا من أوروبا، ليشيدوا مدينة تطيع الرب. فهم ينظرون إلى بلدهم وكأنه "شعلة مضيئة فوق قمة جبل"، طبقا لتعبير القديس متى، التي ظل رؤساء الولايات المتحدة يتداولونها في كل خطبهم السياسية طيلة القرنين الأولين من الزمن. إذن فالولايات المتحدة أمة نموذجية، متلألئة فوق قمة تل، لتنير العالم، وما على باقي البشر فوق هذه الأرض، الراغبين بالنجاة إلا أن يحذوا حذوهم. هذا الاعتقاد الساذج بالنسبة للولايات المتحدة، يفترض تلقائيا أن بلدهم يتمتع بديمقراطية نموذجية، يفرض عليهم الواجب المسيحي نشرها في كافة أنحاء العالم. ففي الوقت الذي كان فيه القديس متى ينوي نشر الايمان من خلال حياة يسودها العدل، كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يعتقدون أن توهج شعلتهم، ونشرها عبر العالم، لايتم إلا من خلال تغيير الأنظمة القائمة. هكذا بتر الطهريون الانكليز رأس تشارلز الأول، قبل أن يهرب بجلده نحو هولندا أو أمريكا، ومن ثم أعلن وطنيوا العالم الجديد رفضهم سلطة ملك انكلترة جورج الثالث، والمطالبة باستقلال الولايات المتحدة.

ولأن الولايات المتحدة متماهية مع هذه الأسطورة القومية، فهي لاترى سياسة حكومتها الخارجية على أنها امبريالية. فمن وجهة نظرهم، يحق لهم قلب نظام أي حكم يطمح إلى تجسيد نموذج مخالف لنموذجهم، لأنه شرير. وبالتالي فهم متيقنون بأن الرسالة المسيحية التي يحملونها، تحتم عليهم فرض الديمقراطية بالقوة في كل البلدان التي يحتلونها. لكنهم يتجاهلون أن التاريخ قدم لنا العكس: لقد ساعدت حكومتهم هتلر على الاطاحة بجمهورية فيميار، وتنصيب نظام عسكري بديلا عنه من أجل مواجهة السوفييت. هذه الايديولوجيا اللاعقلانية تمنعهم من أن يسألوا أنفسهم عن طبيعة مؤسساتهم، وعبثية المحتوى الذي تتضمنه فكرة "الديمقراطية بالقوة". الديمقراطية حسب الرئيس ابراهام لنكولن، هي حكومة منبثقة من الشعب وللشعب. من هذه النقطة، لاتبدو الولايات المتحدة كديمقراطية ، بل كنظام هجين، تستأثر فية فئة قليلة بالسلطة التنفيذية، في مقابل اقتصار الشعب على حيازة السلطات التشريعية والقضائية.

وفي الواقع، إذا كان الشعب هو من ينتخب ممثليه في الكونغرس وبعض القضاة، فإن أمر انتخاب السلطات التنفيذية متروك للولايات الفدرالية، التي تعين كبار القضاة. وعلى الرغم من أن المواطنين يدعون إلى الادلاء بأصواتهم لاختيار رئيسهم، إلا أن أصواتهم ليست أكثر من معيار استشاري، كما اتضح لنا ذلك في قرار المحكمة العليا، إبان الخلاف الذي وقع عام 2000 بين آل غور، وجورج بوش، والطريقة التي حسم فيها الأمر. دستور الولايات المتحدة لايقر بتاتا بسيادة الشعب الأمريكي، لأن السلطات فيها موزعة بينه وبين الولايات الفدرالية، أي الوجهاء المحليون. وبالمناسبة فإن الدستور الروسي يبدو أكثر ديمقراطية، ولو نظريا على الورق، من الدستور الأمريكي، حيث نصت المادة الثالثة من الفصل الأول على أن "صاحب السيادة في دول الاتحاد الروسي هو الشعب المتعدد الأعراق فيه، وهو المصدر الوحيد لكل السلطات".

يتضح لنا من هذا السياق الفكري، أن الولايات المتحدة تدعم حكومتها، عندما تعلن عن رغبتها في "تصدير الديمقراطية"، رغم أنها ليست ديمقراطية من الناحية الدستورية. وهنا من حقنا أن نتساءل: كيف لهم أن يصدروا ماليس بالأساس بحوزتهم، ولايرغبون بالحصول عليه لأنفسهم؟ لقد كانت "نيد" الحامل لهذا التناقض خلال الثلاثين سنة الأخيرة، و الذي تجلى بزعزعة استقرار العديد من الدول، عبر اقدام الآلاف ممن ينتمون لهذه المنظمات غير الحكومية، بمنتهى السذاجة على انتهاك سيادة الكثير من الشعوب بابتسامات بلهاء.

مؤسسة تعددية ومستقلة:
في خطابه الشهير الذي ألقاه في الثامن من شهر حزيران (يونيو) من عام 1982، أمام البرلمان البريطاني، انتقد الرئيس رونالد ريغان الاتحاد السوفييتي، واصفا إياه "بامبراطورية الشر"، معلنا استعداده لتقديم المساعدة للشعوب هناك، وفي أي مكان آخر، بقوله: "يجب أن نساهم في خلق البنية التحتية اللازمة للديمقراطية: حرية الصحافة، تأسيس النقابات، والأحزاب السياسية، والجامعات. بعد ذلك سوف يكون بوسعع هذه الشعوب أن تختار مايناسبها، لتطوير ثقافتها، وحل خلافاتها بالوسائل السلمية". من هذه الأرضية التوافقية في الكفاح ضد الطغيان، تشكلت لجنة تفكير من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، وخرجت بتوصية أفضت بإقرار الكونغرس بانشاء "المؤسسة الوطنية للديمقراطية" في شهر نوفمبر من عام 1983، مع رصد الاعتمادات المالية اللازمة لنشاطها من موازنة الحكومة الأمريكية. وبموجب ذلك أضحت هذه المؤسسة الناشئة، الممول المالي لأربع هيئات مستقلة، توزع بدورها الأموال في الخارج على الجمعيات الأهلية، والنقابات العمالية، والأحزاب السياسية اليمنية، واليسارية على حد سواء، وهي:

1. معهد النقابات الحرة، الذي أصبح الآن تحت اسم المركز الأمريكي للتضامن مع العمال

2. مركز الشركات الخاصة الدولي، وتديره غرفة تجارة الولايات المتحدة

3. المعهد الجمهوري الدولي، بادارة الحزب الجمهوري

4. المعهد الوطني الديمقراطي لقطاع الأعمال الدولية، بادارة الحزب الديمقراطي.

ظاهريا، تبدو "نيد" واستطالاتها الأربع، كمؤسسة ترتكز إلى المجتمع الأهلي الذي يعكس التنوع الاجتماعي، والتعددية السياسية. وبما أنها ممولة من دافع الضرائب الأمريكي عبر الكونغرس، فهي تعمل وفق مثل عالمية. لذا فهي مستقلة تماما عن الادارة الرئاسية، لكن ممارساتها الشفافة لا تستطيع اخفاء العمليات السرية، التي تنفذها خدمة للمصالح القومية غير المعلنة.

لكن الواقع غير ذلك تماما:
لقد أسس الرئيس رونالد ريغان "نيد" بالتشارك مع كل من المملكة البريطانية المتحدة واستراليا، بهدف الاطاحة ب "امبراطورية الشر"، كنقطة انطلاق لـ(وكالة المخابرات المركزية CIA) و(جهاز الاستخبارات البريطانية MI6 ) و(جهاز الاستخبارات الأستراليةISIS ). جاء خطاب ريغان في لندن بالطبع، في أعقاب الفضيحة التي أحاطت الكشف من قبل لجنة تحقيق برلمانية، عن عمليات قذرة نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). وكانت من نتيجتها أن اتخذ الكونغرس قرارا يحظر على وكالة الاستخبارات المركزية تنفيذ أي عمليات من شأنها قلب أنظمة حكم، بهدف غزو الأسواق الخارجية. الأمر الذي حدا بمجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، بالبحث عن صيغة تكون بمثابة بديل يلتف على قرار الكونغرس. تم تشكيل لجنة التفكير من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في وقت سابق لخطاب رونالد ريغان، حتى لو لم تتلق رسميا أي مهمة من البيت الأبيض إلا في وقت لاحق. لذا فهي لم تأت تلبية للطموحات الرئاسية المفخمة، بل تسبقها. وفي المحصلة لم يكن الخطاب سوى لبوسا بلاغيا، لقرارات تم اتخاذ خطوطها العريضة في وقت سابق، وقد أعطيت للجنة كي تقوم باخراجها.

فلو علمنا أن من يرأس تلك اللجنة هو ممثل الولايات المتحدة الخاص للشؤون التجارية، لتبين لنا أن الهدف من انشاء "نيد" لم يكن نشر الديمقراطية، بقدر ما هو نشر "ديمقراطية السوق". ولا غرابة في ذلك، لأن هذا المفهوم للديمقراطية، ينسجم تماما مع نموذج الولايات المتحدة التي تفرض فيها نخبة اقتصادية ومالية ضئيلة خياراتها، عن طريق السوق والولايات الفدرالية، فيما يقتصر دور النواب والقضاة المنتخبون من قبل الشعب، على حماية الأفراد من تعسف الادارة الحاكمة. ثلاث من المنظمات التي تدور في فلك "نيد" تم تشكيلها للحظة الراهنة. ولم يكن هناك أي ضرورة لانشاء المنظمة الرابعة، نظرا لأن التنظيم النقابي، كان موجودا بالأساس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رغم التعديل الذي طرأ على اسمه عام 1978 إثر افتضاح تبعيته لوكالة الاستخبارات المركزية. من هنا يمكننا الاستنتاج بأن تنظيمات مثل (سيب)،(ايري)، (ان. دي. اي) لم تنشأ كأجيال عفوية، بل ككيانات تحت مظلة ال (سي.آي.ايه). فضلا عن ذلك، فبما أن "نيد" هي جمعية حقوقية أمريكية، غير أنها ليست أداة لوكالة الاستخبارات المركزية فقط، بل هي جهاز مشترك، يعمل أيضا لصالح استراليا والاستخبارات البريطانية. الأمر الذي يفسر سبب اقدام ريغان على اعلان تأسيسها من لندن. هذه النقطة المفصلية تم تمريرها بصمت، رغم كشف رسائل التهنئة التي تبادلها رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، مع جون هاوارد، بمناسبة الذكرى العشرين على تأسيس مايسمى بالمنظمات غير الحكومية، "نيد" واستطالاتها، والتي تثبت، أي الرسائل المتبادلة، أنها أجهزة تابعة للتحالف العسكري الأنغلوسكسوني الذي يربط واشنطن بلندن وكنبيرا، على غرار شبكة التجسس الالكترونية ايشلون.

ولطمس معالم هذا الواقع، طلبت "نيد" من حلفائها إنشاء منظمات مشابهة لها لتعمل معها. وهكذا أسست الدولة الكندية عام 1988 مركزا للحقوق والديمقراطية، والذي تركز نشاطه بشكل رئيسي على هاييتي، ليهتم فيما بعد بأفغانستان أيضا. وفي عام 1991، أعلنت المملكة المتحدة عن إنشاء مؤسسة ويستمنستر للديمقراطية، وقد وضعت آلية تشغيل لها منسوخة عن "نيد"، حيث تم توكيل إدارتها للأحزاب السياسية: ثلاثة من أعضاء حزب المحافظين، وثلاثة من حزب العمال، وعضو من الحزب الليبرالي، وعضو من باقي الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان البريطاني. وتركز نشاط هذه المؤسسة بشكل خاص في بلدان أوروبا الشرقية.

أخيرا، قرر الاتحاد الأوروبي عام 2011، اعتماد "الآلية الأوروبية للديمقراطية وحقوق الانسان" لكونها الأقل إثارة للشكوك مقارنة مع نظيراتها. يتولى هذا المكتب شؤون المساعدات الأوروبية، ويديره موظف هولندي رفيع المستوى، بقدر ما هو قوي، هو غير معروف أيضا، يدعى جاكوبيس ريشيل.

التوجيه الرئاسي 77:
عندما صوت أعضاء الكونغرس على قرار تأسيس "نيد" في 22 نوفمبر من عام 1983، كانوا يجهلون أمر وجودها مسبقا بشكل سري، وذلك بموجب توجيه رئاسي مؤرخ في 14 يناير. هذه الوثيقة التي لم ترفع عنها السرية إلا بعد عقدين من الزمن، نظمت شؤون "الدبلوماسية العامة"، وهي المصطلح السياسي الأكثر دقة، لوصف البروباغاندا، كما أنشأت في البيت الأبيض مجموعة عمل، كان واحد من أعضائها ضمن مجلس الأمن القومي، مكلفا بقيادة "نيد". في المحصلة، لم يكن مجلس إدارة "نيد" أكثر من "قشاط ناقل للحركة" تابع لمجلس الأمن القومي. وللمحافظة على الشكليات، فقد تم الاتفاق، بشكل عام، على استبعاد عناصر الـ(CIA)، بمن فيهم السابقين، من إدارة "نيد". لكن الأمور لم تكن بهذه الشفافية. لأن معظم الموظفين الكبار الذي شعلوا مناصب مركزية في مجلس الأمن القومي، كانوا مدراء لـ"نيد". كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لهنري كيسنجر، فرانك كارلوتشي، زبيغينو بريزنسكي، وبول وولف ويتز، هم شخصيات لن تدخل التاريخ بكل تأكيد، كمناضلين مثاليين من أجل الديمقراطية، بل كاستراتيجيين شيطانيين للعنف.

ميزانية "نيد" لاتناقش بشكل منعزل، إذا أنها تتلقى التعليمات من مجلس الأمن القومي، لتنفيذ عمليات واسعة النطاق بين وكالات الاستخبارات المختلفة. فهي تقوم بنقل الأموال التي تأتي من "وكالة المساعدات الدولية"، دون أن تظهر هذه الأموال في ميزانيتها، تجنبا لوضعها في اطار حكومي. فضلا عن ذلك، تتلقى "نيد" أموالا غير مباشرة من وكالة الاستخبارات المركزية، بعد القيام بتبييضها عبر وسطاء من القطاع الخاص، كمؤسسة سميث ريتشاردسون، ومؤسسة جون م. أولاين، أو مؤسسة هاري برادلي. لكي يتمكن المرء من تقييم هذا البرنامج الضخم، لابد من إضافة ميزانية "نيد" إلى الموازنات السرية لوزراة الخارجية و (يو.اس.اي.آي.دي) ووكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الدفاع. وبالتالي، من المستحيل تقدير حجم هذه الأموال. بيد أن هناك أمور معروفة للجميع، تتيح لنا تقدير حجم الأوامر الكبرى. لقد أنفقت الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية، مبلغا يزيد على مليار دولار على الجمعيات والأحزاب السياسية في بلد صغير لا يتعدى عدد سكانه 4 مليون نسمة، هو لبنان. وبالاجمال فقد قامت كل من وزارة الخارجية و"نيد" بتوزيع نصف السلة التي خصصت للبنان، فيما تكفلت وكالة الاستخبارات المركزية بتوزيع النصف الآخر سرا.

هذا المثال يسمح لنا بأن نستنتج بأن الموازنة العامة التي تخصصها الولايات المتحدة لأمور الفساد، تزيد عن عشرات المليارات من الدولارات سنويا. في المقابل، فإن البرنامج الموازي للبرنامج الأمريكي في الاتحاد الأوروبي، الممول من الموازنات العامة، لدعم البرنامج الأمريكي، يبلغ 7 مليار يورو سنويا. قطعا، إن الهيكلية الحقوقية لـ"نيد" وحجم موازنتها، ليس إلا خدعة لاتنطلي على أحد. وفي الجوهر، هي ليست منظمة مستقلة مكلفة بالقيام بعمليات شرعية، كانت سابقا من اختصاص وكالة الاستخبارات المركزية، بل هي واجهة يستخدمها مجلس الأمن القومي، في تنفيذ عمليات شرعية ضمن عمليات لاشرعية.

الاستراتيجية التروتسكية:
ترأس "نيد" في بداية مرحلة وضعها في التشغيل عام 1984، كل من: آلين وينشتاين، تلاه، لأربع سنوات لاحقة جون ريتشاردسون (1984-1988) ثم كارل جيرشمان. يشترك هؤلاء الأشخاص بثلاثة خصال: أنهم يهود، ومن مناضلي الحزب التروتسكي، الديمقراطية الاجتماعية الأمريكية، كما عملوا ثلاثتهم في "بيت الحرية Freedom House". ثمة منطق في كل هذا. فبدافع الكراهية للستالينية، عاد بعض التروتسكيين إلى الالتحاق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكي يناضلوا ضد السوفيييت. وقد أحضروا معهم نظرية الوصول إلى السلطة العالمية، عبر نقلها إلى "الثورات الملونة" والانتقال إلى الديمقراطية. إنهم نقلوا ببساطة كتاب التروتسكية المقدس، وطبقوه في المعركة الثقافية التي حللها أنطونيو غرامشي بقوله: ممارسة السلطة تتم بواسطة العقل أكثر من القوة. حتى تتم السيطرة على الجماهير، يتوجب على النخبة أن ترسخ في أذهان هذه الجماهير أيديولوجيا قادرة على أن تبرمج قبولهم السلطة، التي تهيمن عليهم.

المركز الأمريكي من أجل التضامن مع العمال:
معروف تحت اسم مركز التضامن، لكنه في الواقع ليس إلا فرعا نقابيا من "نيد"، تربطه علاقة من بعيد مع قناته الرئيسية. يقوم بتوزيع ما لايقل عن نصف المساعدات التي تتلقاها "نيد". وبما أنه وريث التنظيمات السابقة التي خدمت طيلة الحرب الباردة، فقد أخذ على عاتقه هيكلة كل النقابات غير الشيوعية في العالم، بدءا من فيتنام وأنغولا، مرورا بفرنسا وتشيلي. إن مجرد اختيار نقابيين لتغطية برامج وكالة الاستخبارات المركزية، أمر فيه فساد أخلاقي من نوع نادر. وعلى النقيض من الشعار الماركسي الشهير "ياعمال العالم، اتحدوا" فإن المركز الأمريكي من أجل التضامن مع الشغيلة، يزاوج بين كل النقابات العمالية في الولايات المتحدة، والامبريالية التي تسحق العمال في باقي بلدان العالم.

وضع ايرفينغ براون عام 1981 جان كلود مايلي بمنصب مساعد السكرتير العام لقوى العمال، أندريه بيرجيرون. وقد أعترف الأخير بأن نشاطاته كانت تمولها سي.آي.ايه. وفي عام 2004 تولى مايلي منصب السكرتير العام لقوى العمال. لكن الغريب أن من أدرار هذا السلك منذ عام 1948، حتى وفاته عام 1989، رجل ملون يدعى ايرفينغ براون. يؤكد بعض الرواة أن براون، هو ابن رجل روسي أبيض، ورفيق ألكسندر كيرنسكي. لكن ما هو مؤكد أيضا، أنه كان أحد عناصر جهاز الاستخبارات الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية، ومن المشاركين في تأسيس (سي.آي.ايه) وشبكة (غلاديو) التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو). وقد رفض آنذاك أن يتبوأ مركز الادارة، مفضلا تركيز جهوده ضمن اختصاصه في العمل النقابي. استقر في البداية في العاصمة الايطالية روما، ومن ثم في باريس، ولم يستقرا أبدا في واشنطن. الأمر الذي جعله صاحب نفوذ في الحياة العامة، في كلتا العاصمتين.

في نهاية حياته، صار يتبجح بالقول أنه كان يدير بالخفاء النقابة الفرنسية "قوة عمالية"، وأنه كان يمسك بخيوط النقابة الطلابية، التي كان نيكولا ساركوزي أحد مناضليها، بالاضافة إلى العديد من رفاقه ووزرائه أمثال: فرانسوا فيون، كزافييه داركوس، ايرفه موران، الوزيرة ميشيل ايليو ماري، ورئيس المجلس النيابي برنار آكواييه، ورئيس كتلة الأغلبية البرلمانية، جان فرانسوا كوبه. كما كان يفاخر أيضا بأنه قام بتشكيل مجموعات متفرقة في أوساط اليسار من التروتسكيين، أمثال: جان كريستوف كامباديلي ورئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق ليونل جوسبان. في نهاية التسعينات من القرن الماضي علت الأصوات من المنتسبين لاتحاد النقابات العمالية، بتقديم كشوفات عن حقيقة نشاطات"المركز الأمريكي من أجل التضامن مع الشغيلة"، إثر قيام العديد من البلدان بتوثيق المظاهر الاجرامية له. ساد الاعتقاد حينها أن الأمور سوف تتغير، بعد كل تلك الاعترافات. لكن شيئا لم يتغير. بل على العكس من ذلك، فقد شارك "المركز الأمريكي من أجل التضامن مع الشغيلة" بين عامي 2002-2004 بنشاط ملحوظ بالانقلاب الفاشل ضد الرئيس المنتخب، هيغو شافيز في فنزويلا، وفي انقلاب ناجح ضد الرئيس جان برتران أريستيد في هاييتي. أما الآن، فمدير "المركز الأمريكي من أجل التضامن مع الشغيلة" يدعى جون سويني، رئيس سابق لاتحاد نقابات العمال، ومن أوساط التروتسكيين، "الديمقراطية الاجتماعية الأمريكية".

المركز من أجل الشراكة الخاصة الدولية
يتمحور نشاط هذا المركز حول نشر الايديولوجيا الرأسمالية الليبرالية ومكافحة الفساد. ولعل أول نجاح يحققه هذا المركز كان عام 1987، حين تمكن من تحويل "المنتدى الأوروبي للادارة"، وهو ناد يضم كبار مدراء الشركات الأوروبية، إلى "المنتدى الاقتصادي العالمي"، نادي الطبقة القائدة العابرة للوطنية. وهكذا ساهم اللقاء السنوي الكبير للغوتا الاقتصادية والسياسية التي تجتمع في محطة التزلج على الجليد في دافوس بسويسرا، بصنع طبقة فوق الانتماء الوطني. يبذل "المركز من أجل الشركة الخاصة الدولية" قصارى جهوده في أن لا يكون له أي ارتباط هيكلي مع منتدى دافوس، ومن غير الممكن في الوقت الراهن اثبات أن "منتدى الاقتصاد العالمي" قد فرخته وكالة الاستخبارات المركزية. ولعل من أوجه التناقض أن ثمة مسؤولين في "منتدى دافوس" يواجهون متاعب حين يطلب منهم تفسير سبب اختيار بعض الزعماء السياسيين منبر منتداهم الاقتصادي لتحريك بعض الأحداث السياسية العالية الأهمية، لو لم تكن تلك الأحداث مخططة مسبقا من قبل مجلس الأمن القومي الأمريكي. مثال على ذلك. عام 1988 تم الاعلان عن احلال السلام بين اليونان وتركيا من منتدى دافوس، وليس من مقر الأمم المتحدة. وفي دافوس أيضا عقدت أول قمة بين الكوريتين، وأول قمة على مستوى الوزراء بين شطري ألمانيا، ومن ثم أول قمة لتوحيد شطري ألمانيا.

في 1992، كان أول لقاء جمع بين فريديريك دوكليرك ونيلسون مانديلا في الخارج، لتقديم مشروع مشترك متعلق بمستقبل أفريقيا الجنوبية، كان في دافوس. وبشكل لايصدق أيضا، ففي دافوس عام 1994، وعقب اتفاقية أوسلو، التقى شيمون بيريز، وياسر عرفات للتفاوض والتوقيع على تطبيق بنود الاتفاق على غزة وأريحا. يجري الاتصال بين المنتدى، وواشنطن بشكل علني، عبر المديرة السابقة للجمعية المهنية لمستخدمي وزارة الخارجية، سوزان ك. ريردون، التي أصبحت فيما بعد، مديرة غرفة تجارة الولايات المتحدة ، التي تشرف أيضا على "المركز من أجل الشراكة الخاصة الدولية".

أما النجاح الثاني الذي يسجل لمركز من أجل الشركة الخاصة الدولية، فهو منظمة "الشفافية الدولية". هذه المنظمة غير الحكومية، هي صنيعة ضابط في الاستخبارات العسكرية الأمريكية، اسمه مايكل جي. هيرشمان، وهو في الوقت نفسه كان أحد المدراء في "المركز من أجل الشراكة الخاصة الدولية". أما الآن فهو أحد مسؤولي تجنيد المخبرين في جهاز (مكتب التحقيقات الفدرالي FBI) وأيضا المدير العام لوكالة الاستخبارات الخاصة "فاير فاكس غروب". ومنظمة الشفافية الدولية، هي قبل أي اعتبار آخر، غطاء لنشاطات الاستخبارات الاقتصادية، ضمن وكالة الاستخبارات المركزية، وهي أيضا أداة تواصل لإجبار الدول على تغيير تشريعاتها في اتجاه الانفتاح، الذي يخدم أسواق الولايات المتحدة. ولكي يتم التمويه على أصل "منظمة الشفافية العالمية"، فقد استنجد "المركز من أجل الشراكة الخاصة الدولية" بخبرات المدير السابق للمكتب الصحفي في البنك الدولي، فرانك فوغل، الذي أحاط المنظمة بلجنة من الشخصيات الأهلية، مما أضفى عليها طابع جمعية منبثقة من المجتمع الأهلي. يدير هذه اللجنة الأهلية الواجهة، شخص يدعى بيتر ايجن، وهو مدير سابق للبنك الدولي في شرق أفريقيا، كان متزوجا بين السنوات 2004-2009، من مرشحة الرئاسة في ألمانيا.

ينحصر نشاط "منظمة الشفافية الدولية" على رعاية مصالح الولايات المتحدة، وهي غير موثوق بها. فقد أقدمت هذه المنظمة غير الحكومية المزيفة عام 2008، بالاستناد إلى معلومات مزورة، على إدانة الشركة العامة للنفط في فنزويلا، متهمة إياها بالفساد. الأمر الذي نتج عنه تصنيفها في أسفل قائمة الشركات البترولية العامة. بالطبع كان الهدف من وراء ذلك، نسف سمعة شركة تعتبر القاعدة الاقتصادية للسياسة المناهضة للامبريالية، التي يقودها هيغو شافيز في فنزويلا. وعندما تم الكشف عن عملية التضليل السافرة التي قامت بها، رفضت المنظمة الاجابة على الاسئلة التي وجهتها لها الصحافة في أمريكا اللاتينية، كما رفضت اجراء أي تعديل على تقريرها. ولا غرابة في ذلك، إذا تذكرنا أن مراسل "المركز من أجل الشركة الخاصة الدولية" في فنزويلا، بيدرو كارمونا، قد تم تنصيبه بسرعة من قبل الولايات المتحدة، على رأس الدولة الفنزويلية إثر الانقلاب الفاشل ضد هيغو شافيز عام 2002. وبشكل عام، بمجرد ما أن تركز وسائل الاعلام انتباهها على مسائل الفساد الاقتصادي، ينكشف لها قناع "منظمة الشفافية الدولية" الذي يخفي وراءه "نيد": فساد سياسي في أوساط الطبقات الحاكمة لمصلحة الأنغلوساكسون.

المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الوطني الديمقراطي لقطاع الأعمال الدولية:
 تتركز مهام المعهد الجمهوري الدولي على اشاعة الفساد في أوساط أحزاب اليمين، بينما يهتم المعهد الوطني الديمقراطي لقطاع الأعمال الدولية، في معالجة شؤون أحزاب اليسار. يرأس المعهد الأول السناتور جون ماكين، بينما ترأس الثاني الوزيرة السابقة مادلين أولبرايت. إذن علينا ألا ننظر بعد الآن لهاتين الشخصيتين بوصفهما شخصيتين سياسيتين عاديتين، وعلى أن الأول مجرد زعيم في المعارضة، والثانية متقاعدة حكيمة، بل بوصفهما مسؤولان نشيطان ضمن برنامج مجلس الأمن القومي. ولكي تتم الاحاطة بالأحزاب السياسية عبر العالم، فقد تخلى المعهدان عن مراقبة "الليبرالية الدولية" و"الاشتراكية الدولية"، فأسسا منظمات منافسة لهما، هي "الاتحاد الديمقراطي الدولي"، و"تحالف الديمقراطيين". يرأس الأول الأسترالي جون هوارد، ونائبه الروسي ليونيد غوزمان، من منظمة "قضية عادلة"، فيما يرأس الثاني الايطالي جياني فينيتي ونائبه الفرنسي، فرانسوا بايرو (مرشح الرئاسة في كل دورة انتخابية).

يرتكز كلا المعهدين في عملهما أيضا، على القواعد السياسية المرتبطة بالأحزاب الأوروبية الكبرى (6 منها في ألمانيا، 2 في فرنسا، 1 في هولندا، و1 في السويد). وبناء على ذلك فقد تم توكيل بعض من هذه العمليات لشركات خاصة، مثل "ديمقراطية دولية" التي نظمت الانتخابات المغشوشة مؤخرا في أفغانستان. إنها أمور تترك مذاقا مرا في الحلق. لقد أفسدت الولايات المتحدة معظم كبرى الأحزاب السياسية في العالم. وفي نهاية المطاف، فإن الديمقراطية التي يروجها الأمريكيون تقتصر على مناقشة مسائل محلية خاصة بكل بلد، لا تتعدى قضايا مجتمعية، كحقوق المرأة، أو حقوق المثليين، والاصطفاف وراء واشنطن فيما يتعلق بالمسائل الدولية. مساعد سابق لرحم ايمانويل، ومسؤول حاليا عن (ان. دي. آي)، جاء توم ماكماهون إلى فرنسا لتنظيم الانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي بموجب ذلك، أصبحت الحملات الانتخابية حفلات استعراضية، تقوم من خلالها "نيد" بضخ الامكانات المالية الضرورية لجهة دون أخرى، بشكل أضاع مفهوم التداول نهائيا، بعد أن أصبحت "نيد" تدعم فقط المعسكر الموالي لها، المتوافق مع سياسات الولايات المتحدة، الخارجية، والدفاعية.

يأسف الناس في الاتحاد الأوروبي حاليا، وفي كل مكان، على مأزق الديمقراطية، التي تعتبر "نيد" والولايات المتحدة مسؤولين عنها. بماذا يمكننا أن نصف نظاما كالولايات المتحدة، يشغل فيه زعيم المعارضة جون ماكين، مقعد موظف في مجلس الأمن القومي؟ إنه ليس بالتأكيد نظاما ديمقراطيا.

حصيلة نظام:
ال "يوسايد US Aid" و"نيد" والمعاهد التي تدور في فلكهما، وكذلك المؤسسات الوسيطة، أنتجوا مع مرور الزمن، نظما بيروقراطية واسعة، وشرهة. ففي كل عام يواجه مشروع اقرار ميزانية "نيد" في الكونغرس نقاشا حادا بين الأعضاء الذين يتساءلون عن جدوى فعالية هذا النظام المترامي الأطراف، والشائعات التي تدور حول اختلاس أموال من موازنته، لتصب في جيوب بعض الشخصيات السياسية الأمريكية، المكلفة بالاشراف عليه. ومن منطلق القلق في ادارة جيدة، فقد تم طلب اجراء دراسات من شأنها أن تقيس تأثير تدفق الأموال في هذا التنظيم. وبناء على ذلك، قام خبراء باجراء مقارنة، بين المبالغ المخصصة لكل ولاية، مع مفهوم الديمقراطية لهذه الولايات، في "بيت الحرية". ومن ثم قاموا بحسبة توضح كم من المال يجب انفاقه، وفقا لكل فرد، كي يتحسن منسوب الديمقراطية نقطة واحدة في كل ولاية. بالتأكيد، كل هذه الاجراءات ليست إلا محاولة للتقويم الذاتي. لأن فكرة انشاء ترقيم ديمقراطي، أمر لايمت للعلم بصلة. لأنها من ناحية شمولية تفترض، أنه لايوجد إلا شكل واحد من أشكال المؤسسات الديمقراطية.

علاوة على ذلك، فإن غالبية هذه الدراسات كان مصيرها الفشل: فعلى الرغم من أن عدد الديمقراطيات في العالم في ازدياد مستمر، إلا أنه ليس هناك أي رابط بين التطور أو التراجع في الديمقراطية من جهة، وحجم المبالغ التي أنفقها مجلس الأمن القومي، من جهة أخرى. بل على العكس من ذلك، هذه المعطيات تؤكد أنه ليس للأهداف الواقعية أي صلة بما هو معلن. توميكا تيلمان، مستشار لهيلاري كلينتون بشؤون المجتمع الأهلي والديمقراطيات الصاعدة، يشرف أيضا على ملف "نيد" في وزارة الخارجية. غير أن مسؤولين في "يوسايد" يوردون على سبيل المثال نتائج دراسة، قامت بها جامعة فندربيل، تشير إلى أن العمليات الممولة من قبل "نيد" و "يوسايد"، هي الوحيدة التي كانت ذات جدوى، نظرا للادارة الصارمة التي تميز "يوسايد" عن غيره. بالمناسبة، هذه الدراسة الفريدة من نوعها، كانت ممولة من قبل "يوسايد" نفسه! على أية حال، فقد قدمت "نيد" عام 2003، بمناسبة الاحتفال بمرور عشرين سنة على تأسيسها، عرضا سياسيا شاملا لنشاطاتها، تبين من خلاله أنه مولت أكثر من 6000 منظمة سياسية واجتماعية في مختلف أنحاء العالم، وهو رقم لم يتوقف عن الازدياد منذ ذلك التاريخ. وقد نسبت لنفسها أيضا تأسيس نقابة "تضامن" في بولونيا، وميثاق ال77 قي تشيكوسلوفاكيا، وأتبور في صربيا. وتتفاخر بأنها وقفت وراء تأسيس كل قطعة من إذاعة ب 92، وصحيفة أزلوبوجنج في يوغسلافيا السابقة، واصدارها لسلسلة من وسائل الاعلام "المستقلة" في العراق "المحرر"!.

في ديسمبر 2011، فتشت السلطات المصرية مقر المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي في القاهرة. والوثائق التي تم ضبطها هي الأكثر أهمية لفهم تدخّل الولايات المتحدة في الشؤون الدولية منذ كشف "وكر الجواسيس" في طهران في عام 1979 ، فتم جلب المسؤولين عن NED إلى القضاء واتهموا بالتجسس. ففي هذه الصورة نرى: روبرت بيكر (مدير المعهد الوطني الديمقراطي في القاهرة) في الجلسة الافتتاحية لمحاكمته. أما الوثائق فتثبت أن NED حرّضت وتلاعبت في فيما يسمى "ثورة ميدان التحرير" ، والتي أودت بحياة أكثر من 4000 مواطن مصري والتي تهدف الى وضع الأخوان المسلمون في السلطة.

تغيير الواجهة:
على الرغم من النجاح الذي حققته على الصعيد العالمي، إلا أن الكلام المنمق عن نشر الديمقراطية لم يعد مقنعا لأحد، خصوصا بعد أن استهلكها الرئيس جورج بوش كثيرا. كما لم يعد بوسع أحد أن يقف إلى جانب فكرة أن الأموال التي تنفقها "نيد"، سوف تسهم في زوال الارهاب العالمي، أو أن القوات الأمريكية التي أطاحت بنظام صدام حسين، كان هدفها فقط تقديم الديمقراطية للشعب العراقي.

بالاضافة إلى كل ماورد، فإن المواطنين الذي يكافحون من أجل الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم باتوا حذرين. فقد أصبحوا يدركون أن الأموال التي تقدمها لهم "نيد" واستطالاتها، تهدف في الواقع إلى وضع بلدانهم في الفخ، تمهيدا للسيطرة عليها. لهذا فقد بدأ الكثير منهم يرفض المعونات "النزيهة" المقترحة لهم. الأمر الذي حدا بالمسؤولين الأمريكيين عن قنوات الفساد هذه، إلى اجراء تحولات جديدة في نظم العمل. فبعد الحيل القذرة لوكالة الاستخبارات المركزية، وشفافية "نيد" صار لزاما عليهم خلق هيكلية جديدة، تحل مكان مجموع وحدات فقدت مصداقيتها. هذه الهيكلية الجديدة لن تديرها النقابات العمالية، ولا قيادات الحزبين "الجمهوري والديمقراطي"، بل ستكون تحت اشراف شركات متعددة الجنسية، على غرار مؤسسة آسيا. تجدر الاشارة هنا إلى أن الصحف قد ذكرت في ثمانينيات القرن الماضي، أن هذه المنظمة الجديدة، ليست إلا واجهة قديمة لوكالة الاستخبارات المركزية في مكافحة الشيوعية في قارة آسيا. لكن ذلك لم يمنع السلطات الأمريكية من إعادة هيكلتها، وتوكيل شؤون إدارتها لشركات متعددة الجنسية، مثل (بوينغ، شيفرون، كوكا كولا، وليفايز شتراوس). عملية تجميل الوجه هذه، بالنسبة للأمريكيين، كانت كافية لإضفاء مظهر منظمة غير حكومية جديرة بالتقدير، على مؤسسة هي منذ نشأتها في خدمة وكالة الاستخبارات المركزية.

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، تم دعم هذه المؤسسة بأخرى إلى جانبها، "مؤسسة أوراسيا" لتخوضا معا عمليات سرية في الدول الآسيوية الجديدة. من المسائل التي جرت مناقشتها أيضا، معرفة فيما إذا كانت الهبات المالية المقدمة من أجل "تنشيط الديمقراطية"، يفترض بها أن تتم بموجب عقود على مشارع محققة، بين الجهات المانحة والجهات القابضة، أو على شكل إعانات دون أي شروط؟ تقدم الصيغة الأولى غطاء قانونيا ممتازا، في حين أن الصيغة الثانية هي أكثر فعالية في إشاعة الفساد. فبالنظر إلى هذا البرنامج، تبدو مطالب فلاديمير بوتين، وفلاديسلاف سوركوف، بتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية في روسيا مطالب مشروعة، على الرغم من البيروقراطية الشائنة والمعقدة التي أحاطت أمر تنظيمها. لقد ثبت الآن أن الامكانات الهائلة الموضوعة بتصرف "نيد" وتحت اشراف مجلس الأمن القومي الأمريكي، لاتسمح، ليس فقط، بتشجيع الديمقراطية، بل تعمل على تسميمها إن وجدت.

 

تييري ميسان: مفكر فرنسي، رئيس ومؤسس شبكة "Réseau Voltaire" ومؤتمر محور للسلام . نشر تحليلات حول السياسة الغربية في الصحافة العربية، والأميركية اللاتينية، والروسية. أحدث كتاب له باللغة الفرنسية: الكذبة الكبرى: المجلد رقم 2، التلاعب والمعلومات المضللة (منشورات ب. برتان، 2007)، والمقال منقول عن شبكة فولتير.