بنية تجريبة مبتكرة ولغة سرد صافية تنضح خبرة تخوض بموضوعة الكبت؛ وتلخص عبره محنة الإنسان في المجتمعات المتمسكة ظاهريا بالقيم الشكلية الصارمة، والمتهتكة باطناً. هذه تيمة رواية الكاتب العراقي الطويلة التي تهبط بالقارئ إلى مناح من العذاب الإنساني والقهر والجوع الجنسي في امتزاجه بتراجيديا التاريخ العراقي.

الضلع (رواية)

حميد العقابي

"علي.. يا علي.. يا علي.. قولي علي.. قولي علي.. علي.. علي.. خرجَ رأسُه.. علي.. اضغطي.. علي.. شدّي.. قولي علي.. يا علي.. يا داحي باب خيبر.. قولي علي.. علي.. اضغطي.. بعد.. بعد.. علي.. علي ي ي ي ي ي ي ي ي ي.. خرجَ جسده.. وَلَد.. وَلَد.. وَلَد.. زغاريدُ طويلة وبكاءُ وليدٍ يملأ الفضاء. خرجَ الطفلُ من رحمِ الأرضِ.. خرج الطفلُ عاشور أو حميد أو جبر أو... مدفوعاً بقوةٍ مجهولةٍ.. خرجَ من رحمِ الأرضِ إلى منفى اللاوجود.. حبا الطفلُ على يديهِ ورجليه.. تعَ تعَ تعَ تعَ تعَ.. نهضَ الطفلُ متكئاً على الفراغ.. سقطَ.. اسم الله.. سور سليمان ابن داوود.. خطا الطفلُ خطوته الأولى خارجَ الأرض.. تاتي توّاتي.. تاتي توّاتي.. سارَ الطفلُ إلى جهةٍ مجهولةٍ.. العيون ترقبه بحذرٍ.. تقيسُ خطوته.. تروزهُ.. سيكون طبيباً.. لا.. مهندساً.. ردتك ما ردتْ دنيا ولا مال.. الحسّاد كثر.. الأعداء كثر.. عدوك عليل وساكن الجول.. احذرْ من أصدقاء السوء.. احذرْ من أولاد الحرام.. احذرْ من نفسك الأمّارة بالسوء.. قلْ أعوذُ بربّ الناس.. احذرْ من الغجر سيسرقونكَ ويعلمونكَ الرحيل إلى مدنهم البعيدة.. لكنّ الطفلَ رحل إلى المدن البعيدة.. نعم.. رحلَ الطفل.. بلا غجرٍ ولا بوصلة.

خرجَ الطفلُ من بيتهِ مقلّداً الطيورَ.. هبطَ على الأرضِ.. سارَ في ظلامِ الغابةِ نحو بصيصِ الضوء.. سارَ الطفلُ.. عارفاً وجهته بغريزةِ السائرِ على مضمارٍ مرسومٍ سلفاً.. وصلَ الجسرَ الكبير.. تشبّثَ بسياجِ الجسرِ وأطلَّ على المياه الغارقةِ في الظلامِ.. من الماء خُلقَ كلّ شيء حي.. وإلى الماء يعود.. لتنتهي دائرة رحلتهِ.. من سجنِ الرحمِ إلى منفى اللاوجود.. هبطَ الطفلُ هبوطاً حرّاً نحو القرار.....

ماتَ عاشور.

ماتَ حميد.

ماتَ جبر.

والحكمة واحدةٌ:

جبرْ.. من كس أمّهِ للقبرْ

.................................

كانْ يا ما كانْ.. في قديمِ الزمانْ.. كانَ طفلٌ اسمه عاشور أو حميد أو جبر أو ....

كانْ.. يا ما كانْ

كانَ كائناً

ما كانْ. "

 

القسم الأول

(الصندوقُ الأسود)

النورس

في البدء لم أكنْ أعيرُ للأمرِ أيّ اهتمام، وحتى بعد أن تكررَ حسبته مصادفةً ليس إلا، فهل يُعقل أن يناصبني العداء طائرٌ له عالمه الخاص بعيداً عني؟ طائر وديع اختار البحرَ فضاءه واختاره الشعراءُ كي يكونَ أغنيتهم ومثالهم الناصع. وماذا وجدَ عندي كي يدخلَ معي لعبة الاستفزاز هذي؟ أنا الزاهد الذي طلّقَ العالمَ واختارَ عزلته بمحض إرادته، أنا الذي لم يعد يتذكرني عدو أو صديق منذ أكثر من خمس سنوات، وهذا ما جعل أمر النورس حادثةً خلخلتْ فضاء عزلتي وكسرتْ روتين الصمت، العزلة التي كنت أحسبها واهماً راحة بال أو اختياراً حرّاً، وها هو استفزاز بريء يكشف وهمي وادعائي.  

في البدء كان الأمرُ هروباً من المشاكل ونزواتِ الناس الغريبة أو بالأحرى من نزواتي وأخطائي وغضبي الذي لم يعد يطيقه الأصدقاء. تعبتُ من تقديم الاعتذار كلّ  صباحٍ عمّا بدرَ مني من إساءةٍ في الليلة السابقة، ونفد صبر أقرب أصدقائي وخاب سعيهم بإصلاحي، عندها بدأوا يتحججون بالمشاغل اليومية أو العائلية كي يتهربوا من مصاحبتي. لمستُ ذلك بوضوحٍ، لكني وكلما عاهدتُ نفسي على أن لا أخوضَ في أي نقاشٍ أو جدل وأقضي السهرة صامتاً مهما حاولوا أن يستدرجوني إلى الحديث، أجدني وبعد الكأس الثانية تمتدّ كفّ خبيثة تخرج من مكانٍ مظلم في أعماقي وتبقرُ بدبّوسِ شيطانها المتقنع بقناعِ ملاكٍ قُربةَ نفسي، نفسي الأمارة بالعدوان فتندلقُ أحقادي ونزقي، وتسيل الشتائم على لساني دونما وعي مني. أبدأ بالبعيد فيستلطفُ جلسائي حديثَ النميمةِ وهجاء الآخرين، وحينما لم يبق بعيد لم تنله شتائمي يأتي دور الأقربين. في البدء كانوا يمثلون دورَ المصغي المسامح الذي يغفر خطايا ثملٍ تجمعهم به في النهار صداقات حميمة حتى يبلغَ بي الشطط مداه الذي لا يحتمله حتى الصديق، عندها ينفضّون عني متذمرين من سلوكي الفظ ومزاجي المتقلب، لكن شتائمي تظل تودعهم، تلاحقهم حتى يتوارى آخر سمير، عندها أذهب أجر خطاي إلى عزلتي. في الصباح حينما أرى العتبَ

واللومَ في عيون أصدقائي وهم يرمقونني بنظرات يمتزجُ فيها الاستخفاف والشفقة وأجدني في دائرة يضطرني الخروج منها إلى الاعتذار، عندها أشعر وكأني أصغر من ذبابة، أندمُ وأتألمُ لندمي، أعتذر وأتألم لاعتذاري.

اقترحَ عليّ صديق ناصحاً بودّ أن أراجع طبيباً نفسياً فشعرتُ بإهانة كبيرة تلحق بي، حيث أن فكرةَ مراجعة الطبيب النفساني كانت تعني انهزامي أمام سوء ظنّ الأصدقاء بي، تعني اعترافاً صريحاً بأني مخطئ وهم على صواب، مذنبٌ وهم أبرياء. مراجعة الطبيب النفساني تعني هناك خللاً في قواي العقلية، أنا الذي ليس لي سوى رجاحة عقلي أفاخرُ بها، أنا الذي لم يخطرُ في ذهني أن أترك لأحد منهم ثغرة يدخل منها ليكتشف نقاط ضعفي. (أنا)، نعم أنا فاضحُ عيوب ومثالب الآخرين الذين كانوا يتحاشون سلاطةَ لساني بكشفِ العورات وأدقّ العيوب المستترة في سلوكهم ونفوسهم الوضيعة مهما ادعوا السوية والعفة، (أنا) الذي إذا نطقتُ صمتَ الجميع فضولاً لسماعِ تهكماتي أو خوفاً من الشرر الذي سيصيبهم من لظى شتائمي وكشف المستور الذي يخشونه حتى لو تظاهروا بالثقة وخلو سيرتهم مما يعيب فهم يعرفون جيداً (أنا الهدهد) كيف تلتقطُ عيناي الخبءَ تحت الأديمِ فتنقضّ عليه.

" ومَنْ هم؟ "

أولئك الأغبياء الذين يستجدون فتاتَ فكرةٍ يمضغونها ببلاهةٍ، ويلهثون وراء أنّةِ شهوةٍ يتخيلون سماعها فيتعرون أمام مرآتها، يخلعون بمحض إرادتهم كبرياءهم، إنسانيتهم، وعيهم ..الخ ويرمون على بساط حاوي الشهوة أعضاءهم. يستمنون أيامهم بكسلهم الروحي ويركعون تحت أقدام أية عاهرة ترميهم بنظرة استصغار وإشارة احتقار من سبّابة لعوب، فيركضون خلف ضحكة بلهاء أو يتقافزون مثل قرودٍ لقطف ثمرة فجةٍ في شجرة أعمارهم الهرمة.

" مَنْ هم؟ "

" الجحيم!؟ "

" لا، لا، إنهم أحط من أن يوصفوا بالجحيم. "

أسميتهم (غيضةَ التماسيح)، ووقفتُ على ربوةٍ أنظر إليهم فأراهم تارة أقزاماً، صغاراً يثيرون الشفقة وتارة أخرى أراهم تماسيحَ جائعة فاتحين أفواههم بأنيابها الحادة ودموعهم المخاتلة، وفي كلا الحالين أراني استعر كراهية لهم، فأبولُ عليهم وأضحك.

لكني ونزولاً لرغبة وإلحاح صديقي (كاهني) أقلعتُ عن السهر والإفراط في الشرب واكتفيتُ بلقاء عدد محدود من الأصدقاء، واقتصرَ حديثي في مجالات الأدب والثقافة، متحاشياً نقاطَ التوتر والحديث المتشنج في السياسة أو التعرض لسلوك الآخرين فعادتْ علاقاتي مع الأصدقاء إلى سابق عهدها، ولكن لم يدم الأمر سوى فترة قصيرة ثم عادتْ (حليمة) إلى عادتها المزمنة، وكانتْ هذه المرة في الصحو وأشد صلفاً وسلبية من السابق، وقبل أن أفقد آخر الأصدقاء، قررتُ أن أختار العزلة بقرارٍ لا رجعة فيه. تحججتُ بالمرض والانشغال بهموم شخصية. زارني بعض الأصدقاء مستفسرين عن صحتي، ولكن مع مرور الأيام لم يعد أمري يشغل أحداً سوى جاري الذي كنت أراه من نافذة المطبخ وحينما تلتقي نظراتنا يرفع يده بتحيةٍ متكلفة فأشعرُ كأن لسان حاله يقول " ها إنك لاتزال حياً ". أحياناً كنتُ أقطع عزلتي وأخرجُ للتنزه ليلاً في المقبرة القريبة من بيتي أو المشي على ساحل الميناء مخترقاً الغابة المظلمة التي تفصل بيتي عن البحر. يستهويني مشهد المشرد بغليونهِ المتقد ومعطفه البالي بياقته العالية وقبعته الصوفية التي تغطي أذنيّ، حاشراً في جيوب معطفي قناني (السنابس) الصغيرة وليمونة أو قطعة جبن. ترتعب لرؤيتي سيدة تسير في الغابة فتبتسم لي بشفقةٍ وخوف، حاثّةً كلبها الذي يتوقف عند جذع شجرة رافعاً ساقه، على الهروب من هذا الشبح السائر في نومه، مترنحاً في ظلام الغابة.

لكن مع مرور الوقت بدأتُ أتآلف مع عزلتي ونشأتْ لي لغةٌ سرية خاصة أتسامرُ بها مع وحدتي بطقوس لا أود الكشف عنها فهي أمور جدّ شخصية ولا تهم أحداً. فصلتُ شريط التلفون الذي لم يعدّ يرن وأبقيتُ الخط تحسباً لطارئ، فقد كان الموتُ المفاجئ فكرةً تستحوذ على تفكيري طوال اليوم، بل إن مشهدَ جثتي المتعفنة في الشقة كان يرعبني حتى أني كنتُ أترك باب شقتي مفتوحاً على الرغم من خوفي وحيطتي كي أوفّر على من يكتشف موتي عناء اقتحام الشقة، أما ساعي البريد الذي كنتُ أنتظره بشغفٍ في السنين الأولى من غربتي بل كنتُ أحسب منذ استيقاظي الدقائق لوصوله، متسمراً عند نافذةِ المطبخ المطلّة على بوابة البناية، لم يعد الآن صوت دراجته البخارية يعني لي شيئاً فوضعتُ على باب شقتي إعلاناً مهذباً يطلب من ساعي البريد أن لا يرمي لي ورقَ الإعلانات فما حاجتي لها، طالما أني لا أنوي شراء ملابس أو أثاث، وطعامي يقتصر على قطعةِ جبنٍ أو بيضةٍ مسلوقة. أتبضعُ مرة كلّ شهر حينما أذهبُ إلى دائرةِ البريد التي تقع على بعد بضعة أمتار من شقتي لدفع فواتير الإيجار والماء والكهرباء فأشعرُ بغربة شديدة من ضوء النهار وضوضاء الصبية ونزقِ المراهقين في الشارع. أمشي حذراً من طيش السيارات والاصطدام بالكتل البشرية التي أشعر كأنها تسدّ حيز الرصيف بأجسادها الضخمة، وأعود سريعاً إلى عزلتي الفاتنة.

طُرقَ البابُ ففرحتُ بالقادم بغفلةٍ من عزلتي وحينما فتحته، تشخصَ أمامي عجوز دنماركي بوجهٍ حليق وملابسَ أنيقةٍ، يحملُ حقيبةً سوداء صغيرة تدلتْ من كتفه ويحمل بيده مجلة على غلافها الملون قرأتُ الاسمَ (استيقظْ) وقد خُطّ بخط أنيق وبلغاتٍ مختلفة من بينها العربية. رحبتُ به بكلماتٍ حاولتُ انتقاءها بتهذيبٍ مبالغ فيه ربما لحاجةٍ في نفسي استيقظتْ فجأة ففرحَ بدعوتي بحذرٍ وكأنه كان يتوقع مني صدوداً أو إطباق البابِ بفظاظةٍ كما يفعل أغلب الدنماركيين. قدمتُ إليه كأسَ شاي فشكرني بتهذيبٍ وربما بتملق. ارتشفَ منها قليلاً ثم تركها على الطاولة وراح يتطلع بارتباكٍ وقلق (كأنه يريد اكتشاف أمرٍ ما) إلى الغرفة بجدرانها العارية وستائر نافذتيها المتسخة، إلى المكتبة التي اصطفتْ على رفوفها الكتبُ بإهمالٍ وفوضى وتراكمَ الغبار عليها، إلى أرضية الغرفة التي تناثرتْ عليها قطع الملابس والأوراق وبقع الشاي والبيرة وسوائل أخرى. ارتسمتْ على وجههِ علاماتُ الشعور بالشفقة على هذا الحملِ الضال في هذه الحياةِ المضطربة، وربما خطرتْ في ذهنه فكرةٌ سيئة عني كأن أكون حشّاشاً أو مجنوناً. سألني بحذرٍ وعيناه تبرقان بودّ مصطنع:

" هل تعرف يهوا؟ "

" مَنْ؟ "

سألتُ محاولاً كتمانَ ضحكةٍ ربما جاءت بنزقٍ لم يعتد على سماعه، لكنه تماسكَ بأعصاب باردةٍ وأعاد سؤاله بصيغة أسهل، ظناً منه أني لا أجيد اللغة الدنماركية:

" أقصد الرب يهوا. "

ثم أضافَ كأنه يحاور طفلاً:

" الرب يهوا... ألم تسمع به؟ "

هززتُ رأسي وتطلعتُ إليهِ بسخرية:

" بلى، سمعتُ عنه. "

ثم أضفتُ بسؤالٍ غريب لا أدري كيف خرج مني، ربما بسبب تلعثمي أو محاولتي لاستعادة طريقة الكلام الذي بدأتُ أجد صعوبةً بنطقهِ بلفظٍ صحيح بسبب عزلتي:

" ماذا جرى له؟ "

ارتسمتِ الحيرة على وجهِ العجوز وتلعثمَ هو الآخر وراح يحاول أن يجد مفرداتٍ بسيطةً لكي يوضح الأمر:

" الرب يهوا ... "

وقبل أن يكملَ قاطعته:

" الرب يهوا.. نعم يهوا.. أعرفه.. أعني قرأت عنه. "

ابتسم فرحاً كأنه وجد مدخلاً للحديث، غير أني وقبل أن ينطق بكلمةٍ، سبقته بإلحاحٍ بدا وكأنه نزقٌ أو ثرثرةُ طفل يكتشفُ الكلام أول مرة:

" أعرفه.. ولكن ماذا جرى له؟ "

تطلعَ إلي بشفقةٍ أو سذاجةٍ ثم قال مبتسماً:

" لم يحدث له شيء. "

وأضاف بصوتٍ هامسٍ كأنه يحدث نفسه:

" لم يحدث له شيء ولكن الذي حدث لنا نحن البشر. "

ثم راح يتحدثُ عن الأمراضِ والزلازلِ والحروبِ والمجاعات مُلقياً أسبابها على البشر الضالين الذين شغلتهم الحياة وتوافهها عن ذكر ربهم يهوا، يهوا العظيم الجبار. وبإشارة لا تخلو من خبثٍ، أو ربما أراد أن يستعرضَ أمامي معرفته بما يدور على سطح هذا الكوكب، أو أن يجد قاسماً مشتركاً بيننا، أشار إلى الحرب القائمة الآن بين إيران والعراق، ملقياً اللوم على البشر الضالين الساهين عن ذكر يهوا العظيم. وحينما أردت الاعتراض وتوضيح له الأمر بخصوص إشارته، سبقني إلى الكلام:

" انظرْ! "

قال فجفلتُ متلفتاً في أرجاء الغرفة كأني أحاول أن أرى ما يشير إليه فابتسم العجوز عطفاً على ارتباكي وقال:

" لا، أنظرْ إلى الناس كيف شغلتهم الحياة، وأعماهم الإسراف بالمتعِ الرخيصة عن رؤية الحق، عن يهوا، فابتلاهم بالحروب والزلازل والأمراض. "

توقفَ قليلاً محاولاً أن يستدرجني إلى الكلام، وحينما وجدني صامتاً أحدقُ إليه ببلاهةٍ وعدم اقتناع بما يقوله، ولم تجدِ كل محاولاته بإخراجي من صمتي، تارةً أتحججُ بالبلاهةِ واللامبالاة بما يقوله وتارةً أخرى بضعف لغتي الدنماركية، نهضَ متثاقلاً ماداً يده إلي مودّعاً على أمل تكرار الزيارة في الأيام القريبة القادمة. حينما خرجَ علّقتُ إعلاناً آخر على الباب يشيرُ إلى استغنائي عن أوراق الدعايات وزيارات يهوا.

وكما قلتُ لم يكن الأمر يعني لي سوى مصادفةٍ ليس إلا أو ربما مداعبة ظريفة ممنْ يطلّ إليّ من عليائهِ كي يُخرجني من عزلتي، وربما هو الآخر لم يجدْ في عزلته شيئاً مُسلياً فاختارني لعبةً يدير مفتاحها ليحشوها بالحركة ويضحك.

لم تكن اللوحة التي شكّلتها الأوساخ والغبار المتراكم على زجاج النافذة تلفتُ نظري لولا هذا الخط الأخضر المصفرّ النازل من أعلى الشباك وحتى الآجرّ. لم أعتبرها فألاً سيئاً فأنا لا أؤمن بذلك، لكني وجدتُها فرصةً لممارسة طقوسي الصباحية بشتمِ القدر وسوءِ الحظ وإخراج أبي من قبره والانهيال عليه بالشتائم واللعنات مردداً بحزن مبالغ فيه " هذا ما جناه علي أبي.". حملتُ سطلَ الماء وقطعةَ إسفنج ورحتُ أفرك زجاج النافذة بقوة حتى بدا برّاقاً يطل على حديقة واسعة تنتهي بأفقٍ صافٍ وأشجارٍ بدأ انتفاخُ أطرافِ أغصانها واضحاً وانتشرتْ أزهار ربيعية على حشيش الحديقة الندي. جلستُ جنب النافذة وأنا أحاولُ التقاط أية حركة وأصغي إلى حفيف أجنحة الطيور والنوارس الجائعة وهي تتصارخ وتتراكم على بعضها حينما ترمي عجوز من شرفتها فتات خبز. شعرتُ ببهجةٍ كأني أكتشفُ الطبيعة لأول مرة.

بعد أن تكررَ الأمرُ ليومين لاحقين اعتبرتُ الأمرَ مزحةً من طائرٍ يريد أن يلفتَ انتباهي إليه، ولكنها مع الأيام أصبحتْ مزحةً ثقيلة وخارجةً عن المألوف ثم تحولتْ إلى هاجسٍ غريبٍ استبدّ بي وطغى على تفكيري، محاولاً إيجاد تفسيرٍ منطقي لهذه الحالة الغريبة، فأول أمر أفكر فيه بعد استيقاظي صباحاً هو إزاحة ستارة النافذة لأرى الخط الأخضر المصفرّ، منظره يثيرُ انتباه المارة والصبية، الانتباه الذي أتحاشاه وأخشاه كثيراً، فلذا كنتُ مجبراً كل صباح على تنظيف زجاجِ النافذة، هذا العمل الذي لم أزاوله منذ انتقالي إلى هذه الشقّة بل لم أزاوله طيلة حياتي.

استطعتُ أن أحددَ على وجهِ التقريبِ موعدَ زيارة الطائر، لذا فقد قررتُ أن أترصدهُ كي أتعرفَ عليه. أطفأتُ ضوء الغرفة وأسدلتُ الستارة إلا من فتحةٍ صغيرة وجلستُ أترقب قدومه. أكتمُ أنفاسي كلما سمعتُ حركةً أحسبها حفيفَ أجنحةِ طائرٍ يقترب من النافذة. انتظرته حتى بزوغ الضوء الأول، لكن يبدو أني قد غفوتُ على الكرسي قبل مجيئه، وحينما استيقظتُ وجدتُ أن الموعد قد فات. أزحتُ ستارة النافذة فرأيتُ الخط الأخضر المصفرّ يتوسط الزجاج البراق. جلستُ جنبَ النافذة أتطلع إلى النوارس التي حطتْ على سقوف البنايات بانتظارِ أن تُرمى لها فتات الخبز وبقايا الطعام. تطلعتُ في وجوهها واحداً واحداً، لعلي ألمحُ الشرّ يلوح في عيني أحدها ليكون الدليل على الجرم. أرقبُ باهتمامٍ يصل حدّ الهوس أية حركةٍ يبديها طائرٌ وأستقرئ الخوف في عيونها حتى بدتْ جميعها موضع شبهة واتهام. ذهبتُ إلى المطبخ وعدتُ بكيسٍ من كسرِ الخبز اليابس ونثرتها من النافذة فهجمت النوارس عليها متصارخة. لفتَ نظري طائرٌ وحيد لم يحركْ ساكناً وظلّ متكوّراً على نفسه بلا مبالاةٍ على سقفِ البناية المقابلة كأنه يرفض طعامي، لكني كنتُ ألمح شيئاً غريباً في عينه الزائغة بخبث.

" أيها الحقير. "

خاطبتُه بحقدٍ مُستفَز، حيث أني شعرتُ بأنه هو المتهم، وما هذا التجاهل الذي يبديه إلا محاولة منه على التخفي أو إصرار على التحدي والعدوان، ولكي يُخفي ارتباكه أدخلَ رأسه بين جسده وجناحه متجاهلاً نظراتي المتفرسة في عينيه.

" سأنتظرك غداً. "

خاطبتهُ بتوعدٍ وأسدلتُ الستارة إلا من فتحةٍ صغيرة كان يدفعني بين الحين والآخر القلقُ والفضولُ إلى ترقب النوارس من خلالها مركّزاً جلّ اهتمامي بهذا المتفرد ذي العينين الزائغتين، الخارجِ عن دائرةِ السرب مفتعلاً الترفعَ والكبرياء. ولكي اختبرَ حدْسي فقد حاولتُ أن أدققَ به علّني أجد علامةً تميزه عن بقية النوارس التي بدتْ متشابهة ببياضها الناصع، حتى أصبح من المستحيل تمييز عدوي من بينها. أدركَ النورس الذي لايزال على سطح البناية المقابلة لشقتي ما يدور في ذهني فنهضَ ناشراً جناحيه مرفرفاً دون أن يرتفع عن السطح، ثم سارَ بضع خطوات وكأنه يعلن تحديه لي بوقاحةٍ غريبة فأدركتُ بيقينٍ ما يميّزه عن بقية نوارس السرب. سار بضع خطوات (بالأحرى بضع نطّات قصيرة) على سطح البناية ثم عادَ إلى ما كان عليه وهو يتطلع إلي بعينين يتطاير (هكذا تراءى لي) منهما خبثُ ضبعٍ قذر. وضع رأسه بين جناحه وجسده. وصلتني رسالةُ تحديهِ واستفزازه بوضوحٍ وقح لا يليقُ بنورسٍ وديعٍ ومعاق، ولكني وعلى الرغم من تقبل التحدي وتبادل الكره إلا أني شعرتُ بشفقةٍ كبيرة عليه، بل كنت أتمنى لو أنه يقبل المصالحة ويتخذني صديقاً حميماً له ولتكفلتُ بإطعامه كل يوم، فلا أظنّ أن نورساً أعرجَ مثله يستطيع مزاحمة بقية النوارس النهمة على سمكةٍ أو فتات الطعام الذي يرمى إليها.

استيقظتُ قبيلَ الفجر ونهضتُ بسرعة كأني على موعدٍ مهم، أزحتُ ستارةَ النافذة بحذرٍ وفرحتُ حينما أدركتُ الموعد قبل فواتِ أوانه. أطفأتُ الضوء وذهبتُ إلى المطبخ مسرعاً لإحضار كأس الشاي وجلستُ قرب النافذة أدخنُ بقلق كاتماً أنفاسي .

" لن تفلت مني اليوم أيها المراوغ. "

رددتُ مع نفسي وقد تجمّعَ الحقدُ كله متحفزاً استعداداً للحظة الانقضاض المترقبة. كانت الدقائق تمرّ ثقيلة حتى بزغَ الضوء وارتفعتْ زقزقات العنادل على الأشجار. كان يمكن أن يكون صباحاً يثير البهجة في النفس لو لم أكن في مهمةٍ كمهمةِ جندي يزرع ألغاماً في الأرض الحرام محاولاً إنهاء عملهِ قبل بزوغ الضوء.

" هل يستحقُ الأمر كل هذا القلق والتحفز؟ "

" نعم. "

أجبتُ على تساؤل نفسي بحزمٍ وكأني أضعها بمواجهةِ عدو حقيقي، بل إنه أكثر من ذلك فقد أصبحت المسألة تثيرُ في نفسي أكثرَ من سؤال على الرغم من أنها قد تبدو للبعض ضرباً من الجنون أو هواجس تثيرها الغربة والوحدة، إصرار كإصرار المقامر على مواصلةِ اللعب على الرغم من خسارته، ليس هدفه استرجاع ما خسره، بل لكي يدركَ سرّ هذه اللعبة الغامضة، لعبة الحظّ التي لا يحكمها أي قانون، أو ربما يدفعه الهوسُ للبحثِ في نزواتِ العليّ المهيمن، ولمَ اختاره دون سواه لتكون الخسارة نصيبه دائما طالما أن النرد واحد بين يدي المقامرين، ولماذا اختار شخصاً ضعيفاً وبائساً مثلي كي يجعلَ منه مسخرةً بيد القدر أو الحظ؟. لا أخفي أني لو كنتُ أملكُ قدرته وجبروته لجعلتُ من الناس جميعاً دمى أحشوها وأتفرج عليها وهي تتحرك ببلاهة ورعونة، ولكن أما كان الأجدر به وهو الجبّار العظيم أن يختار للعبتهِ هذي رجلاً يليق بجبروته، كأن يكون هرقلاً، طرزاناً أو على الأقل أن يختار طاغية كصدام حسين مثلاً، أمّا أن يختارَ رجلاً لا حولَ له ولا قوة مثلي فلا فخر له، فهو كملاكمٍ قوي ينازل بوضاعةِ نفسٍ طفلاً.

" الحظ . "

هكذا نطّ الجواب دون وعي مني. ولو أني لا أؤمن بهذا التفسير إلا أن عجزي عن استنتاج منطقي جعلني أرددُ هذه الكلمة الغامضة محاولاً إقناع نفسي بهذا المفهوم. 

فجأةً سمعتُ خفقَ جناحيه وهو يقترب من نافذتي:

"وأخيراً خرج العدو من مكمنه، اقترب غافلاً من الكمين."

 قفزتُ باضطرابٍ وأزحتُ الستارة قليلاً، وقد كنتُ واهماً ومبالغاً في الحيطة، حيث أني لم أكنْ أعلم بأن عدوي هذا واثق وجريء ومصرّ على إتمام مهمته، فلم يهربْ حتى بعد أن أزحتُ ستارة النافذة كلياً. هبطَ ببطء فارداً جناحيه كأنه يحتضن الفضاء بمتعةٍ وزهو  حتى لم يعد يفصله عن زجاج نافذتي سوى بضعة سنتمترات، وبحركةٍ بهلوانية رشيقة رفعَ ذيله بجرأة وهو يتطلع إلي بعينين ثابتتين تلوح فيهما سخرية وقحة. توقفَ في الفضاء وقد انشدّتْ أنظاري إليه مترقباً ما سوف يفعل، ثم وبهدوء الواثق قصفَ هدفَه بدقّةٍ، وارتفع بثقةِ المحاربِ المتمرسِ على إذلالِ عدوه متقلّباً في الفضاء بمتعةٍ حتى حطّ على سقف البناية المقابلة لي وسط ذهولٍ استبدّ بي فشلّ قواي العقلية وأنا أتطلع إلى الخطّ الأخضر المصفرّ الساخن يتطاير منه بخار يتوسط زجاج نافذتي.

أحضرتُ سطلاً وقطعة إسفنج ورحتُ أنظف النافذةَ وأنا أرمي كلّ شيء بسيولِ شتائمي. مرّتْ عجوز تدبّ على عصاها وتطلعتْ إلي بطرف عينها بشفقةٍ وهي تخفي ابتسامتها ومرّتْ مراهقتان في طريقهما إلى المدرسة فغطتا وجهيهما وهما تخفيان ضحكاتهما. جلستُ عند النافذة بعد أن أزلتُ أثر الذرق ورحتُ أرقب كلّ حركة يبديها هذا النورس العدو الذي راح يتجاهلني زيادة في تجريحي وإشباعاً لرغبته المريضة وحقده الذي لا أعرف له سبباً.

" هل حقاً كنتُ حزيناً؟ "

في الحقيقة لم أكن كذلك بل كنت سعيداً إذ وجدتُ أمراً أخرجني من عزلتي حتى لو كان عدواً غامضَ الغايات اختارني نداً له، أو ربما اختارتُه قوة سرية أداةً لتحقيق غرضٍ ضدي أو تنفيذ عقاب. لم أكن حزيناً، بل على العكس لقد أصبح الأمر مزحةً طريفة يبادلها القدر معي ووجدتُ بذلك مبرراً لرفعِ صوتي بشتائمَ على الرغم من أني متأكد بأنها لا تصل لأسماع أحد، إلا أني كنت أشعر براحةٍ نفسية وأنا أفرغ خَرْجَ حمولتي من الشتائم والكراهية وأتخفف من ثقلها فأبدو كأني انتقمتُ من أعدائي المجهولين. ودونما اختيارٍ صار مجيء النورس موعداً عزيزاً أحرصُ على أن لا يفوتني وصرتُ أنتظر زيارته الصباحية بشوقٍ وأقلق حينما يتأخر فوجدتُ بذلك أنيساً لوحشتي.

في سنواتِ منفاي الأولى كنتُ حينما أجلس وحدي هادئاً أتطلعُ من شرفتي أتابع الفكرة منذ ولادتها في رأسي حتى تتشخصَ أمامي وتنضج ثم تشيخ لتولد فكرة أخرى. كان كل شيء يبدو جديداً وكنتُ كطفلٍ يتلمسُ الأشياء لأول مرة ويتفحصها بدهشة وبراءة، وهكذا كنتُ منجمَ أفكارٍ متسامية أستطيع رؤيتها متجسدةً أمامي وأتلمسها كبرعمٍ طري يتفتقُ من غصنِ بصيرتي، أفكارٌ تتزاحمُ في رأسي فأتابعُ كلّ فكرة منذ ولادتها في خلايا مخي حتى تشيخ فأرى زهور عباد الشمس تدورُ بسرعةٍ فائقة حولي وباتجاه أفكاري المشرقة. أغمضُ عيني فأرى الغرفة وقد تحولتْ إلى عالمٍ رحبٍ مليء بالكائنات الحية، كائناتٍ أنفخُ فيها من روحي فأراها أمامي تتحركُ، ترقصُ، تطيرُ في فضاء الغرفة ثم تعود إلي، تندسّ في جسدي فتشيع فيه خدراً لذيذاً. السقفُ سماء تسطعُ نجومها بضياء يخترقُ أسوارَ سجني ويتمركز في الروح، والجدرانُ آفاق قريبة وبحارٌ وأشرعة بيضاء ترحل إلى المجهول، نساء.. نساء.. نساء من كلّ الجهات، كل غانيةٍ فكرةٌ، بل كل غانيةٍ جسدٌ من الأفكار. أما اليوم وقد مضى عليّ زمنٌ طويل في الغربة، ها أني أجلس على كرسيي وأتطلعُ من شرفتي القديمة، أقلّبُ أفكاري بيدٍ مرتجفةٍ وأفرح حينما أعثر على فكرةٍ لم يلوثها سخامُ الغربة حتى صارتْ أفكاري مثل تمرات العبيد، كلما شعرتُ بالجوع أوهمتُ نفسي بأن من بينها تمرةً لم تتلوثْ بعدُ، فأظلّ ألوكُ بها وأمتص نواتها حتى تتفتتَ تحت لساني.

وهكذا بدأ صراعي مع النورس، فكرة من أفكاري المترسبة في خرجِ أيامي الرتيبة وقد تشبثتُ بها خوفاً من الفراغ الذي ينخرني، بل أصبحتْ فكرةُ أفولِ هذه الفكرة وموتها هاجساً يقلقني. وعلى الرغم من ادّعائي الحقد على هذا الطائر، إلا أن فكرةَ أنْ يتركني يوماً كانتْ سبباً لقلقي، ولذلك (وقد لا يصدقني أحد أو ربما يعتبرُ كلامي هذا جنوناً) مرضتُ حينما انقطعَ النورس عن المجيء واستبدتْ بي هواجس منْ ينتظر شخصاً عزيزاً أو طفلاً غادر البيت وقد تأخر في العودة.

نسيتُ أن أذكرَ بأن هذا النورس قد غيّر فيّ عادة أدمنتها منذ ما يقارب العشرينَ عاماً فقد صرتُ أنامُ مبكراً كي استيقظ قبل مجيء النورس وأحظى برؤيته وهو يقترب من نافذتي وطريقته البهلوانية الرشيقة وهو يقصف بدقّةِ الرامي المتمرس زجاج نافذتي بشريط ذرقه. ولأجله رحتُ أتأملُ حياةَ النوارس وتصرفاتها، طريقةَ طيرانها، خوفها وتوجسها الطافح في عيونها، لغاتها وقانونَ السرب، طريقةَ مغازلة الذكر لأنثاه... الخ. حاولتُ أن أجدَ العذرَ للحقد الذي يكنّه لي هذا النورسُ المعاق. هل أقول إني أحببته؟ نعم أحببته، وكم أذهلتني كبرياؤه وعفّةُ نفسهِ وترفعه عن مزاحمة بقيّة نوارسِ السرب وهي تتراكم على بعضها وتتصارخ كلما رمي لها من فتات الطعام. أسميتُه (جونثان) تيمناً بنورسِ الفيلم الذي كنتُ أشاهده كلما شعرتُ بضيقٍ وغربة شديدة، حفظتٌ أغاني الفيلم وكنتُ أرددها مع نفسي وأنا أرقب شروق الشمس وأنتظر مجيء نورسي كمن ينتظرُ حبيبةً جميلة، بل كتبتُ عنه قصيدةً:

" على شاطئ الروحِ نورسةٌ

                      تستريحْ

تفلّي السماواتِ

تبحثُ عن سرّ صمتِ النبوءاتِ في نجمها

وعلى أفقِ الفجرِ

فانوسُ حلمٍ غريقٍ

وما من مُغيثٍ

سوى

موجةٍ لا تراهُ

وقبضةِ ريحْ

*     *     *

على شاطئ الروحِ نورسةٌ

                  تستريحْ

وعلى الضفةِ الثانيه

شاعرٌ

يكتبُ اللازمانَ

ويجترحُ المجدَ للروحِ

          أغنيةً صامته

شاعرٌ كانِ يحتضرُ

           مذْ قرونْ

ليكونْ

غيرَ أنَّ

القوادمَ مكسورةٌ

والخوافيَ مقرورةٌ

والنسورْ

تتصيدُ همسَ المكانْ

(جونثانْ)

    ـ مَنْ يعشْ في المكانِ يمتْ

       مَنْ يعشْ في الزمانِ يمتْ ـ

هكذا قالَ لي صنوُ روحي

فطرْ

في فضاءِ فسيحْ

    *     *     *

على شاطئِ الروحِ نورسةٌ

                   تستريحْ

تستريحُ

وفي صمتها صوتُ حلمٍ جريحْ "

(في ما بعد وأنا أعيدُ قراءةَ القصيدة وأغنيها انتبهتُ إلى أني أنّثت نورسي لا أدري لماذا فعلتُ ذلك، ولم يكن قد خطرَ في بالي قبل ذلك بأن يكون هذا النورس أنثى).

" ولكن حقا هل نورسي أنثى؟ أم ذكر؟ "

" وما الفرق؟ "

" الفرق كبير. "

" ليس هناك فرق إلا بما تتمناه. "

" ..................... "

" ها أنتَ قد صمتَّ، إذن سأبوح لك بالسرّ الذي لا تتجرأ على كشفه لنفسك. "

" ..................... "

" بإمكانكَ بوضوح أن ترى أن النورس ذكرٌ ولكنك تريد أن .... "

" كفى! "

 أسبوع مرّ ولم يعدْ نورسي الغائب. قلقتُ وربما بالغتُ بالقلق قليلاً. خرجتُ من شقتي وعيناي تجوسان المكان والفضاء بحثاً عن صاحبي، صاحبي الذي رمّمَ بعدائهِ لي شيئاً من حطام الألفة التي حسبتُها قد ماتتْ فيّ، كاهني الذي جعلني أقفُ أمامه ذليلاً وأعترفُ بكلّ خطاياي التي ما كنتُ أتجرأ على الاعترافِ بها.

عندَ الفجر ذهبتُ إلى الميناء كأني على موعدٍ سري. جلستُ هناك وعيناي تلتهمُ الفضاء، بل حتى أني تنازلتُ عن كبريائي بتحايلٍ ساذج حينما اقتربتُ من أحد الصيادين وكان عجوزاً دنماركياً بدا لي وكأنه ضالعٌ بتأريخ البحار، قد حُفرتْ على وجهه تجاعيدُ الخبرةِ فبدا بعضلاتهِ المفتولة ولحيته المتسخة حفيداً نجيباً لأولئك الفايكنغ الذين تركوا أسماءهم على صخورِ بحر الشمال. حييتهُ بمودةٍ مفتعلة ووقفتُ قريباً منه ويداي على خصري أتطلع إلى نقطةٍ بعيدة مستغلاً فترة انتظاره بعد أن رمى صنارته إلى البحر وجلسَ على الحافة الكونكريتية مُدلياً ساقيه وإلى جانبه قدح قهوتهِ الفخاري الكبير وهو يصفّرُ لحناً راقصاً كأنه يُحدّث الأسماك بلغةٍ يجيدها. اقتربتُ منه ودونما استئذان قرفصتُ إلى جانبه محدقاً إلى خيط الصنارة المتوتر ويديه بأعصابها الزرق البارزة وهي تمسكُ عصا الصنارة. حاولتٌ أنْ أعطيه انطباعاً بأني من هواةِ الصيد المبتدئين، جاء ليتعلم درساً في الصيد من عجوز أفنى عمره بمغازلةِ الأسماك. قدمتُ له سيجارةً وأخذتُ أخرى ثم سألتُه عن الصيدِ وأصنافِ السمك المتوفرة في الميناء،عن أفضل الأوقات للصيد وأي نوعٍ من الطُعم تفضله الأسماك. امتدّ الحديث بيننا وظهرتْ على وجهه علاماتُ ارتياحٍ إلى صحبتي، حيث وجدَ من يصغي إليه وهو يستعرضُ مهاراتهِ وخبرتهُ في الصيد، وهذا ما جعله يسترسلُ في الحديث بإطنابِ الثرثارِ الساذج، لكن صبري قد أوشك على النفاد وأنا أصغي إلى حديثه عن مغامراته في البحر وعن الصيد وفنونه فسألته ببراءةٍ مفتعلة وبحذرٍ عمّا إذا كانَ قد شاهدَ في هذا المكان نورساً أعرج . تطلع إليّ باستغرابٍ وأطالَ التحديق في وجهي كأنه يريد اكتشاف سرٍ أخفيه ثم علتْ ضحكته مختنقاً بسعالهِ مردداً كلماتٍ لم أفهمها فندمتُ لكنني افتعلتُ ضحكةً بلهاء محاولاً تبرير سؤالي بتمتماتٍ لم أكنْ أنا نفسي أفهمها ولا أعتقد بأنه قد شغلَ نفسه بمعرفةِ ما أعنيه. مدّ يده إلى جيب سترته الداخلي وأخرج قنينة سنابس كبيرة، أزال غطاءها ببرمةٍ خفيفة بإصبعيه ثم قدّمها إلي وهو يصرخُ بصوتٍ أجشّ مصحوباً بقهقهةٍ رعناء:

" Skaal "

ارتشفتُ منها رشفةً صغيرة وأعدتها إليه شاكراً له ضيافته ثم رفعتُ ذراعي مودّعاً مفتعلاً السكرَ كحجةٍ أخفي وراءها جنوني.

علاقةٌ عابرةٌ تركتْ في نفسِ المحروم الأعزل أثراً لا يصمدُ أمامَ سمومِ ورمالِ صحرائه الشاسعة، رسمتْ دوائرَ في مائهِ الراكدِ واتسعتْ، ثم تلاشتْ كأي حجرٍ يُرمى طيشاً أو عبثاً. لستُ مراهقاً كي أجعلَ من هذه الطرفةِ حكايةَ حبٍ غريبة بين شاعرٍ ونورس، أنا الذي لم تستطعْ أجملُ غانيةٍ بكلّ عنفوانِ جسدها أن تهزّ شعرةً من كبريائي. منذ بدء احتكاكي بالمرأة، بل منذ أول نظرةٍ التقطها راداري من ابنة الجيران اكتشفتُ أنني لا أصلحُ لهذا العالم، عالم المرأة، سيركٌ لا مكان لي فيه، أقنعةٌ وأصباغٌ وحبالٌ ومهرجون فأين يكون فيه صبيّ يطفحُ الحزنُ في عينيه بملابس رثّة، لا تفارق عيناه الكتاب، وإنْ شردَ تفكيره فلفكرةٍ لم تخطر يوماً في ذهن أقرانه، يكوّر طيناً ويخلق منه كائناتٍ ينفخ فيها من وهمهِ فيراها تتحركُ أمامه ويبتهجُ كأنه يحتضن جسدَ الكون ويغفو على ثدي الأرض مُصغياً إلى دقّات قلبِ ربّ ميت. لذلك أول شيء فكرتُ فيه حينما عدتُ من الميناء ترنّ في أذني قهقهاتُ الصياد العجوز وسخريات نفسٍ عنيدة تترصد أخطائي كرقيبٍ قاسٍ لا يعرفُ غيرَ لغة التأنيب، هو طيّ هذه الصفحة ونسيان أمرِ النورس، بل أنّبتُ نفسي على هذا الشطط في الوهم وعلى الضعة التي جعلتني أسفُّ بأحلامي التي كنتُ أظنّ بأن الكونَ الواسعَ يضيقُ بها، وأتشبثُ بفكرةٍ ساذجةٍ كي أجعلَ منها حكايةً لا يصدّقها طفلٌ أو مجنون.

عدتُ من الميناء لا أشعر بشيء يمكنُ وصفه. فراغٌ بارد كعلبةٍ فارغةٍ مهملة تصفّر فيها الرياح، لستُ حزيناً أو مفتعلاً للحزن، مجردُ عقدٍ أبرمتهُ مع الوهم وكانَ من اليسيرِ تمزيقهُ ونقضه وما من أحدٍ رأى أو درى . أول فعلٍ قمتُ به هو الوقوف أمام المرآة والتحديق إلى الهاوية.. الهاوية التي تتبدى لي كلما رنّتْ في أذني كلمة (الخيبة)، لا لكي أرمي بنفسي إلى عمقها كما كان يراودني هذا الشعور في الأيام الأولى لممارستي تمارين الوحدة، بل لكي أصغي إلى صدى صرختي يتردد في وهادها. أقفُ أمام المرآةِ وأحدقُ بعمقٍ كأني أغور في عمقِ صفائها. في البدءِ تلوحُ صورتي ثم تغيمُ الرؤية وتبدأ الصورة بالزوغان، تختفي ملامحُ وجهي وشيئاً فشيئاً تختفي الصورة تماماً لتحلّ محلها الهاوية، هاوية تفغر أشداقها، وعمق معتمٌ كمرآةٍ سوداء. صوت أسمعه يناديني، يغريني بالانتحار، وكلما هممتُ بالقفز إلى العمق سمعتُ صوتاً آخر يصرخُ بي:

" توقفْ يا ... ، أنتَ نبيّ "

أسدلتُ الستارةَ بحنقٍ وجلستُ أبحثُ عن فكرةٍ أخرى تعيدُ ترتيب أفكاري وأدوزنُ بها غربتي وأيامي النافرةَ من أوتار حياةٍ مختلّة، إيقاعُها ناشز يثيرُ القلقَ في الروح. صرتُ أتحاشى النظرَ عبر النافذة كيلا أرى النوارس، فقد كنتُ أشعر بكراهيةٍ لها ككراهيةِ رجلٍ خانته زوجته للنساء. انتبهتُ أو بالأحرى نبّهني الرقيبُ المتحفز لاقتناصِ هفواتي لهذا الادّعاء الكاذب فجاءتْ سخريته كلطمةٍ خاطفةٍ:

" ومن أين لكَ أن تعرفَ شعورَ رجلٍ خانته زوجته وأنت لم تتزوج بعد، بل لم تلتقِ امرأةً في حياتك؟ "

" ..................... "

" ولمَ هذا الكذبُ غير المبرر كأنك زيرُ نساء تختارُ منْ تُحب ومنْ تكره؟ "

" ..................... "

" أم تراكَ تتقمصُ دور المغفّلِ شهريار كي تنفّس عن حقدكَ على النساء؟ "

" ..................... "

" وهذا ديدن المنبتّ يحاول الهربَ من كل فكرةٍ حينما يشعرُ بأنها بدأتْ تستبدّ به. يهربُ إلى الصمت أو إلى اجتراح فكرةٍ أخرى أخفّ وطأة من سابقاتها. "

" .................... "

" أو يرمي حجرَ حقدهِ على عنقودٍ عالٍ لا يستطيعُ الوصول إليه. "

" .................... "

" لا تصمتْ! "

" .................... "

" أنتَ جبان. "

" .............. "

" وغبي. "

" ............. "

" أكرهك. "

" ........... "

" عفواً. "

" ......... "

" يقتلني صمتك. قلْ أي شيء! "

" ..................... "

" أحبكَ "

" ....... "

" هل تعلم أنّ مشكلتكَ تكمنُ في أنك تعرفُ أين تكمنُ مشكلتكَ؟ "

" ..................... "

" لكنكَ تعجز أن تجدَ حلاً. "

" .................. "

" تبحثُ عن كذبةِ صدقٍ كي تحيى بها ومن أجلها. "

" .................. "

" تحلمُ أن تكونَ نبياً ولكنكَ تعرف أن نفسك وضيعةً بل داعرة. "

" ..................."

" كأنك تبني محراباً في ماخور. "

" كفى! "

" لا تهربْ! "

" أكرهك. "

" لن تقدر. "

" سأقتلك. "

" أنا أنت. "

" سأنتحر إذن. "

" أمنية أنتَ أصغر من أن تحققها. "

" اوووووووف "

كنتُ كمنْ يرتطمُ بنفسهِ فتتهشمُ تفاصيلُه فيشغل نفسه بلملمةِ شظايا التفاصيل المتناثرة في المكان فيفرح حينما يرى مشهدَ الدمِ وهو يسيلُ من كفّيه. وبعد كل نوبةِ هياجٍ يجلس عند نافذةٍ خارجَ الأرض يطلّ منها على زهرةٍ تتفتح ببطء، أو يغمضُ عينيه مصغياً إلى غناء طائرٍ غريبٍ في حديقةٍ لا وجودَ لها.

إذن هكذا بدأتْ علاقتي مع النورس، مجرد فكرةٍ بديلةٍ لفكرةٍ تحتضر، ثم تصاعدَ إيقاعها، وفي لحظةٍ تعطلتْ الآلاتُ الموسيقية ليعمّ الصمت. ومع مرور الأيام نسيتُ النورس، بل رحتُ أسخرُ من نفسي كلما تذكرتُ القصة.

أيام مرتْ كسابقاتها، ولكي أكون صادقاً أنني كلما استيقظتُ صباحاً وأنا أزيح ستارة النافذة كنتُ أتوقع رؤية الشريطِ الأخضر المصفرّ يقسمُ زجاجَ النافذةِ وحينما لم أجده أشعرُ بأن شيئاً ينقصني، وأنّ شعوراً خفياً ينفلتُ من عقالِ إصراري يراودني بأنّ غائباً سيعود يوماً، حتى حدثَ الذي لم يكن قد خطرَ في ذهني. جلستُ عند النافذة وأنا أقرأ في كتابٍ وأقضم أظافري بقلقٍ كعادتي، وبين لحظةٍ وأخرى أرفع رأسي مع كل حركةٍ في الخارج أو حفيف طائرٍ يقترب من النافذة. خرجتْ جارتي العجوز التي تقيم في الطابق الثاني من البناية التي أقيم في طابقها الأرضي على البرندة وراحت ترمي بقايا طعامٍ وكسرَ الخبز فارتفع صراخُ النوارس التي خرجتْ من مكانٍ لا أراه وتجمعتْ فجأة في الحديقة. تطلعتُ إلى سطوحِ البنايات فلم أجدْ نورسي المترفع عن سلوكِ السرب وغرائزه. لفتَ نظري مشهد طائرين يطيران على ارتفاع شاهقٍ، يتقلبان برقصةٍ غريبة ثم يفردان أجنحتهما كأنهما يحتضنان الفضاء بزهو ودعةٍ. يدوران، يتقاطعان، يهبطان ثم يرتفعان. يبتعدان عن بعضهما ثم وبأقصى سرعة ينطلقان لملاقاة بعضهما وقبل أن يصطدما يرتفعان، يرتفعان بلعبةِ انتشاء ولذة. رحتُ أتابع حركةَ النورسين وهما يعومان في الفضاء. شعرتُ بشيء كأنه حزن أو ربما غيرة، لا أدري. دقائقُ مرّتْ حتى شعرتُ بألمٍ في رقبتي وهي مشرئبة نحو السماء. هبوط  حرٌ وبحركاتٍ رشيقةٍ وسريعة جداً تدحرج الطائران، هبطا.. هبطا حتى اقتربا من نافذتي واصطدمت أجنحتهما مطلقين أصواتاً غريبة كأنها قهقهاتِ امرأة منتشية بعد مضاجعةٍ حميمة.

" عدنا إلى الكذب! " 

وبعد أن أتمّا رقصتهما قربَ نافذتي ارتفعا قليلاً حتى حطّا على سطح البناية المقابلة. سار أحدهما بضعَ خطوات (أو بالأحرى نطّ) بساقه الوحيدة كأنه يريد أن يعرّفني بنفسه فارداً جناحيه كأنه يتمطى بنشوةٍ. عاد إلى نورسته فارداً جناحه حولها محتضناً جسدها بفحولةٍ واشتياق، ثم راحَ ينقرُ ريشَ رقبتها بهمسِ منقارهِ وعينه الزائغة ترمي نظراتٍ غريبة نحو نافذتي بينما كانت أنثاهُ تمطّ عنقها بغنجٍ وانتشاء .

أسدلتُ ستارةَ نافذتي ودخلتُ عتمتي مرتجفاً من بردٍ ماجن.

  

  

عشتار

على الرغم من نظافةِ الغرفة وجدرانها البيض التي بدت لي كأنها آفاق قصيّة مفتوحة على سماء بعيدة، غير أني شعرتُ بالانقباض وضاق نَفَسي حينما دخلتُها. انتفختْ رئتاي برائحةِ غبارٍ مختلطة بروائح الأدوية والمعقمات. 

" من أين جاءتْ رائحة الغبار هذي؟ "

تساءلتُ مع نفسي وشطّ بي الخيال فارتسمَ أمامي قبرٌ فاغر فمه بانتظار جسدي المنخور. مسكتُ مقبضيّ السرير كي أوقفَ ارتعاشَ يديّ أو كمحاولةٍ أخيرة للتشبثِ بالحياةِ، وأغمضتُ عيني كيلا أرى عينيه وهما تحدقان بي قبل اقتناصِ الروح .

" أريد موتاً مقنعاً. "

هكذا كنتُ أرددُ مع نفسي وفي مواقف كثيرة. أريد موتاً مقنعاً، لا ميتةً في الحرب فأنا أكرهُ المتحاربين وأكرهُ القضايا الكبرى والمبادئ والجود والتضحية بالنفس والفروسية وغيرها من الكلمات المتورمة التي كنتُ أسمعها تترددُ على أفواه أقراني وهم يتحدثون عن الكرامة والشرف، عن الوطن وحرية الشعوب، على الرغم من أني فكرتُ يوماً أن أعقلَ نفسي في مواجهةِ الموتِ على طريقةِ المحاربين القدامى. ولم أكُ أطمح كالقطّ بأرواح سبعة، بل كنتُ أردد ما كانت تردده أمي حينما يشتدّ عليها المرض وهي تدعو الله أو تؤنبه بأن يكون رحيماً فيعجّل بسلّ روحها بهدوء، على الأقل ستكون هذه الرحمة المتأخرة عزاءً لحياةٍ خاويةٍ أو بالأحرى حياة لا حياة فيها. كنتُ أريد أن أعشق قاتلي وأريده في لحظةِ الموت الجميل يكون أترفَ نسمةٍ تمضي بروحي لكي يمضي كلّ منّا إلى حالِ سبيله خجلاً مما اقترفته يداه. قاتلٌ لم يجدْ مبرراً للقتل وقتيلٌ لم يجد مبرراً للحياة. ولم يكن لي طمعٌ بحياةٍ أخرى وبجنةٍ عرضها السماوات والأرض، تجري من تحتها الأنهار. أسخرُ من نفسي حين أراني محاطاً بحورٍ عينٍ وولدان مخلدين فأردد مع نفسي بمرارةٍ " الما له أوّل ما له تالي "، وإنْ كان يخيفني بل يرعبني مشهدُ الزبانيةِ بوجوههم البليدة وأجسادهم الضخمة وهم يسلكونني بسلسلة ذرعها سبعون ذراعاً وأنا أساق أمامهم إلى الجحيم.

" ولكني أريد موتاً مقنعاً. "

" لا حرقاً أو غرقاً أو موتاً ملتبساً. "

كان الموتُ يرتسمُ أمامي وأنا أعبرُ الشارع. يطلّ من نافذةِ سيارةٍ يقودها قدرٌ مراهق أو سكران، ويخيفني السفرُ بالطائرة فأرى نثار جثتي المحترقة وهو يتطاير في الفضاء. أخافُ المشي على جسرٍ أو الصعود إلى الطوابق العليا. فما أن أطلّ إلى تحت حتى يرتسم لي الموت بعينيه الحمراوين الجاحظتين يتطايرُ منهما خبث ولؤم، وفمٍ بشدقين مزبدين وأنيابٍ سودٍ منخورة، فأتشبثُ بسياجِ الجسر أو الشرفة مرتعشاً تتجاذبني قوتان غريبتان، رغبةٌ في الانتحار وخوفٌ من الموت فيرتعشُ جسدي شهوةً ورهبة.

اثنان وعشرون سنة مرّت على هروبي من الوطنِ بجواز مزور.

" الوطن! " 

كان الموتُ هو الهواء الذي نتنفسُ، ولا صوت نسمع إلا صوته المشروخ القادم من كل الجهات، في النومِ واليقظة، في العزلةِ أو في الزحام. الظلامُ شاخصٌ أسودُ للموتِ المتربص بي في منعطف الشارع، مع أزيز رصاصة تخترق مؤخرة الرأس، مع صوت احتكاك فرامل سيارة تتوقف فجأة كأنها تقود القضاء إليك، مع خطوات شرطي في الممر أو قرقعة أصفادٍ تخترقُ صمت الدهليز.

" أريدُ موتاً مقنعا.ً "

قلتُ لنفسي وأنا أجتازُ أروقةَ المطار سائراً خلف رجلِ أمنِ المطار وهو يحملُ جوازي دائراً به على الوجوه التي راحتْ تتفحصه كأنها تبحثُ فيه عن أيّ مبرر لاعتقالي، أو حجة للموت كي يختطفني.

" أريد موتاً مقنعاً. "

قلتُ وأنا أصعد سلالم الطائرة خائفاً من الإلتفات إلى الوراء حيث لايزال الموتُ يوجّه قناصه نحوي. اهتزتِ الطائرةُ هزاتٍ عنيفةً وهي على ارتفاع شاهق، قيل مطبات هوائية. انقبضَ قلبي وأنا أتشبثُ بمقبضيّ الكرسي محاولاً الإصرار على الثبات.

" أريد موتاً مقنعاً. "

" لا ميتةَ غريبٍ جائعٍ على أرصفة الغربة. "

قلتُ وأنا أعدّ ما تبقى لي من نقودٍ متردداً أمام بائع السندويجات الرخيصة محاولاً إقناع جسدي  بتأجيل الإفطار إلى ساعاتٍ أخرى.

" أريد موتاً مقنعاً. "

قلتُ وقد اهتزّ القاربُ الصغير، وكاد ينقلبُ في الخابور ونحن نعبرُ المثلث السوري التركي العراقي نحو الوطن ملتحقين بالثورةِ المسلحة، حالمين بوطنٍ لفقراء لا يموتون .

" أريدُ موتاً مقنعاً. "

" .......................... "

ومنذ ذلك الوقت وأنا أردد هذه العبارة كلما ارتسمَ الموت أمامي بهيئاته التي لا تحصى. كنتُ دائماً أسألُ نفسي إن كنتُ سعيداً بالحياة كي أتشبثَ بها إلى هذا الحد، أم أنه الخوف من الموت سواء أكان مقنعاً أم لم يكن؟ وماذا لو مُنحتُ فرصة اختيار موتي؟ أي موتٍ مقنعٍ سأختار؟ الانتحار!؟ لا.. لا أعتقد، فهذه شجاعة لا أمتلكها. موتاً بعد شيخوخةٍ!؟ إنها ميتة رذيلة تثيرُ القرف في نفسي. كيف يكون الموت مقنعاً إذن؟.

" احنه مرّه نعيش

 مرّه نموتْ

 مرّه بكل عمرنه "

أوقفَ عاملُ المستشفى السريرَ المتحركَ وسط الغرفة وثبّتَ إطاراته على الأرض. تطلع إلي بنظراتٍ حادة. كان ضخمَ الجثةِ بعضلاتٍ مفتولةٍ وكتفين عريضتين، حتى بدا لي وهو يحتل فضاءَ الغرفة بجسده بأنه (عزرائيل) قد أطبقَ عليّ، وقد جاء يُبلغني بقرارِ نهاية وجودي، لكنّ العاملَ انحنى عليّ ماسكاً كتفيّ بقبضتيهِ القويتين متمنياً لي نجاح العملية والشفاء، ثم غادر الغرفة تاركاً ظلالَ ابتسامةٍ مشفِقة.

تطلعتُ في أرجاء الغرفة، كانت مكتظةً بالآلات وشاشات أجهزة الكومبيوتر وقناني الأوكسجين وأنابيب المصل ونقل الدم. غرفةُ عملياتٍ كأنها ورشةُ تصليح سيارات عاطلة، تنبعثُ منها رائحة الموت. ارتسمَ أمامي خطّ أفقيّ ثابتٌ على شاشةِ جهازِ تخطيط القلب وصوت موسيقى حزينة تعلن الختام .

لم أشعر بألمٍ سوى وخزةٍ خفيفةٍ في موضع إدخال كاميرا التصوير من فخذي، بل إني لم أكنْ أشعرُ بجسدي سوى كتلةٍ هلامية لا تعود إليّ مرمية على السرير في طريقها بعد ساعات قليلةٍ إلى ثلاجة حفظ الجثث. وبتشبثِ اليائس ببصيصِ أملٍ خطرتْ في ذهني فكرةُ أنْ يدخلَ الطبيبُ إلى الغرفةِ وعلى شفتيهِ ابتسامةٌ عريضة وخجولة معتذراً عن غبائه، ويخبرني بأنّ نتيجةَ الفحص لم تكن صحيحةً، بل اختلطت الأوراق وأني لستُ المريض المطلوب إجراء له العملية. عندها سأهبّ واقفاً وأترك الغرفة والمستشفى راكضاً نحو بيتي بالملابس البيض مردداً مع نفسي وأنا اخلع كفني:

" أريد موتاً مقنعاً. "

وربما سأقفُ أمام نفسي مزهواً بأني قد كسرتُ الرقم القياسي وتفوقتُ على الكلاب أو القطط ، فها هي روحي قد عادتْ إلي ثانية بل إن أرواحي قد تجاوزت السبعين.

دخلتْ سيدةٌ شقراء ممشوقة القوامِ في منتصف الثلاثينات من عمرها فعرفتُ من هيئتها وخطواتها الواثقة بأنها الطبيبة، تتبعها ثلاثُ ممرضاتٍ تلوحُ في أعينهن نظراتٌ جادة على الرغم من الابتسامة التي ارتسمتْ على وجوههن وهنّ يقتربنَ من السرير الذي يتوسط غرفة العمليات. وقفتْ إحداهن عند رأسي وأخرى عند قدمي بينما الثالثة جلست على كرسي إلى يسار السرير ماسكةً كفي تنقرُ بإصبعها على موضع الوريد. قرأتِ الطبيبةُ اسمي وتأريخَ ميلادي لتتأكدَ من صحةِ المعلومات وتطابقها مع صاحب هذا الجسد المسجى. وضعتِ الإضبارةَ على طاولة صغيرة ثم انحنتْ عليّ وابتسامة عذبة تفيضُ على شفتيها. وضعتْ يدها الدافئة على جبيني فارتعشَ شيء في روحي . ثم قالتْ بهمسٍ تخيلته غنجاً:

" اسمي إستا وأنا الطبيبة التي سأجري لك عملية توسيع الشريان. "

" إستا! "

قلتُ بتعجبٍ فتوسعتْ عينا الطبيبة وارتدّتْ قليلاً إلى الوراء، ثم سرعان ما عادت الابتسامةُ على وجهها كأنها اكتشفتْ أمراً. وضعتْ يدَها على صدري العاري والذي التصقتْ به دوائر ورقية تلتصق بها أسلاك رفيعة لا أدري إلى أين تنتهي. قرّبتْ وجهها من وجهي وهي تحركُ كفّها على صدري، وتداعبُ باليدِ الأخرى رأسي بحنو مفتعلٍ كأنها تداعبُ رأسَ طفل. ولكي تخفي شفقتها عليّ سألتني بود:

" هل التقينا سابقاً؟ "

" نعم. "

خرجتْ هذه (النعم) دون إرادة مني فاستدركتُ:

" أعرف الاسم. "

تسمّرتْ نظراتها منتظرةً توضيحاً مني فقلتُ:

" إستا .. هكذا يُلفظ بالدنمارك ولكنه يكتب إستير، أليس كذلك؟  "

" صحيح. "

 قالتْ مفتعلةً ضحكةً ناعمة وهي تهز رأسها إعجاباً بطفلٍ تلوحُ عليه علامات ذكاء ونبوغ . أشارتْ بحركةٍ من جفنيها إلى الممرضة الواقفة عند كتفي فأحاطتْ رأسي بدائرةٍ زجاجية على شكل نصف بطيخة ينبعث منها ضوء أخضر، ثم طلبتْ مني أن أستنشقَ بعمق. شعرتُ بعد لحظات بالخدر يدبّ في جسدي وثقلاً في أجفاني حتى غدا وجهُ الطبيبة كقمرٍ مختفٍ خلف سحابةٍ بيضاء شفافة. التفتُّ إلى يساري باحثاً عن جهاز تخطيط القلب. كانت شاشته الخضراء قد اسودّتْ ولم أعدْ أسمع شيئاً سوى موسيقى الختام لفيلمٍ حزين، بينما كنتُ أردد بصوتٍ أعتقد أنه كان مسموعاً:

" إستا .. إستير .. عشتار .. "

من أعلى نقطةٍ في الفضاء هبطتْ ريشةٌ بيضاء.. هبطتْ بخطّ شاقولي، واثق من استقامتهِ كأنها تهبط في فراغ خالٍ من الهواء.. ريشةٌ بيضاء.. وحيدة.. هبطتْ.. يسبقها شعاعٌ فضي يخترقٌ غبار الفضاء.. يضيء النهارَ بشعاعٍ أبيضَ على الرغم من أنّ الوقت ظهيرة، والشمس ساطعة في نهار صيفي نادر في هذا المكان.. يخترقُ الشعاع الأرضَ.. يغورُ.. يغورُ راسماً خطّاً ضوئياً، يتوغل شاقولياً نحو أعماق الأرض حتى يصلَ القلب.. يضيئه.. فتضحك الأرضُ بانتشاءٍ يحركُ شهوةَ الأموات، فتنهض أجداثهم.. تشقّ توابيتها وتخرجُ.. تخرجُ أشجارٌ مضيئة، وتتدفقُ ينابيعُ ونوافيرُ ضوء سرعان ما تختفي ويحلّ صمت عميق.. حتى لا تكاد تسمعُ حركة الأشجار وهي تهتز.. صمتٌ يخترقه صوتُ نفيرٍ قادماً من جهة بعيدة.. الأجداث تمشي بخطواتٍ بطيئة.. تمشي وتمزقُ أكفانها.. تتساقطُ الأكفانُ الصفراء على الأرض، فتظهر كائنات بشرية مغبرة لا جنسَ لها بوجوهٍ مطموسة المعالم.. عاريةً تمضي.. تجتازُ دائرةَ صبيةٍ يلعبون.. لم يتوقفْ أحد من الصبيةِ عن لهوه، بل لم ينتبه أحد لهذه الكتل البشرية.. تمضي.. تمضي حتى تصبحَ نقاطاً سوداً صغيرة ثم تختفي في ظلامِ غابة كثيفةٍ تقع على الجانب الآخر من الأفق.

الريشةُ البيضاء لاتزال في نقطةٍ مرتفعة في الفضاء.. ريشةٌ بيضاء.. هل سقطتْ من نورسٍ عاشقٍ أو طائر خرافي.. ربما من عنقاء أو رخ.. أو من جناح ملاك؟ الريشةُ تهبطُ .. تهبطُ بحركةٍ لولبية ملحوظة على الرغم من أنها لا تزال شاهقة.. الريشة تستغرقُ في هبوطها زمناً.. الزمن!؟ .. مَنْ يتذكرُ الزمن؟ ماذا يعني الزمن؟ ثواني.. دقائق.. ساعاتٍ.. قروناً؟ الريشةُ تهبطُ.. لا سرعة لها.. لا زمن لها.. سوى أن قوةً غامضةً تجذبها نحو الأسفل.. الجاذبية الأرضية.. الوزن.. المسافة.. الشجرة.. تفاحة نيوتن.. مفرداتٌ لم تخطر في الذهن.. بلى.. سقوطٌ حرّ..  الريشة وحدها تسقط سقوطاً حرّاً.. وأنا أدركُ ذلك.. ولكن ماذا يعني سقوط حر؟.. لا أدري ولكنه سقوط حرّ.. هكذا كنت أرددُ بيقين.. الريشة تهبط.. تقترب.. أرى نصلَها وهو يدورُ بحركةٍ لولبيةٍ سريعة.. تقتربُ من نافذتي.. تمر ببطء.. أفتحُ النافذة وأمدّ ذراعي كي أتلقاها.. هل وصلت يدي؟ لا أدري.. لكنّ كفّي اختفتْ في الشعاعِ.. وحينما سحبتُها كانت بيضاءَ.. بيضاءَ من غير سوء.. سوى ثقبٍ صغيرٍ في كفّي من أثر اختراق الشعاعِ أو نصلِ الريشة.. ثقب أسود كبقايا دمٍ متخثر أو كأثرِ مسمارِ الصلبِ على كفّ السيد المسيح.. الريشةُ تقتربُ من الأرض.. تقتربُ.. تخترقُ الأديمَ.. وشيئاً فشيئاً تختفي في الأرض.. تهتزّ الأرضُ.. هزاتٍ خفيفةٍ كرعشةِ يدٍ خائفةٍ أو كجسدٍ في فورةِ شهوته.. لكنها تزداد ارتعاشاً حتى توشكَ أن ترمي كلّ ما عليها أو تتقيأ ما في داخلها.. ضوءٌ أبيضُ ينبعثُ من الأرض.. يكشف الأعماق السحيقة.. بضع ثوانٍ أو ربما ساعات أو قرون أو لا أدري  حتى تتوقفَ الأرض عن ذروةِ نشوتها.. تستقرّ.. صمتٌ ثم صوتُ نفيرٍ يبدو بعيداً ثم يرتفع شيئاً فشيئاً حتى يصيرَ زعيقاً يثقبُ طبلةَ الأذن.. ثم يخفت شيئاً فشيئاً حتى يبدو كعزفِ ناي حزين.. الأرضُ مثقوبةٌ بنبلةِ الشعاع أو موضع اختراق نصل الريشةِ.. طائرٌ أبيضُ صغير بحجمِ فراشةٍ يخرجُ من ثقبِ الأرض.. ينزلقُ في الفضاء بخفةٍ.. ثم يرتفعُ قليلاً.. يرتفعُ ويكبر.. طائرٌ غريبٌ له منقارٌ أحمرُ وريشٌ أبيضُ يضيء الفضاء.. يرتفع ويكبر.. حتى يبدو بحجمِ نورسٍ، سرعان ما يتحول لونهُ شيئاً فشيئاً إلى لونٍ رمادي.. يحلّق قريباً من نافذتي محرّكاً جناحيه بحركة بطيئة.. يتطلع إلي فيغشى بصري.. يرتفعُ ويكبر.. ويسودّ لونه شيئاً فشيئاً.. يرتفعُ ويكبرُ.. حتى يغطي سماء الحي السكني الذي أقيم فيه، فارداً جناحيه كأنه يحتضنُ الفضاءَ، أو يتأهبُ للانقضاضِ على فريسة.. الأطفال يلعبون في الحديقة.. ينطّون.. يتأرجحون.. جارتي الجميلةُ التي كنتُ أسترقُ النظرَ إلى جسدها كلّ يوم حينما كانت تتعرى في الشمس قرب نافذتي، وكانت لا تعير أي اهتمام إلى نظراتي الجارحة وهي تفترسُ نهديها وتدمي حلمتيها المنتعظتين. كانت تتمدد على الأرض عاريةً تماماً، تغطي وجهها بصفحاتِ مجلةٍ أو جريدة، لا يشغلها شيء سوى لون بشرتها الذي بدأ يتحولُ إلى برونزي تنزلقُ عليه أشعةُ الشمس، تمسحُ العرقَ تحت نهديها وإبطيها.. ولكن لماذا لم تنتبه لغيابِ الشمس؟.. والناسُ يسيرون على عادتهم غير آبهين بالغيمةِ الرماديةِ الغريبة التي غطت سماء المنطقة.. هل أنا وحدي الذي أرى هذه الغيمةَ التي تنذرُ بطوفانٍ سيُغرق الأرضَ ومَن عليها؟.. توقفَ ساعي البريد عند بوّابةِ البناية المقابلة لنافذتي.. رفعَ رأسه نحو السماء، فظننتُه قد رأى ما أرى الآن، غير أنه حملَ حقيبته وولج بوابة البناية.. فركتُ عينيّ لعلّي في حلمٍ، وحينما فتحتهما ثانيةً كان الطائرُ قد غطّى بجناحيه الكبيرين السماء كلها.

هكذا وجدتُني أسيرُ في فضاءٍ معتمٍ كأنه دهليزٌ تحت الأرض، يضيقُ كلما اقتربتْ خطاي من بصيصِ ضوءٍ أبيضَ في نهايته أو هكذا بدا لي، فالضوء الذي في نهايةِ الأثرِ كان يبتعدُ كلما خلتُ أنني اقتربتُ من الوصول إليه، وكنتُ سعيداً بابتعادهِ، حيث أني كنتُ أشعرُ بأنّ العالمَ الآخرَ يبدأ من حيث ينتهي الأثر وأن الظلامَ السالكَ أرحمُ من ضياءِ النهاية الغامضة .

مرةً أخرى تذكرتُ الزمن لكن الدقائق أو الساعات كانتْ تتسربُ من بين أصابع فطنتي. من أنا!؟ كوكبٌ سابحٌ في مدارهِ بحكم قوة خارجية أم كائن تتحكم به غريزة زرعتْ فيه دون إرادة؟ شيء بلا صفات أم إنسان لم يكن يعي ما ينطوي عليه مصيره؟ موت أم حياة؟ أم هو البرزخُ الذي يربطُ بين الحالتين؟ جسدي!؟ أين هو جسدي؟ هذا الدكتاتور المتسلط بجنونهِ ورعونتهِ يندحرُ الآنَ.. يتلاشى!؟ أم أنه يعود إلى مرحلةِ ما قبل التكوين؟ جسدي!؟ مازلتُ أتذكره، وإنْ كان مجرد فكرةٍ، فكرة تخطو في ظلامِ الدهليز نحو حتفها، نحو تلاشيها، ولكنْ مازالَ هناك متسع من الوقت قبل الوصول إلى نهاية الأثر.. سأعودُ إلى أمر هذا المتسلط الذي بغى وتحكمَ بكل لحظةٍ من عمري الذي أوشك على النهاية. سأضع أمامه لائحةَ اتهامي له بالجرائم التي ارتكبها بحقي. سأنفذ به الحكم الذي يستحقه حتى وإن كان متأخراً. مازال هناك متسعٌ من الوقت قبل الوصول إلى خط النهاية في ماراثون الحياة، سأصرخُ بوجهِ هذا المستبد، الدكتاتور الذي لا يزال على الرغم من اندحاره واختبائه في جحرٍ مظلم يحلم بالعودة إلى كرسي الحكم حتى لو كان مجرد فكرةٍ. الطاغية الذي لا يزال يتوهم بأناه المتورمة بأنه قادر على استعادة ماضيه ليتسيد برغبتهِ المجنونة على إرادتي. نعم لا تزال إرادتي يقظةً، بل وللمرة الأولى أشعر بأن لي إرادة حرة بعد أن كانت تقفُ في أسفل سلّم الأولويات، درجة الارتقاء السفلى في حياةِ العبد. باعها ألف نخّاس بثمنٍ بخسٍ، واشتراها ألف سيد. صارتْ في حضرتهم جاريةً، عاهرةٌ، محظية للسافل ولأمير المؤمنين، أو خرقة تمسح السيدة بها ما يتركه السيد على جسدها من أدران. وحينما فرّتْ كعبدٍ آبق وجدتْ كل الطرق مغلقة بأسلاكٍ شائكة، فما كان منها سوى أن ترمي بنفسها طائعة تحت أقدامِ سيدها العادل، العادلِ بظلمهِ وجبروتهِ، فانضوت كما سينضوي كلّ أسيادها الآخرين تحت رحمته المؤجلة أو الهابطة بعد فوات الأوان. مازال هناك متسع من الوقت للتفكير، إذاً مازلتُ أحيا ومازال في الصندوق بعض الهواء الذي أستطيع به أن أقاومَ الاختناق قبل النهاية .

" أنا شامتٌ بكَ أيها الجسد. "

" أكرهكِ أيتها الإرادة الكاذبة. "

" كم تبدو القوسُ بريئةً من أثمِ سهمها الطائش! "

أصواتٌ تنطلقُ من أعماقي. هي ليست أصواتَ استغاثةٍ، بل أصواتٌ تنطلقُ دون إرادة مني، ترتفعُ ويتردد صداها كصرخةِ إنسانٍ يسقط في عمق وادٍ سحيق.

أكملتُ الطوافَ وجلستُ في ركنٍ من أركانِ الكعبة، أتلو آياتٍ من الذكر الحكيم مستغفراً الله، تائباً إليه من فرْطِ ذنوبي وضعف إرادتي وتضخم أناي ودناءة نفسي، رافعاً يديّ إلى البارئ معلناً براءتي من نفسي الأمارة بالسوء وراضياً بما ابتليتُ به:

" سبحانكَ اللهمّ يا مَنْ بَلوتَ البعضَ بالغلظةِ وبلوتني برقّةِ الروح * يا مَنْ بلوتَ البعضَ بالفقرِ وبلوتني بسعةِ الحال * يا مَنْ بلوتَ الناس بالقبحِ وبلوتني بالحُسن * اللهمّ إني أسألكَ يا منجي يوسف اصرفْ عني كيدهنّ ونجّني من شرورِ نفسي وانزلْ رحمتكَ عليّ * فلولا رحمتكَ لأكونن من الخاسرين. "

وحينما أتممتُ دعائي، رفعتُ القناعَ لأمسحَ وجهي وأنا استغفرُ اللهَ وأمسحُ الدمعَ الذي سالَ على لحيتي،عندها لمحتُها قادمةً في موكبٍ مهيبٍ، يتقدّمها حرسُ أميرِ المؤمنين، يدفعون كتلَ الناس المتكدسة على بعضها بعضاً، ضاربينَ الهواء بسياطهم ليوسعوا لها الطريق نحو الكعبة. انشقَ جمعُ الناس فمرّتْ بثوبها الأسود الفضفاض ذي الرفلِ الطويل، تتهادى بين وصيفاتها متجهة نحو جدار الكعبة. استبدّ بي الفضولُ كغيري، فنهضتُ كي أرى القادمةَ عن قربٍ تحيطها هالةٌ من الأبّهة والوجاهة، وكان الشيطانُ قد أنساني إسدالَ القناعِ على وجهي، وسهوتُ عن عفّتي وبراءتي من نفسي، فتطلعتُ إلى القادمةِ بعينين نهمتين شحذ العشق نظراتهما، فلمحتُ تحتَ البرقع عينين قلقتين، تجوسان المكانَ ووجوهَ الرجال بحثاً عن طاووس الفتنة. نسيتُ ما دعوتُ به الله واتسعتْ أناي في زحام الحجيج فتوهمتُ أن عينيها قد اختارتني أنا دون جموع المتجمهرين، نقطةً تتمركزُ أنظارها فيها، حين تمهلتْ قليلاً وهي تحدقُ إليّ، فقرأتُ في نظراتها الرغبةَ حمامةً زؤوفاًً، تفردُ جناحيها، تمسحُ الأرضَ أمامَ فحلها الذي انتفش ريشهُ زهواً وفحولة. تذكرتُ قناعي ولكن بعد فوات الأوان حيث أن شراكَ عينيها قد رُميتْ، وسقطَ الطاووس في الفخّ، وقُضي الأمرُ المكتوب في اللوح الأزلي. التقتْ عيناها بعينيّ، فسرتْ في جسدي حمّى ولهٍ ورسيسُ افتتانٍ، على الرغم من الهيبةِ والخوفِ الذي كان يخزني، فمَنْ ذا الذي يجرؤ على اقتحامِ حصونِ ابن عبد الملك؟ وأنى لشاعرٍ مثلي آثر العزلة، ولم يحملْ سيفاً في حياته أن يقترب من أشدّ أسرارِ بني أمية إثارةً للسخطِ والغضب؟ لكنّ الشيطان أغواني فأنساني توبتي وما عاهدتُ الله عليه، ولم يعد في نفسي فرقٌ ما بين التهلكةِ والسلامةِ، فانقدتُ مسلوبَ الإرادة إلى ما كُتبَ لي من مصير. أنا العاشق المنكود الذي طحنتهُ رحى الصراع ما بين الروح والجسد، فهذه روحي القلقة تتسامى بموتها وهذا جسدي أمصارٌ مغلقة كلما اقتربتُ منها وقعتُ في الأسر.

أخذتُ رقعةً وكتبتُ عليها:

"بالثوبِ الفضفاضِ الأسودِ

تأتي

وجواريها الشبقياتُ يحطنَّ بها

فتطيرُ حماماتُ الصحنِ

وينشقُّ الصمتُ ممراً لمليكةِ ليلي

ترقصُ

ترقصُ

يرتفعُ الثوب الأسودُ كالبالونِ

بنارِ الأجدادِ الشبقيينْ

يرتفعُ الثوبُ ـ البالونُ

ويهبطُ وحيٌ

اقرأْ

لستُ بقارئ

اقرأْ

لستُ بقارئ

اقرأْ

هذا الجسدَ ـ اللوحَ

فأقرأُ

تأريخَ اللذة "

ثم دسستُ الرقعةَ في يدِ إحدى جاريات زوجةِ أمير المؤمنين.

في اليوم التالي والناسُ مشغولة بمناسكِ الحج، يصدم بعضهم بعضاً، كنتُ وحدي أقفُ مذهولاً وأطوف حول وحدتي مثل خذروف أو أرمي الشيطان بالجمراتِ فترتدّ إلي. سمعتُ صوتاً أنثوياً يناديني:

" يا عبد الرحمن.. "

توقفتُ ملتفتاً ناحيةَ الصوتِ فرأيتُ كتلةَ سوادٍ تحثُّ الخطى نحوي. اقتربتْ مني حتى توقفتْ قبالتي رافعةً برقعها، فتذكرتُ عينيها الخضراوين. كانت جارية أم البنين التي سلّمتها بالأمس الرقعة. ارتجفَ قلبي خوفاً من أن أمراً قد حدثَ أو فضيحةً على وشكِ الانفلاتِ من قمقمِ سريتها. أغضتِ الجاريةُ بصرها نحو الأرض بحياءٍ مفتعل وسلّمتني رقعةً، قالت بأن سيدتها أم البنين قد أرسلتها إلي، ثم ابتعدتْ منضويةً في جمعِ النسوة اللواتي انزوين بعيداً عن أنظار الرجال. فتحتُ الرقعة فتضوعَ منها مسكٌ ورائحةٌ أنثوية نفاذة، أسكرتني وهيّجت غليان فحولتي.  فتحتُ الرقعةَ بيدين مرتعشتين، ورحتُ أقرأ بشوق:

"كلّ الوجوهِ التي قابلتُها بحثتُ فيها عنكَ ولكنكَ آثرتَ المرور وحيداً في طرقٍ كثيرةٍ قبل أن أراك وها أنا بأكثر من جرحٍ واقفة بين الثقةِ والخوف أتأملكَ في الجهةِ المقابلةِ أدعوك لنفسي وأخاف أن أخطو نحوك."

تلفتُّ حولي، علّي أجدَ نفسي التي فرّتْ مني. أتوسلُ إليها أن تعودَ لي لنعقدَ معاً عقدَ صلحٍ أو هدنةٍ، وإنْ تعذّر ذلك فلنخترِ المبارزة ليبقى أحدنا يحيى بسلام. لم أجدها فعدتُ إلى الرقعة لأكمل الرسالة:

"وضّاح إنكَ أسطورتي ما آمنتُ برجلٍ قبلكَ كنتُ آلهتهم وهم عبدتي يمرون حول ناري بها يصطلون وحين مررتُ قرب نارك رجمتَني بشهوتي إليك. "

رددتُ مع نفسي بزهوٍ، على الرغم من الحيرة التي أطبقتْ عليّ، فوجدتُها تنحازُ إلى موتها الفاتنِ فانقادُ خلفها مستسلماً لتهورها بغرور، وأنا أطوي الرقعة على مهلٍ:

"ماذا ستفعل يا عبد الرحمن ها أنّ القدرَ قد أصدرَ قرارهُ، ولم يعد الهروب من فخّه غير هزيمة لا تليقُ بعاشقٍ مثلكَ؟ "

" لكن.. "

" منْ أنا؟ وضّاح؟ عبد الرحمن؟ لعنةٌ تسير على قدمين؟ أم لعبةٌ استهوتِ القدر؟ "

لم تطل حيرتي كثيراً فما أن طويتُ الرقعة ودسستها في طيّات ثيابي ورفعتُ رأسي أبحث عن علامة تدلّني على مولاتي، حتى التقتْ عيناي بعينيّ الجاريةِ الخضراوين. تطلعتْ إلي بعينين واثقتين من إحكام الفخّ، وحينما تطلعتُ إليهما مستفسراً بنظراتٍ حائرة عما ينبغي عليّ فعله، أشارتِ الجارية إلي بحركةٍ من رأسها وسارتْ بخطواتٍ وئيدة، متلفتةً نحوي كي تتأكدَ من متانةِ حبل انقيادي. وما أن ابتعدتْ بضعَ خطوات، حتى وجدتُني منقاداً أتبعها نحو المجهولِ بخطواتٍ سريعة همّها الوصول إلى نهاية الأثر.

صالةٌ واسعةٌ يتوسطها سريرٌ ملكيّ باذخُ الإغواء، بشرشفهِ الحريري ووسائده الصغيرة، تحيطهُ ناموسية من حريرٍ شفافٍ شُرّعَ بابُها لاستقبالِ الزائرِ المنتظرِ والحبيبِ الذي سيكسر بعنفوانهِ جناحَ العنقاء، ويغسلُ نارَ شهوتها. شموعٌ طويلة تضيء الصالة ورائحة بخور أو كافور تملأ الأنفاس. تقدمتُ بحذرٍ وعيناي تجوسان المكانَ، تتوجسان شرّاً يختفي تحت شرشفٍ أو أريكة، متحفزاً لانقضاضِ (مسرور) عليّ من الخلف، ليحزّ هذه العنق الرهيفة التي أُتلعتْ بإرادةِ صاحبها، أو لحفرةٍ مموهةٍ تحت هذه الكاشانية بألوانها الفاقعة، أُعدّتْ لهذا الجسد الآبق. سيفُ مَنْ هذا المعلّق يسيلُ منه الدمُ خطوطاً متوازيةً على الجدار؟ سيفُ أمير المؤمنين المدافع عن حياض المسلمين وثغور بلادهم؟ أم سيفُ السيّافِ مسرور المسلّط على رقابِ الزنادقة والخوارج والطامعين؟ أم هو الوهمُ الذي تجسّدَ لي سيفاً ونطعاً بانتظارِ الغافلِ القادمِ إلى حتفهِ بمحض إرادته؟. سرتُ بضعَ خطواتٍ متردداً وأنا أتلفّتُ حولي، حتى توقفتُ في منتصفِ الصالة، وإذا بالجواري نهضنَ، شعوراً منثورةً على الأكتافِ وقدوداً رشيقة تتمايل بغنجٍ وقد مررنَ قربي متجهاتٍ نحو الباب، متطلعاتٍ إلي كأنهنّ يقرأن شهوةَ سيدتهنّ على كل شبرٍ من قامتي، وربما كانت نظراتُ إشفاقٍ على هذا اليعسوبِ الأرعنِ الذي نذرَ حياته لبضع لحظاتٍ يقضيها في أحضان مليكتهِ الفاجرة. كانت السيدةُ تجلسُ أمامَ مرآةٍ كبيرةٍ ناصعةٍ وهي تمشطُ شعرها الطويل بافتعالٍ شهواني واضحٍ، تتطلعُ إلى صورة هذا الجبروتِ الخائف، إلى قامةِ الثلجِ التي أحرقتْ قلوبَ عذارى ومحصنات، وها هي الآن تنهارُ أمام عصفِ رغبتها المجنونة. خرجتْ آخرُ جاريةٍ، وغلّقتِ الأبواب خلفها. الصالةُ خاليةٌ إلا من جسدين يرتعشان شهوةً ورهبة. نهضتْ السيدةُ وهي ترمي شلالَ شعرها الأسودِ الطويلِ على ظهرها وكتفيها العاريتين بحركةِ أنثى تجيد اللعبة. تقدمتْ نحوي بخطواتٍ بطيئة تفتعل الثقةَ والجبروت. دنتْ مني ثم توقفتْ وهي تحدقُ بعينين يتطاير منهما شررُ الرغبةِ، حتى تقاطع خطّا الأنفاسِ، وأسكرتني رائحةُ المسكِ المتضوعة من جسدها.

" لاتَ حينَ تردد. "

رددتُ مع نفسي كي أطردَ باليأسِ خوفي وأتقدمُ نحو مصيري بإرادةٍ حرةٍ تليقُ بفارسٍ شهمٍ وعاشقٍ شجاع. أحنيتُ رأسي احتراماً، فلاحتْ على شفتيها ابتسامة يسهلُ على رجل مثلي، ضليعٍ بشؤونِ الحب ورغباتِ النساء تأويلَ الرغبةِ فيها. أخذتُ يدها فاستسلمتْ كفّها بكفي. طبعتُ قبلةً على باطنها وأنا أتطلعُ إلى عينيها بنظراتِ عشقٍ جريئةٍ وفحولةٍ، لم يبقَ أمامها سوى إكمال الطريق. وقبلَ أنْ أحررَ كفّها من أسرِ كفي، تشبثتْ هي بها ثم سارتْ أمامي، فاعتصرتُ كفها بما بقيَ لي من قوة. كان لمعصمها المستكينِ ارتخاءُ مخملٍ، مَنْ يدري ربما سيستحيلُ إذا دعته ضرورةُ الإفلاتِ أو الغدرِ ثعباناً. سارتْ أمامي لاويةً عنقها بحركةٍ سريعةٍ فانتثرَ شعرها حتى لامستْ أطرافه وجهي، وراحتْ تسحبني نحو السريرِ بثقةٍ، محركةً ردفيها بحركةٍ صارخةِ الأنوثة، وقد لاح لباسها الداخلي الأصفر محشوراً في الشقّ، يشفّ من ثوبها الأسود الحريري. وبصمتٍ بليغٍ أجلستني على حافة السرير، ووقفتْ أمامي ويداها تحطان بهدوء على كتفي. تحركتْ يداي ببطءٍ وأنا أتطلعُ في عينيها بنظراتِ طفل خائفٍ، وأحاطتا خصرها متحركتين بانزلاقٍ على ساتان جسدها الناعم. وحينما اطمأنتْ إلى طاعتي وانقيادي، جلستْ بين ساقيّ وهي تتطلعُ إلي بعينين، يسيل منهما هياجٌ شبقي متمرد، فلاحَ أمامي نهدان عاريان مندفعان نحو الأعلى ببشرةٍ بضّة ناعمة وشقرة زغبٍ ناعم، يفوحُ من بينهما عطر مُسكر، فأغمضتُ عيني انتشاءً وهياجاً مكبوتاً. اقتربتْ يدي منهما بحركةٍ لا إرادية، غير أني لجمتُ نزقَ نفسي، مؤجلاً اقتطاف الثمرتين إلى حين نضوجِ الرغبةِ فيهما فتتساقطان من غصنيهما إلى فمي ناضجتين، يسيلُ عسلهما على لساني المتخشب. مدتْ يدها إلى تحت السرير ساحبةً طستاً صغيراً مليئاً بماءِ الورد، وراحتْ تخلعُ نعليّ بيدين مرتعشتين. حاولتُ أن أعترضَ باحترامٍ ماسكاً ذراعيها من المرفقين، غير أنها تطلعتْ إلي بعينٍ ناهرة فاستسلمتُ لرغبتها، ورحتُ أمسدُ شعرها وكتفيها وهي تغسل قدميّ بماء الورد. مددتُ يدي تحت أذنيها فأتلعت جيدها كزرافةٍ منتشية. راحتْ  كفاي تنزلقان ببطءٍ على مرمرِ عنقها وهي مُسبلة الجفنين ويداها ترتفعُ بحياءٍ نحو ساقيّ، وكأن ماءَ الورد نار تصعدُ من قدميّ إلى رأسي. نسيتُ خوفي وخجلي فقرّبتُ رأسي نحوها ببطء، وبحركةٍ بطيئة رفعتُ رأسها نحوي، ثم طبعتُ قبلةً ساخنة على شفتيها، حاشراً شفتها السفلى بين شفتيّ، محركاً لساني في جوفِ فمها، فشعرتُ بأنفاسها ساخنة وهي تصطدم بصفحةِ وجهي. سحبتْ شفتها ببطء من بين شفتيّ، وهي تتلمظ برضابِ القبلة، لاحسةً شفتيها بنشوةٍ واسترخاء . تطلعتْ إلى عينيّ بجفنين مسبلين على كحلهما كأنها تحيكُ برمشيها شبكةً لاصطياد الحلم. وحينما حاولتُ أن أرفعها من كتفيها نحوي صدّتني. شعرتُ بأنها تريدُ أن تقولَ شيئا، فتطلعتُ إليها بنظراتِ استدراج وإصغاء طفلٍ مطيع. رفعتْ رأسها نحوي. تعثرتِ الكلمةُ الأولى في حلقها فتوقفتْ، محاولةً افتعال سعال كي تعيدَ الثقة إلى نفسها، ثم قالتْ:

" وضّاح.. "

فأجبتُها على الفور:

" أجلْ يا مولاتي. "

توقفتْ قليلاً ثم قالتْ بثقة:

" لا تخاطبني بذلك! "

وحينما رأتِ الدهشةَ والاستفسارَ في عينيّ قالتْ:

"أتوسلُ إليكَ أن تدعوني بجاريتي، فأنا جاريتكَ المطيعة بمحض إرادتي."

حاولتُ أن اعترض إلا أنها أوقفتني بحركةٍ من يدها. وقبل أن أنطقَ بكلمةٍ، قالتْ وهي تنظر في عينيّ كأنها تريدُ اقتناصَ فكرةٍ زائغة أو نظرةً تتعلق بها:

"أحبكَ أن تكون سيدي."

تطلعتُ إليها بجدّ لعلّي اكتشفَ سرّ هذه المرأة وسرّ ولهها بي. أصغيتُ إليها متحفزاً لتأويلِ أية كلمة تنطقها، شاحذاً خبرتي وفراستي لمعرفة ما لن تقوله، فاستأنفتْ كلامها بعد أن تنحنحتْ عدة مراتٍ كي تزيلَ شيئاً يقف ما بين الفكرة واللسان:

"أحبكَ لأنكَ سيدي.. لكونكَ أعلى شيء ارتقتْ إليه نفسي.. وما عاد يهمّني أن الكون وسعَ رحمةً أم شقاءً.. فلقد وسعتني رحمتكَ.. أحبكَ.. لأن لحنانك أبواباً تصلني بكَ.. ولأني مخلوقةٌ من شهوةٍ وجنون.. طريدةُ سمائكَ وبحركَ.. فبأي السفن أحملُ صباحاتِ شهوتي إليك؟.. أحبكَ.. فانتشلني من أرضٍ عقمتْ أن تنجبَ غيركَ.. انتشلني وانزلني ناحية قلبكَ.. تجدني أحوّل دمك خمرةً يفنى العشاق في طلبها .. أحبكَ... "

تطلعتُ إليها بذهولٍ مردداً ببلاهةٍ وشفتاي ترتجفان:

" أحبكِ يا.. "

فقاطعتني بإصرارٍ وهي تردد:

"أمَتكَ. "

رفعتُها من كتفيها فنهضتْ، وقد أحطتُ خصرها بذراعي دافناً وجهي بين نهديها. جلستْ جنبي على حافةِ السرير ومدتْ لي شفتيها فالتهمتهما بنهمِ مَنْ لم يذقْ قبلةً من قبل، وراحتْ أصابعي تفكّ أزرار ثوبها. اندلقَ نهداها فتلقفتُ أحدهما بفمي معتصراً الآخر بقبضتي، ويداها تضغط رأسي على صدرها، مُطلقةً زفراتٍ ساخنةً حتى رمينا آخر قطعة من ثيابنا. أشرقَ جسدها بلهبِ الشهوة، وشرقتُ بلعابِ ذهولي. التصقتُ بجسدها أكثر حتى لامستْ حلمتاها صدري فشهقتْ بشهوةٍ مجنونة. احتضنتُها محاولاً دفعها للارتماء على السرير غير أنها أوقفتني، فقرأتُ في عينيها رغبةً في البوح. توقفتُ مصغياً إليها. تطلعتْ إلي والنشوة تبرقُ في عينيها وجفناها يخذلانها فتقاوم إغماضهما:

"جسدي لا ينفكّ ينشدُ عبوديته لك.. جسدي ما عشقَ فكرةَ رجلٍ.. ولا توسدتهُ شهوةٌ جارفةٌ لرجلٍ كالتي لي فيك.. فكرتُ بأجسادٍ رجالٍ وغلمانٍ كهيئة مثالٍ لكني ما فكرتُ بوجودهم.. لكنكَ لأنت أصبحتَ هوسي.. هل تعرف ماذا تعني كلمةُ هوس؟.. أفكرُ في لحظةِ أن تلمسني يداك.. يا الله.. أفكر في لحظةِ أن تتقرآني بلمسةِ أصابعك.. هل ستتحول آيةً أتلوها؟ هل سأصير عنقاءَ تدخلُ نار جحيمكَ فتخرجُ من غير سوء؟. "

توقفتْ قليلاً وصدرها يصعدُ ويهبطُ بحركةٍ سريعةٍ، ثم واصلتْ حديثها المتلعثمَ وهو يخرجُ من مغاورَ عميقةٍ، وبلسان منعقد وشفتين مرتعشتين:

"عينٌ لا تتسعُ حدقتها إلا بكَ.. أنفٌ لا يحتملُ رائحة غيركَ.. شفاهٌ لا تنطق قُبلاتٍ إلا لحرفكَ.. وخدّ يتعفرُ على ترابِ خطوتك.. نهدان يتورمان لأنكَ طفتَ خاطراً.. ساقان تكرهان الأرضَ وتختصمان لأنهما ليستا بأرض سعيكَ.. كهفٌ يغورُ بمائهِ ويهدرُ صارخاً بكلّ غيماته أن تبرقَ للحظةٍ تصطفيها أنتَ.. أنتَ.. أنتَ سيّد هذا الجسد. "

امتدتْ يدُها ببطءٍ إلى ساقيّ، ملامسة أطراف شعرهما الذي توقف كأشواك قنفذٍ، فاستسلمتُ لخدرٍ يتصاعد في جسدي. تطلعتْ إلي بجرأة ويدها تصعدُ نحو الأعلى، تقتربُ من صاريةِ سفينةِ إبحاري التي نُشر شراعها بوجهِ الريح، تأهباً للإبحار إلى جزيرةِ اللذة. امتدتْ يدي ما بين فخذيها فاطبقتهما ممانعةً بحياء أو رغبة أنثوية بالمماطلة والصدّ، حتى تنفدَ قدرةُ الفحل الهائجِ على المغازلة، فتحظى أخيراً باغتصابٍ بالغِ اللذة، لكنها سرعان ما استسلمتْ أمام إصراري فأفرجتْ ساقيها، حتى لامستْ كفّي كهفها الهادرَ، فندّتْ صرخةٌ منها، وامتدتْ كفها متشبثةً بشراعِ مركبي الواثقِ من قدرته على معاندةِ الريح وما يضمرُ النوء من تقلباتٍ، محتضنة إياه بأصابعها الناعمة. ومن بين طيّات صراخ الشهوة كانتْ تخرج كلماتٌ محترقة، تنطقها وهي ترتعش جاذةً على نواجذها كي توقف ارتعاش فكيها:

"جسدي.. ذئبٌ.. يعوي.. شاهقٌ.. بولعه.. وروحي.. ترتعبُ.. حين.. تفيقُ.. على.. حجمِ.. شهوتها.. بكَ.. خذْ.. جسدي.. عمّدهُ.. بجنونكَ.. بعسلِ شهوتكَ.. لصوتكَ.. خدرٌ.. في.. أوردتي.. في.. روحي.. سيدي.. عزيزةً.. أتذللُ إليكَ.. بإرادتي.. أقدّم إليكَ.. طاعتي.. وعبوديتي.. أقدمُ إليكَ.. امتناني.. عشقاً.. ولهاً.. أحبكَ.. أشتهيكَ.. أشتهيكَ بجنون.. أنتَ.. سيّد.. هذا الجسد.. خذْه.. امتلكه... "

توقفتْ عن الكلام وجسدها يهتز كسعفةٍ أمام رياحٍ مجنونة، وهي تنظر بهوسٍ إلى قضيبي المنتعظ في كفّها وقد سالتْ قطراتٌ منه بين أصابعها. تطلعتْ في عينيّ، وبنظراتٍ صارمة وبإصرار، بنفادِ صبرٍ وتوسلٍ، قالتْ:

"نكني! نكْ كسي!"

شعرتُ بخجلٍ لسماعِ الكلمة، فأدركتْ ذلك فهزّتني بقوةٍ وهي تردد:

"زوّجتكَ نفسي بعقدٍ طاهرٍ.. وجعلتكَ سيدي.. لا ذلّةً.. بل ولعاً.. وأنتَ ملكتني. "

توقفتُ ساهماً وأنا أتطلعُ إليها وهي تنهارُ راكعةً أمامي، تقبّلُ قدميّ وتصرخ بجنون:

"نكني! نكْ جاريتكَ المطيعة! نكْ عاهرتكَ! اركبْ مهرتكَ! اجلدني بسوطكَ يا سيدي! أشتهيكَ.. أشتهي أيركَ يمزق جسدي.. نكْ خادمتك! "

انتعظ الجنونُ كله في جسدي، فنهضتُ متحفزاً لافتراسها. وقفتُ خلفها دافعاً جسدها إلى السرير فألقتْ رأسها باستسلامٍ، فاردة ذراعيها في فضاء السرير. مسكتُها من خصرها غارزاً أصابعي في ردفيها المكتنزين. قربتهُ قليلاً من بابِ كهفها الغارقِ بطوفانِ ناره، ثم أولجتهُ قليلاً فشهقتْ وهي ترددُ بتوسلٍ وجنون:

"نكْني.. نكني يا مولاي.. نكني بعنف.. "

تشبثتُ بخصرها بكلتا يدي ساحباً جسدها نحوي بعنفٍ، حتى التصق ردفاها بجسدي وغاب الدلو كله في بئرها المترعة.

صوتُ ملاكٍ مخمور:

" وضّاحُ، اعرضْ عن هذا! "

صوتُ الشيطان:

" حفرةٌ في الفضاءِ

  هو العشقُ

  أو في السريرْ

  قفصٌ للجهاتِ

  فإن طرتَ

  أو غرتَ

  كنتَ الأسيرْ "

صوت الراوي:

" الفتى

  يدخلُ في الحلمِ لكي يصهرَ روحَه

  ويرى في الأزرقِ الورديّ ما كان له

  معشقُ البوذيّ

  والومضُ الذي

  عبرَ النايَ

  لكي يلقى طموحَه

  في رفاتِ النارِ

  أو في الغصنِِ

  ما كان لهُ

  من حماقاتٍ

  ورقصٍ

  فوق ثلجِ الهاوية. "

وقال:

" كرصاصٍ صدئٍ

  ملّ من الترحالِ بين العفنِ المزهرِ بالموتِ

  الفتى

  توّجَ بالنار جموحَه. "

وقال أيضاً:

" لم يكن يدخلُ في الموقدِ كي يدفأَ

  لكنّ نزوحَه

  مغلقٌ

  كالغصنِ منبتّاً

  يرى في النارِ دوحه. "

صوت شاهد عيان:

" الفتى

  في الوهلةِ الأولى

  رأى،

  شمَّ،

  ذاق،َ

  استرقَ السمعَ،

  أزيزٌ خافتٌ

  يعلو

  تضيقُ اللغةُ الأولى

  فينسى

  الفتى البوذيّ بوحَه. "

(جوقة ندّابات)

" الفتى

  في النارِ يصطادُ الملوحَه. "

 (جوقة ندّابات ثانية)

" الفتى (وضّاحُ)

  لم يلقَ وضوحَه. "

(جوقة أطفال)

" أمّ البنين في الطوافْ

  تبحثُ عن شاعرها المليحْ

  تهديهِ شرخاً في جدارٍ

  كي يكونَ له ضريحْ. "

فضاءُ التابوتِ يضيقُ فيختنقُ الهواء. الموتُ يدنو مني، حتى يغدو قابَ قوسين أو أدنى. أصواتُ منكر ونكير والملائكة والشيطان والراوي وجوقة الندابات تخترق مسامعي. الغيرةُ تنهش جسدي وأنا أسمعُ شفاه الحبيبة وهي تمطّقُ متلذذة بالقبلاتِ التي تمطرها شفتا الديوث أميرِ المؤمنين وهما جالسان على التابوت. غيرة؟ أم رغبة بالانتقام تستعر في هذا الجسد؟. جثتي لبوةٌ تختبئ خلفَ أدغال، أسمعُ حركاتها وهي تستعد للنطّ عليّ فأضحك في سرّي، وأفكاري ضباعٌ تحيطُ بي من كلّ جهة تنهشني، فأهربُ.. أهربُ.. وحينما لم أجدْ مهرباً، وتخورُ قوايَ.. أكابرُ واستعدّ للمواجهةِ، ولكني استسلمُ.. استسلمُ دون مقاومةٍ، وعزائي أن لا غالبَ في الحياة ولا مغلوب، وكلّ مَنْ على هذه الأرضِ رقصَ يوماً حول ناره مبتّلاً بظلامِ روحهِ، ثم غدا حكمةً سوداء يجترّها القادمُ الذي سيرقصُ حول ناره.

أسمعُ مراثيَ نفسي، وصوتاً قادماً من قرونٍ قادمة يصرخ بي:

" وضّاحْ

هل ترتقي سلالمَ الصبوةِ؟

أمْ

تهبطُ نحو شرفةِ الحدْسِ؟

تحلبُ ضرعَ الأرضْ

وتملأ الدلاءَ بالمسِّ. "

الطائرُ الأسودُ لايزال يخيمُ على الفضاءِ، وأنا مازلتُ أسيرُ وحدي في الدهليزِ الذي أشرف على نهايته. الضوءُ يقتربُ وأنا أسيرُ نحوه، تدفعني قوةٌ مجهولة، دونما قدمين بل دونما جسد. المتسابقُ الأخيرُ يقتربُ من خيط النهاية. أترددُ، أحاولُ أن أتوقفَ، حتى لو في هذا الظلام المرعب، لكنّ قوةً خارجية كانتْ تركلني، تدفعني نحو البياضِ المجهول. تقولُ أمي إن البقعةَ الزرقاء في أسفلِ ظهرِ الطفلِ هي من أثر ركلةِ الإمام علي عليه السلام، حينما تدعوه الأم في مخاضها، فيحضرُ ليعينها على آلامِ الطلقِ ويركلُ بقدمهِ الكريمةِ الجنينَ ليندفعَ خارجاً من ظلامِ الرحم نحو بياض الحياة. ها أنذا أشعرُ بالقدم ذاتها وهي تركلُ ظهري، تدفعني نحو بياضٍ أجهله.

" لا يا أبا الحسن اتركني أسبح في الظلام. "

" اتركني. "

" أريد موتاً مقنعاً. "

" ليكنْ موتاً جميلاً. "

" شبعتُ ركلاً. "

" انظرْ إلى جسدي ترَ آثار السياطِ والركلات. "

" .............. "

" لا "

صرخَ بي هاتفٌ، ناهراً إياي من التمادي بالإذلال. وكأني استيقظُ من غفلتي. أُنيرَ شيء في بقايا وجودي. انتفضتْ إرادتي واتسعتْ أناي، وكنتُ قد شارفتُ على خط الأفقِ الفاصل ما بين العتمة والبياض، ما بين الدهليز والوادي.

فجأة أنيرتِ الآفاقُ حولي.

" صحوة الموت إذن. "

" لا بأس، سأسيرُ إلى نهايتي بحريتي، دونما ركلةٍ من أحدٍ فقد ولدتُ بركلةٍ وعشتُ حياةً كاملة بين الأقدام. ركلني الأبُ والأخُ والصديقُ والعدو والمرأةُ والحاكمُ والمعلمُ ورجلُ الدين ورجلُ الأمن والورعُ والسافلُ وكلّ من له قدمان جربهما على عجيزتي الضاوية ".

" هذهِ فرصتي الأخيرة لكي أصنعَ لي موتاً مقنعاً طالما أن لا موتَ يليق بي، يليق برجلٍ كرهَ الناسَ والحياةَ وبادلتْه الكره. "

" أتذكر في أقسى لحظات اشتداد جنونكَ الشبقي كنتَ ترفضُ الذهابَ إلى المواخيرِ كما كان يفعل غيركَ، وكنتَ تحتقر العاهرات؟ "

" هذه هي الحياة، عاهرة، لا تستحقُ منكَ أن تتشبثَ بأذيالها، احتقرْها! وكنْ كما أنتَ! "

تقدمتُ نحو نهايتي بجرأةٍ وثبات. وقفتُ عند الأفقِ الفاصلِ ما بين السوادِ والبياض. التفتُّ قليلاً نحو عمقِ الدهليز. كانتْ بي رغبةٌ أن أبصقَ على وجه الظلام الذي صاحبني منذ خروجي من رحم أمي، بل منذ تشكلي الأول. ظلامٌ أنى اتجهتُ، ظلامٌ في الخارجِ وظلام في الداخل، ظلامٌ يفقس خفافيشَ تحلّق في الظلام.

خطوةٌ.. خطوتان.. وثالثة في البياض. بياضٌ شفافٌ كغيمةٍ شفافة . هبوطٌ حرّ كالريشةِ التي رأيتُها تهبطُ من أعلى الفضاء. ها أنا بلا جسدٍ أعومُ في بياض. كفني يتسعُ حتى يصبحَ هو عالمي الواسع اللامحدود، وأنا أهبطُ.. أهبطُ نحو العالم السفلي أو أحلّقُ.. أحلّقُ نحو العالم العلوي. لا فرق.. فقد انتفتْ الجهات، ولم يعدْ للإشارةِ معنى.

أخيراً تنزهتُ عن الجسد وأنا أغرقُ حدّ الانغماس في الموجودات غير المرئية، وتنزهتُ عن الملائكةِ والشياطين وأنا أحلّق بالروح نحو المطلق المجهول. من أنا؟ كيف لي أن أفهم من أكون؟ لا شيء يقبضُ على ماهيتي. أنا حالةٌ حلّقت خارج مدار صيرورتها.. هبطتُ.. هبطتُ بلا زمنٍ أو سرعة، وحينما استقريتُ على اللاشيء شعرتُ باطمئنانٍ لم أشعرْ به في الحياة الدنيا.

" جنة أم جحيم؟ "

سؤالٌ يسأله أهلُ الأرضِ بغباءٍ وخوف. هنا الأشياء لها معنى آخر، هنا الأشياء بلا كتلةٍ ولا تشغل حيزاً.. فراغٌ تملؤه أفكارٌ عن الوجود، بل إن الوجود نفسه ليس إلا فكرة كالعدمِ تماماً أو كالفراغ. كلّ الموجودات تحولتْ إلى أفكار، أفكارٍ محايدة، والأكثر مدعاة للراحة والسكينة إن لا وجود هنا لفكرةِ الموت أو الحياة.

سابحٌ في البياض.

وحدي.

ولكن ....

قال الراوي:

{ حسب ما دوّنه أهلُ الأرض }

(شرعتْ إنانا بارتيادِ طريقِ الجحيم لتبعثَ في تموز الحياة لكي يعود إليها من جديد بتحميمهِ في الينبوعِ المقدس. سمحتْ لها اريشكيغال بالدخول وقالت لها:

ـ أنا أيضاً أندبُ الرجالَ الذين انفصلوا عن زوجاتهم وأندبُ النساءَ اللواتي انتزعن من أحضان أزواجهن.

وعلى الرغم من الشفقةِ التي عبّرتْ عنها هذه الكلمات، لم تستطع اريشكيغال إعفاء أختها من معاناةِ ذلّ العذاب إذ بات على إنانا أن تلجَ، عاريةً، العالم السفلي.

نضا الحارسُ عن الإلاهة ثيابها وجرّدها من حليها ونزعَ النقاب عن كاهلها. لكنّ جمال جسدها العاري أثارَ غيرةَ سيدةِ العالم السفلي اريشكيغال فأصدرتْ حكمها بسجن أختها إنانا في غرفةٍ من غرف قصرها ليذبلَ جمالُها وتذهبَ كلّ الأمراض الممكنة بحسنها وبهائها. أذعنتْ إنانا بدافعِ حبها لتموز راضيةً بجميع هذهِ الأوجاع والآلام.. بيدَ أنّ هذه المصائب لم تنزلْ بها وحدها، إذ توقفتْ كل مظاهر الحياة على الأرض فامتنعَ الإنسانُ والحيوانُ عن التزاوج والاقتران. ما من رجلٍ يطارد الفتياتِ والنساء يضطجعن وحيدات وكل الأفراح الجنسية انطفأتْ.

علمَ الآلهةُ بما يجري فأصابهم الروعُ والهلع من احتمالِ زوال البشرية. ترى من سيتقدم إليهم بالدعاء والعبادة إن وقعَ ذلك؟ ومن ذا الذي سيقدم لهم الأضحيات؟ فسارعوا إلى إصدار أوامرهم لإريشكيغال بإخلاء سبيل أختها، بيد أنّ إلاهة الأرض أبتْ أنْ تغادرَ العالمَ السفلي إلى عالمِ الأحياء إنْ لم يُبعث تموز من بين الأموات ويعود إليها حياً. وكان كما شاءتْ وما أن اتحد الزوجان الإلهيان حتى شرعتِ الأرضُ بالتفتحِ والإزهرار واستعاد الإنسان والحيوان لذةَ التزاوج والجماع واستدركوا باندفاعٍ لا يكلّ ولا يملّ كلّ ألوان الضم والاحتضان التي كانوا قد حُرموا منها حتى ذلك الحين.)

استيقظتُ مرعوبا، وأول فكرةٍ خطرتْ في ذهني هو أني استيقظُ من موتي الطويلِ استعداداً ليوم الحساب، لكني لم أسمعْ نفيرَ إسرافيل ولم أشعرْ بهولِ النشور. لم أسمعْ شيئاً سوى صمتٍ عميقٍ وصوت أنفاسي. فجأةً شعرتُ بحركةٍ حذرة تتسللُ إلى المكان وهمسٍ قربَ سريري. حاولتُ أن أفتح جفنيّ غير أن ضوء الغرفة كان شديداً فأطبقتهما ثانيةً. عاد الظلامُ يغطي كلّ شيء فكأني مازلتُ أسيرُ في عتمةِ الدهليز، غير أنّ هذا الشعورَ تبددَ حينما شعرتُ بالألمِ الشديد في صدري وغثيانٍ يخنقني. تلمستُ يقظتي من تأثيرِ البنج بعد أن حاولتُ رفعَ ذراعي اليسرى فاصطدمتْ بحاملِ المصل. حاولتُ أن أرفعَ رأسي قليلاً، إلا أن كفّاً ناعمةً أعادتْ رأسي على المخدة وقد أطبقتْ بحنوٍ على جبهتي. أخبرتُ الممرضة بالألم فطمأنتني بأنه سيزول حالاً بعد أن تزرقني بمسكنٍ. وفعلاً وبعد بضع ثوانٍ استطعتُ أن أفتح عيني فرأيتُ وجهَ عشتار بابتسامتهِ الحانية يلوحُ من خللِ ضبابٍ أبيض، راحَ ينقشعُ شيئاً فشيئاً كلما اتسعتْ رؤيتي، حتى بدا كبدرٍ ناصعٍ يضيء سماء الغرفة. كانتْ تقفُ إلى الجانبِ الأيمنِ من السرير، وتتطلعُ إليّ بفضول وترقب. انحنتْ على جسدي المسجى حتى كادَ صدرها يلامسُ صدري. قرّبتْ وجهها مني فلامستْ خصلةٌ من شعرها الأشقر وجهي. أغمضتُ عينيّ بانتشاءٍ مغموراً بفيضِ أنفاسها الدافئة، وتلمظتْ شفتايَ اليابستان بوهمِ قبلةٍ ستطبعها بشوقٍ شفتا حبيبتي ومنقذتي من عالم الأموات.

همستْ في أذني:

(من أجلي، من أجلِ فرجي

  من أجلِ الرابية المكوّمة عالياً،

  لي، أنا العذراء، فمنْ يحرثه لي؟

  فرجي، الأرض المروّية، من أجلي

  لي، أنا الملكة، من يضعُ الثورَ هناك؟)

فهمستُ لها بصوتٍ متقطع:

(أيتها الملكةُ العظيمة، الكتّانُ المصقولُ الفاخر،

  عشتار، الكتان المصقول الفاخر)

اقتربتِ الطبيبةُ مني محذرةٍ إيّاي من الكلام وهي تضع يدها بحذرٍ على صدري المغطى بقطعِ الشاش، ممسدةً شعرَ رأسي بيدها الأخرى. تطلعتُ في عينيها الصافيتين فرأيتُ في اخضرارهما عشبَ الأرض وازهرارها. رأيتُ رحلتي في ظلامِ الدهليز وغرقي في البياض. رأيت قيامتي وبعثي.

دفعَ عاملُ المستشفى سريري خارجاً بي من غرفة العمليات تودّعني ابتسامةُ الطبيبة ونظراتُ الممرضات المشفقة، مجتازاً ممرات المستشفى المتشابكة بملابسي البيضاء، كأني عريس أزفُ على عرشٍ تحمله الملائكة. كنتُ أنظرُ إلى السقفِ كأنه سماء صافيةٌ، وأنا أصعد في معراجِ نشوتي فرحاً بنجاح العملية، وكان صوتُ عشتار يرنّ في أذني بموسيقاه العذبة:

(تعال يا جلجامش وكنْ عريسي

  هبْني ثمارَك هديةً

  كنْ زوجاً لي وأنا زوجاً لك

  سآمر لكَ بعربةٍ من لازوردٍ وذهب.)

أوقفَ عاملُ المستشفى السريرَ المتحركَ في ركنِ الصالةِ الصغيرةِ عند نافذةٍ كبيرة تطلّ على حديقةٍ واسعة، ثم انحنى عليّ ماسكاً كتفيَّ بقبضتيه القويتين، مهنئاً إيّاي على سلامتي ونجاح العملية ثم غادرَ الغرفة بخطواتٍ خفيفة.

غرفةٌ كبيرة أو صالةٌ صغيرة تضم ستة أسرّةٍ، يرقد على أربعةٍ منها شيوخٌ بوجوهٍ شاحبةٍ، كأنهم عائدون من رحلةِ موتٍ طويلة، أما السرير المقابل لسريري فقد كان فارغاً، ربما كان بالأمسِ يشغله شيخٌ غادر إلى العالم الأسفل ولم يجد عشتاراً تنقذه، أو ربما هو بانتظارِ قادمٍ سيشغله مؤقتاً قبل العبور إلى الضفة الأخرى.

تطلعتُ إلى الحديقة فرأيتُ الأرضَ تحتفلُ بقيامةِ ربيعها حيث كان الوقت منتصف شهر نيسان، والبراعم بدأتْ تتفتقُ بحركةٍ ملحوظة عن ورقاتٍ صافية الخضرة، وانتشرتْ على ثيّلِ الحديقة أزهارٌ بيضٌ وصفرٌ صغيرة. رحتُ أتابعُ بشوقٍ، وعينايَ تحاولان جمْعَ المشهدِ كله في نقطة واحدة، أيةَ حركةٍ في الخارجِ من سقوطِ قطرة مطرٍ عن ورقةٍ صغيرة حتى حركةِ غزالة راكضة في مرجٍ أخضر، أراها تعبرُ لوحةَ الأفق، أو شراع من نورٍ يقاومُ عتمةَ بحرٍ هائج، وأصغي بعمقٍ إلى صمتي وإلى موسيقى قادمة من أقاصٍ قريبةٍ، يحملها حفيفُ جناحِ عصفورٍ، يحاولُ الوقوفَ على غصنٍ طريّ، فيخفقُ قلبي الخارجُ من مرحلةِ الإنعاش مع حركةِ جناحيه وهو يتشبثُ بالغصن. شعرتُ ببهجةٍ نادرةٍ كأني أولدُ من جديد، فرحتُ أعيدُ شريطَ حياتي، وكأني أرممُ الابتساماتِ التي خذلها الفرحُ أو الحبّ يوماً، حتى غفوتُ .

في اليوم التالي زارتني الطبيبةُ إستا. وقفتْ عند قدميّ وهي تطلّ على قامتي الممتدة على السرير. حدّقتْ في عينيّ فارتعشتْ أوراقُ روحي الخضراء بنسيمِ صباحٍ داعبها بحنوٍ. لمحتُ في عينيها سرّاً يتململُ وكلاماً يتعثر بين عنقها والشفتين فترتعشان دونما صوت. اقتربتْ مني فحاولتُ النهوض احتراماً أو عرفاناً بالجميل أو ربما حبّاً، إلا أنها أسرعتْ نحوي واضعةً يدها على صدري برفقٍ، محذرةً إيّاي من الحركةِ العنيفة بلغةِ أمرٍ لا تخلو من ودّ أو شفقة. وضعتْ السمّاعة على موضعِ القلب ماسكةً رسغي لتقيسَ النبضَ وهي تتطلع إلي بعينين جريئتين. امتدتْ أصابعُ كفّي نحو كفها بحركةٍ خجولة، فأطبقتْ جفنيها وسرتْ حركةُ النبض واضحةً في وريد عنقها البضّ، بالعةً ريقها بصعوبةٍ، محركة لسانها بين شفتيها بحركة دائرية، لكنها سرعان ما تداركتْ الأمرَ فسحبتْ يدها وتطلعتْ إلي بجدّ وبنظرةِ تأنيبٍ مفتعلة، هازة رأسها بحركة توحي بالثقة. سحبتْ كرسياً صغيراً وجلستْ إلى يميني صامتة، وهي تبحث عن مفرداتٍ مُبّسطة كي توصلَ لي فكرة ما، فبادرتها بسؤالٍ حاولتُ أن أصيغه بلغةٍ دنماركية عالية:

" هل أستطيع الآن القولَ بأني قد تخطيتُ مرحلةَ الخطر؟ "

" نعم. "

أجابتْ، وقد ظهرَ على وجهها زهو وفرحُ مَنْ تخلصَ من مأزقِ اللغة، فقد أدركتْ أنني أجيد اللغة الدنماركية. أنزلتْ يديها التي كانتْ تشير بهما بحركاتٍ توضيحية لتوصيلِ الفكرة وراحتْ تتحدثُ معي بندّيةٍ وبطلاقةٍ طبيعية، مُطمئنةً إيّاي بثقةٍ بأني قد تخطيتُ مرحلةَ الخطر، وستتحسن صحتي كثيراً في الأيام القليلة القادمة. توقفتْ قليلاً ثم قالتْ كأنها تبوح لي بسرّ أو تخبرني بأمرٍ سارّ:

" أتعلم.. أن قلبكَ قد توقفَ أثناء العملية لبضع دقائق.. وقد استعملنا الصفائح الكهربائية مراتٍ عدة لإنعاشه؟ "

توقفتْ وهي تحدقُ في عينيّ لتعرفَ ردةَ فعلي وهي تخبرني بموتي وبعثي، غير أنها فوجئتْ وارتسمَ على وجهها قلق واستغراب، حينما أخبرتُها بثقةٍ:

" أعرفُ. "

ثم أردفتُ بثقةٍ أكبر:

" شعرتُ بذلك. "

تطلعتْ بشفقةٍ إلى هذا الغريبِ المجنون الذي لا يكفّ عن ثرثرتهِ. تحركتْ يداها حركاتٍ قلقة توحي بالارتباك. حاولتْ تغييرَ الموضوعِ فتطلعتُ إليها بصرامةٍ زادتْ من ارتباكها، ثم رحتُ أقصّ عليها رحلتي في ظلامِ الدهليز وسباحتي في الفضاء الأبيض. وحينما وجدتُها مصغيةً إليّ باهتمام، أضفتُ ببراعةِ الساردِ المتمرسِ حكايةَ الريشةِ البيضاء ونزولها من أقصى الفضاء إلى أعماق الأرض والطائر الذي غطى الفضاء. ظهرتْ على وجهها علاماتُ حيرةٍ، غير أنّ طريقة كلامي وثقتي لم تترك لها مجالاً للشكّ فاستسلمتْ ليقيني، بل كانتْ ملامحُ وجهها التي تتغير وفقاً لمسارِ الحكاية وانفعال الراوي، تغريني للاستفاضةِ بذكرِ التفاصيل الدقيقة، وكانت تصغي إلي بفضول. برقتْ في عينيها دموع توشك أن تقفز خارجَ عينيها، وارتفعَ صوتُ شهيقها متقطعاً. حاولتْ أن تبدي أمامي صلابة إلا أنها لم تفلح فقد كنتُ أسردُ عليها القصة بحبكةٍ وإتقانٍ لم أصدق أنا نفسي كيف كانتْ تخرجً الكلمات متراصةً لترسمَ مشاهدَ الرحلةِ فتكتملُ حكايةَ موتي وبعثي، حتى شعرتُ لانقيادها واستسلامها ليقيني بأنها أدركتْ بأني لم أكن في غيبوبةٍ أو في حالةِ هذيانٍ حينما كنت أردد اسم عشتار، فأنا قادم فعلاً من أسطورةٍ، أو أحمل في داخلي روحَ أسلافٍ من زمن غابر. أفلتتْ دمعتان من أسر رموشها وسالتا على خديها دون أن تشعر. امتدتْ يدها دون سابق رغبةٍ متشبثة بذراعي. شعرتُ ببللٍ يغطي راحة كفها، ضغطتُ كفّها بكفي فارتختْ حتى كأنها توشكُ أن تذوبَ بين أصابعي. تلفتتْ حولها بحذرٍ، وحينما اطمأنتْ إلى الشيوخ الأربعة وهم يغطون في موتهم، نهضتْ من الكرسي دون أن تسحبَ يديها وجلستْ على حافة سريري. سحبتُ يديها نحوي فمدتهما دون ممانعة. قرّبتُ كفّيها من شفتيّ ببطءٍ وهي تنظر إلي مستسلمةً والنبض في وريد عنقها البض يزداد وضوحاً. طبعتُ قبلةً على أطرافِ أصابعها وأنا أنظر إلى عينيها بجرأةٍ أربكتها. انحنتْ عليّ وهي تمطّ شفتيها مسبلةً جفنيها بانتشاءٍ، فخرجتْ مني كلمات دون وعي:

" عشتار.. حبيبتي. "

جفلتْ كأنها تستيقظُ من نومٍ عميق. سحبتْ كفيها وسألتني:

" ماذا قلت؟ "

فأجبتُها وأنا مغمض العينين:

" أيتها الملكة العظيمة، الكتان المصقول الفاخر

  عشتار، الكتان المصقول الفاخر. "

هبّتْ واقفةً بكبرياء كأنها تذكرتْ أمراً هاماً. تطلعتْ إلي بنظراتٍ مستفَزةً ثم غادرتِ الغرفةَ ويداها تعدلُ خصلاتِ شعرها وتتلمسُ أزرار صدريتها البيضاء كي تتأكدَ من إحكامها. ودون أن تلتفت نحوي غادرتْ الغرفة مسرعة.

ليلُ المستشفى غريبٌ، فهو يتسعُ لكلّ ما يأتي به الليل. فعلى الرغم من شعوري بأن صحتي بدأت تتحسنُ بشكلٍ واضح، وأنني أشعرُ بأمانٍ، حيث هنا العنايةُ فائقة وبإمكانهم تسكين الألم إنْ هو هاجمني بطرقٍ كثيرة، لكنّ ليلَ المستشفى غريب، ربما لأنه يتسعُ لكل ما يأتي به الليل. صمتٌ مخيف.. بياضٌ ينشرُ العتمةَ في النفس، ونزلاء يتحركون كأنهم دمى مشحونة ببطاريات توشك على النفاد. حينما تتطلع في وجهِ النزيل الذي يجلس على سريرهِ المقابل لسريركَ، ترى وجهاً شاحباً يحمل على أهدابه تراب القبر، يطلّ من المرآة، يذكّرك بأنك ماضٍ نحو نهايتك. الموتُ يطلّ من الجدران، من عيون النزلاء، من تحية الزائرين المفتعلة، من ابتساماتِ الممرضات الرخيصة وحركاتهن التي تمثّل الاهتمام الزائد كأنك محكوم بالإعدام في ليلته الأخيرة. لا فرق بين المستشفى والمقبرة سوى خطّ رفيعٍ فاصل بين عالمين ربما يستغرق عبوره دقائقَ أو ثوانيَ.

تطلعتُ من النافذة فلاحتْ لي المدينة بأضوائها الصاخبة كأنها عالمٌ مطمورٌ في الذاكرة، عالم ينامُ غافلاً عمّا يأتي به الليل. قبل مجيء الليل كان مزاجي رائقاً حتى أني نسيتُ الموتَ والغربةَ، ولم تعد ذكرياتي سوى سطورٍ في كتابٍ مهملٍ أقرأها بنشوةٍ وزهوِ الخارجِ من المأساةِ ببسالةِ مقاتل، حتى حسبتُ أنني بعد نجاح العملية قد ولدتُ من جديد وسأكون خالداً، حيث ما من موتٍ يليقُ بي أو يقنعني.

" ولكن الغربة.. كالجرحِ، يزولُ ألمُه لكن يبقى الأثر وشماً في الروح يذكّركَ بماضٍ ليس بمقدوركَ أن تغفل عنه أو تتناساه. "

قبل العملية سألتني إحدى الممرضات وهي تملأ الاستمارة الخاصة بي عن رقم تلفونٍ لقريبٍ أو صديق يمكن إخباره إن حدث لي مكروه. صفنتُ بوجهها مثل أبله، وقلتُ بصوت منكسرٍ يفتعل الشجاعة أو اللامبالاة:

" لا أعرف أحداً. "

تطلعتْ إلي بنظراتٍ أشدّ بلاهةٍ من نظراتي وهي تدعوني لأن أشحذ ذاكرتي عسى أن أجد فيها صديقاً يتحمل مسؤولية سماع خبرِ موتِ شخصٍ لا يعنيه أمره. هي لا يعنيها موتي أو جثتي بقدر ما يعنيها ملء فراغٍ في استمارة، فقد اعتادتْ بحكمِ وظيفتها أن تسجلَ أسماءَ أشخاصٍ يمكثون هنا ثم يرحلون، ولا يهمها الجهة التي يرحلون إليها. هي ورطة لها أن يبقى في الاستمارة حقلٌ صغير شاغراً، وهي لا تعرفُ بالتأكيد أنّ هذا لا يعني شيئاً في حياة رجلٍ جاء من الفراغِ وعاش في فراغٍ كحشرةٍ غريبةٍ محشورة في قنينة صغيرة على رفّ مختبر عالمِ أحياء. وحينما طال انتظارها ونظراتها المشفقة تعرّي حياتي المغطاة بألف حجاب أسود، أغمضتُ عيني مفتعلاً حالةَ التذكر، ثم انطلقتْ من فمي ثمانية أرقام واسم صديق مجهول. سجلتْهُ في الاستمارة ولاح في عينيها فرحٌ أعرفه، أعني سمعتُ عنه كثيراً من الأصدقاء عاشوا تجربة الحرب، فرحُ جندي قادمٍ من جبهةِ القتال بمأموريةِ تسليم جثة رفيقهِ القتيل إلى ذويه. ألقى الجنازة عند باب دارهم وانطلق هارباً لا يتجرأ على الالتفات .

" الوحدة. "

لا أحد يجيءُ سوى ما يجسده الوهمُ على النافذة، طيراً يأتي من آخر العصف يرى ذبالة فانوسي فيرخي حزنه أو خفاشاً لم يجد أنيساً سواي، بوماً لم تجد سوى خرائبي وأطلالي، صمتاً حائراً، أنيناً قادماً من أعماق سحيقة، طنينَ ذبابٍ يتراكم على جثةٍ منسية في الأرض الحرام، أو أزيز رصاصاتٍ تمرقُ من أعلى الرأس قليلاً، أو طائرةً حربية تخترقُ جدار الصوت، تدنو من النافذة، طيّارها الخائف لم يستطع اقتناص الهدفَ، عاد بحمولتهِ فلم يجدْ في طريقِ عودتهِ سوى قرية نائمةٍ بغفلة أهداها بسالةَ جبنهِ، انفجارات مدوية وصوت أذان يرفعه شيخ خائف أو نعسان.

استيقظتُ من سرحاني مردداً بألمٍ وحسرة:

" أيها الماضي، يا ابن الكلب.. لماذا تطاردني حتى لحظاتِ عمري الأخيرة؟ "

" لمَ الخوف؟ "

" الماضي ليس زماناً يا غافل. "

" حسناً، ها أني أقيم في الدنمارك. "

" أعني أنني أبعد آلاف الأميال عن موتي. "

" فلمَ الخوف؟ "

" الوحدة. "

" نمْ! "

ثلاثة أيام مرتْ، لم يزرني أحد سوى الطبيبة التي صارتْ تعاملني بجفاءٍ واضح لا أعرف له سبباً. تدخلُ صباحاً الغرفة. تقفُ إلى يمينِ سريري. تسألني بترفعٍ عن صحتي. تضعُ سمّاعةَ الفحصِ على موضع القلب. تهزّ رأسها ثم تغادر الغرفة.

في صباحِ اليوم الرابع زارني حميد. وقفَ عند قدميّ وهو يتطلعُ إليّ بوجههِ المتجهم وعينيه الزائغتين، تثيران الريبة. ودون أن ينطقَ بكلمةٍ سحبَ بحذرٍ كرسياً وجلس إلى يميني. افتعلتُ نوماً عميقاً بينما كنتُ أشعرُ بنظراتهِ تخترق جسدي، تغور في أحلامي. لم أستطعْ مقاومتها ففتحتُ عيني ببطءٍ مفتعلاً اليقظة فالتقتْ نظراتنا الباردة. لحظاتُ صمتٍ ثقيلة كانت تمرّ بيننا وكلّ منّا ينتظر أن يبدأ غريمُهُ بالحديثِ أو السؤال.

" أنتَ!؟ "

" ما الذي جاء به؟ "

تساءلتُ مع نفسي، فأنا والحق أقول ما كرهتُ شخصاً بقدرِ ما كرهتُ هذا الغامض المنطوي على سرّ يعذبني. إنه يثير في نفسي الحنق حتى عندما أراه يبتسمُ لي أو يجاملني بكلماتٍ أعرف أنه يفتعلها كي يبرّئ نفسه من تهمةٍ تلاحقه أو تأنيب ضمير ينخره.

" ولكن، ما الذي دفعه لزيارتي؟ "

" شماتة ليس إلا. "

تطلعتُ إليه متحفزاً لما سيبدر منه ضدي إلا أن ابتسامةً لاحتْ على شفتيهِ، ابتسامة غامضة لا أستطيع تأويلها إنْ كانتْ شفقةً أو شماتةً أو اعتذاراً.

" إشلونك؟ "

قالها وهو يكابدُ صراعاً في داخله، أو كأنه يلقي عن كاهلهِ حملاً ثقيلاً. أجبتُه بهزةٍ من رأسي فانفرجت شفتاه بابتسامةٍ خبيثة كأنه يرد على تجاهلي له بطريقة يدركُ أنها تغيظني، ثم عاد كلّ منا إلى صمته وكأن كلاً منّا يغورُ في صمتِ صاحبهِ، يختبرُ نواياه متحفزاً لردةِ فعله.

دخلتِ الطبيبةُ تتبعها ممرضة. ألقتا نظرةً سريعةً على نزلاءِ الغرفة، ثم توقفتا عند سريري. ابتسمتْ بتكلفٍ واضح. وضعتِ السماعة على موضعِ قلبي دون أن تتطلعَ إلي وأمسكتْ رسغي بيدٍ باردة كقطعةِ جليدٍ فسرتْ برودة في جسدي. أغمضتُ عينيّ مفتعلاً حزناً وكبرياءً أدافع بها عن التجاهل المتعمد الذي كانت تبديه إستا نحوي. لم تنتبه لوجودِ الزائرِ الجالس إلى يميني، والذي كانتْ نظراته المهووسةُ تخترق جسدها كنسرٍ يتحين الفرصةَ للانقضاضِ على فريسته، متركزةً على موضع نهديها المتدليين أمامها وهي تنحني على جسدي. انتهتِ الطبيبة من فحصي معطيةً إرشاداتها إلى الممرضة التي تقف خلفها، وقبل أن تغادر الغرفةَ وقعتْ نظرةٌ منها على الزائر فتوقفتْ وقد انفرجتْ أساريرُ وجهها. تقدمتْ نحوه مادةً يدها وهي تردد اسمه بلهفةٍ واضحة. نهضَ حميد من كرسيهِ بحركةٍ تفتعلُ اللباقةَ والكبرياء فاتحاً ذراعيه فارتمتْ بينهما بعناقٍ حميمي. أغمضتُ عيني كيلا أرى المشهدَ، إلا أن ذلك لا يعني أنني أستطيع إلغاءه، فها أنا أراهما أمامي بعينِ الحقيقة لا الوهم وهما في عناقٍ ساخن وإن بدا كعناقِ أصدقاء. خرجا من الغرفة وقد وضعَ كفّه على كتفها بينما تشبثتْ هي بخصره دون أن يلتفتا نحوي. كنتُ أسمعُ صوتيهما وهما يتهامسان في الممر، وترتفعُ بين لحظةٍ وأخرى ضحكةٌ مفتعلة يحاولان إطالتها لتعذيبي. عادا ووقفا عند باب الغرفة، تعانقا مرةً ثانية وتعاهدا على اللقاء علانية. دخلَ حميد الغرفةَ بوجهٍ تطفح منه نشوة انتصارٍ، انتصار مراهق على أقرانه بفوزهِ بصبيّةٍ عصيةٍ على الترويض. توقفَ عند سريري ودون أن ينطق بكلمةٍ أخرجَ من حقيبته الصغيرة كتاباً، وضعه على الطاولة الصغيرة ثم خرج من الغرفة رافعاً يده مودعاً بطريقةِ ممثل فاشل. لم أرد على تحيته بسوى نظرة احتقارٍ كسهمٍ مكسورٍ هو آخر ما تبقى في كنانتي المهترئة. بعد أن تأكدتُ من انصرافهِ امتدتْ يدي نحو الكتاب الذي فرحتُ به وإن لم أبدِ ذلك أمام حميد. قرأتُ العنوان الذي خُطّ بلونٍ أحمر غامق:

" أخبار النساء / ابن قيم الجوزية "

صدقَ حدْسي، فهذا الرجل الذي يدّعي صداقته وحبه لي لم يأتِ لزيارتي إلا لكي يتشفى بي، ويشمتُ، فهو لا يكفّ عن مناكدتي منذ سنوات المدرسة الإبتدائية بل ربما منذ الولادة، والأمرُ الذي يحزّ في نفسي أنه قد قرأ ما أحاولُ أن أخفيه، وراحَ يضغطُ على موضعِ الجرح بقسوةٍ يظنها مودة.

تطلعتُ عبر النافذةِ إلى المدينة الضاجةِ بحركةِ السيارات والناس الأصحاء، يسيرون نحو غاياتٍ حتى لو كانوا قد خلقوا اتجاهاتها بأنفسهم أو أنهم مدفوعون إليها قسراً. أصغي إلى حركة أقدام الممرضات والمرضى في الممر. كنتُ أتخيلُ صوتَ حميد يترددُ صداه في أذني ساخراً بقسوةٍ تنخرني:

" هه.. أيها المجنون.. إستا هذه طبيبة ترسمُ البسمةَ على وجهها لكل مريضٍ كجزءٍ من وظيفتها، أستا التي سميتها عشتار، قالباً اللغة من أجلِ أن تحتفظ بماء وهمك. "

" ..................... "

" ألم تخجلْ من كذبةٍ تخلقها من العدم وتصدقها؟ "

" .................... "

" أيها المجنون ... "

" أخرسْ "

صرختُ بوجهِ الصوتِ الذي يخترق جدارَ أذني. قلبتُ جسدي بصعوبةٍ نحو جهة اليمين فرأيتُ الكتاب. فتحتهُ على إحدى الصفحات ورحتُ أقرأ محاولاً أن أنسى الغيرةَ التي شعرتُ بها وأنا أرى حميد وهو يختطفُ مني وللمرة الثانية حبيبتي، وأقف عاجزاً عن فعل شيء:

" وقعَ بين امرأةٍ وزوجها شرّ فجعلَ يكثرُ عليها بالجماع، قالتْ له: أبعدكَ الله! كلما وقعَ بيننا شرّ جئتني بشفيعٍ لا أطيق رده. "

ضحكتُ بصوت عالٍ فانتبه إليّ النزيلُ أمامي فتشاغلتُ عنه بالقراءة:

" جاء رجلٌ إلى علي رضي الله عنه فقال له: إن لي امرأة كلما غشيتها تقول قتلتني فقال: اقتلها وعليّ إثمها. "

انطلقتْ ضحكة مني لم استطعْ صكّ أسناني عليها فانفلتتْ مجلجلةً بعهر. دخلتْ على أثرها ممرضة مسرعة إلى الغرفة وهي تنظر في وجوه النزلاء لتعرف أينا أطلق هذا الصراخ المفاجئ. غطيتُ وجهي بالكتاب متجاهلاً نظراتها المتسائلة. تبادلتْ النظرات مع نزلاء الغرفة الذين أشاروا إليها نحوي بنظراتٍ وشاية أخجلتني. وحينما غادرتِ الغرفة أطبقتُ الكتاب دون النظر إلى وجوه النزلاء التي راحت تتهامس بينها مشيرة إلي بإشارات غامضة، وغفوتُ .

في صباح اليوم السادس جاءت الطبيبة كعادتها. ألقتْ نظرةً سريعةً إلى النزلاء الآخرين ثم توقفت عند سريري. أجرتِ الفحصَ المعتاد. رفعتْ الضماد عن صدري. نظفتْ الجرح ثم وضعتْ قطعة ضماد جديدة. جلستْ على الكرسي إلى يميني. مسكتْ كفّي بين كفيها الناعمتين فاستسلمتْ كفي عاقلةً وكأن إرادتي كلها تركزتْ عند كفي التي عاندتُ نزقها فتصلبتْ . شعرتْ إستا بذلك فراحتْ تمسّد كفي بيدين حانيتين من الرسغ حتى أطراف الأصابع وهي تنقل نظراتها بين أناملي وعيني. أخبرتني بأن بإمكاني غداً مغادرة المستشفى. توقفتْ قليلاً وهي تحاولُ معرفةَ ردة فعلي، وحينما لم تجدْ غير اللامبالاة سألتني:

" ألستَ سعيداً بأنكَ قد شفيتَ وستغادر إلى بيتكم؟"

كدتُ أجيبها بـ " لا " لولا أني تذكرتُ كبريائي، فهززتُ رأسي دون أن أنظرَ إليها، وأنا أرددُ بنبرةٍ هادئة وربما حزينة:

" أكيد.. نعم أكيد.. "

وضعتْ إستا يدها على كتفي وهي تنهض ثم تسللتْ بهدوء، لكنها وقبل أن تخرج من الغرفة عادتْ. اقتربتْ مني ثانية. أحنتْ رأسها حتى لامستْ خصلةٌ من شعرها الأشقر وجهي فأغمضتُ عيني بنشوةٍ وأنا أتنشق عطرَ شعرها الناشز عن روائح المستشفى، بل عن روائح الطبيعة كلها. قالتْ:

" سأتركُ لكَ رقمَ تلفوني الخاص. اتصلْ بي متى تشاء. "

شكرتها بفرحٍ طفولي وهممتُ بقول شيء لا أدري ما هو، غير أنّ حاستها الأنثوية قد استيقظتْ في لحظة أحوج ما أكون إلى سباتها العميق. تداركتِ الأمر أو ربما ما اعتقدته سوء ظن أو شطحة وهمٍ فقالتْ:

" أعني، اتصل بي حينما تشعر بألمٍ أو بحاجة إلى استشارة. "

ثم غادرت الغرفة دون أن تلتفت.

" إستا.. عشتار.. حواء.. لعنة.. لا فرق.. لقد أوشكتِ الحكايةُ أن تنتهي كمَنْ ينامُ في صالة السينما ويستيقظُ على موسيقى الختام. "

رددتُ مع نفسي بحزنِ منْ لا يعرف ماذا يريد وتذكرتُ مقولةَ حميد ،عدوي اللدود حينما كنتُ أحكي له عن أمانيَّ وأوهامي بصدقِ نيّةٍ، فكان يرددُ أمامي بسخريةٍ، يعرف أنها تغيظني وبفذلكةِ بطرٍ أمقتها:

" أمنية النحاس الذهبية. "

لم أستطع النوم ظهراً كعادتي فخرجتُ إلى شرفة المستشفى. جلستُ على كرسي في مواجهةِ شمسِ نيسان التي بدأت تميل إلى الدفء قليلاً. عدتُ إلى لعبتي الأثيرة حينما أريدُ قتلَ الوقت، فرحتُ أعد خساراتي بخرزِ المسبحة، مضيفاً إليها خسارتي الجديدة فازداد شوقي لتدخين سيجارةٍ غير أن إصبع التهديد ارتفعتْ بوجهي محذرة .

" سيجارة واحدة. "

أسمعُ صوت صفعة الأب فأتلمس خدي.

" سيجارة. "

تهوي عصا المعلم على ظهري.

" سيجارة. "

ترتفع سبابة الطبيب بوجهي.

ثم يأتي صوت الجلاد:

" ماذا ترغب قبل الصعود إلى المشنقة؟ "

" سيجارة. "

" أعطوه سيجارة! "

يقول الضابط بنفورٍ. يقدّم أحدهم إليّ باحترام وشفقة سيجارة قصيرة، يتكرمُ ويشعلها، أجلس القرفصاء وأمتصها بحسرةٍ عميقة والوجوه التي تحيطُ بي تنظرُ إلى الدخان المتطاير من أعماقي وأنا أدخن بتمهلٍ كي أكسبَ ثواني أخرى في هذه الحياة الضنينة، وأرى الملل في الوجوه التي تريدني طيعاً كي تنجزَ مهمتها بسرعة لترتاح من وجودي غير المجدي.

هذا الليلُ آخر ليلٍ سأقضيه في المستشفى وغداً سأعود إلى شقتي، إلى عزلتي الفاتنة، إلى نورسي العريس، وإلى قطتي الخائنة التي فضلّتِ الموتَ متجمدةً في ثلج شباط على نعمة الدفء والطعام الجاهز، حينما تركتني وهربتْ مع صوتِ أول هرّ ارتفعَ نداؤه قرب ناقذتي. لن أحقدَ عليها، ولن أحقدَ على نورسي، فلكلٍ منّا قدره، ولكلّ عشتاره إلا أنا فعشتاري لم تأتِ إلا لكي توقظَ الحياة فيّ ثم تتركني في برزخٍ بين الحياة والموت.

الوقتُ يمرّ بطيئاً، فأنا وعلى الرغم من شعوري بالراحةِ والأمان في المستشفى وخوفي من الوحدة التي ستستقبلني غداً بالحفاوة، حفاوة عاشقةٍ لعشيقها وستفتح لي ذراعيها لتخنقني بشوقها إلي، لكني لا أطيق الانتظار، فبعدَ أن أخبرتني الطبيبة بأني سأغادر المستشفى غداً فقدَ الوقت جدواه وصرتُ أستعجل الخروج من الجنة المؤقتة.

عدتُ إلى سريري ورحتُ أقرأ قي (أخبار النساء)، وأرحلُ في البياض والسواد بغفواتٍ سريعة تختزلُ الماضي بكابوسٍ خانق، أو حلم سريع يتسربُ من بين أصابع الوقت.

فتحتُ عيني فوجدتُ إستا تجلسُ عند حافة السرير، تنظر إليّ بفضول كأنها تنتظر مني أن أبوحَ لها بما أفكرُ فيه الآن أو بما مرّ بي في غفوتي. وحينما لم نجدْ ما نبدأ به حديثنا، اقتربتْ مني بترددٍ حذرٍ وهي تمسكُ موضع النبضَ في رسغي حتى توسطتْ السرير فلامستْ عجيزتها منتصف جسدي. تحركتْ يدي نحو جسدها إلا أنني ألجمتها بكبرياء وعفّة. انقلبتُ على جهةِ اليمين حتى لامسَ وتدُ الشهوة أرضها الرخوة. دبّتِ الروح فيه فتحرك بخجلٍ بين ردفيها. لم تبدِ اعتراضاً بل إنها رفعتْ عنقها لاحسة شفتها السفلى بطرف لسانها، وحينما شعرتْ بحركةِ تمددهِ، تلوّتْ بحركةٍ بطيئة دافعةً جسدها إلى الخلف، ثم امتدتْ يدها بحذرٍ نحو فخذي متسلقة نحو الأعلى. وضعتْ كفها عليه وراحت تمسده بحنو ورقّةٍ وهي تتطلع إليّ بعينين محتالتين. أدخلتْ كفها تحت البيجامة واقتنصته بقبضةٍ واثقة. دعكتُه بقوةٍ وهي تتلفتْ حولها حذرة من يقظةِ النزلاء أو حركةِ الممرضات في الممر. اشتدّ انتصابُه وتصلّب بين أصابعها. أغمضتْ عينيها عاضّةً شفتها السفلى وارتفع صوت زفيرها. أخرجتُه وهي تتأوه دون أن تنظر إليه. صمتٌ مطبق حتى كأن كل مَن في المستشفى يغطّ في موته سوى عاشقين يعيدان الخليقة ببعثها بعد موتٍ طويل.

طلٌّ ربيعي ينثّ على أرضي.. تتبرعمُ الشهوةُ.. تزهرُ.. حتى تغدوَ حديقةً من زهور عبّاد الجمر.. تدورُ باتجاه شمسِ رغبتي.

 (عندما رفعَ الأبُ أنكي عينيهِ على نهر الفرات،

  وقفَ بخيلاء كالثورِ الهائج،

  رفعَ قضيبه، وقذفَ المني،

  فملأ دجلةَ بالماءِ الرقراق،

  استسلمَ له دجلة كما لثور هائج

  رفعَ قضيبه، ومعه هدية الزفاف،

  جاءَ بالفرحِ إلى دجلة مثل ثورٍ بري كبير عند الإخصاب

  الماءُ الذي جاء به ماء رقراق، نبيذهُ حلو المذاق،

  الحبوبُ التي جاء بها، حبوبه الغنية، يأكلها الناس)

أحطتُ خصرها بذراعي وضغطتُ جسدي على عجيزتها، فرفعتْ جسدها قليلاً، مستندةً بيديها على مسند الكرسي الذي إلى يميني، وراحتْ تحكّ فرجها بقضيبي. شعرتُ ببللِ شهوته فزاد هياجي. حاولتُ النهوض فشعرتُ بألم في صدري. أدركتْ ذلك فدفعتني بتروٍ حتى استقرّ رأسي على المخدةِ ثانية. غيّرتْ جلستها ودارتْ نحوي ربع دورة. تطلعتْ إلي بعينين تمطران الشهوة شرراً. فتحتْ زراً من أزرار صدريتها البيضاء فظهر أعلى نهديها البضين ووادٍ مرمري يتدلى في عمقهِ صليبٌ ذهبي. قوّستْ صدرها قليلاً، شابكة ذراعيها ببعضهما فضاق الوادي وارتفع الصليب. امتدتْ يدي بجرأةٍ، وقبل أن تصلَ إلى صدرها صدّتها وراحتْ تفتحُ زراً ثانياً وهي تنظر إلي بنظرةٍ قاسيةٍ لا تخلو من حقدٍ مستفزّ. فتحتْ أزرارَ صدريتها ببطء وأنا أتطلع إليها بنهمٍ عاجزاً عن أخذ زمام المبادرة، أعني الافتراس الذي يليق بفحولة نسرّ جائعٍ، ضاقَ به الفضاء. مدّتْ يديها نحو ظهرها لتفتح حمالة النهدين السوداء فسقطتْ على السرير. اندلق نهدان صلبان بحلمتين منتعظتين وهالتين بنيتين، وقد انتفختْ عليهما حبيبات التهيج، يتدلى بينهما صليب، تركزتْ أنظاري عليه فازددتُ هياجاً. تقوستْ على جسدي مقربةَ رأسها من رأسي. مسكتُ وجهها من تحت الأذنين بكفيّ، مردداً بغيبوبةِ منْ شارفَ على الإغماء:

" أيتها الملكةُ العظيمة، الكتّان المصقولُ الفاخر

  عشتارُ، الكتّان المصقول الفاخر. "

وقبل أن ألتهم شفتيها رفعتْ رأسها مقربةً صدرها من وجهي، وهي ترددُ بصيغةِ أمر:

" قبّلِ الصليب! "

فامتثلتُ خائفاً من شيء لا أعرفه. قبّلتُ الصليبَ بخشوعٍ دافناً رأسي بين نهديها. أغمضتُ عيني بشهوةٍ فشممتُ رائحةً أليفة جداً. رائحة قريبة من نفسي. في البدء حاولتُ أن أتجاهلها إلا أنها ازدادت عبقاً في أنفي وطغتْ على كلّ رائحة. رائحة كنتُ أحسبُ أني قد نسيتها، وها إنها تملأ جسدي، تستيقظ في روحي، أتذكرها جيداً بل إني لم أنسها يوماً. إنها رائحة فوطة أمي التي كنتُ أستطيع تمييزها من روائح عشراتِ الفوطات التي كانت ترتديها نسوة أخريات. هي ليست رائحة مسكٍ أو (خضيرة) ممزوجةً بالعرق، بل إنها رائحة خاصة، أشمها، أراها، أسمعها، أتذوقها وأتلمسها بيقينِ حواسي كلها. دفعتُ جسد إستا قليلاً وتطلعتُ إليها بخوفٍ فنظرتْ إلي وهي تردد:

" أوووه يا صغيري. "

سقطتْ كفاي عن وجهها، فانتبهتْ إلى ترددي وبرودتي فافتعلتْ زفيراً وتأوهاتٍ يمتزجُ فيها الشوقُ بالعهر. تطلعتْ إليّ بصرامةٍ أو كراهيةٍ، بعد أن رأتْ غصني وقد بدأ بالانكماشِ والذبول. جحظتْ عيناها وحاولتْ أن تنطقَ بشيء، لكنها سرعان ما لانتْ شيئاً فشيئاً وهي ترددُ بصوتٍ متغنج مصحوب بالزفرات:

" انظرْ! يا صغيري انظرْ ! "

تلفّتُ فلم أرَ الجهة التي تشير إليها، إلا أنها واصلتْ كلامها المتقطع وهو يخرج من شفتين مرتعشتين، مصحوباً بلهاثٍ وزفير أشعل فيّ هوساً، حتى شعرتُ بأن الخيوط التي تربط الجرح في صدري قد أوشكتْ على التقطع:

" انظرْ يا صغيري! "

" ................ "

" الحملُ .. بعد .. أن .. نطّ .. على .. ظهرِ .. أمهِ .. ركبها .. واقعها. "

" ............. "

" انظرْ!! ماذا .. يفعلُ .. الحملُ .. بأمّه. "

" ................ "

" الحملُ .. بعد .. أن .. نطّ .. على .. ظهرِ .. أمهِ "

توقفتْ قليلاً وهي تنظرُ إليّ وجسدها يختض فوقي. هززتُها كي أوقظها من جنونها، غير أنها عادتْ متشبثة بي دافعةً صدرها على وجهي مقربةً حلمتها من فمي ويدها تدعكُ قضيبي بعنفٍ وهي تردد بغضبٍ ونفاد صبر:

" بعد أن نطّ على ظهر أمه

  بعد أن نطّ على ظهرِ أمّهِ "

 زفرتْ بوجهي مثل قطةٍ تستعد لهجومٍ وهي تصرخ بهيستيريا:

" ندّتْ عنها صيحةُ نشوة "

اهتزّ جسدي مرتعشاً فمسكتُها من كتفيها. دفعتُها قليلاً نحو الأسفل فتزحلق نهداها على صدري ولامستْ حلمتاهما موضعَ الجرح وشعر صدري فاهتز واقفاً. قرّبتُ قضيبي المنتصب بجنونٍ من صدرها فتلقفته بين نهديها. احتكّ بسلسال صدرها ملامساً ذهبَ الصليب البارد. أغمضتُ عيني خجِلاً من آلام المصلوب عليه. شعرتُ بنشوةٍ غريبةٍ تدخلني من كل خلية في جسدي. أطبقتْ عليه بقوة وهي تردد وجسدها يخفق:

" نكْ صدري! نكني يا صغيري! نك صدراً أرضعك! "

فتشبثتُ بكتفيها وأنا أسحبهُ وأدفعه بين نهديها ببطءٍ حتى يصل إلى شفتيها فتتلقفه بلسانها لاحسةً رأسه، مردداً بصوتٍ عال:

" تعالي.. تعالي.. يا.. "

" ....................... "

" تعالي.. كائناً مَنْ تكونين.. إستا، عشتار، مريم العذراء، رضية عبد الحسين.. تعالي يا حبيبتي.. تعالي يا عاهرتي اللذيذة ..... "

ألبسوه تاجاً من الشوكِ وحمّلوه صليبه، بينما راحت السياط تلهبُ ظهره وهو سائرٌ مطأطئ الرأس خجلاً، أو ربما كان يعدّ الخطواتِ القليلة نحو الموت. لم تبدُ على وجهِ أحدٍ علامةُ شفقةٍ أو رهبة، بل كانتِ اللعناتِ تُدلقُ عليهِ من الذين اصطفوا على جانبي الطريق وكأنهم يستكثرونَ عليه اللحظات القليلة الباقية من عمره.

" هذهِ علامة من علامات الساعة. "

قال شيخٌ بثقةِ العارف وهو يرتعشُ، ويهمّ بالتقاطِ من الأرض حجر كي يرميه نحو المحكومِ بالصلب.

" أية جريمةٍ أبشعُ من جريمةِ إنسانٍ يغتصبُ أمهُ!؟ "

قالت امرأةٌ لم تكشفْ من وجهها سوى عينين يتطايرُ منهما شرر الحقد.

" الحملُ بعدَ أن نطّ على ظهر أمّهِ، ندّتْ عنها صيحة نشوة. "

صرختْ عشتار وهي تحركُ نهديها وتدخل رأسَ قضيبي في فمها، تمتصّ ماء شهوته.

" تفووووووو "

وأصواتُ اللعنات تتناغم مع وقع السياط فيحثُّ السائر إلى الموتِ خطاه.

طلبَ ماءً، فسخرَ الجلادُ منه وصاح أحد المتجمهرين:

" اسقوه بولاً! "

فارتفعتْ ضحكاتُ المتجمهرين وهم يشيرون إليه بسبّاباتهم ساخرين منه.

" أولادَ القحبةِ، لم يكنْ أكثر خسةً من بارباس الذي برأتموه، بل لم يكن أكثر خسّةً منكم ومن ملوككم وأنبيائكم القتلة. "

انطلقَ صوتُ رضية عبد الحسين شاقاً مهرجان الحقد.

تطلعتْ إلي وقد أوشكتُ على الاستسلام للتعب فراحتْ تثيرني بتأوهاتها وتستحثني على المواصلة وهي تردد:

" تعال يا صغيري!! اقذفْ بين ثديي! عمّدْ جسدي بمنيّك! "

" تفووووووو "

كان الصدى يتردد في الوادي الذي يحيط بالتلّة، حيث أرتفعَ الصليب بانتظار المحكوم بالموت، وكانت السماءُ ملبدةً بغيومٍ حمراء، والأرض سَوراتُ رملٍ وغبار يرتفع نحو السماء. ضاقتْ عليه دائرة المتجمهرين وهو جالس في مركزها. وقعَ سوط الجلاد على وجهه فسالَ دمٌ من عينيه ومنخريه، عندها هبّ المحكوم بالإعدام واقفاً. تطلعَ في وجوهِ الناس بنظراتِ احتقارٍ وكره. ودونما إرغامٍ أو قيادٍ صعدَ واثقاً إلى الصليب مغمضَ العينين، تلوحُ على وجهه كآبة وخوفٌ ممتزج بخجلٍ لم يشفع له عند أحدٍ. ارتفعتْ أصواتٌ هيستيرية تصبّ لعناتها القاسية عليه وتوعدهُ بعارٍ يلاحق سيرته وبعذابِ السعير، لكنّ سرعان ما حلّ صمتٌ جليلٌ كأنه تسللَ إلى المكانِ خلسةً.

كانت إستا تمسك قضيبي لاهثةً، تعصره وتمسحُ صدرَها وحلمتيها بآخر قطراته وتقبّلُ رأسه بهمسِ شفتيها حتى ارتمتْ عند قدميّ لاهثةً. ودون أن تنظرَ إليّ راحتْ تمسحُ الصليبَ الذي غطاه المنيُّ بمنديلٍ ورقي، وتقبّله بخشوعِ راهبة متمتمةً بكلماتٍ لا أسمعها.   

بسطَ الصمتُ سطوته حتى يكاد المرءُ يسمع دقاتِ القلوب كقرعِ طبولٍ ويضيق بصوتِ أنفاسهِ. فجأةً انفجرتْ صرخةٌ مدويةٌ فأحدثتْ تخلخلاً في الفضاء:

" إيلي

 إيلي

 لِمَ شْبَقْتِني؟ "

وانهارَ الرأسُ على الكتفِ مسلّماً الروحَ إلى بارئها.

في اليوم السابع جاءتْ ممرضةٌ، وأخبرتني بأن بإمكاني اليوم مغادرة المستشفى. مدّتْ يدها مصافحةً ومهنئةً على السلامة وهي تتلو عليّ قائمةً من وصايا وإرشادات صحيةٍ ومحظورات بصيغة أمر. نهضتُ بتباطؤ ورحتُ أجمع حاجياتي بتمهلٍ مصطنعٍ، متحفزاً لوقعِ أية خطوةٍ تقترب مني. دخلتِ الغرفة ممرضةٌ أخرى وبدأتْ بتغيير شرشف السرير وجمْعِ ملابسي البيضاء كأنها تحثني على الإسراع في المغادرة ليحلّ محلي شخص آخر. حاولتُ أن أتحايلَ لسرقةِ وقتٍ إضافي، إلا أني استنفدتُ كل طاقتي على المراوغة ودبّ في نفسي اليأس من رؤية عشتاري ثانيةً واستيقظتْ أناي فغادرتُ الغرفة بخطوات بطيئة تفتعل الثقة والكبرياء .

في الممرّ تجمعَ حولي عدد من الممرضاتِ وهنّ يودعنني بنظراتٍ حانية وابتساماتٍ نبيلة. وقبل أن أخطو نحو نهاية الممر، سألتُ إحداهن عن إمكانية رؤية الطبيبة إستا لتقديم الشكر لها فأجابتني :

" إستا انتقلتْ إلى مدينةٍ أخرى. "

وحينما رأتْ دهشتي أضافتْ بثقةٍ:

" منذ خمسةِ أيام. "

 

 

النورسُ، مرةً أخرى

مرةً أخرى عدتُ إلى زاويتي، نافذتي المطلّةُ على العراء. عراءٌ واسعٌ، أنيقٌ، ترحلُ فيه النظراتُ بحريّةٍ نحو الأفقِ البعيد كأنها تعرّيه من هندامه وتتقرى تضاريسَ فتنتهِ بشبقٍ وجنون، وحينما لم تحظَ بسوى غصّةِ الحرمانِ كظامئ يعبّ كأسَ نارٍ، تغور إلى مغاور النفس الملتهبة، تبحثُ عن فكرةٍ متساميةٍ تعيد لها شيئاً من التوازن.

ونافذتي نافذةٌ وحيدةٌ في صحراء، فلا جدارَ ولا بيت سوى مفازةٍ ورمالٍ وقوافلَ راحلة بلا دليل إلى المجهول. ظمأ وسرابٌ وسباقٌ طويلٌ أرى خطّ نهايتهِ واضحاً وضوح الشمس، ولكن لن أصلَ إلا وقد استنفدتِ النفسُ كلّ طاقتها للفرحِ أو للحزنِ، لأكتشفَ أخيراً أنْ لا غالبَ في سباقِ العمر ولا مغلوب.

زاويةٌ في المكانِ الذي طُمستْ معالمهُ، تتقاطع فيها الغربةُ والوحدةُ كعاهرتين تتراشقان بالكلمات البذيئة، وأنا جالس بينهما على دكّة الماخورِ، أحصي بمسبحةِ ورعي ما تبقّى لي من أحلامٍ لم تتلوثْ بعد.

" أيها النورس.. "

رددتُ مع نفسي وأنا أتطلعُ إلى سطحِ البنايات بحثاً عن غريمي الذي اشتقتُ إليهِ، بل اشتقتُ إلى أي شيء يطيرُ في فسحةِ الفضاءِ الضيّقةِ، أو يتحركُ في هذا العراء، أراهُ.. أسمعه.. ألمسه.. أشمّ رائحته، كي أدركَ أنّ لي حواساً صالحةً للاستخدام، وليكونَ المشهدُ الذي أمامي حقيقةً، لا مجرد فكرةٍ تولدُ في الذهن فيجسّدها الوهم، ثم تتلاشى بعد أن تُستهلكَ لتحلَّ محلها فكرةٌ أخرى. حينما كنتُ راقداً في المستشفى، كنتُ أنظرُ إلى النافذةِ حالما استيقظُ وكأني أتوقعُ زيارةَ النورس، لذا فحينما عدتُ إلى بيتي كان أول أمرٍ فعلته أني أزحتُ الستارةَ لعلّي أجدُ على زجاجِ النافذة رسالةً مشفرةً تركها في غيابي، وحينما لم أجدْ شعرتُ بشيء أشبه بالحسد.

" شعرتَ!؟ أم مجرد فكرة خطرتْ في الذهن؟ "

" .................... "

" ولمَ الحسد؟ "

" ..................... "

" ألأنَ النورسَ قد ترفعَ عن ممارسةِ أفعالهِ العدوانية؟ "

" .................... "

" أم لأنه وجدَ نورسةً تقاسمه اللذة؟ "

" ربما. "

" ربما لأنه قد عثر على جدواه فلم يعدْ مشاكساً أو عدوانياً يبحثُ عن نقاطِ ضعفِ الآخرين لينفّس عن عقدهِ المتكلسة بسبب الحرمان، أو العقد التي توارثها عن قبيلةٍ أدمنتْ الخوفَ وارتكنت إلى مصيرها القاسي. "

" ماذا تقصد؟ "

" لا شيء. "

" اخرسْ! "

" أنا لم أقلْ شيئاً. أنتَ الذي تقول. "

" أنا.. أنت.. مَنْ أنتما؟ "

" ................... "

" ................... "

مرة ًومنذ عشرةِ أعوامٍ قرأتُ عبارةً في كتابٍ تشيرُ إلى أن الكبتَ الجنسي يولّد حالةً عدوانيةً في نفس الإنسان. أتذكرُ أني قرأتها وقد وضِعَ تحتَ العبارةِ خطّ بقلمِ الرصاص وبيدٍ تبدو أنها كانتْ ترتجفُ خوفاً أو شهوة، وحينما سألتُ صديقي الذي أعارني الكتابَ عمّا إذا توقفَ عند هذه العبارة، انفجرَ بقهقهةٍ أغاظتني وهو يشيرُ بخبثٍ إلى الوترِ الحسّاس الذي عزفتُ عليه. ولكي يغيظني أكثرَ ويتلذذَ برؤيتهِ لي وأنا أقفُ أمامه عارياً أحاولُ سترَ عورتي بيدين يفضحُ ارتجافهما قلقي وارتباكي. همسَ إلي كأنه يبوحُ لي بسرّ خطيرٍ، وأخبرني بأنه حصلَ على الكتابِ من امرأةٍ جميلةٍ جمعته بها علاقة. لم يكمل حديثه حيث دخلتْ زوجته تحملُ صينيةَ الشاي، فأشارَ بحركةٍ من عينهِ وانحرافِ شفتهِ السفلى إلى طبيعةِ تلك العلاقة. استنفِرتْ أشياء في نفسي، فرحتُ أتخيلُ امرأةً شبه عاريةٍ في سريرها، تتمطى، تُدخل ُ يدها تحت لباسها الداخلي وباليد الأخرى تسحبُ القلمَ من بين شفتيها مغمضة العينين بنشوةٍ أو بحقد، وتخط خطّاً مرتبكاً تحت العبارة. ولكي أخفي ارتباكي أمام صاحبي وأثبتُ له غير ما أشار إليه، رحتُ أمسد صدغيّ محاولاً تذكر اسمِ الكتاب واسم مؤلفه. وعلى الرغم من ارتباكي وسياحتي على جسدِ صاحبةِ الكتاب، فقد تذكرتُ العنوان، وكأنْ لم تنتعظ أعضائي الجسدية وحدها بل تحولتْ ذاكرتي إلى قضيبٍ ينبضُ فيه عرقُ التهيج:

" الانهمام بالذات لميشيل فوكو "

رددتُ الاسم بفرحٍ طفولي، غير أن صديقي لم يبدِ أي اهتمام بأمرِ الكتاب بقدر ما كان مهتماً بإغاظتي. ولكي أخفي شيئاً لا أعرفه سألتُ صاحبي:

" وهل تذكر ماذا كتبَ عن الاستمناء؟ "

لم انتظرْ منه جواباً إذْ رحتُ أقرأ بارتباك:

" عندما يظهر الاستمناء، وذلك أمر نادر، فهو يظهر بشكل إيجابي، حركة تجرد طبيعية ترتدي في آن معاً قيمة درس فلسفي وعلاج ضروري... الحركة التي لو أجريتْ في الوقتِ لأغنتْ عن حرب طروادة، الحركة التي ترشدنا إليها الطبيعة... وهي حركة عاقلة لأنها لا تتوقفُ علينا، ولأننا لا نحتاجُ إلى أحد ليساعدنا.. إنها حركةُ الطبيعة ذاتها التي تلبّي الحاجة تماماً بمعزلٍ عن الأهواء أو الحيَل وباستقلال تام، ويبقى الاستمناء مقترناً بأوهامِ المخيلة ومخاطرها، إنه شكل اللذة المخالفة للطبيعة التي ابتكرها البشرُ لتجاوز الحدود التي كانت معيّنة لهم.... "

توقفتُ حينما وجدتُ صاحبي شاردَ الذهن وينظرُ إلي ببلاهةٍ، أو ربما بنظرةٍ حسبتها نظرةَ إشفاقٍ أو استخفاف. أدنى رأسه من أذني هامساً، فجاءتْ همساته كضربةِ فأس على جمجمتي. أخبرني مفتعلاً مشاعرَ حزنٍ رسمها بمبالغةٍ واضحة:

" إنه الكتاب الذي استعرته من جارتي الدنماركية. "

توقفَ قليلاً ثم أضاف زافراً بحسرةٍ مفتعلة:

" التي انتحرتْ قبل سنتين. "

تلكَ الليلة حلمتُ بأني أنبشُ قبراً قديماً، وأضاجع هيكلاً عظمياً.

استيقظتُ صباحاً على أصواتِ النوارسِ قربَ نافذتي. تركتُ الفراشَ مسرعاً، كأني على موعدٍ حانَ وقته. أزحتُ الستارة. كانتْ جارتي العجوز التي تقيم في الطابق الثاني فوق شقتي تماماً ترمي قطعَ الخبزِ، والنوارس  تتراكم على بعضها . بحثتُ عن نورسي الأعرج فلم أجده بينها، وكنت أتمنى أن أجده ضمنَ سربِ النوارس التي تتصارخ وتصطدم ببعضها بدناءة نفسٍ تفرضها غريزة الجوع، لكي أحقق انتصاراً على هذا الغريمِ الذي تحداني بترفعهِ الفارغ وكبرياء يسد بها نقصه الفاضح، وها هو يسقط الآن أمامي ويعود إلى طبيعتهِ الغريزية، منضماً إلى السرب بعد أن روّضته أنثاه، عندها سأقول له بشماتةٍ وتشفٍ:

" أرعن. مع أول مضاجعةٍ تخليتَ عن كبريائكَ وغروركَ. الآن لم تعد صديقي. بل لم تعدْ عدواً أفتخر بندّيته. اذهبْ إلى الجحيم أيها الوضيع! سأملصُ رقبتكَ إذا عدتَ ترمي نافذتي بذرقكَ... أيها العفن. "

فجأةً انتبهتُ إلى نفسي، واقفاً وسط الغرفةِ وقد استبدّ بي غضبٌ شديدٌ، وأنا أصرخُ محرّكاً يديّ بحركةٍ غاضبةٍ، مردداً كلماتٍ بذيئة. توقفتُ مذهولاً كأني استيقظُ من كابوسٍ غريب. تطلعتُ إلى يديّ وهما متصلبتان تتهيآن لفصلِ رأسِ النورس عن جسدهِ وعيناي متسمرتان على العنق الرهيفة، منتظراً بفرحٍ وشوق رؤيةَ الدم الذي سيفيض على كفيّ. ذوى شيء في روحي ببطءٍ محسوسٍ، وانكمشتُ شيئاً فشيئاً كبالونٍ مثقوب، حتى تحولَ جسدي خرقةً بالية كقامةٍ من فراغ. شعرتُ بدوارٍ شديد ورغبة بالتقيؤ. تلمستُ مسندَ النافذة وخطوتُ بحذرٍ ثم تهاويتُ على الكرسي، دافعاً رأسي المُهمل على مسنده. دقائق مرتْ وأنا في غيبوبةٍ ودوار، ونبضاتُ قلبي تتسارعُ وساقاي تهتزان على الرغم من ضغطي على ركبتيهما لإيقاف اهتزازهما، لكن دون جدوى. شعرتُ بألمٍ في موضع العملية كأن خياطَ الجرحِ قد بدأ يتفتق، وكاد قلبي يقفزُ من موضعهِ خارجاً من قفصه الصدري. أغمضتُ عيني وأنا أمسكُ قلبي النافرَ، كأني أحاولُ إعادته إلى مكانهِ حتى هدأت أنفاسي قليلاً. أسرعتُ إلى الحمّام. تطلعتُ في المرآةِ فهالني منظرُ وجهي الشاحبُ والزبدُ الذي سالَ من شدقيّ واختلط بياضه ببياضِ لحيتي. رشقتُ وجهي بحفناتِ ماءٍ بارد فشعرت بقشعريرة تسري في أوصالي. رفعتُ وجهي ثانيةً بحذرٍ نحو المرآة وقد كنتُ خائفاً من أن أرى صورتي وقد تحولتْ إلى صورة مسخٍ أو شخص آخر. تطلعتُ في عمقٍ إلى وجهي المرتسم في المرآة، كانتْ لاتزال هناك ملامح لشخصٍ يشبهني، حدّقتُ إليه بجرأةٍ فراحتْ تتضحُ الصورةُ أكثر وأكثر، ويزداد الشبه بيننا وضوحاً حتى استعادَ الشخص الآخر كاملَ ملامحي. شعرتُ بخجلٍ وخوف من هذا الشخص الذي يقفُ بيني وبيني، هذا الذي يلبسني ويسرقُ مني جسدي ولساني ولستُ قادراً على استردادهما منه، بل أشعرُ بالعجزِ عن التمردِ عليه، فأراني دون إرادةٍ مني أنفّذ له أوامرَهُ المولعة بالإذلال. حملتُ كأساً أضع فيها أدوات الحلاقة، أعتصرتها بقبضتي حتى كادتْ تتكسر في كفّي، وحاولتُ أن أقذفَ بها وجهَ المرآةِ، إلا أني توقفتُ على صوتِ هاتفٍ يدعوني إلى التواطؤ أو الهدنة. أعدتُ الكأسَ إلى موضعها جنبَ المرآة فسقطتْ ماكنةُ الحلاقة في المغسلة محدثةً دوياً أرعبني. رفعتُها بحذرٍ وتطلعتُ إلى الموسى بحدّهِ البراق، قرّبته من وريدي ثم وبإغراءٍ وتمنعٍ حركّته على ساعدي ببطء. شعرتُ بنعومته وبشهوةٍ وهو يلامس جلدي الخشن الذي طفتْ عليه حبيبات صغيرة. حركتُ إبهامي على حافة الموسى وضغطتها قليلاً فشعرتُ بنشوةٍ غريبة. أغمضتُ عينيّ لحظاتٍ، ثم رحتُ أتطلعُ إلى قطراتِ الدمِ، وهي تتساقطُ بإيقاعٍ بطيء وتسيح على مرمر المغسلة، قطرات من دمٍ أسود يتغيرُ لونُها إلى الأحمر ثم الزهري وهي تسيل نحو المجرى حتى توقفَ النزفُ، عندها عدتُ إلى الصالة. ألمٌ ينخرُ روحي وصداعٌ شديد يدقّ صدغيّ. اشتقتُ إلى تدخينِ سيجارةٍ، فتذكرتُ قائمةَ المحظورات التي عدتُ بها من المستشفى. لكنْ لم يعدِ الموتُ يخيفني، بل إني كنتُ تلك اللحظة أسمعُ صوتَ الموت يناديني، اسمعه بوضوح فأشعرُ برغبةٍ شديدة للذهابِ نحوه. موتٌ يناديني فألبّي دعوته بفرحٍ .

" هل هذا هو الموت المقنع الذي كنتُ أتمناه؟ "

بحثتُ في أكياس القمامةِ التي تركتُها قبل ذهابي إلى المستشفى فكانت فرحتي كبيرة حينما وجدت عقب سيجارةٍ، عقبين، ثلاثة. ذهبتُ إلى المطبخِ مسرعاً وعدت بكأس شاي. جلستُ قربَ النافذة انفثُ الدخان ببطء مطلاً إلى الغابةِ القريبة. كنتُ أشعر بارتجافٍ في جسدي وزبدٍ عادَ يغطى شدقيّ ويسيل على لحيتي، كأني أفقتُ من نوبة صرعٍ. غضبٌ لا معنى له، أسمعُ صوتَ غليانهِ في نفسي، ربما بسبب الخجلِ الذي استيقظَ في داخلي حينما أدركتُ خطورةَ وضعي النفسي وهاوية الجنون التي بدأتُ أنزلقُ إليها بشكلٍ محسوس.

" أيها النورس! "

رددتُ مع نفسي وأنا مغمض العينين بخجلٍ كأني أقدم إليه اعتذاري عن حالةِ الغضب التي دفعتني إلى التفكير بقتلهِ. وبنبرةٍ وديّة خاطبتُه، كأني أجد له عذراً لعودتهِ التي توهمتها إلى سرب جنسه:

" لا بأس عليك... فقبلكَ أنكيدو العظيم روّضته امرأة. "

ولكن، ويا لدهائهِ.. لم يمنحني الفرصةَ كي أحققَ أمنيتي الغريبةَ هذي، أمنيتي بأن أتيقنُ من صحة موقفي من الأنثى، هذا الحلم التافه الذي يقضي الرعاع سنواتِ عمرهم بالركض وراء سرابه.. يمدّ لسانه لاهثاً مثل كلبٍ وهو يقفُ تحت شمسِ الظهيرة الحارقة بانتظار طريدته، تأتي.. يقفُ أمامها مرتعشاً.. يفتعلُ الوقارَ لكنّ المهرجَ في داخله ينطّ.. يسيرُ على الحبالِ بلعبةٍ خطرة.. يتقلّبُ في الهواء.. ثم يتمرغُ تحت قدمي سطوتها الفارغة مثل كلبٍ ذليل.. قد تركلهُ وتمضي تاركةً له مشهدَ ركبةٍ أو ساقٍ عالقاً في مخيلتهِ، أو ربما تختاره لمتعتها فينقادُ خلفها مستلبَ الإرادة كعبدٍ يعتزّ بعبوديته.. ثم ماذا؟ دقائق من عمرِ الوقت تُرمى في طاسة تسولهِ.. دقائق معدودات ليس إلا، هي كل عمر المتعة، يُفني هذا الكائن عمرهُ من أجلها. لهاثٌ، صراعٌ ثم اهتزازاتٌ غبية، لتنتهي بخيبةِ أملٍ تتلاشى بعد نصف ساعةٍ، ليعودَ اللهاث مرة أخرى على أمل اقتناص دقائقَ معدوداتٍ أخرى وهكذا...

ضحكتُ.. ضحكتُ..

ضحكتُ وأنا أستعيدُ صورةَ صاحبي وخيبة أمله.

بعد بضعةِ أسئلةٍ وتحقيقٍ سريع أجري لنا في مركزِ شرطةٍ يقعُ بالقرب من مطار كوبنهاكن لا يخلو من غرفة سجن، قضينا فيها بضعَ دقائق بانتظار نقلنا إلى جهة نجهلها، تمّ نقلنا إلى باخرةٍ تابعةٍ لمنظمة الصليب الأحمر، كانتْ راسيةً في لسانٍ مائي يصبّ في بحر البلطيق (هكذا علمتُ) ويقسم (كنهرِ دجلة) العاصمة نصفين. هناك التقيتُ بأعدادٍ كبيرة من اللاجئين العراقيين والفلسطينيين والإيرانيين ومن جنسيات أخرى، ينتظرون بقلقٍ واضح الحصولَ على حقّ اللجوء والإقامة. رجالٌ ونساء وأطفالٌ وصخبٌ يملأ ممراتِ الباخرةِ المتداخلةَ ببعضها كأنها متاهة. نساء شقراوات وزنجيات وأخريات بملامح عربية.. نساء في الصالةِ، في الممراتِ، على سلالمِ الباخرة، نساءٌ متلفعات بحجابٍ، لا يظهر منهنّ سوى عينين تزوغان بسرعةٍ وارتباكٍ، وأخريات عاريات يكاد لا يختفي من أجسادهن موضعُ فتنةٍ، نهدان يسدّان عليكَ الممرَ الضيقَ، تكاد تلامسُ شهوتهما حينما تمرّ جنبهما بحذر، سيقان من مرمرٍ أو أبنوس منحوتة ببراعةٍ وإتقان تصعد السلالمَ بخطواتٍ متجبرة، فتقفُ تحتها مصعوقاً.

" تعاليييييي.. شوفيييي.. عينييييي.. تعاليييييي "

صوتٌ يخترقُ أذنيّ فترتعشُ الروحُ كرعشةِ جسدٍ يلامسُ ماءَ دجلة في الغطسة الأولى. صوتٌ لم أسمعه منذ دهرٍ. ألتفتُ مبهوراً نحو مصدرِ الصوتِ القادم من خلفي أو القادمِ من الذاكرة. صوتٌ أنثوي يعبقُ برائحةٍ شبقيةٍ كرائحةِ عذقِ بُسرٍ، غطّاه غبارُ الطلعِ، فتسيل الشهوةُ عسلاً يقطرُ من (بَرْحيةٍ) ألهبها قيظُ تموز. توقفتُ ملطياً على الجدارِ، فمرتا من أمامي كعشتارين. تطلعتا إلي بزاويةِ عينيهما، ثم أشاحتا وجهيهما بغنجٍ متسامٍ مقنّعٍ بامتعاضٍ مفتعل. أتلعتا جيديهما كزرافتين واجتازتا شاهدةَ القبر المنتصبةَ على جانبِ الممر تحيطهما هالتان من غروب شمس في سماء صيفية.

كان اليوم الأخير من شهر تشرين الثاني من عام 1985 وكانت المدينةُ بيضاءَ، كأنها ترتدي كفناً من الثلج الذي غطّى الشوارع التي كنّا نطلّ عليها من نوافذ الباخرة، كأننا نشاهد فيلماً سينمائياً أو بطاقةً بريديةً وصلتْ إلى صديقٍ، راح يتباهى بها أمامنا فتحلّق أوهامنا بالرحيل إلى المدى البعيد، إلى البيوت القرميدية الحمراء بمداخنها التي لا يترك دخانها سخاماً، هناك حيث تقيم الجنّية الشقراء مستلقيةً على سريرٍ غطته شراشفُ حريرية، أو تقفُ عند نافذةٍ ترسم على زجاجها ببخار الأنفاس قلباً عاشقاً، تنتظر بشوقٍ القادمَ على حصانهِ الأبلق بوجهٍ لوّحته شمسُ الصحراء فألهبتْ جسدَه بالشهوة.

هبطَ الظلام سريعاً فأضيئت الباخرةُ بإنارةٍ خفيفةٍ تشيعُ الراحةَ في النفس، على الرغم من الضوضاء التي يحدثها الأطفالُ، والزعيقِ الذي يطلقه مراهقون نزقون يربكون المكان بحركاتهم العشوائية، محاولين لفتَ أنظارِ الفتيات إليهم. بعد تناولِ العشاء، وكان حساء الفطر مع قطعة دجاج مذبوح على الطريقة الإسلامية، كما كان يرددُ الطبّاخ كلما سلّم الصحن لأحدِ اللاجئين. بدأتُ أشعرُ بالمللِ من حركةِ الوقتِ البطيئةِ وثقلِ انتظارِ القادم. كنتُ واثقاً من مجيئهِ، لكني لا أعرفُ ملامحَه أو ماهيته، وكيف سأعرفه ويعرفني. زاد من مللي أن سجائري قد أوشكتْ على النفاد، ولا أعرف أحداً سوى حميد، صديق طفولتي والذي رافقني في سنوات منفاي الثلاث الماضية في طهران ودمشق حتى وصولنا إلى هذا المكان، ولكن أينَ هو الآن؟ فقد انزوى منذ وصولنا الباخرة. بحثتُ عنه فوجدته جالساً عند نافذةٍ صغيرة يقضمُ أظافره ويطلّ على البحرِ بحيادٍ غريب، إذ لا يبدو على وجههِ فرحٌ أو حزنٌ، كأن الوصولَ إلى الدنمارك الذي كان يحلم به قد أنهى كتابَ الرحيل الذي اهترأتْ صفحاتُه فأطبقه إلى الأبد، وراحَ يبحثُ عن كتابٍ آخر بأبجديةٍ جديدة، وهو الآخر قد نفدتْ سجائره منذ وصولنا الباخرة. ما كدتُ أبوحُ له بقلقي ومللي من حركة الوقت البطيئة حتى صرخَ بشكلٍ استعراضي، كأنه يقوم بتمثيلِ دور ما على خشبة مسرح:

" النوم هو المنقذ الوحيد. "

ثم أضاف بثقةٍ المجرب:

" ألا تذكر كيف استطعنا التغلب على شياطينِ الضجر في معسكرات اللجوء بإيران وسجونها، وخرجنا ولم نفقد عقولنا؟ "

غرفةٌ صغيرة في باخرةٍ راسية، كأنها ترحلُ إلى نهايةِ العالم أو نهاية الوهمِ، حُشرتْ فيها ثلاثة أسرة بطابقين، احتلتها أجساد قلقة لشبابٍ بسحناتٍ وملامحَ شرقيةٍ مُتعَبة، على الرغم من الفرحِ الذي يلوحُ على الوجوه، والذي انعكسَ بحركاتٍ صبيانيةٍ وأحاديثَ ساذجة عن النساء، وعن أحلامٍ وطموحٍ تفتقَ فجأة ببناءِ قصورٍ في الفضاء، مرددين بعضَ المفردات الإنكليزية التي كانت سابتةً في الذهن منذ أيام الدراسة.

مع بدء ساعاتِ الليل ارتفعَ الصخبُ بأقصى مداه، وكأن نهاراً جديداً قد ابتدأ، فغدا النوم مطلباً بعيد المنال. خرجتُ من الغرفة متجولاً في ردهات الباخرة مطلاً على المدينة بأضوائها الخافتة وعلى حركةِ انفتاح الجسر الصغير الذي يقع قريباً من الباخرة وارتفاع فلقتيهِ إلى الأعلى كلما مرت باخرة صغيرة. وجوه كثيرة أعرفها، أتذكرُ أني التقيتُ بها، في إيران، في سوريا وربما في العراق، ولكنها بدتْ لي وكأنها غيّرت شكلَ قناعها.

يرتفعُ صوتُ حسين نعمه شجياً مخترقاً غاباتِ قصبٍ محترقة دافعاً بمرديه مشحوفاً قديماً يخوض في مياه البلطيق الساكنة: 

" ما بيَّ أعوفن هلي ولا بيَّ أعوف هوايْ 

 قلبي نسيته هناك

ياهو اليدوره

ويايْ ويايْ ويايْ ويايْ "

تقاطعه دبكةٌ لبنانية وقرعُ طبولٍ أفريقي يرتفع، مختلطاً بصوت عبد الباسط عبد الصمد مبشراً المؤمنين بحورِ العين، وبأنّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا لغو ولا تأثيم بل لا نفي ولا رحيل. فجأةً ارتفعَ صراخ في إحدى الردهات فهبّ الجميعُ إلى مصدرِ الصوتِ، يتطلعون بفضول لمعرفة الأمر. كان شجاراً كلامياً بين فريقين من فلسطينيين وبولونيين وكان لكل فريق لغته. تطّور الشجارُ فتحولَ إلى معركة بالأيدي والصحون ومنافض السجائر، ولم ينتهِ إلا بعد قدوم رجالٍ من الشرطة الدنماركية بأجساد ضخمةٍ، مسلحين ومصطحبين معهم كلاباً، تُطلق شخيراً غريباً لفضّ النزاع. قيل لنا إن عراكاً حدثَ أمس بين شابين فلسطيني وإيراني، تطورَ بانضمام عددٍ من اللاجئين إلى كلا الفريقين وانتهى بأنْ قامَ أحد الفلسطينيين برمي شاب إيراني من أعلى سطح الباخرة إلى البحر.

رجال شرطة ونساء شقراوات يرتدين بدلات زرقاء ويعلقن في أحزمتهن هراوات بدتْ لي رشيقةً وعفيفةً لم تفض بكارةَ أحد، يتخاطفون في ممرات الباخرة. يقتحمون الغرفَ وعيونهم تجوس المكان بحثاً عن مطلوبين. قصصٌ عن حوادث عنفٍ وعبثٍ وسرقات يقوم بها الفلسطينيون في المدينة. يرتفع صوت شاب فلسطيني حاشراً إبهامه في زناره متمايلاً بميوعةٍ، راسماً بيده الأخرى إشارةً بذيئة:

" طز فيهم، كس أخواتهم، عرصات، منايك، سرقوا وطننا. "

" النوم هو المنقذ الوحيد. "

رددتُ عبارةَ حميد وهرعتُ إلى الغرفة. حشرتُ جسدي في السريرِ، متلفلفاً ببطانيةٍ جديدة وبملابسي التي لا أملك غيرها، متلمساً ورقة العشرين دولاراً التي خبأتها في ياقة قميصي خوفاً من أنْ يصادرها رجال المطار، وخوفاً من أن يسرقها أحد اللاجئين هنا. رقدَ حميد على السريرِ المتقاطع مع سريري فكاد رأسانا يحتكان ببعضهما لضيق المكان. كان غارقاً في صمتهِ، كأنه يحاول نسيان تعبِ الرحلةِ ومعاناة السنوات الثلاث الماضية، وقبل أن نغفو وننهي ليلتنا الأولى في المنفى الجديد، قال بصوتٍ مخنوق وبأسى حاولَ أن يخبئه فيبدو متفائلاً:

" ها نحن قد وصلنا إلى إيثاكا. "

وحينما لم أجبه أو بالأحرى لم أجدْ ما أجيبُ به، راح يرددُ بحزنٍ كأنه يحدو في قافلةٍ تائهة في عرض صحراء:

" سنمضي

 إلى أين نمضي؟

 ألمْ نقفِ الآنَ في آخر الأرضِ؟ "

في اليوم التالي زارنا إلى الباخرة صديقٌ كان قد وصل إلى الدنمارك قبل سنةٍ، جالباً معه ملابس شتوية قديمة. فرحنا بها كأنها سقطتْ علينا من السماء، حيث كنا لا نرتدي سوى قميص صيفي مهترئ وبنطلون عتيق، هما كلّ ما خرجنا به من دمشق. لا أدري كيف علمَ بوصولنا، ربما كان حميد قد أخبره عن موعد وصولنا برسالة من دمشق. لم أشغلْ بالي بهذا الأمر، فلم أكنْ على علاقةٍ وطيدة معه، بل كنتُ أكرههُ وأتجنبُ اللقاء به، حينما كنا معاً في طهران. كان الزائر أنيقاً، تبدو عليه علاماتُ الراحةِ والاستقرار حتى بدا لنا كأنه يعيش في كوكبٍ آخر. دعانا للخروجِ معه للتعرف على كوبنهاكن، " المدينة الوديعة، الهادئة برغمِ الصخب الذي تمتاز به كل عواصم العالم ". رحبنا بالفكرةٍ، بل إني نسيتُ تلك اللحظة كرهي له. سرنا في شوارعَ فرعيةٍ صغيرة، وانتهينا إلى شارعٍ عريضٍ مزدحمٍ بالناس ومستقيمٍ بشكل دقيق، تصطفُ على جانبيهِ محلاتُ بيعِ الألبسةِ والمطاعمُ والحاناتُ التي تبدو بظلامها وبصيص ضوء الشموع في داخلها كأنها عالم غير مكتشف. قال لنا الصديق متباهياً بخبرتهِ ومعرفتهِ بأسرارِ المدينة، وبغرورٍ استسلمنا له لجهلنا بكل شيء:

" هذا هو شارع المشي. "

ثم أضاف بلغةِ الأدلاء السياحيين:

" هنا، في كل مدينة دنماركية شارع رئيسي يقع في مركزها خُصص للسابلة فقط. "

شعرتُ وأنا أصغي إليه بودّ مفرطٍ وبحالة من الاطمئنان لوجوده معنا، على الرغم من أني عرفته منذ أولِ يومٍ لوصولي معسكر اللاجئين في طهران قبل ثلاث سنوات، وكان في نظري مثالاً للخبثِ، بل هو النذالة عينها تمشي على قدمين، وكنتُ أكنّ له كراهية شديدة، وقد كنتُ على حق، فأنه لم يكنْ ودوداً بطبعه، لكن الآن بدا لي وقد تغيرَ، أو ربما صدمتي وخوفي من مدينة أجهلها تماماً هو ما جعل شعوري يتغيّر نحوه. كان يتحدث بهدوء وإلفةٍ على الرغم من أنه كان يحاول أن يُشبعَ في نفسه حالةَ غرورٍ بتقمصهِ دور العارف بأسرارِ المدينةِ ، الخبير بأسرارها، متاحفها، معارضها، مسارحها، وكذلك بحاناتها ونسائها. دعانا بلباقةٍ مفتعلة إلى كافتريا صغيرة تطلّ واجهتها الزجاجية على الشارع الكبير. أزاح كرسياً بحركةٍ استعراضيةٍ ثم جلسَ باسطاً كفيه في الهواء يدعونا للجلوس بنظرةِ استعلاء واضحة. التفتَ نحوي وسألني ماذا سأشرب فقلتُ:

" استكان شاي. "

تطلعَ في وجهي بنظرةِ سخرية، ثم أطلقَ ضحكةً عالية هازّاً كتفيه بافتعالٍ، محاولاً إطالة ضحكتهِ التي لم أكنْ أعرف لها سبباً، لكني حاولتُ أن أجاريه بضحكةِ خجلٍ مصطنعة. توقفَ عن الضحك وهو يمسحُ دمعاً لا وجود له في عينيه بمنديلٍ ورقي وهو يرددُ باستخفاف:

" شاي!؟ "

وحينما أبديت استغرابي من تعجبه أضاف محاولاً كتمَ سعالهِ:

" استكان شاي!؟ "

وارتفع ضحكه مرة أخرى، ولم يتوقفْ حتى اقتربتِ النادلة من طاولتنا، عندها استعادَ توازنه متخذاً هيئة وقارٍ لا تليقُ به، فسنةٌ واحدة في الدنمارك غير كافيةٍ أن تهذّب هذا المعيدي النتن، ناهيك عن وجههِ النحيف المغبرّ، وقد انتشرتْ عليه بثورٌ وحفرٌ من آثار حَب الشباب، فغدا مثل (قندرةٍ) عتيقة. تحدثَ معها بلغةٍ أجهلها تماماً، لكنه بدا لي وهو ينطقُ بضعَ كلماتٍ بأنه يتحدث بطلاقةٍ لا تناسب الفترة الزمنية القصيرة التي قضاها هنا. بعد دقائق عادت النادلة تحمل صينيةً صغيرة، مخترقةً بحذرٍ أجسادَ الشباب والصبايا التي سدتْ فضاء الكافتريا الضيق. انحنتْ قليلاً وهي تضعُ بتأنٍ على الطاولة ثلاثةَ أكوابٍ من الكابتشينو دون أن تنظر إلينا. امتدتْ يدي إلى الكوب غير أن قدماً ثقيلة هوتْ على قدمي فجأة، فجفلتُ مذعوراً وأنا أتطلع إليه مستفسراً. رأيتُ نظراتهِ النارية تحاول أن تخترقني بغضبٍ واستعلاء، ثم أشاحَ نظره إلى الجانب الآخر بوجهٍ ممتقع زاده الامتعاضُ قبحاً. سحبتُ يدي بحركة لا إرادية ظناً بأني قد تعجلتُ بمدّ يدي نحو الكوب، وهذا ربما يخالف التقاليد المعروفة في هذا البلد. حينما أكملتِ النادلة مهمتها وتركتْ طاولتنا التفتَ إلي ماسكاً ذراعَ قمصلتي بسبابةٍ وإبهام، هازاً ذراعي وهو يتطلعُ إلي بطرف عينه، وبلغةِ تأنيب فظّة بادرني:

" هذي كوبنهاكن وليست بغداد أو طهران.  "

وحينما استفسرتُ منه عن سببِ غضبه، أجابني متهماً إيّاي بأني كنتُ أنظر إلى نهدي النادلة المندلقين بشراهةِ منْ لم يرَ امرأة في حياته، متمتماً بكلماتِ سخرية لم استطع التقاطها. ارتبكتُ. تشنجَ لساني وجفّ ريقي فلم أستطع نطقَ كلمة، أردّ بها الاعتبار لنفسي. التفتّ إلى حميد، لعلّ تدخلاً منه بيننا ينقذني من حرجي في هذا الموقف غير أن حميد كان غائباً عنا تماماً بصمته وهو يمتصّ عقبَ سيجارتهِ، متأملاً حركةَ الناس في الشارع. حاولتُ ازدرادَ غصتي، كاتماً غضبي وحقدي بخجلٍ وحزن، وأشحتُ بوجهي إلى الجهة الأخرى . كانتْ بي رغبة لتركِ المكانْ إلا أن شعوراً غريباً كان يجعلني أتواطؤ ضد كرامتي ويدفعني لمجاراة الحالة. ساد صمت بيننا. حاولَ كسره بابتسامةٍ مفتعلة واعتذارٍ بارد. هززتُ رأسي مسامحاً، غير أنه عادَ وبلغةِ تأنيب يكيلُ النصائحَ لي، كأنه يتحدث مع طفلٍ موضّحاً لي الفارق الشاسع ما بين تقاليدنا وتقاليدهم، ما بين رقيهم وتخلفنا، مشيراً بخبثٍ كي يبرئ نفسه من سلوكه الفظ، إلى ضرورة الإقلاع عن العادات السيئة كقضم الأظافر أو وضع الإصبع في الأنف. لم أجارِه في الكلام مكتفياً بهزة رأس وإغماضةٍ، هرباً من رؤية وجههِ الطافح بنشوة انتصارٍ حققها ضدي، ملقياً اللومَ على الغربة وضعفي، الذي جعلني ألبّي دعوته بالخروج معه، على الرغم من علمي بالعداء الذي يكنّ كلّ منا للآخر .

تركنا الكافتيريا وقد اقترحَ الدليلُ أن نذهب إلى محطةِ القطار الرئيسية التي لا تبعد كثيراً عن مكان الكافتيريا، والتي تقع في مركز العاصمة. كان حميد وعلى الرغمِ من علاقتهِ الوطيدة به، إلا أنه تركَ حملَ صديقهِ الثقيل وفظاظته علي، مشغولاً بصمتهِ وتطلعه إلى الأماكن والنساء، اللواتي بالرغم من الطقس البارد كنّ بملابسهن الفوضوية يمشينَ كأنهن عاريات، فالكنزات القصيرة تكشفُ شيئاً من اللحم الأنثوي يكفي للحرمان أن يجسّدَ ما يتخفى تحت الملابس، والسرّة الساطعة كقمرٍ تثير ذئب الشهوة فيرتفع صوتهُ بالعواء، والجواربُ الملتصقة على الأفخاذ أو بناطيل الجلد السوداء كانت تشيع عرياً أكثر إغراءً من العري الحقيقي، فكنتُ أرى حميد يقفُ مبهوراً كلما وقعَ نظره على صبيّة قادمةٍ نحونا. يتوقفُ متسمراً أو مشلولاً، ثم وبحركةٍ لا إرادية يلتفتُ ويتابعُ خط اجتيازها، لينظرَ إلى مؤخرتها حتى تختفي في الزحامِ، وسرعان ما تشغلُ حيزَ النظر صبيّة أخرى. كانت عيناه غائرتين تبدوان لضيقهما كثقبين صغيرين، وموجات الهوس تتلاطم على ساحلِ وجههِ تاركةً ذهولاً واضحاً وحركات هيستيرية، فيبدو كأبلهَ أو كغريبٍ خائفٍ من وحشةِ الطريق.

محطةُ كوبنهاكن كبقيةِ محطات المدن الكبرى تضجّ بالمسافرين، بحركاتهم السريعة ووضوحِ اتجاهات حركاتهم المتقاطعة فيصطدمون ببعضهم كأنهم ذوات تبحثُ عن نفسها في زحام الكتل البشرية. السلالمُ الكهربائية المتحركة تنقل المسافرين هبوطاً نحو سكك القطارات أو صعوداً نحو المحطة باتجاه بوابات الخروج، لكن الغريبَ في محطة كوبنهاكن أنها ليستْ نقطةَ انطلاق وعودة المسافرين فحسبْ، بل إنها منتزه ومحطة للتأملِ في أحوال البشر أو في المسافات المقطوعة أو المتبقية من رحلة العمر. في المحطةِ انتشرت محلاتٌ وكافتريات وسوبرماركتات وكذلك مصاطب لجلوس الضائعين والغرباء والذين بلا مأوى، ومكان للقاء العشاق والأصدقاء، حانات متحركة حيث تجد العشراتِ ممنْ يحملون قناني البيرة يشربونها وهم واقفون أو سائرون، وسوق سوداء لبيع الحشيشة والمخدرات بكلّ أنواعها. ناس من أجناس مختلفة، شقر الشعور وزنوج ووجوه بسحنات شرقية، نساء من كلّ الأعمار والمستويات، السيدات بمعاطف الفرو النفيسة إلى جانب صبايا بملابسَ فوضوية، يحملن حقائبهن على ظهورهنّ أو يفترشنَ الأرضَ وعيونهنّ ذابلات من السهر أو السكر، وكذلك المومسات بأصباغهنّ الصارخة وأجسادهنّ المترنحة، يعقدنَ صفقاتٍ سريعةً ودون خشية أو مواربة. أشارَ الصديق إلى بوابة كبيرة في الجهة الشمالية للمحطة.

" لنخرج من هذه البوابة! "

قال بصيغة أمر ثم أضاف:

" ستكون مفاجأة لكما. "

قال بشكلٍ يوحي بالخبث، كأنه يخفي سراً والتفتَ إلي كي يؤكد نيته:

" ستفرح لها بالتأكيد. "

لم ألمحْ شيئاً غريباً حينما خرجنا إلى شارعٍ عريضٍ يضج بالمارة والسيارات. شعرتُ براحةٍ حينما استنشقتُ هواءً رطباً، بعد أن ضاقتْ أنفاسي من ضنك هواء المحطة الخانق، كأنه مشبع برائحةِ اليود أو رائحة البول مختلطة برائحةِ الأسفنيك ودخان غريب. عبرَ قاطعاً الطريق أمامنا فتبعنا خطواته منتظرين المفاجأة التي كان يخبئها، متجهين نحو شارع آخر يقطع الشارع الأول بشكل عمودي.

" شارع Istedgade  "

قال ثم أضافَ موضحاً:

" أو شارع السكس كما يُطلق عليه هنا. "

شارعٌ عريض وطويلٌ لم نرَ له نهاية واضحة، تصطف على جانبيهِ محلاتٌ بواجهات زجاجيةٍ عريضة، عُرضت فيها مجلاتٌ جنسية ودمى نسائية وأيورٌ بلاستيكية بمختلف الأحجام والألوان، وقد كتب على واجهات المحلات بخط كبير وبألوانٍ صارخة (sex show). حاناتٌ بواجهاتٍ معتمة، كأنها تخفي في داخلها دهاليزَ وأسراراً لا يمكن أن تكشف إلا لمَنْ يدفع، وفعلا هي كذلك فقد وضّح لنا الدليل بأنها بارات تعرضُ أفلاماً جنسية ونادلاتها عاريات الصدور أو عاريات تماماً.

في البدء دبّ الخوف في نفسي وازدادتْ ضربات قلبي سرعةً كأني مقدمٌ على ارتكابِ جريمة وبانتظارِ قدوم الشرطة في أية لحظةٍ لإلقاء القبض علي متلبساً بجريمةٍ غامضة. قدماي، وأنا أخطو بارتباكٍ ترتطمان ببعضهما كأن الرصيف لا يتسعُ إلا لقدمٍ واحدة. تطلعتُ إلى حميد فتيقنتُ بأن الارتباك قد أصابه كما أصابني بل أكثر مني، فقد تخلى عن صمته وراح يتمتمُ بكلماتٍ لم استطع التقاطها كأنه يتحدث في نومه أو كثرثرةِ محموم. يتوقف عند واجهات المحلات ويتطلعُ إلى أغلفةِ المجلات الجنسية وعيناه تصغران شيئاً فشيئاً حتى تصبحا كثقب إبرة. كنتُ أسمعُ صوتَ أنفاسه وهي تضيق فيلتقطها بصعوبةٍ، وأرى حركةَ صدرهِ في الشهيق والزفير واضحةً، ويرتفعُ صوتُ خشخشةِ رئتيهِ المتبغتين، ويسعل مثل هرمٍ مسلول. حاولتُ أن أتوازنَ كي أثبتَ لهذا المتربص بي الذي راح يتابع حركاتي بخبثٍ محاولاً اقتناص أية حركة ناشزة تبدرُ مني فتعطيه المبرر كي ينفّس عن عقدتهِ وحقدهِ علي. سرتُ باستقامةٍ محاولاً تحاشي النظرَ إلى واجهاتِ المحلات أو إلى المومسات اللواتي توقفن عند المنعطفات وتقاطعِ الطرق الفرعية أو على دكّات البنايات، يتطلعن إلى المارّين بنظراتِ توسلٍ وغنجٍ مبتذلٍ، متحفزات لأية إشارةٍ من عابرٍ يصطدنه بصنارة إغرائهن أو ربما هو يأتي إلى الطعم بلا قلب. توقفتُ على صوتِ الدليل يناديني، وحينما التفتُّ إليهِ رأيته يلوّح لي بذراعه مودعاً، ثم حثّ خطاه عائداًً باتجاهِ المحطة دون أن يلتفت. شعرتُ بأن أمراً ما قد حدث جعله يتخلى عن صحبتنا ويؤثر الهزيمة. بحثتُ عن حميد فلم أجده خلفي. عدتُ باتجاهِ المحطة أبحثُ عنه بقلقٍ وخوف. وجدتُه واقفاً في مدخلِ بنايةٍ يتحدث مع مومس. ارتبكتُ. توقفتُ على بعد بضعِ خطوات منه محاولاً الإصغاء إلى حديثه. كان يتحدث معها بلغةٍ انكليزية بسيطة هي بعض ما تبقى في الذاكرة من مرحلة الدراسة. كان يحرّك يده في الفضاء، بينما كانتْ يده الأخرى تدعكُ خصيتيه بحركةٍ مفضوحة وهو يتحدثُ معها بجرأةٍ حسدته عليها، على الرغم من امتعاضي وتصاغره في نظري. عبرتُ الشارع إلى الرصيفِ المقابل كي يتسنى لي رؤيتها بوضوح. كانت صبية لم تبلغ العشرين من عمرها، مكتنزة الجسد بنهدين كبيرين تخيلتهما مترهلين ممصوصين فلم يبق منهما سوى القشرة الذابلة وردفين كبيرين يفيضان عن المؤخرة إلى الجانبين. شعرتُ بخوفٍ وتوجسٍ من أن يحدث أمر أو فضيحة. حاولتُ أن أهربَ تاركاً حميد إلى مصيرهِ، إلا أن خوفي تبددَ وحلّ حسدٌ وفضول، حينما رأيتها تتحدث معه بودّ واضح وتضحكُ بصوت عالٍ واضعة يدها على كتفه. فكرتُ أن أخطو نحوهما طمعاً بإلقاء نظرةٍ عن قرب أو مشاركة في الحديث، لم تطعني قدماي فتوقفتُ أنظر إليهما وأنتظرُ نتيجةَ المساومة على الرغم من معرفتي بإفلاس حميد. امتدتْ يد حميد إلى صدر المومس فصدّته ضاحكةً بعهرٍ وقد ازدادتْ حركة يده الأخرى بشكل فاضح. خطوتُ خطواتٍ قصيرةً على الجانب الثاني منشغلاً بالتطلع إلى واجهات المحلات. ربطتُ شريطَ حذائي مراتٍ عدة محاولاً التحايل لإضاعة الوقت، متلفتاً نحو حميد مرةً ونحو وجوه المارين مرةً أخرى، متحسباً لمرور شخص يعرفني، غير أن الأمر لم يكنْ يستحق هذا الخجل، فالناس يمضون إلى غاياتهم دون أن يعيروا انتباهاً إلى أحدٍ، بل إن الكثيرين منهم يتوقفون بجرأةٍ ويتطلعون إلى واجهاتِ المحلات، ورأيت نساءً يدخلن المحلات بثقةٍ ويخرجن دون أن تبدو على وجوههن علامات ارتباكٍ أو خجل. رفعَ حميد يده مودعاً المومس فسحبتْه من يده وطبعتْ قبلةً على خدهِ مشفقةً على إفلاسه وهياجهِ المحموم. توقفَ عند حافة الرصيفِ يبحث عني، فرفعتُ إليه ذراعي ملوّحاً. عبرَ الشارعَ نحوي فلمحتُ بللاً على بنطلونه. التقطَ اتجاه نظرتي فنظرَ إليّ بخجلٍ وهو يحاولُ أن يغطّي موضعَ البللِ بيديه. سرنا عائدين إلى المحطةِ دون أن ننطقَ بكلمةٍ، وكلّ منا يتحاشى النظرَ في عيني صاحبه، كأننا ارتكبنا جريمةً مخلّة بالشرف، وها نحن نتواطؤ على التستر وإخفائها. في المحطة وجدنا مصرفاً صغيراً استطعتُ تبديل العشرين دولاراً بعملةٍ دنماركية وعدنا من حيث أتينا. قبل وصولنا إلى باخرةِ الصليب الأحمر اشتريتُ علبتي سجائر وعشر قناني بيرة.

بعدَ القنينة الثانية وبدء سريان الخدر، لمحتُ في عيني حميد رغبةً في البوحِ بسرّ ما. حاولتُ تجاهلَ الأمر كي أعطيهِ انطباعاً بأني لستُ متلهفاً على سماع حديثٍ يُفلته السكر من اللسان فيندم عليه غداً. تشاغلتُ عنه بعبّ مزيدٍ من البيرة وبجرعاتٍ طويلة من فمِ القنينة، إلا أنه ركّز نظراته علي كأنه يتسولُ مني الإصغاء. تطلعتُ إليه مستفسراً عن سبب صمتهِ وقلقهِ، فأزاحَ قنينته جانباً، وهمّ أن يقول شيئاً إلا أنه توقفَ مطأطئاًً رأسه.

" ما بك؟ "

سألته بقلقٍ فأجاب:

" لا شيء.. لا شيء.. "

ثم افترتْ شفتاهُ عن ابتسامةٍ خجولةٍ، تحولتْ إلى ضحكةٍ توحي بالحيرة أو عدم الثقة بالنفس، وقبل أنْ أعيدَ سؤالي عليه، قال وكأنه يحسمُ أمره:

" تعرف؟ أنا الآن أكملتُ الثلاثين من عمري. "

" وأنا كذلك. "

قلتُ ببرودٍ حاثاً إياه بنظراتي المستفسرة أن يدخلَ الموضوع دون مقدمات. أدركَ ذلك فارتفعَ صوته بضحكةٍ حاولَ إطالتها. وحينما توقفَ عن الضحك ارتسمتْ على وجههِ علاماتُ حزنٍ، فرضتْ نفسها على وجههِ بالرغم من محاولتهِ لإخفائها بالضحك.

" تعرف!؟ "

توقفَ فصرختُ به بنفادِ صبرٍ أن يكمل حديثه فقال:

" تعرف؟ أنا لم أمارس الجنسَ مع امرأة حتى الآن. "

وكعادتهِ حينما يتحدثُ بأمورٍ كهذي فأنه يحاول أن يغلّفها ببلاغةٍ أدبية لكي يعطي للكلمات تهذيباً، يوازنُ به وقاحةَ الموقفِ حسبما يعتقد، لذلك حينما وجدني أقابلُ كلامه المتردد بالضحكِ واللاأبالية، شعرَ بالخجل والارتباك، فحاولَ إعادةَ الكلام بطريقةٍ أخرى:

" أعني.. لم أرتشف امرأةً في حياتي. "

توقفَ قليلاً منتظراً ردة فعلي على ما قاله، فتطلعتُ إليه ببرودٍ وقلتُ بثقة:

" وأنا كذلك. "

ارتسمتْ على وجهه علامةُ ارتياحٍ، كأنه تخلصَ من عبءٍ، ووجد شخصاً ثانياً يشاركه معاناته، فأضفتُ مجارياً طريقته بالكلام:

" أعني.. أنا كذلك، لم أذقْ طعم امرأة في حياتي. "

تطلعَ إلي بصمتٍ ثم انفجر بضحكةٍ بلهاء. حاولتُ أن أغيّر الموضوعَ فاستجابَ للأمرِ بسرعةٍ كأنه كان بانتظار ذلك. ولكي ينهي موضوعاً تورّط بفتحهِ أمامي وينتقل إلى موضوعٍ آخر، نهضَ خارجاً من الغرفة إلى دورةِ المياه، ثم عاد خفيفاً كأنه ألقى حملاً ثقيلاً عن كاهله. جلسَ صامتاً، يتجنبُ النظرَ إلي، وكلما التقتْ نظراتنا كان يبتسم ابتسامةً باردة ثم يشيح بنظراتهِ إلى زوايا الغرفة. بانتْ عليهِ علاماتُ السكر بعد أن أكمل قنينته الرابعة، فراحَ يفركُ عينيه ويدعكُ وجهه براحة يده بشكل يدلّ على الاضطراب والقلق. ولكي يوحي إلي بالتوازن شرعَ يدندن بأغنيةٍ لم أسمعها من قبل. وحينما وجدني مشغولاً عنه بالصمت، ارتفع صوته بالغناء لكي يُخرجني من صمتي الذي ربما كان يحسبه استغراقاً بما يشغله هو:

" زمان اللي عرفنه كانْ

 عنود وسلّط الحرمانْ

 أخذنه للفرحْ مرّه

 وعشر مرّات للأحزانْ "

انتبهتُ إلى كلمات الأغنية وما تكشفُ عنه من لوعةٍ كامنة في داخلهِ راحَ السُكر يستفزّها فتندلق طليقةً، تبوح بمعاناةٍ مكبوتة مركّزاً على كلمة (الحرمان) فتخرجُ من حنجرتهِ ملتهبةً، وكأنه يختصر بها سنيناً سوداءَ من الجوع والقهر، لكني حاولتُ أن لا أوحي إليه بأني أدركتُ المغزى، فافتعلتُ الانشغال بمتابعةِ دوائر الدخان الذي انفثه من سيجارتي بعبثٍ أو ملل. ارتفعَ صوته أكثر مصحوباً بحشرجةٍ وضيق نفس:

" يا روحي تعالي نذوبْ

 ونكتب للقدرْ مكتوبْ

 يمكن هالفرحْ يفرحْ

 يمكن هالحزنْ يسرحْ

 يمكن هالزمان يتوبْ

 يمكن هالزمان يتوبْ "

تطلعتُ إليه بنظرةِ إشفاقٍ أو عتب على تحويلهِ جلستنا التي أردنا لها أن تمحوَ شيئاً من التعب، وتساعدنا على نسيان الضوضاء التي يثيرها اللاجئون في الباخرة، غير أنه كان قد انفصل عني تماماً كأني لستُ موجوداً معه. ارتفعَ صوته حتى تحول إلى زعيقٍ وحشرجةِ ندبٍ تثير في النفس الشفقة على هذا الكائن المتمزق، المستمتع بحزنهِ كأنه يستحلبُ الحزنَ ليجمعه كلّه في كأسِ اللحظة، موصداً البابَ بوجه بقايا الأمل الذي بدأنا نشعر به بعد وصولنا إلى الدنمارك، والبوادر التي تشير إلى انتهاء مرحلةِ الخوف والحرمان اللذين كنا نشعر بهما في العراق أو إيران وسوريا. حاولتُ أن أوقفه عن الغناءِ أو الصراخ، كيلا نعطي الفرصة لبعض اللاجئين الذين يتحينون الفرصة للإساءة إلينا بسبب ترفعنا عنهم، كاتماً اشمئزازي من حشرجةِ صوتهِ، إلا أنه تجاهلني تماماً كأنه لم يرني أو يسمعني، حتى توقفَ فجأة لاهثاً وقد تراكمَ زبد على شدقيه وتهدلتْ شفته السفلى بشللِ السكر. حاولتُ تهدئته فرفعتُ قنينتي منتظراً أن يرفعَ قنينته لنشربَ ما تبقى فيهما، إلا أنه كان غائباً عني تماماً. أخفضَ رأسه منشغلاً بفركِ فتائل الوسخ على قدمه، ثم انفجر ببكاء غريب.  

وقفتُ خلفه ماداً ذراعيّ تحت إبطيه وحملته عن الأرض فانقادَ إلي باستسلامِ طفلٍ نائم. أجلسته على سريرهِ وهو يرددُ بيت شعرٍ للمعري:

" جسدي خرقةٌ تخاطُ إلى الأر   ضِ فيا خائطَ العوالمِ خطْني "

لوى رقبته ثم سقط جسده هامداً على الفراش. رفعتُ ساقيه بصعوبةٍ ورميتُ البطانية على جسده، وقبل أن أتركه تطلعتُ في وجهه وهو مستسلم لغيبوبته فأحسستُ بحبّ شديدٍ نحوه. حرّكَ جفنيه بصعوبة كأنه كان يراني وأنا أتطلع إليه. فتحَ عينيه راسماً ابتسامةَ سخرية تعلن عن خيبةٍ مُرة وعن لاجدوى تعمّ الوجود. مدّ يده متشبثاً بذراعي بقوة، وبصعوبةٍ همس لي:

" أنا مو سكران ولكني اشتقتُ للـ ... "

توقفَ قليلاً ثم نطقَ بخجل:

" اشتقتُ للعراق. "

أطفأتُ الضوء وارتميتُ على سريري متعباً. لحظات وارتفع صوت أنين مفجوع، يختزلُ سنواتِ الحرمان والقهر، أو يختزنُ العراق.

أسبوعان مرّا على وجودنا في الباخرة، كنّا نفيقُ صباحَ كلّ يوم ونهرعُ إلى الإدارة لنطّلع على القوائم المعلقة على الجدار، والتي تضمّ أسماء اللاجئين المدعوّين للتحقيق النهائي، والذي سيتمّ بعده إصدار أمر الموافقة على قبولِ طلب اللجوء والحصول على الإقامة. وحينما لم تكن أسماؤنا من بين الأسماء المعروضة، نعودُ لإكمال نومنا حتى موعد وجبة الغداء، بعدها يبدأ صراعنا مع الوقت. نتجولُ في ردهاتِ الباخرة بقلق. نجلسُ، ننهضُ ونجلسُ مراتٍ لا تحصى. نطلّ من النوافذ الصغيرة على حركةِ الماء وحركة انفتاحِ الجسرِ عند مرور البواخر تحته. نرقب حركة النسوة. نطيلُ التركيزَ على إحداهن طمعاً بالتفاتةٍ منها أو ربما ابتسامة تكون بداية لعلاقةٍ يكملها الوهم. ليس وهماً فقد أقامَ بعضُ اللاجئين العراقيين (الجَسور منهم أو المحظوظ طبعاً) علاقات عاطفية وجنسية مع نساء إيرانيات وأرتيريات وبولونيات، وقد كانوا موضعَ حسدِ الآخرين.

سجائري نفدتْ، وهذا ما زاد من وطأة القلق. انتبهَ النزيل في غرفتنا إلى أن سجائره تُسرق كل يوم. قال ذلك وهو ينظر إلي بشكّ، وقد كان شكّه في محلّه، فقد كنتُ فعلاً أسرقُ منه كلّ يومٍ علبة نتقاسمها أنا وحميد، حتى أغلقَ عليها حقيبته بقفلٍ وراح يدخنُ بعيداً عني كيلا يُحرجَ حينما أتسولُ منه سيجارة. أخبرنا موظف الصليب الأحمر بأنهم سيعطوننا راتباً أسبوعياً يكفي لشراء سجائر، ولكن مرّ على وجودنا هنا أسبوعان ولم نحصل على الراتب المزعوم على الرغم من تأكيدهم كلما ألححنا بالسؤال.

أفقتُ ظهراً فلم أجد حميد. بحثتُ عنه في ردهاتِ الباخرة وممراتها فلم أجد له أثراً. أخبرني أحدُ اللاجئين بأنه شاهده وهو يخرجُ من الباخرة ذاهباً إلى المدينة. تأكدَ لي أمرُ خروجه بعد أن علمتُ بأنهم صرفوا لنا راتبَ أسبوعين، ولكن أين ذهبَ يا ترى؟. خرجتُ من الباخرة متوجساً، متخذاً الطريق نفسه الذي سلكناه بصحبةِ الصديقِ الذي غاب عنا منذ ذلك اليوم، واضعاً نقاط استرشاد تعينني على العودة. مررتُ بشارعِ المشي، جلستُ في الكافتيريا نفسها مرتشفاً الكابتشينو بلذةٍ وأنا أتطلع إلى الشارع الضاج بعنفوانِ الشباب والشابات، مختلساً نظراتٍ خجولة إلى عاشقين يتعانقان أو يتبادلان قبلاً حارة ويدفئان جسديهما ببعضهما. لفتَ نظري تكنيك جديد للقبلةِ لم أره من قبل، حيث أن الشاب يقف فارجاً ساقيه، ناشراً ذراعيه كجناحي نسرٍ يهمّ بالطيران، دافعاً حوضه إلى الأمام قليلاً. ترتمي هي بين ذراعيهِ دافعةً صدرها بقوةٍ إلى صدره العريض فيحيط كتفيها بذراعه ويده الأخرى تغرز أصابعها عميقاً في عجيزتها، دافعاً بها نحو حوضه وهو يتطلع بكبرياء إلى عينيها المتوسلتين، ثم يفتحُ لها فمه بغيبوبةٍ ماداً لسانه إلى خارجه، فتقرب هي شفتيها ببطء ثم تلتهم شفتيه، ماصةً لسانه بعنفٍ، ودون أن يعيرا انتباهاً لأحد، يطيلان الزقزقة بشهوةٍ تثيرُ الحسرةَ وجنون الجسد.

دخلتُ محطة القطار الكبيرة. جلستُ على مصطبةٍ فارغة وأنا أتطلع في الوجوهِ السمراء لعلي أعثر على أحدٍ أعرفه. كانتِ الأفكارُ تتسارع في ذهني وأنا أتأمل هذه المخلوقات الراكضة كأنها تسابقُ الوقتَ للوصول إلى الفراغ، تتصادم ذواتها بذواتِ الآخرين محدثة دوياً غير مسموع. الوقت يمر بطيئاً، وشعور بالغربة والضياع يستبدّ بي فيشلّ عقلي على الرغم من غليان الخواطر والأفكار في رأسي فتضمحلّ إرادتي وأعجزُ عن القيام بعمل سوى الاستسلام إلى أفكاري التي تصطدم ببعضها.

" الأفعال تتشابه أو تفقد معناها فلا السير يبدو سيراً ولا الوقوف وقوفاً طالماً لا توجد غاية سوى محاولة الهروب من الضياع بضياعٍ آخر أو ببوصلة عاطلة. "

" وحينما يفقدُ فعلُ السير معناه يفقد الطريقُ ملامحه."

" هل يشعرُ الإنسانُ بالضياع حينما يغور في ذاته أم حينما يخرج منها؟ "

" هل المنفى مكان أم لامكان؟ "

" هل المنفى زمان؟ "

" هل لهاجس الجنس علاقة كبيرة بالشعور بالضياع؟ " 

" الضياع هنا يعني فقدان الإنسان لإنسانيته فيتجسد به العدم، عندها يحاول الضائعُ أن يبحثَ عن حيوانيةٍ يثبت بها وجوده."

" حيوانية!!؟ "

" ............... "  

تسللتُ بخوفٍ نحو بوابة المحطةِ الشمالية المؤدية إلى شارع السكس. عبرتُ الشارع بحذرٍ شديد فدخلتُ العالم الأسطوري الذي تصطفّ على جانبيه الميدوزات. خطرتْ في ذهني فكرةُ أن أدخل إحدى الحانات المظلمة، اقتربتُ من إحداها، اجتزتُ ممراً ضيقاً معتماً، خمس درجات موحلة ارتقيتها بحذرٍ نحو باب الحانة، ازدادتْ سرعة نبضي، مطارقُ تطرقُ صدغيّ بعنف. أدرتُ مقبضَ الباب متوجساً من شيء لا أعرفه، فاصطدمتُ بعتمةٍ حمراء وعاصفةٍ من دخانٍ غريب. شممتُ رائحةَ عفونةٍ رطبة كرائحةِ سردابٍ مليء بجثثٍ متفسخة. شعرتُ بدوارٍ فتمسكتُ بمقبضِ البابِ ثم انطلقتُ هارباً نحو الشارع. أحسستُ بوقعِ خطى تتعقبني وصوتٍ يناديني:

" قفْ! "

وصوتُ سحْبِ أقسام بنادق تكاد تلامس ظهري، براثن ستنقض علي. لم ألتفتْ، وحثثتُ خطاي باتجاه لا أعرفه.

" قفْ! "

ضحكةٌ طويلةٌ أطلقتها مومسٌ، كانتْ تقفُ على الرصيفِ حينما رأتني أتعثر بصندوق قمامة. نهضتُ وواصلتُ الركض حتى توقفتُ عند منعطفِ زقاقٍ يحتلّه محلّ كبيرٌ لبيعِ مجلات جنسية وأفلام فيديو ودمى وأيوراً بلاستيكية بمختلف الأحجام. دخلتُ المحل وانزويتُ في ركنٍ بعيد عن أنظار البائعة. رحتُ أقلّب المجلاتِ متلفتاً بين اللحظة والأخرى، محاولاً تقليد بعض الزبائن المشغولين بتقليبِ المجلات. اقتربتْ منّي صبية شقراء فأعدتُ المجلة إلى مكانها على الرفّ وأخفيتُ هوسي. وقفتْ خلفي تماماً حتى سمعتُ صوت أنفاسها. سألتني إن كان بإمكانها أن تساعدني بشيء، فتناولتُ إحدى المجلات وأشرتُ إليها برغبتي في شرائها. تناولتِ المجلة مني دون ارتباكٍ أو إثارة وسارتْ أمامي. كانت ترتدي تنورةً جلديةً سوداء ضيقةً وقصيرة جدا تكشف أعلى فخذيها المتناسقتين، تكاد الشهوةُ تضيء وهي تنزلق عليهما، فيتدفق الدمُ من أناملِ الرائي. دفعتُ لها الثمن ودسستُ المجلة في عبّي وخرجتُ هارباً كسارقٍ يحاول الوصول إلى مكانٍ آمن بعيد عن موقع السرقة. كانت الميدوزات في واجهات المحلات الزجاجية تحدقُ بي فأحسستُ بأن جسدي بدأ يتحجرُ شيئاً فشيئاً. دبّ الرعب بي، هرعتُ مهرولاً عائداً إلى المحطة أبحثُ عن حميد أو أيّ شخصٍ أعرفه. قبل الوصول إلى المحطة أخرجتُ المجلةَ ودون أن أنظر إليها رميتها في حاوية القمامة فشعرتُ بأني تخلصتُ من رزمةِ المنشورات السرية قبل أن يُلقى القبض علي. في المحطة كنتُ أحاذر السير وحدي حاشراً نفسي في مجاميعِ المسافرين كي أكون بعيداً عن عدسات الكاميرات التي تترصدني، عيون رجال الشرطة بهراواتهم المشهرة. عبد الحسين ملا راضي معلمُ الدين بعصاه الغليظة يركض خلفي مردداً " والزانية والزاني فاجلدوهما مائة جلدة "، رفاقي يتجمهرون دوائرَ دوائرَ وهم يتهامسون بشماتةٍ لافتضاحِ أمر هذا الغامض الذي يدّعي العفّةَ والترفع، أبي برأسه العاري يحملُ عقالَه وقد أفرده سوطاً يضرب به الهواء يعلنُ براءته من هذا الولد العاق، أمي جالسة على أرض الرصيف، فارجةً ساقيها وتلعنُ الرحمَ الذي حملَ هذا (الأدبسز)، أخوتي.. سارقو الجواميس يضحكون ساخرين من سارقِ البقرةِ المستجد، أخواتي المتلفعات بعباءاتهن السود يولولنَ حسرةً على هذا الذي شقّ عصا الطاعة ولوّثَ شرفَ العائلة بالوحل....

توقفتُ عند كشكٍ صغيرٍ، وفرحتُ حينما وجدتُ صحيفةَ (الشرق الأوسط) في واجهة الكشك. اشتريتها وعدتُ مسرعاً سالكاً الطريق نفسه إلى الباخرة.

في الباخرةِ جلستُ عند نافذةٍ صغيرة تطلّ على البحرِ، ورحتُ أقرأ الصحيفةَ مبتدئاً بالعناوين الكبيرة والصفحة الثقافية حتى أكملتها كلها. لم أترك حرفاً واحداً إلا ومررت عليه، حتى الأبراج والصفحات الرياضية والاقتصادية التي لم أفهم منها شيئاً. وبينما كنتُ مشغولاً بحلّ الكلماتِ المتقاطعة رأيتُ حميد واقفاً أمامي مرتبكاً تلوحُ على شفتيه ابتسامة حزينة. أخفيتُ قلقي عليه متظاهراً باللاأبالية. جلس أمامي صامتاً، واضعاً رأسه بين كفيهِ، وبين حينٍ وآخر يُصدِرُ صوتَ تأوهٍ فحسبتُ أنه ينتظر أن أدفعَ إليه الجريدة، وهذا ما فعلته. تناول الجريدة، قلّب صفحاتها بعبث، قرأ العناوين الكبيرة ثم رمى بها على الطاولة التي تفصلُ بيننا.

" أين كنتَ؟ "

سألته فلم يجبني فأضفتُ:

" بحثتُ عنك طويلاً. "

تطلعَ إليّ بنظراتٍ باردة ثم نهضَ دون أن ينطق بكلمةٍ وغادرَ المكان.

أدركتُ أنه يخفي عني أمراً، ولأني خبرته لا يخفي سراً وأنه سوف يبوحُ لي بعد قليل من الإلحاح فقد تبعته مسرعاً. دخلتُ الغرفة فوجدته جالساً على حافة السرير واضعاً رأسه بين كفيه. جلستُ قبالته وسألتُه مستفسراً عن سبب حزنه فلم يجبني. ارتفع صوتي وأنا أهزّ ذراعه بقوة:

" قل لي ما بك؟ "

" لا شيء، لا شيء. "

راح يردد بأسى. توقفتُ عن إلحاحي بالسؤال ونهضتُ. وقبل أن أغادر الغرفة سمعتُ شهقاته وصوت تمخطه. التفتُّ إليه ثم عدتُ واقفاً قبالته وأنا أنظر إليه متوقعاً منه ردة فعل غريبة. وفعلاً وأنا أتطلع إليه ونظراتي المستفسِرة عن السرّ تحاصره، انفجر ببكاء وصراخٍ هيستيري. جلستُ على سريري أدخنُ بصمتٍ منتظراً بقلقٍ شديد انتهاء نوبة بكائه كي يتسنى لي السؤال عن السبب. توقف عن البكاء. تركتُ فاصلاً زمنياً قبل أن أبدأ بالاستفسار منه عن وضعه، وحينما تهيأتُ لذلك وجدته قد غطّ في النوم وقد ارتفعَ أنينه المكبوت كبغامِ غزالةٍ خائفة.

في فترة العشاء عدتُ إلى الغرفة كي أوقظه فلم يستيقظ. كانَ هامداً، ولولا صوتُ أنينه وحركةُ صدرهِ لحسبته ميتاً. تلمستُ جبهته، كانتْ ساخنةً والعرقُ ينزّ منها بغزارة. ذهبتُ إلى الإدارة وأخبرتهم بالأمر فجاء معي طبيب شاب أو ممرض. فحصهُ بعنايةٍ مبالغ بها وطمأنني بأنها مجرد حمى بسبب البرد ستزول خلال يومين. تناولَ قرصي بانوديل وعاد إلى النوم. قضيتُ الليل ساهراً جنبه أصغي إلى تنفسه وثرثرتهِ الغريبة، شاحذاً فراستي لمعرفةِ أسباب اضطرابه وحزنه الذي دفعه إلى التخلي عن كبريائه.

" لابد من أمرٍ هامّ قد حدث له أثناء غيابه. "

" هل اعتدى عليه أحد؟ "

وقد حذرنا بعض اللاجئين من وجود عنصريين دنماركيين يعتدون على الأجانب خاصة إذا كان الأجنبي يسير وحيداً. 

" هل استلم رسالةً من أهله تحمل أخباراً فاجعة؟ "

" أم .....؟ "

وكنت أعرف بأنه قد أرسل رسالة إلى أهله في اليوم الثاني لوصولنا الدنمارك يخبرهم بوصوله، وقد ندمَ بعد أن رمى الرسالة في صندوق البريد حيث أنه كتب عنوانه الذي يشير بوضوح إلى منظمة الصليب الأحمر.

" هل وقعت الرسالة بيد جهاز الأمن العراقي فاعتقلوا أهله بسببها؟ "

" .............. "

حينما استيقظتُ ظهراً لم أجده في فراشه فنهضتُ مسرعاً، أبحث عنه.

لخوفي عليه أكثر من مبررٍ فقد أخبرني أمسِ ونحن واقفان على سطح الباخرة ونطلّ على البحر بمياهه الصافية والتي يمكن للعين أن ترى عمق بضع أمتار منه:

" تعرفْ، لو قررتُ الانتحار يوماً فسأختار البحر أرمي نفسي فيه. "

ارتعبتُ عند سماعي كلامه لأني كنتُ في تلك اللحظة أفكر بالفكرة نفسها وقد كدتُ أنطقها لولا أنه سبقني بعشرِ ثانيةٍ. سحبته من ذراعهِ فزعاً إلى داخل الباخرة متحججاً بالبرد.

" عفواً.. وأنا أكتبُ ذلك تسربَ الشكّ إلى ذاكرتي، فأنا لستُ متأكداً الآن مِنْ منّا كان السابقَ إلى نطقِ هذه الجملة، أعني الرغبة في الانتحار. " 

سألتُ نزيلاً ثالثاً يشاركنا الغرفة، فأخبرني بأنه شاهد حميد جالساً في الصالة الكبيرة. ذهبتُ هناك فلم أجده. بحثتُ عنه بقلقٍ فوجدتُه جالساً عند النافذة الصغيرة، يطلّ منها على البحر. حينما شعرَ باقترابي منه رفعَ رأسه فلاحتْ على وجهه ابتسامة خجلٍ فأدركتُ رغبته بالبوح، لكني تمهلتُ قليلاً حتى يبادرَ هو نفسه، غير أنه استمر بصمتهِ مما أفقدني صبري فبادرته بالسؤال:

" ما بك؟ "

" لا شيء. "

أجاب دون أن يرفعَ رأسه نحوي، لكنّ ابتسامةً لم استطع تفسيرها كانت تلوح على وجهه. أغاظني تمنعه فتركته لصمتهِ، لكنّ الفضولَ أعادني بعد فترةٍ قصيرة من الصمت إلى محاولة استدراجهِ، فسألته عن كلّ ما دارَ في ذهني أمس من هواجس، وفي كلّ مرةٍ كان جوابه مقتضباً، ومختصراً بكلمة واحدة " لا ". خجلتُ من إلحاحي واهتمامي الزائد بشخصٍ لا يستحق كل هذا الاهتمام فتركته ونهضت. لم تمضِ سوى بضع دقائق حتى وجدته أمامي كأنه جاء يعتذر من فظاظة مزاجه. جلسَ أمامي مطأطئاً رأسه كطفلٍ مذنب فلم أعره اهتماماً. راحَ يحركُ منفضةَ السجائر بعبثٍ وينقر على الطاولة محاولاً لفت انتباهي إليه. تطلعتُ إليه بنظرةِ تأنيبٍ وسخرية. تطلع إلي بنظرةِ ودّ حزينة فتبدد حنقي عليه. فتحَ فمه ليقول شيئاً لكن بدا أمامي متعباً ومكسوراً. الكلماتُ تعثرتْ ما بين حنجرته وشفتيه فأختنق بالسعال. عاد إلي الشعور بالشفقة على هذا الكائن الذي يتمزق أمامي وأعجز عن مساعدته. سألته بلهجةٍ ودودة وبنظرةِ توسل:

" حميد أرجوك، قلْ لي ما بك؟ "

" لا شيء. "

قالَ ولكنْ لم يكن جوابه كالسابق، حيث أنه ظلّ محدقاً بي ليواصل الكلام فأبديتُ إليه استعدادي لسماع كلامه، حتى خرجت الدرة التي كنت أنتظر خروجها من شفتيه بعد تلعثم وخذلان. قالَ وهو يحركُ بإصبعه الرماد في منفضةِ السجائر وينظر إلى جهةٍ بعيدة:

" هذا هو النيك الذي كنتُ أفكر به كل هذه السنين!؟ "

تطلعتُ إليه مصغياً إلى ما سيقوله غير أني أدركت بعد لحظات خاطفة بأن هذه الجملة التي تقيأها هي السمّ الذي مزق أحشاءه أمس، فقرأت في ملامح وجهه خيبة الأمل من حلمٍ كان يراوده طوال سنين عديدة، وشكّل بالنسبة إليه هاجساً كان يراوده كلّ لحظةٍ من سنواتِ عمره الثلاثين، أو لنقلْ منذ اللحظة الأولى لاكتشافهِ لأعضائه الجنسية. تطلعتُ إليهِ بودّ دون أن أستطيعَ إخفاءَ ابتسامةِ سخرية ارتسمتْ على شفتيّ، برغم حرصي على عدمِ جرحِ مشاعره في هذه اللحظات بالذات لفرط حساسيته.

" وماذا كنت تتصور؟ "

قلتُ بلهجةِ الخبيرِ العارف فتطلعَ إلي بوجهٍ طافحٍ بالحزن وبنظرات جدّ. لم أستطع تمالك نفسي فانفجرتُ بضحكة عالية. ضحكتُ .. ضحكتُ. حاولَ أن يصطنعَ ضحكةً أو ابتسامة، إلا أنه لم يستطعْ فتلعثمَ كأن حجراً توقفَ في بلعومه. وحينما لم يستطع مجاراة ضحكي، تركَ الطاولةَ هارباً إلى زاوية ما في عزلته.

في المساءِ خرجتُ من الباخرة واشتريتُ عشر قناني بيرة من محل قريب احتفالاً بانتهاء عذرية صاحبي. كان واقفاً بانتظاري فسجائره نفدتْ، ولا يملك ثمن شراء سيجارة بعد أن أشترى براتبِ الأسبوعين كله لحظةً كان ينتظرها سنوات.

جلسنا صامتين، عارياً يحاول سترَ عورتهِ بيديه، وآخرَ ينظر إليه بسخريةٍ جارحة. كان حميد يدخن بشراهةٍ ويشربُ بسرعة كأنه يحاولُ الخروج من دائرةِ الحالة التي تضيق عليه، وكلما حاولتُ الاقترابَ من الموضوع يغيّر مجرى الحديث خجلاً أو ربما كان يتحاشى الألم الذي تسببه له خيبةُ الأمل بمتعةٍ كان يتصورها أكبر من ذلك بكثير وبحجم اللوعة ولهفة الانتظار، غير أنه لم يكنْ يملك إرادة أبي نؤاس لكي يقول للخمرة " قفي " بعد أن دبّ دبيبها واقتربتْ من موطن الأسرار، فراحَ يغني أغاني الخيبة، بإشاراتٍ كان يحسب غافلاً أنني من الطيبة بحيث لم أستطع تلقفها وتأويلها.

" هل تذكر جارنا عباس بن حجي زامل؟ "

سألته فتطلعَ إلي بجدّ وسألني بفرحٍ ظناً منه بأني نسيتُ الأمر وعدتُ أقلّب كتابَ الذكريات فسألني بلهفةٍ:

" ما به؟ "

فرحتُ أؤكد له متعجباً من نسيانه:

" عباس الذي سقطَ من السقّالة وهو يصبغ واجهةَ بيتهم قبل يومين من دخلته. "

عقدَ ما بين حاجبيه محاولاً أن يتذكرَ صورة عباس، وحينما عجزَ رحتُ أذكّره بشيء من الإطناب:

" ألا تذكر عباس الذي كان يطاردُ الصبيان، ويقفُ على شط دجلة، متكئاً على دراجته وهو يتطلعُ إلى أجسادهم بشهوة ثم يختبئ بين سيقان القصب يضرب ... "

" ما به؟ "

قاطعني كأنه يريد أن يسمعَ نهايةَ الحكاية دون التفاصيل، إلا أني رحتُ أؤكد عليه مصرّاً على رسمِ صورة عباس كاملة، ولو أني كنت على يقين بأن حميد يتذكره جيداً لكنه يتهربُ خوفاً من المقارنة بينه وبين عباس:

" قيلَ إنه هددّ أباه مرةً حيث قال له سأنيكك إذا لم تُزوّجني. "

 بدا المللُ على وجه حميد وهو ينظرُ إلي بتوجسٍ وأنا غارق في الضحك ليعرفَ نهاية الحكاية حتى توقفتُ عن الضحك وهو يحثني كي يعرفَ سبب تذكري القصة في هذه اللحظة بالذات، وهل لقصة عباس علاقة بما هو فيه، فرحتُ أردد:

" المسكين سقطَ من السقالة قبل أن يذوق طعم الكس. "

نظرَ إلي باستهجانٍ مفتعلاً العفة فلم أعره اهتمامي وواصلتُ حديثي:

" كان عمري وقتذاك عشر سنوات ولم أكن أعي هذه الأمور بعد. "

" ............. "

" حينما علمنا بخبرِ موته في المستشفى علقتُ بكلام أغاظ أخواتي العوانس "

" ............ "

" قلت أما كان بإمكان عزرائيل أن ينتظر ثلاثة أيام فنهرتني أختي الكبيرة غاضبة من وقاحتي واعتراضي على مشيئة الله. "

" ............. "

" الآن عرفت لماذا كانت أخواتي فرحات بموت عباس. "

تطلعَ حميد إليّ ثم انفجرَ بضحكةٍ حتى انقلب على ظهره.

تلك الليلة ضحكنا ... ضحكنا حد البكاء.

ضحكتُ .. ضحكتُ ..

حتى انتبهتُ على صوتِ حفيفِ أجنحة تقترب من نافذتي. أدركتُ بأنّ ساعاتٍ طويلةً من النهار قد مرتْ وأنا مستغرق باستعادةِ حكاية حميد وخيبته. نهضتُ بلهفةٍ لرؤية نورسي، إلا أني عدتُ خائباً فقد كان سربٌ من النوارس يتجمع عند شرفة جارتي العجوز.

" هل رحل؟ "

" هل كان وجوده لإغاظتي فحسب، وحينما أشبعَ رغبته بالانتقام مني ترفعَ فلم أعدْ إليه نداً يستحق المشاكسة؟ "

" هل مات في أيامِ عسلهِ رابحاً من قدره أيامَ متعةٍ قليلة لم يحظَ بها عباس بن حجي زامل؟ "

أسدلتُ ستارةَ النافذة ودخلت عتمتي.

في اليوم التالي قررتُ منذ الصباح أن أطردَ أوهامي، ولن أدعَ خواطرَ جنوني تفرضُ نفسها عليّ فتغريني بأن أتسلقَ جذعَ الفراغ لأجد نفسي معلقاً بثمرةِ الوهم، ثم وفي لحظةٍ مفاجئة أسقطُ مرتطماً بأرضِ الواقع الصلدة فأنهضُ مكسورَ الخاطر. لقد أرهقتني تلك الخواطرُ التي تسحبني من عناني نحو الماضي فلم أستفقْ منها إلا بعد أن يجرحَ اللجامُ فمي وتسيل الدماء من صوتِ استغاثتي. أرهقتني الأصواتُ التي تنطلقُ من جهة ما وأسمعها بوضوح، تدفعني دون إرادةٍ مني للرحيل إلى الماضي وكأنما حُكمَ عليّ أن أقضي ما تبقى لي من العمر واقفاً في مكاني أو جالساً أرمم ذاكرتي، أجلوها من صدأ الحاضر، أستعيدُ تفاصيلها الغارقة في العتمة حتى استبدّ بي شعور بأني لستُ حقيقياً أو ربما اختلطتْ عليّ الحقيقة فلم أعد أعرف مَنْ أنا أو ما أنا، لكني هذا الصباح قررتُ أن أضعَ حداً لاستبداد أوهامي. نهضتُ بتثاقلٍ بعد أن استنفدتُ كلّ طاقتي على مساومةِ النوم لدقائق إضافية. كانتْ أذني اليمنى تؤلمني ورغبةٌ تأكل أسناني. حاولتُ نسيان الألم بالحركة. ذهبتُ إلى المطبخ وعملتُ فطوراً من البيض المقلي وكأس شاي أسود. جلستُ، بعد أن أتممتُ الفطور دون أن أشعر، أمام جهاز التلفزيون الذي تراكمَ الغبارُ على شاشتهِ بسبب إهمالي له، ورحتُ أدخنُ متناسياً تحذيرات الطبيب. فكرتُ أن أزيلَ بعض الغبار إلا أني تكاسلتُ فعدتُ إلى كرسيي بعد أن ضغطتُ على زر التلفزيون. شاهدتُ نشرة الأخبار: حروب، قتلى، أسرى، تفجيرات، معتقلات، أمريكا، العراق، أفغانستان، إرهاب، إعصار مدمر، هزة أرضية، سقوط طائرة، جياع، خراب، دمار، حطام، ركام.. ركام.. ركام حديد، ركام بشر، فناء...

" تفووووو "

اهتزت الأرض تحتي. دبّ إلى نفسي الضجر فرحتُ أضغط على أزرار الريمونت كونترول بعبثٍ حتى توقفتُ عند فيلم استهوتني فيه لقطةُ غزلٍ وقبلة مثيرة. تابعتُها بشغفٍ ويدي تتحرك بجنونٍ على إيقاع يد البطلِ وهي تعزفُ على جسد فاتنته، يعرّيها ويدي تتلمس الفراغ تشكّل منه خارطةَ جسد أنثى ساحر. انغمرَ كلانا بلعبته، يحلُّ البطلُ أزرارَ قميص عشيقتهِ فتمتدّ يدي نحو الفضاء تمزّقه، يقبّلُ عنقَ زرافتهِ فأنشبُ أنيابي في عنق الهواء، يعتصر البطلُ جمرةَ النهد فأرتشفُ أنا لظى الحلمةِ وأبللُ شبقَ لساني المتخشب، يطرق بابَ شهوتها فأدخلُ دهليزَ غيبوبتي، يغمض عينيه، تسقط قطرةُ عرقٍ مالحةٌ تحرق عيني، لهاث، صراخ، حمى، رعشة، ... حتى انتهينا معاً في لحظة واحدة. ذهبتُ إلى الحمّام، وحينما عدتُ كان البطلُ محاصراً في زاوية الغرفة، عارياً وعشيقته تقف أمامه عارية، شاهرةً مسدساً بوجهه. كانا يرتعشان من الخوف أو اللذة وكنت أتابع اللقطة مشلولاً. يتوسلُ فتزدادُ جبروتاً وأزدادُ غضباً. يركعُ رافعاً يديه مستسلماً. أنهضُ من الصوفة وأتقدمُ ببطءٍ نحو التلفزيون. تتقدم نحوه. ينكمش على نفسه. أتقدمُ نحوها من الخلفِ ويدي تحاولُ تكميمَ أنفها وفمها. يرفع يده. تصرخ به. أحاولُ ليَّ ذراعها، لكنْ.. دوّت ثلاثُ إطلاقات، أردته قتيلاً متمرغاً بدمه، الدم الذي انبثقَ من وسط جبهته كنافورةٍ حتى غطى وجه البطل وجسده. انهارَ جسدي وسقطتُ على الصوفة.  اصطبغَ المشهد بالدم. غطّى شاشة التلفزيون، وسالَ خيط منه خارج الشاشة. سالَ على أرضية الصالة بحركةٍ بطيئة لكنها واضحة متوجهاً نحوي. اقترب من قدميّ. رفعتُ ساقيّ بلا وعي فمرّ من تحتي. اصطدمَ بالجدار فالتفَ محاذياً محيط الصالة. هربتُ نحو المطبخ. غسلتُ يديّ من آثار الجريمة. رششتُ وجهي بحفنات من الماء. هدأتْ أنفاسي قليلاً. سارتْ بي قدماي دون وعيّ مني إلى موقع الجريمة. لم ينتهِ الفيلم لكني أطفأتُ التلفزيون خارجاً من فيلمي بكآبة وحزن، ربما بسببِ شعوري أن الأفلام كلها مفرطة بواقعيتها. شعرتُ للحظةٍ أني مجموعة من الأسلاكِ الممغنطة والملتفّة على بعضها. شعرتُ.. لا أدري.. هل كنتُ أشعر؟.. بدأتُ أشكُ في وجودي الإنساني، لستُ حزيناً أو سعيداً، لستُ قلقاً .. أنا بدون مشاعر.. أنا تمثال حجري.. آلة.. قامة فراغ.. أنا حذاء ملطّخ بالوحلِ أو الدم أو لا أدري.. أنا...

" مَنْ أنتَ؟ أقصدُ مَنْ أنا؟ "

 ركضتُ نحو الحمّام وتطلعتُ في المرآة فرأيتُ صورةَ إنسانٍ لا أعرفه. هي صورتي بالتأكيد ولكن بملامح متداخلة ببعضها، الفمُ فوق الأنف، العينان في الجبهة، يتموجُ الفكّ الأسفل، يسقطُ فتظهرُ أسنان صفر منخورة تحتل المرآة ولسان أسودُ يندلق كلسانِ كلبٍ متعب. أشحتُ بوجهي عن المرآة فلمحتُ موسى الحلاقة على المغسلة برّاقاً. اشتهيته. امتدتْ يدي نحوه لكني رميته خائفاً. عادت صورتي إلى المرآة.  

" مَنْ أنا؟ "

" مَنْ أنتَ؟ "

" أنتَ الأعزل. "

" العاطل عن الحياة. "

" ما الحلّ؟ "

" ............. "

" ............. "

صوتٌ يتحدث برزانةٍ مفتعلة وببطء:

" أظنُّ.. أنك.. في.. وحدتك.. المفرطة.. والرتابة.. القاتلة.. نسيتَ.. أن.. وجودك ال ..إنسانيّ.. متعلق.. بالآخرين. "

يختفي الصوت. طنينٌ في رأسي. صدى يترددُ:

" .. متعلقٌ بالآخرين نننننننن "

حتى يتلاشى.

" .. الآخرين!؟ "

" ولكن أين هم؟ "

" هل أنا معهم الآن؟ "

" بل هل كنتُ يوماً معهم؟ "

" هل أنا غصن مقطوع من شجرة؟ "

" أم أنا شجرة استوائية أحرقتها الشمس؟ "

" يا لبؤس الصورة التي تُظهرها روحٌ آلية! "

" ما نفع القلب النابض في جسدِ التمثال؟ "

" مَنْ أنا؟ "

" ................ "

" ................ "

" إذاً سأذهبُ إلى النوم ثانية لعلّي استيقظ فأجدُ أن كلّ سنوات حياتي السابقة كانت مجرد كابوس، وأن أذني عادت إلى سابق عهدها، خفيفة، تُصغي إلى موسيقى الوجود القادمة من سموات بعيدة أو تسمع النداء. "

تقلّبتُ طويلاً في الفراش كأني أصارع كوابيسي التي هجمتْ عليّ ككورةِِ زنابير. أهشّها بذراعيّ لأبعدها عن رأسي. تطنّ.. تطنّ.. تطنّ. تدخلُ صيوان أذني، تدورُ، تخترقُ تجاويفَ سمعي، تلسعُ مخي، يتورمُ رأسي، يكبرُ.. يكبرُ حتى يصبحَ ككرةٍ حديديةٍ كبيرة، ويضمحل جسدي. تعبتُ، شعرتُ بالعجزِ عن الإفلات من قبضةِ الكابوس وضاق نَفَسي فنهضتُ مرعوباً. ماسكاً رأسي كيلا يسقطَ. رحتُ أذرع شقتي ما بين المطبخ والصالة مراتٍ لا تحصى حتى مللتُ فتوقفتُ عند النافذة متطلعاً إلى الأفق البعيد عسى أن يُفتحَ بابٌ فيندلقُ شيءٌ من الفرح علي.

ارتفعَ صراخُ النوارس وعراكها على قطعِ الخبز. انسحبتُ ضجراً، وقبل أن أكملَ إسدال ستارة النافذة، لمحتُه أمامي على سطح البناية المقابلة لنافذتي. أطالَ عنقه وأمالَ رأسه قليلاً، محدّقاً إلي كأنه يُنبئني بوجودهِ وحيداً خارجَ السربِ المشغولِ بالبحث عن فضلاتِ الطعام، محققاً تفرده ووحدانيته خارج اللعبة التي تشغلني وتشغل الكائنات الحية. نهضَ ببطء رافعاً جناحيهِ بكبرياء، دافعاً الأرضَ بقدمهِ الوحيدة، منطلقاً في الفضاء، تاركاً بقية النوارس تتصارعُ على حقها خبزاً يابساً تتسوله من الحياة ليستمرَ وجودها.

مرةً قال لي صاحبي ساخراً وربما مشفقاً حينما أخبرته دون وعي مني عما يدور في ذهني من أفكار غريبة أو مجنونة:

" عليك مراجعة طبيب نفسي. "

ثم أضافَ كي يخفف من وطأة كلامه:

" لابد لهذه الأوهام من مُسببٍ. إنها أمر طبيعي ويسهل علاجه. "

تطلعتُ إليه ساخراً وأجبته بثقةٍ:

" مَنْ يعشْ وحدتي يرَ الحقيقةَ بعين الوهم. "

قفزَ من كرسيهِ وهو يرددُ بإعجاب:

" الله .. الله.. "

ثم راحَ يذكّرني بهذه العبارة مازحاً كلما التقينا. بعدها قررتُ أن لا أبوح لأحدٍ بحقيقةِ وهمي، بل إني اعتبرتُ ذلك هبةً اصطفاني الله بها وحدي دون سائر خلقهِ على الرغم من الشكوكِ التي تخطرُ في ذهني حولَ حقيقةِ ما أرى وأسمعُ، حتى جاءتْ تلك اللحظةُ التي قطعتْ خيطَ الظنّ، وتجسدَ الوهم أمامي حقيقةُ ويقيناً لا يساوره الشك.

غادرتِ النوارسُ المكانَ بعد أن شبعتْ وأغلقتْ جارتي العجوز النافذة. تركَ الصبيةُ ساحةَ اللعب وتسللوا إلى بيوتهم. انفضّتْ مجالسُ النسوة التركيات والفلسطينيات وغادرنَ المكانَ متثائبات، حاملات سلالهنّ المليئة بأكوابِ الشاي وعلب المعجنات. مرتْ جارتي الشقراءُ من أمام نافذتي مزهوة بجسدها الذي لوّحته الشمس فغدا برونزياً صارخَ الشهوة، تطلعتْ إلي بزاوية عينها، لاويةً عنقها بغنج كأنها تقول:

" إلى اللقاء غداً، سأهبكَ فرصةَ التلصصِ على جسدي. "

كانتِ الساعة تشيرُ إلى العاشرة مساءً والشمس أوشكتْ على المغيب، حينما حطّ نورسي فجأة على حاجز البرندة دون أن يُحدثَ صوتاً كأنه جاءَ بزيارةٍ سرية أو لكي يُبلغني أمراً هاماً، فهذهِ المرة الأولى التي يقتربُ فيها من نافذتي منذ أن انقطع عن مشاكستي. وقفَ على ساقهِ بثباتٍ، مديراً رقبته كأنه يبحث عني. فتحتُ بابَ البرندة بحذرٍ كيلا يفزع. اقتربتُ منه شيئاً فشيئاً. لم يهربْ كما كنتُ أتوقع بل أحنى رأسه باسطاً جناحيه، مطقطقاً بمنقارهِ ومصدراً أصواتاً غريبة. مددتُ يدي نحوه، لم يتزعزعْ من مكانه. مسّدتُ ريشه الناصعَ ورقبته فأطالها بنشوة. أدركتُ أنه بدأ يألفُ عشرتي معه.

" هل تركتكَ أنثاك؟ "

" هل خانتكَ مع نورسٍ آخر؟ "

" هه.. "

" هل دفعتكَ الوحدةُ إليّ أيها الطائر البائس؟ "

كانَ يتطلعُ إلي بنظراتٍ لا أستطيع تأويلها (بالتأكيد)، لكني شعرتُ بأنه يشعرُ بالأمانِ في حضرتي، بل شطّ خيالي فحسبته وحياً جاء برسالةٍ من إلهٍ تذكرني أخيراً ليقول لي " اقرأ! " وتهيأتُ لرفضي القاطع " لستُ بقارئ "، وحينما سيلحّ عليّ بـ " اقرأ " سأعتذرُ بأدبٍ عن حملِ رسالته، وإذا أصبحَ فظّاً بإلحاحه فسأبررُ رفضي بأني " لن أجدَ منْ سأُقرِئه الرسالة. " وإن هدّدني بجحيمهِ فسألقنه درساً فلسفياً لن ينساه. سأقول له " اذهبْ أنت إلى الجحيم أيها العجوز الخرف، ألم تدركْ بعد أن الآخرين هم الجحيم؟ ".

" فأية رسالة تحملها لي أيها النورسُ الغريب؟ "

رددتُ مع نفسي فردّ عليّ صوتٌ لا أعرف مصدره:

" ألستَ القائلَ مَنْ يعش وحدتي يرَ الحقيقةَ بعين الوهم؟ "

" أجلْ. "

أجبتُ دون وعيّ معتزاً بوهمي، لكني تداركتُ الأمر منتبهاً إلى أني أتحدث مع نفسي بصوتٍ عالٍ فعدتُ إلى النورس المستكينِ بين يديّ. بسطتُ له كفيّ فنطّ عليها كأنه كانَ بانتظار ذلك. ثبّتَ ساقه على كفي دون أن يغرزَ براثنه الناعمة فيها، وبحركةٍ بطيئةٍ أخرجَ من بين ريشِ بطنه ساقه الأخرى وهو يتطلع إلي كأنه يترقبُ ردة فعلي واندهاشي. مدّها أمامي بحركةٍ استعراضيةٍ ذات مغزى ثم استقرّ على كفيّ بساقيه الرهيفتين. تطلعتُ إليه بتعجبٍ، ولكن أنّى لي أن أعرف المغزى؟. فتحَ منقاره مطقطقاً. عاد الصوت يرنّ في أذني:

" انظرْ! "

نظرتُ إلى كلّ الجهاتِ فلم أرَ مصدرَ الصوت أو شيئاً يلفت الانتباه.

" هذهِ الأرض ُ لا تستحقُ أن أطأها بقدمين. "

" ............. "

" لم تعدْ الأرضُ مكاناً للرسوخ. "

" ................. "

" فطرْ إنْ كنتَ يوماً ذا جناحٍ... "

تطلعَ النورسُ إليّ كأنه ينتظرني أن أكملَ بيتَ المعري فأطعتُ رغبته مردداً:

" فأنّ قوادمَ البازي يهضنه. "

وقبل أن أحددَ مصدرَ الصوت، راحَ الصوتُ يبتعد شيئاً فشيئاً مردداً " فطرْ إن كنتَ يوماً ذا جَناحٍ.. "  وكنتُ أصغي إليه حتى تلاشى. عدتُ إلى النورس، أفلّي ريشه بحنوّ. رفعتهُ. ضممته إلى صدري فأصدرَ صوتَ قرقرةٍ كأنه بكاء. ضممتُه بقوةٍ وحذرٍ، فأدخلَ رأسه تحت إبطي.شعرتُ بنعومة ريشه وبحركة تنفسه السريعة وضربات نبضه. خاطبته بانخذالٍ وذلّ كأني أعترفُ أمامه بخطاياي، أو أبوحُ له بحزني:

" أيها النورس، لستُ قابيلَ كي تعلّمني كيف أدفنَ جثةَ أخي. "

ارتفعَ صوتُ أنينه كأنه نحيبُ مفجوعٍ، فعدتُ إلى مخاطبتهِ وقد اختنقَ بَوحي متكسراً في صدري حسراتٍ كاوية:

" علّمْني.. كيفَ.. أدفنُ.. جثتي. "

لا أدري كم مرّ من الوقت، فالشمسُ أكملتْ مغيبها لكن مازالتْ بقايا الضوء تنير مساحة الرؤية، فعادةً ما يكون الظلامُ في مثل هذا الوقت من الصيف الدنماركي شفيفاً. سحبَ النورسُ رأسَه من تحت إبطي بتردد ٍثم راحَ ينقرُ بهمسِ منقاره موضعَ قلبي. رفعَ رأسه نحوي وبحركةٍ رشيقةٍ نطَّ على جدارِ البرندة. عاد واقفاً على ساقٍ واحدةٍ متطلعاً إلي بإشفاقٍ فخمّنتُ أن لحظةَ رحيلهِ قد أزفتْ. مددتُ يدي نحوه ممسداً ريشه الأبيضَ كنقاءِ ملاك. حرّكَ جناحيه فنشر هواء منعشاً لامسَ وجهي، ثم ركلَ الأرضَ بقدمهِ محلّقاً في الفضاءِ منطلقاً باتجاهٍ عمودي وبسرعةٍ فائقة. صرختُ به:

" انتظرْ!"

سمعتُ صدى صوتي يتردد، فصرختُ بصوتٍ أعلى:

" أيها النورسُ.. علّمني كيف أدفن جثتي! "

فجاءني صوته مخترقاً الظلامِ بوضوح:

" هيهات.. لم تعد الأرضُ مكاناً للرسوخ. "

ارتفعَ.. ارتفعَ، حتى أصبحَ نقطةً بيضاءَ صغيرةً في قلبِ الظلام، ولم يعدْ بيننا غير مسافةِ السكون. أشعلتُ سيجارةً ورحتُ أنفثُ دخانها بوجه السماء البعيدة جداً متمتماً بصلاةِ مجنونٍ ودعاءِ كافر.

مسحتُ وجهي المتشنجَ بكفيّ فلمستُ الدموع التي انهمرتْ دون أن أشعر فتبللتْ لحيتي. وقبل أن أفتحَ باب البرندة وأدخل الصالة، سمعتُ أزيزاً قادماً من السماء كأزيزِ قذيفةٍ عابرة. توقفتُ رافعاً رأسي باتجاه الصوت الذي راحَ يرتفع كلما اقتربَ من الأرض. لاحَ لي النورس محلّقاً في الفضاء ومتجهاً نحو الأرض بسرعة قصوى كطائرة حربية تنقضّ على الهدف. ازدادتْ سرعتُه وهو يقتربُ من الأرض. توقفَ الزمن. توقفتْ نبضات قلبي ولم أعدْ أسمع سوى أزيزٍ يصم أذنيّ. دقائقَ.. ثواني .. لحظاتٍ.. وارتطمَ في الأرض على مبعدةِ بضعةِ أمتارٍ مني. تسلقتُ جدارَ البرندة ورميتُ بنفسي خارجاً. نهضتُ بصعوبةٍ وهرولتُ إلى المكان، حتى توقفتُ عند النيزكِ الساقطِ من السماء. كان هامداً، حاضناً الأرض بجناحيهِ بحنوّ ومنقاره مغروز عميقاً في الأرض. حاولتُ أنْ أحمله فلم أستطعْ كأنه أصبح قطعةً من الأرض. تركتهُ وعدتُ إلى شقتي.

كان شعور بالأسى يغلي في داخلي، وكنتُ أسمعُ بصفاءٍ ووضوح صوتَه القادمَ من كلّ الجهات:

" لم تعد الأرضُ مكاناً للرسوخ. "

 

 

رحلةٌ مُلغاة

لم أفاجَأ ولم أخفْ حينما تلمستُ ورماً في أحد أضلاعي، راحَ يكبرُ بسرعةٍ محسوسة، فقد كنتُ على يقينٍ في تلك اللحظة بأني أبو الخلقِ آدم. وفعلاً انشقّ صدري وخرجتْ حوّائي. شممتُ عريَها قبل أن أفتحَ عيني. شعرتُ بأنها انحنتْ عليّ حينما اصطدمتْ أنفاسها بوجهي وغطاني شعرها الطويل. شعرتُ بدفء رائحتها فأبقيتُ عينيّ مغمضتين فراحتْ تلحسُ جفنيّ بطرف لسانها. وحينما ارتويتُ من لذةِ السكون، عاودني الفضولُ أو الرغبةُ إلى المزيد من اللذةِ، ففتحتُ عينيّ ببطء متحفزاً لاستقبال المفاجأة التي كنتُ على يقينٍ بأنها مفاجأة سارة. حينما فتحتُ عينيّ وجدتُ كلّ شيء أمامي أبيضَ ناصعاً، الجدران، السقف، السرير، الملابس، الخزانة... بل حتى الظلام صار أبيضَ، غير أني لم أرَ وجه المرأةِ أو شعرها، ربما هي الأخرى قد غرقتْ في لوحةِ البياض الذي غمرني. في الوهلة الأولى شعرتُ بخيبة أملٍ وعاودني الشكّ بحقيقةِ ما أرى فسخرتُ من نفسي الغارقةِ في أوهامها. أغمضتُ عينيّ ثانيةً لعلّي أرجعُ إلى الحلمِ الجميل الذي لم تزلْ نهايته عالقةً في أهدابي. لحظات مرتْ وأنا أحاولُ العودةَ إلى الحلم حينما شعرتُ بأنفاسها تقتربُ من وجهي ثانيةً. اقتربتْ أنفاسها أكثرَ حتى لامستْ شفتاها جبهتي بقبلةٍ حانيةٍ، عندها انتشرتْ في الغرفة رائحةٌ أليفةٌ، بل أليفة جداً. خليط من روائح استطعتُ أن أميزها بدقّةٍ، رائحة مسكٍ، خضيرة، ماء ورد، عَرق... لكنها بخليطها هذا تشكل تلك الرائحة الأليفة التي أعرفها جيداً. لا أعرفها بحاسة الشمّ فقط، بل إني أسمعها، أراها، أتذوقها وألمسها بيدي. إنها رائحةُ فوطةِ أمي.

رغبةٌ شديدة في البكاء انتابتني. حاولتُ أن أتشبثَ بجسدِ زائرتي فاشتبكتْ ذراعاي ببعضهما كأنها تسربتْ من المكان. فكّرتُ أن أفتحَ عينيّ لكني تراجعتُ خوفاً من أن يتجسدَ لي الوهمُ غولاً أو تنيناً فأطبقتُ جفنيّ بقوة صاكاً أسناني بعنف. لكنّ شعوري هذا تبددَ، وتبددتْ معه الرائحةُ حينما لامستْ حلمتا المرأة المنتعظتان صدري وغطاني شعرٌ حريري راح ينهمر عليّ كشلالٍ من رأسي ماراً بصدري هبوطاً حتى أسفل ساقيّ، فأشعرُ بقشعريرةٍ في جسدي وحركة تصلْبِ شعر صدري وفخذيّ، ثم يعود ليرتفع إلى الأعلى صعوداً نحو وجهي لينتهي بشفتين ساخنتين تنطبقان على شفتيّ بشهوةٍ حارقةٍ. شعرتُ بلسانِ المرأة وهو يحاولُ أن يلجَ إلى جوف فمي، لاحساً مابين شفتيّ المطبقتين، غير أني أطبقتُ شفتي بقوةٍ مزيحاً هلامَ الجسد الجاثمِ على صدري بغوايتهِ المحكمة، رافضاً بحزمٍ تكرار الخطيئة القاتلة.

لم أشعرْ بشيءٍ سوى هبوط حرّ، هبوطٍ في البياض، هبوطٍ نحو وادٍ سحيقٍ حسبتُه الجنة، وكنتُ سعيداً بعودتي بعد نجاحي في الاختبار، لكن اصطدامي بقاعِ الوادي أيقظني فأدركتُ بأن ذلك كان حلماً لذيذاً. حزنتُ على ضياعِ فرصتي في العودة إلى الجنة لكني لم أندم على ضياعِ فرصةِ المتعةِ، فقد شعرتُ بغبطةِ الانتصارِ على الغواية.

وعلى الرغم من يقظتي ونهوضي من السرير، إلا أني كنتُ أسمعُ بوضوحٍ صوتَ المرأة، يناديني باسمي متوسلاً، مستغيثاً بأن لا أتركها. وحينما يئستْ من عودتي إلى الحلم (وهل كان بمقدوري ذلك)، صرختْ بي بغضبٍ:

" جبااااااااااااااااااااان "

وضعتُ رأسي تحت صنبورِ الماءِ البارد، كأني أريدُ طردَ صورة المرأة من مخيلتي، على الرغم من أني أدركُ تماماً أنّ ذلك محض حلمٍ وهلوساتٍ اعتدتُ عليها في صحوتي وكوابيسي، وتزداد كلما اقتربَ موعد تنفيذ قرارٍ مهمٍ أو موعد سفرٍ، فكيف إذا كان هذا القرار هو سفر العودة التي انتظرتُها خمساً وعشرين سنة بالتمام.

" حمّى السفر. "

يطلق الدنماركيون على حالةِ القلق التي تنتابُ المسافر ليلةَ السفر إلى بلد آخر أو ربما إلى مدينة قريبة، فأية حمّى ستصيبُ المسافر حينما يستيقظ فجأةً من كابوسٍ دامَ ربع قرنٍ ليجد نفسه يرزم حقائبه استعداداً للعودة إلى بلدهِ الذي غادره في (درب الصدّ)، ولقاء وجوهِ أحبةٍ وأخوةٍ، يعرفُ أنها تغيرتْ ملامحها وشاختْ، وأخرى لم يعرفها لشبابٍ ولدوا في غيابهِ، تزوجوا وأنجبوا، ووجوه غابتْ لكنها لاتزال عالقةً في مخيلتهِ بل إنه يستطيع أن يراها برغم غيابها.

كانت الساعةُ تشيرُ إلى السابعة صباحاً، وموعد إقلاع الطائرة من مطار كوبنهاكن الساعة الثامنة وعشرون دقيقة مساءً وأمامي رحلةٌ تستغرق ثلاث ساعاتٍ بالقطار بين مدينتي والعاصمة. مرّ على ذاكرتي وأنا جالس في المطبخِ أشربُ الشاي وأدخن بتروٍ، شريطٌ يحملُ الوجوهَ التي ستستقبلني، متخيلاً ردودَ أفعالها وهي ترى أمامها الشاب الذي غادرها قبل خمسٍ وعشرين سنة وقد ابيضّ شعر رأسه ولحيته وانحنى ظهره:

" ليش أجيت وحدكَ؟ "

" نعم.. طبعاً.. وحدي."

" وين أطفالك؟ ومرتك؟ "

" وحدي. "

" ما اتزوجت؟ "

" لا. "

" ليش عيوني. "

" ما جان عندي وقت. "

" إش جنتْ تسوي خويَ؟ "

" ما سويت شي، جنت ضايع. "

في القطارِ بين مدينتي فايله وكوبنهاكن كنتُ أتطلعُ في وجوهِ النساء، منتظراً أن تنهض أحداهن، تقترب مني، تجلس جنبي على الكرسي الذي ظلّ شاغراً طوال الرحلة، تهمسُ في أذني:

" آدم... "

" ......... "

" آدم.. أنا حواء.. أنا ضلعك.. "

" ......... "

" دعكَ من التفكيرِ بالغواية والطهر.. فأني لم أعرف الطهرَ والأمنَ إلا بعدَ أن رأيتكَ أمس.. فتعالَ.. تعالَ إليّ.. "

ثم تخرجُ نهدها، ترفعه براحةِ كفها قليلاً، تقرّب حلمته من فمي وهي تردد:

" تعالَ.. لا جنةَ سوى جنةِ عشقي .. ولا جحيمَ سوى جحيمِ الحرمان.. مدّ يدكَ.. اقطفْ تفاحةَ لذةٍ نشترك في قضمها، فلا غالب ولا مغلوب.. تعالَ نجدد صلاتنا ووعينا.. تعال.. "

ثم تمدّ يدها، تمسكني من ذراعي، تسحبني خلفها بثقةٍ، نجتازُ ممرَ العربة وسط صفّي المسافرين الذين وقفوا بإجلال محيين شجاعتنا باتخاذ القرار. تفتح بابَ القطارِ لنقفز معاً إلى خارجِ الأرض. جفلتُ مستيقظاً من شرودي حينما لكزتني عجوز  كانت واثقةً جنبي، وحينما تطلعتُ إليها أشارتْ إلى إعلانٍ ملصقٍ على زجاجِ النافذة يشيرُ إلى أنّ التدخين ممنوعٌ في العربة. ولأني لم أجد منفضة سجائر على الطاولة وتحاشياً لإثارة الانتباه نحوي فقد سحقتُ الجمرة في راحتي فتطلعتْ العجوز إلي بإشفاقٍ هازةً رأسها وعادتْ إلى مقعدها.

عدتُ أتطلعُ من نافذةِ القطار إلى الحقولِ المترامية نحو الأفق البعيد، وبين لحظةٍ وأخرى أرفعُ نظري كلما أبدتْ إحدى المسافرات حركةً أو ارتفعتْ ضحكةٌ أنثوية. وحينما يئستُ من وجودِ امرأة الحلم في العربة، رحتُ أستعيد تفاصيلَ الحلمِ بكلّ دقائقه وروائحه، وقد انشغلتُ كثيراً بمحاولةِ إيجادِ تفسيرٍ للنهاية الغريبة، ومبررٍ لغضبِ امرأة الحلمِ عليّ ووصفها لي بالجبن.

في المحطاتِ الكبيرة كمحطةِ قطارات كوبنهاكن، ترى الناسَ كأنهم في الساعات الأخيرةِ من حياتهم، لاهثينَ، مسرعينَ كأنهم في سباقٍ للخروج من عنقِ الزجاجةِ أو كأنهم يستعجلون النهاية التي يعرفون أنها قادمة لا ريب. يصطدمُ بعضهم بعضاً والسلالم الكهربائية تنقلُ القادمينَ والمغادرينَ من القطاراتِ إلى صالاتِ الانتظار وبالعكس. هكذا.. الوجوه تتغيرُ لكنّها متشابهة في ملامحها وغاياتها، كأنها دورة الحياة التي لا تتوقف.

" صار العمر محطات عديتها بلايه عرف. "

رددتُ أغنيةً عراقية أثيرة على نفسي، تفيقُ على لساني حينما أفتح عينيّ صباح كلّ رحيلٍ، وتبقى عالقة في لساني إلى أن تنتهي الرحلة. ولسببٍ أجهله فأني أحضرُ إلى المحطةِ عادةً قبلَ موعدِ انطلاقِ القطارِ أو أقلاع الطائرة بمدةٍ طويلةٍ، تحسباً لحادثٍ قد يطرأ فجأةً، أو لقاء صديقٍ تأتي به المصادفات، وربما علاقة عابرة بامرأةٍ تشاركني الرحلة، والسفر ليس ضنيناً بمثلِ هذه المصادفات كما يقال.

وكما ذكرتُ سابقاً فأن محطة قطارات كوبنهاكن تقعُ في مركزِ المدينة، ولها ثلاثُ بوابات كبيرة، واحدة منها تطلّ على مركزِ المدينة والثانية تطلّ على مدينةِ الألعاب أو كما تسمى هنا الـ (Tivoli)، أما الثالثة فتطلّ على بداية شارع Istedgade  أو شارع الجنس كما يطلق عليه.

" صار العمر محطاتْ خفت أنشد بلايه عرف. "

سنواتٌ قاربتِ العشرينَ مرّتْ على دخولي الأول إلى هذه المحطةِ بصحبةِ حميد وصديقهِ المعيدي، ولكن لم يتغيرْ شيء، فالجهاتُ لاتزال في مواقعها والاتجاهات لم تزلْ تمضي بخطوطها الثابتة، والناسُ يرحلون إلى غاياتهم الغامضة، كلهم غرباء كأنّ الداخل إلى المحطة يرتدي قناعَ غربته في أول خطوة يخطوها داخل المحطة، فيرتسمُ الخوفُ والتوجسُ على الوجهِ الذي كان مبتهجاً قبل خطوتين. يرحلون دائماً فالرحلة لن تنتهي، لكنْ..

" يمته تسافر يا قمر أوصيك.. والوادم الترضه النشد تدليك.. "

" يا عيني يا جنّة هلي.. "

... والبواباتُ الثلاثُ الكبيرة مفتوحة ليلَ نهار. يقفُ الداخلُ إلى المحطةِ في منتصف الباحة الكبيرة، ولكن لِمَ يختار الوقوفَ تحتَ الساعةِ الكبيرة؟، الساعة التي تمضي عقاربها برحلةِ الدوران، بلا مبالاةٍ بالوافدينَ والراحلين. يتلفتُ بخوفٍ وريبةٍ، ينظر في الوجوه، ربما هو على موعدٍ مع حبيبةٍ أو صديقٍ قد يأتي، ولكنه في أغلب الأحيان لا يأتي. ينظرُ الواقفُ في ساعة يدهِ على الرغم من وقوفه تحت ساعة المحطة الكبيرة، يحملُ حقيبته على ظهره ويأخذ أحدَ الاتجاهات، جنوباً نحو مدينةِ الألعاب، شمالاً نحو شارعِ الجنس، غرباً نحو القطار الذي أطلقَ صفّارة بدءِ رحلته، وربما يعود من البوابةِ الشرقية عائداً من حيث أتى.

في مثل هذهِ الأماكن، حيث كثافة الزحامِ ببُغاث البشر...

" بُغاث البشر!!؟ ههههههههه "

" بغاثُ الطيرِ أكثرها فراخاً    وأمّ الصقرِ مقلاةٌ نزورُ "

... تتسعُ الأنا ويضيقُ صدرُ المجالِ، فتظلّ تكابدُ لتحققَ صيرورتها وتدفع بمنكبيها ذوات الآخرين متحاشيةً الاصطدام الذي قد يُحدثُ إفاقةً تسدّ عليها نوافذَ حلمها المشرعة على اللامكان حيث تسمو الروحُ في وحدتها الفاتنة، ولكن مَن اعتاد العزلةَ والانزواء يجد صعوبةً في التأمل في الضجيج الذي يُحدثه ركامُ البشر، فهو على الرغم من تلمسِ أناه التي ضاق بها المجال فأنه يجد من الصعوبة سلّها من الواقع الراكس في وحلِ الصغائر، للارتقاء بها نحو مقام الجمالية، وللتغلب على مرارةِ الإسفاف لابد من جناحين يطير بهما بعيداً عن الأرض التي كما أخبرني صنوي " لم تعد مكاناً للرسوخ "، ولابد من السفر نحو الرمز تطهيراً للروحِ من نفاياتِ الواقع، ومن هنا يتحول انتظار صديقٍ إلى انتظارِ قادمٍ ذي ملامحَ مبهمةٍ لا يأتي، والسفر يعني رحيلاً نحو غايةٍ غامضةٍ والغربة قدراً...

" صار العمر محطات عديتها بلايه عِرف. "

أتعبني الترقبُ وتضببتْ الرؤية بسبب حركة المسافرين غير الطبيعية. أخرجتُ من حقيبتي الروايةَ التي أوشكتُ على نهايتها، ورحتُ أقرأ الفصل الأخير.

" عالم غريب. "

توقفتُ عن القراءة مصغياً إلى الصوت القادم من الكتلة الجالسة إلى يميني، وقد كنتُ أحسب أني أجلس على المصطبة وحدي. لم ألتفتْ إليها فقد ظننتها تتحدث مع نفسها. عدتُ إلى القراءة، وقبل أن أكملَ الصفحةِ الأخيرة من الرواية جاءني الصوت ثانيةً:

" عالم غريب، أليس كذلك؟ "

التفتُّ إلى جهةِ الصوت. كانتْ سيدةٌ تبدو في الأربعين من عمرها تجلس إلى جانبي. تحدّقُ إلي بنظراتٍ لا تخلو من خبثٍ أو رغبةٍ، هكذا حسبتُ.

" عالم غريب، ها؟ "

سألتني وهي تحدقّ في عينيّ كأنها تغور في داخلي لاقتناصِ سرّ تبحثُ عنه. هززتُ لها رأسي موافقاً، وقبل أن تنتظر ردّي على سؤالها، وقد تأخرتُ لكي أعيدَ ترتيبَ أفكاري ولكي أجدَ تفسيراً أو تأويلاً لعبارتها، راحتْ تمطرني بأسئلةٍ غريبة: " من أين أنت؟ "، " منذ متى أنت هنا؟ "، " متى ستعود؟ "، " متى ستذهب إلى المطار؟ " ، " متى موعد إقلاع طائرتك؟"

... أجبتها باقتضابٍ، غير أني توقفتُ عند سؤالها الأخير لعلّ المصادفةِ ترمي بنا إلى مقعدين متجاورين في الطائرة. التفتّ إليها وبودّ سألتها:

" ولكن كيفَ عرفتِ بأني مسافر؟ "

تطلعتْ إلي ولاحتْ على شفتيها ابتسامةٌ لم أستطعْ تأويلها فهي مزيج بين الشفقةِ والسخرية. لم تجبني على سؤالي بل اكتفتْ بهزةٍ خفيفةٍ من رأسها ثم تشاغلتْ عني بالقراءة في صفحةٍ أخيرة من كتاب.

دقائق مرّتْ ولم تقلبِ الصفحةَ فأدركتُ بأنها تفتعلُ القراءة، وتأكدَ ظني حينما شعرتُ بأنها تراقبني بطرفِ عينها بفضولٍ وكأنها تنتظر مني المبادرة بالكلام. أطبقتُ الكتابَ موحياً لها بأني قد أتممتُ قراءته والتفتُّ نحوها فالتفتتْ نحوي بشوقٍ. رددتُ بصوتٍ رصين:

" رواية جميلة بحق. "

تطلعتْ إلي وأجابتْ بطريقة صارمةٍ وبثقةٍ:

" لا أعتقد ذلك، ولو أني لم أكملها بعد. "

أثار جوابها حيرتي فتطلعتُ إلى الكتاب الذي بين يديها فوجدتُ أنها تقرأ في الرواية نفسها. ولكيلا أتنازلَ أمامها عن كبريائي ورزانتي، سألتها بجدّ عمّا كانت تعني بعبارتها (عالم غريب)، عندها أطبقتِ الكتابَ والتفتتْ إلي بربع دورةٍ، وبرزانةٍ غير مفتعلة قالتْ:

" أمسِ حلمتُ بشخصٍ يشبهكَ تماماً.. زارني في المنامِ. "

وقبل أن أبدي اندهاشي أو أي انطباعٍ عما سمعته، قالتْ كأنها تصحح كلامها:

" في الحقيقة لم يزرني، بل أنا التي زرته...."

وقبل أن تستأنف كلامها ارتفعتْ ضحكتها وهي تحاول أن تتغلبَ على خجلٍ طفحَ في عينيها أو اختلالٍ في ثقتها بنفسها. قطعتْ ضحكتها بحزمٍ وبوجهٍ جادٍ، قالت بارتباك:

" في الحقيقة لم يزرني ولم أزره بل... "

توقفتْ عن الكلام. مدتْ عنقها بنشوة كأنها تستعيد المشهد ثم قالتْ:

" كان مضطجعاً تحتَ شجرةِ تفاحٍ وكان عارياً فخرجتُ من صدرهِ... أعني كنتُ ضلعاً من أضلاعه.... "

" ........................ "

" مارسنا الحبّ بجنونٍ وكانت الشجرةُ تساقطُ علينا تفاحاً.. "

توقفتْ عن الكلامِ وراحتْ تتمطى بنشوةِ امرأةٍ تنهض من السرير بعد ليلةِ حبٍ عاصف. حاولتُ أن أستدرجها لمزيدٍ من الكلامِ إلا أنها صمتتْ كأنها تتركُ المجال لي أن أحدثها عما حلمتُ بهِ ليلة أمس. لم أخبرها بأني حلمتُ بامرأةٍ تشبهها تماماً لئلا تظنَّ بي الكذبَ فآثرتُ الصمتَ مكتفياً بابتسامةِ ذهول. وحينما طال صمتي تطلعتْ إلي بابتسامةٍ خجولة ثم نهضتْ من المصطبةِ معتذرة بكبرياء:

" حانَ موعد رحلتي. "

قالتْ مادةً يدها نحوي فنهضتُ بارتباكٍ. هزّتْ كفّي بحرارةٍ وهي تردد:

" إلى اللقاء. "

سارتْ بخطواتٍ وئيدةٍ، وكنتُ أرقبها بفضولٍ علّها تلتفتُ لأركضَ نحوها بحركةٍ بطيئةٍ تنتهي بقبلةٍ طويلة، غير أنها لم تلتفتْ وسارتْ... حتى اختفتْ في زحامِ المسافرين.

بعد أن تركتني امرأةُ المصادفات أو الحلم، انتبهتُ إلى أن موعد القطار الذاهبِ إلى مطار كوبنهاكن قد اقتربَ. نهضتُ مرتبكاً، وقبل أن أخطو نحو بوابةِ المغادرة مددتُ يدي في جيبي كي أتفحص جوازَ سفري وبطاقةَ السفر فاكتشفتُ بأني قد نسيتهما في البيت، على الرغم من حسابي الدقيق لمثل هذهِ الأمور وحيطتي التي تصل حدّ الهوس. ركلتُ حقيبتي بحقدٍ ورميتُ بجسدي على المصطبة ثانيةً، وبدلاً من الذهاب إلى المطار عدت إلى مدينة فايله.

وصلتُ البيتَ ليلاً، وأول شيء فعلته رحتُ أبحثُ في الخزانة عن بطاقة السفر والجواز، عندها اكتشفتُ بأني لم أكن قد حجزتُ بطاقةً للرحلة، وأن جواز سفري قد انتهتْ مدة صلاحيته منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولم يخطر في ذهني أن أجدده، بل إن ما هالني هو أني لم تخطر في بالي فكرةُ السفر أصلاً.

استيقظتُ ضحىً على صوتِ رنين التلفون. لم أنهضْ لأني كنتُ على يقينٍ بأن تلفوني لا يرنّ إلا عن طريق الخطأ. كان المهاتِِفُ يبدو لحوحاً فقد دامَ الرنين أكثرَ من خمس دقائق. وضعتُ المخدةَ على رأسي للتقليلِ من حدّة الرنين الذي يخترقً طبلةَ أذني، وحينما توقفَ حاولتُ العودةَ إلى النوم، وقبلَ أن أغفو رنَّ التلفون ثانيةً ولم يتوقفْ حتى قمتُ مضطراً لإسكاته. رفعتُ السماعةَ ببطء، وبصوتٍ أقربُ إلى اللهاث وقد حاولتُ أن أقلّدَ صوتَ مريضٍ أو ساهدٍ غفا قبل لحظاتٍ كي أُشعرَ المتكلمَ بتأنيبِ الضمير أو أبرر لنفسي غلظةَ الكلام الذي سأوجهه إليه، فلم تعد كلمة (آسف) التي سيقولها تعادل الإزعاج الذي يسببه لي الباحثُ عن كلّ الناس سواي، ولكن قبل أن أنطقَ بكلمة (ألو) جاءني الصوتُ من الطرفِ الثاني:

" ألوووووووو "

صوتٌ أنثوي ناعمٌ دغدغَ أذني. تنحنحتُ بكبرياء، وقبل أن أجيب بادرني الصوتُ:

" صباح الخير سيد آدم. "

لم أردّ على التحية بل قلتُ:

" أعتقد أن الرقمَ خطأ. "

وقبلَ أن أضعَ السماعةَ، سمعتُ صوتها لحوحاً وهو يردد:

" لا..لا.. لا تقفلِ الخط.. أرجوك. "

أعدتُ السماعة إلى أذني وبلهجةٍ لا تخلو من الفظاظةِ قلتُ:

" ولكني لستُ آدم. "

" أعرفُ.. أعرفُ أنكَ لستَ السيد آدم وأنا لستُ حواء.. ولكني أريدُ التحدثَ معك. "

" مَنْ أنتِ إذن؟ "

ارتفعَ صوتها ضاحكةً بغنجٍ، ثم قالتْ:

" أعرفُ أن لك ذاكرةً قوية جداً، فلماذا نسيتني بهذه السرعة؟ "

" كيفَ لي أن أتذكركِ وأنا لا أعرفكِ؟ "

قلتُ محاولاً أن أبدي مللاً من إلحاحها غير الطبيعي، فارتفعتْ ضحكتُها مرةً أخرى وقالتْ:

" قبل أن أقولَ لك مَنْ أنا، أريد أن أسألكَ هل أكملتَ قراءةَ الرواية؟ "

" أية رواية!؟ "

" الرواية التي كنتَ تقرأها بالأمسِ. "

" لم أفهمْ. "

" أعتقد أنكَ لم تكمل قراءةِ الصفحةِ الأخيرة من الرواية، حينما قطعتُ عزلتكَ.. أنا آسفة.. آسفة جداً. "

توقفتُ عن طرح الأسئلة محاولاً استجماعَ خيوط علاقتي بالواقع، فإن ما أسمعه الآن صوتاً قادماً من اللامعقول. أدركتْ محدثتي تلعثمي وذهولي فقالتْ ضاحكةً:

" لا بأس.. لا بأسَ، أنا أيضاً لم أكملِ الصفحةَ الأخيرة.. كنتُ أتمنى أن نكملها معاً.. في الطائرة.. على ارتفاعٍ شاهقٍ من الأرض التي لم تعدْ صالحةً للرسوخ. "

" ............................. "

" بالمناسبة، كانَ المقعد الذي بجانبي شاغراً طوال الرحلة.. وكنتُ أتخيلكَ تحتله... "

ارتفعَ ضحكها بغنجٍ وميوعةٍ مبالغٌ فيها، وقالتْ:

" كنتُ أتمناكَ إلى جانبي.. كنتُ أتخيلني غائبةً عن العالمِ معك بقبلةٍ تزيل خوفي من ركوب الطائرة.. ولكنْ.. كنتُ واثقةً من أنكَ لن تعود... "

تذكرتُ الصوتَ جيداً ولكني لم أتيقنْ من الحديث الذي يجري بيننا الآن إن كان حقيقةً أم أني في غيبوبةٍ أو كابوس من كوابيسي المعتادة. ولكي أتأكدَ من وجودي سألتها جاداً:

" أينَ أنتِ الآن؟ "

فجاءني صوتها واثقاً:

" قبل دقائقَ قليلة وصلتُ إلى بغداد، وأولُ شيء خطرَ في ذهني حينما لامستْ قدمي أرض الوطن هو أن أتصلَ بكَ لأطمئنكَ على وصولي. "

" شكراً. "

خرجتْ الكلمةُ مني دون أن أعي سببَ تقديمي الشكرَ لها، فردّتْ:

" عفواً.. وسأتصل بك غداً وكلّ يوم بمثل هذا الوقت.. تماماً. "

كدتُ أقول لها " لماذا " ولكنها أطبقتْ سماعة التلفون.

" ألوووو.. اشلونك عيني؟ "

" أهلا يا... "

" مو مهم الاسم، بس تعرف شقد اشتاقيت لك؟ "

" ................ "

" اشتاقيت لك كلش هواي. "

لم أجدْ ما أرد به على كلامها فصمتًّ ولكني كنتُ أسمع صوت أنفاسها وارتعاش سمّاعة التلفون. طالَ الصمتُ بيننا، قطعته بضحكةٍ تفتعل الثقة:

" تعرف؟.. أنا أحبك. "

افتعلتُ ضحكةً بليدة تفتعل الكبرياء والعزة، غير أني تداركتُ الموقف فسألتها بطريقةٍ جادة:

" ولكن.. كيف تحبينني وأنتِ لم تعرفيني؟ "

" أعرفكَ.. أعرفكَ أكثر مما تتصور. "

" كيف تعرفيني ونحن لم نلتقِ سوى لحظات؟ "

" هه، لحظات!؟ "

" .................... "

" وماذا عن الرواية اللي قريتها عشرات المرات؟.. جنت أشوفك بكل سطر.. بكل كلمة.. بكل دمعة.. بكل شي. "

وقبل أن أسألها عن أية روايةٍ تتحدث، قالتْ:

" تعرف ليش ما أريد أكمّلها؟ "

" ليش؟ "

سألتُ وأنا لا أدري عن أيةِ روايةٍ تتحدث، فأجابتْ:

" لأني أريدك تبقى.. ما أريدك تموت.. "

" ولكنْ مَنْ أنتِ؟ "

سألتُ بنفاد صبر، فأجابتْ بحزنٍٍ:

" أنا فكرة.. فكرةٌ واحدةٌ ولكنها تجمع في داخلها كلّ الأفكار. "

ضاقَ صدري من هذه الألغاز التي تراكمتْ على بعضها، جاثمةً عليه ككابوسٍ خانقٍ فصرختُ بصوتٍ عالٍ:

" ولكنْ مَنْ أنتِ؟ أعني ما اسمك؟ "

" أنا..!؟ "

قالتْ وانقطعَ الخط.

" هلو حبيبي.. اشلونك اليوم؟ "

" أهلاً. "

قلتُ مفتعلاً خيبةَ أملٍ كأني بانتظار اتصال من شخصٍ آخر فجاءني صوتها مبرراً للإلحاح، متسولاً علاقة لم أزلْ في شكّ من أنها تجري في الواقع، بل إني أتصورها واحدة من قصصي التي أرويها لجسدي قبل النوم.

" ترددتُ كثيراً في الاتصالِ بكَ على الرغم من أني منذ أكثر من ساعتين وأنا جالسةٌ قربَ التلفون أنتظرُ حلول وقت موعدنا اليومي، وما أن حانَ الوقت حتى وجدتني مندفعةً بقوةٍ لا أدركها. لقد عشتُ سنواتِ انتظارٍ طويلة. مللتُ من الانتظار ومن عقابِ الذات، وحينما رأيتكَ

كنتَ بمثابةِ جزيرةٍ جميلة أراها من البعيد وأمنّي النفس في الوصول إليها، وحين وصلتُ نسيتُ ألم السباحة والخوفِ من الغرق، وعدتُ من جديد طفلةً، وكأن كلّ ما مرّ بي ما هو إلا حلم غريب أيقظني ذات نهارٍ على أعتاب طفولتي، وكلّ ما مرّ بي هو تمارين لتشكيلَ ملامحَ تليقُ بكَ، وهذهِ هي الحقيقة التي لا أريد لها أن تختفي. "

" ......................... "

" أنتَ لي حقيقةٌ لا تقبلُ المساومة، معكَ عرفتُ طعمَ المغفرة والحب والسعادة، وبرغم ما يفصل بيننا من مسافات إلا أني أراكَ قريباً مني، كلّ ما حصلَ لي حصلَ لكي أصلَ إلى جزيرتكَ .."

" إذا كنتُ أنا حقيقةً لكِ، فمنْ أنتِ بالنسبة لي؟ "

" أنا ضلعكَ. "

نطتْ ضحكةُ سخريةٍ من فمي فتداركتها:

" أنا لا أؤمن بهذه الخرافات والأساطير. "

وقبل أن تجيبَ على كلامي واصلتُ حديثي:

" أنا أقصد إنْ كنتِ ترينَ بي حقيقةً فلماذا لم أجد أنا حقيقةَ نفسي؟ "

ارتفعتْ ضحكتها بنشوةٍ ثم قالتْ:

" اسمعْ! سأقولُ لكَ الحق. إنكَ لا تعرفُ حقيقةَ نفسكَ لأنكَ لا تعرفُ المرأةَ، بل لأنك لم تعرفْ الحبّ. "

ثم راحتْ تكررُ الجملة حتى انقطع الخط.

" هلو حبيبي، اشلونك عيني؟ "

" أهلاً. "

" ما شتاقيت لي؟ "

" بلى. منذ ساعتين وأنا جالس قربَ التلفون أنتظرُ اتصالك. "

" تعرف؟ أمس احتاجيت وجودك وياي. "

" ............................ "

" ذهبتُ اليوم فجراً إلى البحر وقضيتُ ما يقارب ثلاث ساعات. كان البحر متواطئاً معكَ بشكلٍ غريب. كل لمسة من موجةٍ كانت يديك. كانت الرمالُ تلهو بأطرافِ أصابعي وعلى شعري. كان الهواء يتغلغل في مسامات روحي وكنتُ أتخيله أنفاسكَ. كنتُ أصرخ في الفضاء.. أحبكَ.. أحبكَ.. كم انتظرتكَ.. أحتاجُ وجودكَ.. أريد أن أنقذَ بكَ العمرَ من حرمانه.. أريدكَ.... "

" قلتِ إنكِ ذهبتِ إلى البحر، أيّ بحر!؟ ألستِ الآن في بغداد؟"

" ........................ "

وانقطعَ الخط.

 " ألوووو "

" أنتِ؟ "

" تريدني أتصل بيك لو ضجتْ من وجودي؟ "

" ما أدري. ولكن اشتقتُ إليكِ "

" قولْ لي أنتَ ما حبيت بحياتك؟ "

" ............................... "

" معقولة إنسان بعذوبتك ما لامستْ روحَه أنثى؟ ولا علاقة حب تركتْ أثرْ في حياته؟ "

" بلى. "

وبلا شعور رحتُ أسرد عليها حكايةً خطرتْ على ذهني تلك اللحظة:

" كان هديرُ الموت قادماً من كلّ الجهات، يقتحمُ عزلةَ الأعزل، يتسربُ عبرَ ثقوبِ النوافذ والأبواب، يحتلُّ الهواء، فيخرجُ القاتلُ مزهواً ببدلتهِ الخاكية وعضلاته المفتولة وهو يشحذُ مُديته ليثيرَ شهوتها، ثم يمضي مترنحاً أمام جموع البشر المصطفين كراديسَ بانتظار المجزرة المعدّة لهم سلفاً. شوارتسكوف.. شوارتسكوف اسم من أسماء الموت التي اضمحلتِ الآن ليحلَّ محلها اسم واحد بحروفٍ كبيرة يسيل منها الدم. شوارتسكوف يخرجُ من شاشة التلفزيون مكشراً يستعرضُ عضلاتهِ أمامَ مَنْ لا حولَ ولا قوةَ لهم. يرفعُ يده فتهبطُ الطائراتُ من السماء وتحطّ قريباً من بيت الله، حاملةً معدّاتِ الإبادة لأحفاد الله الضائعين في صحرائهم عراةً، وجوههم مطموسة لكنها تحمل ملامحَ الوجه الذي يظهر لي كلما تطلعتُ في المرآة. وفي الخارج كان الثلجُ يهطلُ بغزارةٍ. غطّى الأشجارَ فغدتْ قاماتِ ميتين خرجوا من قبورهم بأكفانهم المتهرئة ليحتلوا المشهد. موتٌ قادمٌ من كلّ الجهات وأنا أدفعُ بيدين مشلولتين أشباحه التي أحاطتْ بي. البياض يذكرني بوادي الموت الذي هبطته مراتٍ عدّة في محاولاتِ الموت السابقة. " أريد موتاً مقنعاً. " كنتُ أصرخُ فتضحكُ الأشباحُ ساخرةً من بطري. ما بين المطبخِ والصالةِ كنتُ أقضي ساعاتِ الليل، وما بين شاشة التلفزيون التي تنقلُ مشاهد الاستعدادات التي تجريها القواتُ الأمريكية في الصحراء لشنّ الهجوم على طفولتي البائسة وبين نافذتي التي تطل على العاصفةِ الثلجية في الخارج. هدأتْ العاصفة قليلاً، وشيئاً فشيئاً بدأ السكون يمدّ سطوته كأنها كانتْ نزوةً عابرة لسيد الطبيعة، حطمتْ بعض الأشجار وتركتْ سكوناً مخيفاً بصمتهِ. الظلامُ أبيض، الأشجارُ بيض والأرضُ بيضاء ساطعة. أطفأتُ التلفزيون وجلستُ قرب النافذةِ، أتطلعُ إلى ندفِ الثلجِ، مسرّحاً نظري على سطحِ الأرض الهادئ، محاولاً ترميم نفسي باستعادةِ أشلائها. فجأةً رأيتها، رأيتها تُخرجُ رأسها من سطحِ الثلجِ مستغيثةً بي كرأسِ غريقٍ يظهر ويختفي. كانتْ تتجه نحو ضوءِ نافذتي، تتقدمَ ببطء، حتى أصبحتْ على بعد بضعةِ أمتار من نافذتي. تطلعتْ إلي بعينين كسيرتين وراحتْ تطلقُ مواءً يخرمشُ الروح. ارتديتُ معطفي وهرعتُ إليها. أخرجتها من الثلج وحملتها بين ذراعيّ فأدخلتْ رأسها تحت إبطي وهي ترتعشُ كأنها تحتضر. أطعمتُها آخرَ قطعةِ جبنٍ عندي وبقايا خبر يابس فعادتْ الحياة إليها. ماءتْ ونطتْ إلى حجري ثم نامتْ آمنةً وارتفع شخيرها.

" ................................ "

" نعم أحببتُها.. أحببتُها لأني كنتُ أدافع بحبي لها عن آخر حصنٍ لروحي يهدده الموت القادمُ على يد شوارتسكوف. كانتْ تتسللُ إلى سريري وتدفن رأسها في صدري وتنامُ، وكنتُ أحدثها عن عزلتي وخوفي وأبثّ إليها شكواي.. أحدثها عن خرابِ العالم وخراب الإنسان.. أحدثها عن عالمٍ آيلٍ للسقوطِ والاندثار، عن الحروب التي يشنّها البشر. مرةً سمعتُ مواءها يشبه الأنين أو البكاء. حاولتُ أن أتجاهله فقد شغلني العويلُ القادم من هناك وبكاءُ المهددين بالموت الذي أصبحَ قاب قوسين أو أدنى منهم. ونفّرني بكاءُ طفلِ جاري الصومالي الذي يقيم في الطابق العلوي من البناية التي أقيم فيها والذي ينجب كبُغاث الطيرِ كما يقول المتنبي طفلاً كلّ سنة أو أقل من السنة، لكنّ مواءَ أنينها لم ينقطع بل ازداد وهي تُنشب براثنها في سجادة الأرض وتحاول أن تلتهم لسانها، وحينما تنهكها المكابدة تتطلعُ إلي مستغيثةً. حملتها، فتحتُ فمها فرأيتُ أشواكاً صغيرةً من شجيرة الصبار عالقةً في لسانها. يا إلهي ماذا أفعلُ؟ وكيف أستطيعُ إنقاذ هذه المخلوقة البائسة؟، فكرتُ أن أرميها من البرندةِ لأتخلصَ من موائها، لكني تراجعتُ في اللحظات الأخيرة. تذكرتُ بأن هناك مستشفى في المدينة للحيوانات الأليفة. عثرتُ على رقم المستشفى من دليل الهاتف. ظهرتْ صورة شوارتسكوف على شاشة التلفزيون سانداً كوعيهِ على منصةِ الخطابة متوعداً البشرية بموت قادم. " تفووووو أيها القذر وتفووووو على مَنْ خلقك ". حملتُها بين ذراعيّ وهرعتُ إلى المستشفى. " ثلاثة آلاف كرون ثمن إجراء عملية إخراج أشواك الصبار من لسانها. " قال لي الطبيب وحينما وجدني أقفُ أمامه حائراً فالمبلغ يعادل نصف راتبي الشهري، أضاف " إما أن تدفعَ وإما أن نزرقها بإبرة سامة لقتلها. " تطلعتْ إلي بعينين كسيرتين، حاولتُ الهروب من نظرتهما وأنا أتطلع إلى جدار الغرفة بانتظار قدوم الطبيب لأخبره بالقرار. ارتسمتْ صورة شوارتسكوف على الجدار، يمدّ لسانه ساخراً من ضعفي... تفووو أيها القذر.. " نعم سأدفعُ المبلغ. " قلتُ فابتسم الطبيب هازاً كتفيّ برقّة. سقطتْ دمعتان من عينيّ. أمالتْ رأسها نحوي ثم استسلمتْ للمخدر. جلستُ على مصطبةٍ خارج غرفة العمليات بانتظار وليدٍ يطلقُ صراخَ احتجاجه على العالم القاسي. حملتُها إلى قفصٍ أعد لها وجلستُ قربها حتى أفاقتْ. تطلعتْ إليّ بخجلٍ وماءتْ. حملتُها على صدري، واضعاً كفي على رأسها لأحميها من طيش شظية قادمة من قذيفةٍ ستسقط من السماء وعدتُ بها إلى البيت بفرحٍ.

" ....................... "

" ضغطتُ على زر التلفزيون، كانت شاشته خضراء تتخللها صعّادات نارية. يقول المذيع إن سماء بغداد الآن تشبه شجرة عيد الميلاد، أضاءتها صواريخ عابرة للمحيطات والقارات، طائرات تفرغ أطنانَ حقدها على رؤوس البشر. وحده دجلة بمائه المصبوغ بالأخضر يمضي وحيداً. "

" ...................... "

كنتُ أسمعُ أنفاسها فواصلتُ الكلام محاولاً إنهاء الحكاية التي ورّطتُ نفسي في ذكرها، فقد كنتُ أحاولُ أن أذهبَ في غرابة ما يدور حولي إلى أقصاها:

" ... لكنّ شباطَ كان أقسى الشهور، فبينما كنتُ أجلسُ محملقاً ببلاهةٍ في شاشة التلفزيون أتابعُ ما يجري في العراق، كانتْ هي تعيش وحدها حرباً أخرى. كنتُ أنشبُ أظفاري في السماء التي احتلتها الطائرات وبوجهِ العسكر الذين كانوا يرسمون عليها جروحاً تمطر دماً وناراً. كانتْ هي تنشبُ براثنها في الأرض وتصرخُ كلما سمعتْ صوتَ ذكرٍ في الخارج. كانتْ تنسحبُ إلى الخلف بخطواتٍ بطيئةٍ ثم تقفز إلى النافذة فيصدّها الزجاجُ، ترتدّ قليلاً ثم تنطّ فيصدّها الزجاجُ ثانيةً. كلانا كان يتمزق في صمتٍ. وفي الثامن والعشرين من شباط توقفتِ الحرب الأمريكية على العراق فأطلقتُ سراحها، إذْ فتحتُ لها باب البرندة فنطتْ فرحاً واختفتْ في الغابة القريبة. لم تعد... "

" ............................ "

" الو.. ألو ... "

انقطعَ الخط.

" هلو حبيبي.. شلونك؟ اشتاقيت لك.. كلش هواي.. وأنتَ ما شتاقيت لي؟ "

" بلى.. اشتقتُ إليك كثيراً.."

" أحبك. "

" أشتهيكِ. "

" تعرف؟ أنا الآن جالسة على الصوفة.. ألبس بيجامة سماوية من قطعتين.. بنطلون البيجامة قصير يصل إلى أعلى الفخذين وبفتحتين عريضتين بحيث أستطيع أن أدخل يدي وألامس.. ألامس.. كما أفعل الآن وأنا أتحدث معك.. هههههههههه.. وقميص فضفاض فتحته دائرية تكشف الصدر.. وطرفاه خيطان أحيانا يسقطان على ذراعي.. أنا الآن أفتح الستيانة السوداء.. أوووو.. الهواء يداعب صدري.. بشرتي ناعمة الملمس بلون خمري.. نهداي كبيران ومشدودان ولي حلمتان صغيرتان مثل حبتي توت.. شعري بني غامق وطويل.. ألو.. ألو.. أنت معي؟ "

" نعم.. نعم.. أنا معك. "

" تعال.. تعال عندي.. ضمني.. ضمني لصدرك بقوة.. بوسني.. أعصر نهدي.. بقوة.. مزّق لباسي.. مزّقه.. بسرعة.. آه.. أشتهيك.. آه.. أمسك أيـ .. أمسكه.. أدوّر قبضتي على رأسه.. أمسحه بمائه.. أقرّب منه شفتيّ.. أمدّ لساني على فتحته.. أتذوقه.. ألعقه.. ألحسه كله.. من تحت إلى رأسه.. أحرك لساني عليه وأتطلع إليك بعينين متوسلتين.. حبيبي.. أشتهيك.. امسحْ وجهي بأيرك.. مرره على رقبتي.. ضعه بين نهديّ.. أضغطهما عليه.. أمد لساني وألعق رأسه.. وأنت تمسك شعري.. تدفعه كله في فمي.. أصغي إلى صوته وهو يصطك بين شفتي.. أخرجُه وألحسه ثم أعيده.. أمصّه أقوى.. أعضّه.. أنا ملكك.. أنا جاريتك.. أنتَ سيدي.. إلهي..أعبدك.. أعبد أيرك..اصفعني.. اصفعني.. أنا جاريتكَ المطيعة.. أنا عبدتكَ.. أنا.. أنا.. أنا.. عاهرتكَ.. أنا لك وحدك.. أنا ملكك.. يللا.. نكني.. يللا.. نكْ كسي.. كسي إلك وحدك.. كسي الجائع يتوسل إليك.. ارمني على السرير وارتمِ علي.. قبلني بعنف.. اعصرْ نهدي بقوة..فرّجْ فخذيّ بعنف.. شدني من شعري.. الطمني.. ما ألذك.. ادخلْ أيرك بكسي.. كلّه.. حرّكه داخل كسي.. اقسِ عليّ.. أحب قسوتك.. نيكني بسرعة.. أكرهك.. أحبك.. أشتهيك بجنون.. سيدي أذقني فحولتك.. تعال.. تعال.. آه..آه.. أبوس يدك.. أبوس رجلك.. نكني.. كسي.. مزّقه.. أرجوك.. مزّقني.. أرجوك.. أنا عاهرتك.. أنا قحبتك.. أنا.. أنا.. آه.. آه.. آههههههههه .....................................    ................................................. "

" ألو.. ألو.. "

انقطعَ الخط.

" ألو... "

" نعم. "

" أحبك.. أشتهيك.. أموت عليك.."

" أحبك. "

" تعرف؟ ما عشت لحظاتي إلا معكَ. صدّقْ أو لا تصدق.. ما كنتُ قبل الأمسِ أحس بهذهِ الحالة التي يصبح فيها الجنسَ معادلاً للوجود إلا بكَ..

" ....................... "

" أحبك داعراً معي.. أحب أن تدفعني للجنون.. لجنونك.. أحب جنونك.. أحبك.. أحبك تكون سيدي.. أنا.. أنا ملكك.. أنا لكَ.. وحدك.. أريدك تبقى معي.. لنحيا في أحلامنا.. تعال.. "

" تعالي.. أريدك معي نائمةً على حافةِ الأفق.. قريبين من الله.. عراةً.. نحتضن بعضنا ونتدحرج على الجهة الثانية من الأفق.... "

" كنْ داعراً معي.. كنْ فاجراً.. أنا عاهرتك.. "

" تعالي.. أقبّل عنقكِ.. أقبّل تحت أذنيكِ.. يدكِ تفتح أزرارَ قميصي وتمسد شعر صدري.. تمتدّ يدي خلف ظهركِ.. أضغط جسدك بجسدي.. تحتك حلمتاك بصدري.. أعتصر نهدك.. أمصّ حلمتكِ.. أدور لساني حولها.. تمتدّ يدكِ إلى .... تحركين يدكِ عليه.. تركعين أمامي.. تقبلينه.. تمصينه.. أوووووو.... "

أسقطُ على الأرض لاهثاً. دقّات قلبي طبول تقرع. أتنفس بصعوبةٍ. أختنق.

ارتفعَ صراخُها فتسلقتُ سياجَ دارنا. رأيتُها على سطحِ الجيران. كانتْ جالسةً في مركز الدائرة، تحيطها أربعةُ هررةٍ. ترفعُ رجلها وتلحسُ ما بين فخذيها غير آبهةٍ بالهررة المتحفزة للانقضاضِ في أيةِ لحظةٍ. تنهضُ الهررة في لحظةٍ واحدة. تتقدم نحوها ببطء مكشرةً عن أنيابها الجائعة. تضيق الدائرة عليها ثم يرتفعُ صراخ الهررة وهي تنهش بعضها.

" البقاء للقوي. "

يهربُ هرّ لاعقاً جراحَ هزيمته، يتبعه الثاني والثالث ليبقى الأسود الكبير. يجلسُ قبالتها والدم يجري من عينهِ المنهوشة. ينفشُ فراءه ويتقدمُ نحوها إلا أنها تنفخُ عليه فيرتدّ خائفاً. تدير إليه عجيزتها باحتقار، محرّكةً ذنبها كأنها تهشّ على ذبابةٍ. يتراجعُ بضعَ خطواتٍ، ثم ينطّ بسرعةٍ خاطفة. يتشبثُ بها عاضّاً رقبتها بعنفٍ وحقد فتستسلم لجبروتهِ. تمتدّ يدي نحو آجرةٍ، أقلعها من السياج. ترتفعُ يدي، وبقوةٍ أصوبُ رميتي نحوها. يهربُ الهرّ، بينما هي تسقطُ متمرغةً بدمها. تصرخُ.. تتقلبُ.. ثم تخمد أنفاسها. كفٌّ ثقيلةٌ تسقطُ على هامتي، تمسكني من عنقي. أختنقُ. أسقطُ من السياج. ينهالُ عليّ أبي بالضرب:

" ولكْ ليش قتلت المسكينة؟ "

" والله يا بويه هي اللي أكلتْ الزاجل. "

 

النهاية

قالَ نيتشه:

"إنّ مَنْ يحيطُ به لهبُ الجسدِ تنتهي بهِ الحالُ إلى ما تنتهي العقرب إليه فيوجه حمّته المسمومةَ إلى نحره ... "

 

 

القسم الثاني

(الرماد)

لولا التنافرُ الذي كانَ يحكمنا والذي أدركتُ تفسيرَه بمرورِ الوقت، لما صدّقتُ ما كان يردده التلاميذُ والمعلمون بأننا متشابهان حدّ التطابق، التشابه الذي جعلَ بعضُ التلاميذ يطلقً إشاعةً بأننا أخوان غير شقيقين، لكنّ اختلاف اسمي أبوينا وتطابق تأريخ ميلادنا باليوم والشهر والسنة أفسدَ الإشاعة، وإنْ بقي هناكَ مَنْ يتهامس بسريةٍ وخبث محاولاً إيجاد صلةَ قرابةٍ بيننا تبررُ هذا التشابه الغريب.

ما كنتُ أشعرُ بذلك بل على العكس كنتُ أرى أنّ الفارقَ كبير جداً بيننا ولم أكنْ أعرفُ وقتها بأنّ النفورَ الذي يجمعنا جاءَ بسببِ هذا التشابه الذي يراهُ الآخرون ولا أراه أنا، وهو تنافرُ القطبين المتشابهين. وبمثل إدراكي هذا كان هو يدركُ الحالَ نفسه (كما أخبرني لاحقاً) فجاء الاتفاقُ غير المعلن ليرسم لنا طريقينا المتوازيين منذ البداية وبالتحديد منذ المرحلة الابتدائية، فكان إذا جلسَ في الرحلة الأمامية قريباً من السبورة لضعفِ بصره اخترتُ أنا الجلوس على الرحلةِ الملاصقة للجدار، وإذا أبدى تفوقاً في القراءةِ اخترتُ أنا الحساب وهكذا. وبالرغم من ذلك كانتْ هناك أمور تجمعنا رغماً عنا فضعفُ بنيتنا جعلنا مسالمين نؤثر العزلةَ ونتهربُ من الاشتراكِ مع بقيةِ الصبية في المشاجرات أو الرياضة العنيفة منزويين في ركنٍ وهمي تشغلنا أمور غامضة لا يستطيع المعلمُ أنْ يدركها فتكون العصا هي أداة إيقاظنا من السَرَحان الذي يأخذنا رغماً عنا، بل إنّ أمراً قد حدث مرة جعل معلم اللغة العربية يتهمنا بالغش وعوقبنا على ذلك ولم يصدقْ أحد حتى بعد أن أقسمنا بأغلظ الأيمان، حيث أننا كتبنا في درسِ الإنشاء مادةً تطابقتْ تماماً، وقد ازدادَ الأمر غموضاً حينما جرى اختبارنا فقرأ كلّ منا  الموضوع غيباً أمام الطلاب ولم يخطئ أحدنا بحرفٍ واحد، ولو أنّ الأمر ليس كما حسبه المعلمُ في الوهلةِ الأولى لكن لم يشفعْ لنا اعترافنا بأننا نقلنا المادة نصاً من كتاب (العبرات)  لمصطفى لطفي المنفلوطي.

لم تكن الأمورُ تسيرُ بهذه السهولة حيث أنّ الغيرةَ كانتْ تنهشنا بصمتٍ وكلانا كان يحاولُ قتلَ صاحبهِ في أحلامه البريئة (كما اعترفَ لي لاحقاً). ولأننا متفوقان بشكلٍ يثيرُ الانتباه فقد كان المعلمون يخطئون في أغلب الأحيان في التمييز بيننا على الرغم من اختلاف اسمينا والتصرفات البريئة التي كان يقومُ بها كلّ منّا من أجلِ التميّز والهروب من دائرة التشابه، لذا فإن هذا التطابق المفروض علينا كان يؤججُ نارَ غضبنا وتزداد الرغبة فينا للتربصِ وجمع أخطاءِ بعضنا بصمتٍ وغيرة، حتى أصبحتْ عبارة (أول مكرر) التي تكتب في شهادة النجاح تمثلُ لي درجةَ رسوب فتسلبُ مني نشوةَ الفرحِ وأعود إلى البيت بعينين دامعتين ونظرةٍ منكسرة تثيرُ الخوفَ في عيون أبي وأمي، وأحسبُ أنه كان يشعرُ بالشعور نفسه. ازداد هذا الشعور العدائي وتحولَ إلى حقد يغلي في نفسينا في مرحلةِ المراهقة الأولى لولا الاختيار الذكي الذي قامَ به فغيّرَ مسارَ حياتنا كلياً حيث أنه اختارَ الفرعَ الأدبي على الرغم من تفوقهِ في الموادِ العلمية واخترتُ الفرعَ العلمي على الرغم من تفوقي في الموادِ الأدبية خاصة وقد بدأتُ في تلك المرحلةِ بكتابة الشعر وحزتُ على إطراء من أستاذ اللغة العربية. أثارَ هذا الاختيار استغراب وتساؤلات كثيرة بين الطلاب والمدرسين ولم يعرف الجواب أحد سوانا، بل حتى أنا نفسي ما كنتُ أعرفُ سببَ هذا الاختيار الذي أشعرني بالندم لاحقاً غير أني كنتُ أشعرُ بقوةٍ تدفعني للهروب من هذا الظل الذي يلاحقني.

لم أعدْ أراه أو التقي به إلا مصادفة وأحسب أنّ الحقد الذي كان يكنّه أحدنا للآخر قد زال فكنّا حينما نلتقي نتوقفُ ونتبادلُ تحياتِ المجاملة ونضحكُ حينما نتذكر سنوات الطفولة، وحينما نتحدثُ عن الدراسة يحاولُ كلّ منا أن يبرزَ تفوقه في المجال الذي اختاره بنفسه وكلّ منا يخفي عن الآخر خيبةً كانتْ تلوح في نظراتنا، هذه الخيبة التي ألغتْ حافزَ التفوقِ في نفسي ولم يعد النجاح يعني لي شيئاً فاجتزتُ امتحان البكالوريا بمعدلٍ ضعيف أهلني للقبولِ في معهد التكنولوجيا، لكنّ الغيرة عادتْ تنهشني حينما علمتُ بأنه دخلَ كليةَ الآداب فكنتُ كلما أراه مصادفةً في مقهى (الأمين) حيث يلتقي الطلبةُ القادمون من مدينةِ الكوت أو في شارع الرشيد وهو يحملُ كتبَ الأدب ودواوين الشعر، أشعرُ برغبةٍ في خنقهِ وانتزاع شيء قد سُلبَ مني، وازدادَ هذا الشعور شراسةً بعد سنتين حينما كنتُ أعودُ بإجازة من وحدتي العسكرية المتمركزة بالقرب من بحيرةِ الحبانية مغبرّاً بشعري الحليق وهيئتي الرثّة فأراه يقفُ في كراجِ النهضة بزيهِ الجامعي، يحملُ حقيبته الأنيقةَ ويقفُ على الرصيفِ مترفعاً عن مزاحمةِ الرعاعِ المسافرين الذين يتراكضون خلف السياراتِ القادمة والقفز من نوافذ السيارة للحصول على مقعد، وقد يذهبُ إليه السائقُ طوعاً ويتملقه كي يحظى براكبٍ مهذبٍ مثله، وربما ينهضُ أحد الراكبين متبرعاً ليجلسَ (الأستاذ) في محلّه. تطمئنُ الفتاةُ المسافرة وحدها إلى الجلوس لصقه فلا تتوقعُ منه تحرشاً أو احتكاكاً مقصوداً بجسدها بل كنتُ أرى الرغبة في عيونِ طالبات الجامعة وهنّ يحاولن اختلاقَ أعذارٍ كي يقتربن منه كزميلٍ لهنّ يقاسمهنّ الرحلة، في الوقت الذي ترتسمُ علاماتُ الامتعاضِ والخوفِ كلما اقتربتُ من إحداهن، حتى الصبي الوقح ذو اللسان البذيء والدشداشة الوسخة والذي لا يكفّ عن دعكِ خصيتيه وهو يجمعُ الأجرة من الركّاب يناديه بتهذيب:

" تسمح استاد "

ثم يلتفتُ إليّ وبصوتٍ عالٍ ولهجة فظّة:

" هيه، أبو خليل، أجرتك. "

أجلسُ في المقعدِ الخلفي من السيارة أو ما يسمى بـ (خانة الشواذي). أتطلعُ من زجاجِ النافذة هرباً من عيونِ المسافرين التي أقرأ فيها امتعاضاً من الرائحةِ الزنخة التي تعطّ من جسدي وملابسي العسكرية، أسترقُ بين حينٍ وآخر نظراتٍ خاطفةً نحوه فأراه في المقعدِ الأمامي وقد نشرَ صفحاتِ جريدة (طريق الشعب) وراحَ يقرأ بصمتٍ بينما تسمّرتْ أعينُ المسافرين عليه ترمقه بهيبةٍ وإعجاب بجديتهِ وشجاعته.

" جريدة طريق الشعب!!"

" هذا يعني أنه هو الآخر أصبحَ شيوعياً أو صديقاً للشيوعيين. "

أنظرُ إليه بحسدٍ وهو يطالعُ الجريدة بجرأةٍ دون أن يلتفتَ إلى المسافرين التي يتطلعون إليه بفضول، الجريدة التي مجرد لمسها كفيل بأن يوصلني أنا العسكري إلى ساحةِ الإعدام دون محاكمةٍ وضمن اتفاق الحزبين المتحالفين.

 أغمضُ عيني أو أتطلعُ من نافذة السيارة  إلى العراء على جانبي الطريق فتكونُ المسافة بين بغداد والكوت والتي تقطعها السيارةُ بثلاث ساعات دهليزاً فاصلاً ما بين الزنزانةِ وساحة الإعدام.

لم تمضِ من مدةِ خدمتي العسكرية سوى أربعة أشهرٍ حتى نزلَ أمر لم يخطرْ في ذهنِ أحد. حدثَ ذلك في يوم الثامن والعشرين من شباط عام 1977 وهو اليوم الثالث لي في سجنِ الوحدةِ العسكرية بعد أن أصدرَ الآمرُ عليّ عقوبةَ حلقِ الرأسِ بالموسى وبالسجنِ لسبعة أيام حينما ألقي القبض عليّ فجراً وأنا أتسللُ داخلاً المعسكر من تحت السياجِ بعد أن قضيتُ ليلةَ سُكرٍ في بغداد.

كنتُ واقفاً عند بابِ السجنِ ماسكاً القضبان وأتطلعُ إلى حركةِ الجنودِ حينما لمحتُ أياد جواد وقد جاء نحوي مهرولاً. حاولَ الحارسُ أن يمنعه من الاقترابِ إلا أنه تحدثَ معه بتوسلٍ كي يسمح له بنقلِ إلي رسالة الفرح التي وصلتْ إلى المعسكر صباح اليوم والتي لم تخطرْ في ذهنِ أكثر المتفائلين. أقتربَ أياد مني صارخاً وهو يرتعش:

" جاء كتاب تسريحنا. "

لم أصدقْ ما سمعتُ فانقبض قلبي قلقاً. شعرَ أياد بذلك فراحَ يؤكد لي:

" رأيت اسمك من بين الأسماء الذين سيُسرّحون. "

وحينما سألته:

" متى سيتم تسريحنا؟ "

أجاب بيقين:

" اليوم. "

فقلتُ له:

" ولكن أنا في السجن. "

اقتربَ مني هامساً:

" الكتاب صادر من مجلس قيادة الثورة، هذا يعني أنه لا أحد يستطيع إيقافه. "

ثم أضاف:

" إنه أمر عاجل وفوري. "

شعرتُ بقلقٍ وخوف من أنهم سيلغون تسريحي أو ربما سيضعون اسماً آخر بدلاً عني. مرّتِ الدقائقُ ثقيلة وأنا متشبث بالقضبان. توسلتُ بالحارس الذي لم يعرْ توسلي أيّ اهتمام بل إنه لم يصدّقْ ما سمعه على الرغم من أني أعرفُ أنه لا يستطيع فعلَ شيء من أجلي وما هو سوى عبدٍ ولكنْ أمام القضبان لا وراءها، لكنّ القلق الذي كان يغلي في نفسي يدفعني لاستجداءِ نظرةِ تعاطفٍ أو كلمةٍ تطمئنني حتى لو خرجتْ هذه الكلمة من فمِ الجدار. كنتُ ألوّح بجنونٍ لكلّ جندي من زملائي يمر قريباً من غرفةِ السجن وأتوسلُ بهم أن يذكروني عند أيّ مخلوقٍ له سطوة كيلا أنسى في السجن فأخسرُ فرصةَ العمر التي قد لا تأتي غيرها. رأيتْ زملائي متجمعين عند بابِ غرفة (قلم الوحدة) التي تقع أمام غرفة السجن، وكانوا يتحركون بقلقٍ ولهفة. خرجَ عريف وتحدثَ معهم بصوتٍ لم أستطعْ سماعه فانفضّوا راكضين بكلّ الاتجاهات وهم يتصارخون بفرح. عادوا بعد بضع دقائق وهم يرتدون الملابس المدنية ويحملون حقائبهم. وقفوا بنسقٍ عند باب (القلم) وكادتْ تنشبُ معركة بينهم وهم يتدافعون لاحتلالِ الموقعِ الأول في الطابور. كاد جسدي ينهار فتمسكتُ بالقضبان واستبدتْ بي رغبة شديدة في البكاء إلا أني تماسكتُ كيلا أثيرَ سخرية السجناء الذين أبدوا تعاطفاً شديداً معي على الرغم من نظراتِ الحسد خاصة بعد أن تأكد لهم أمر تسريحنا. دخلَ أحدُ زملائي إلى غرفة قلم الوحدة، وبعد أقلّ من دقيقةٍ خرجَ وهو يحمل ظرفاً مغلقاً. رفعَ ذراعه التي تحمل الظرف وراح يضربُ الأرضَ بقدمهِ راقصاً وقد شاركه الآخرون فأثارَ مشهدهم انتباهَ جنودِ المعسكر الذين تجمعوا حولهم، ثم توالى دخولهم وخروجهم وكلّ منهم يحملُ وثيقةَ انعتاقهِ حتى غادرَ الجميع فشعرتُ بالظلامِ قد خيّم على الكونِ تاركاً خفافيشه عالقة في روحي وتمتصّ دمي. لم أعدْ أرى شيئاً فتكومتُ جثةً هامدة عند بابِ السجن وأجهشتُ بالبكاء متجاهلاً عبارات السخرية الجارحة التي كان يطلقها السجناء.

لا أدري كم من الوقت مرّ حينما سمعتُ خشخشةَ المفتاحِ الكبير وهو يلجُ ثقبَ الباب وصوتاً ينادي باسمي. نهضتُ كأني استيقظتُ من موتٍ طويل استعداداً للحظة الحساب التي خمّنتُ بأنّ الجنةَ ستكونُ نتيجتها على الرغم من يقيني بأني منكود الحظ. امتدتْ كفّ عريف الانضباط التي تشبه مجرفةَ المسحاة عرضاً وصلابة، إلى ظلام الغرفة ومسكتْ كتفي بقوة فاستسلمتُ لها كطائرٍ متعب. أخرجتني من غرفةِ السجن سحلاً فانقدتُ لمشيئتها دون أنْ أنطقَ بأيةِ كلمةِ اعتراضٍ أو تمرد. خابَ ظني حينما اجتزنا غرفةَ (قلم الوحدة) متجهينَ صوبَ غرفِ آمر الوحدة وأمراء السرايا. أمرني العريفُ أنْ أقفَ عند باب إحدى الغرف فهززتُ رأسي طائعاً. دخلَ وسمعتُ صوتَ ارتطامِ قدمه بالأرض وهو يصرخ:

" حاضر سيدي. "

خرجَ بعد لحظاتٍ من الغرفة هاجماً عليّ بشراسةٍ دافعاً جسدي المتضعضع إلى داخل الغرفة. رفعَ ساقه بخفّة وأنزلها إلى الأرض بقوةٍ محدثاً دوياً انقبضَ قلبي على أثره ثم خرجَ وأغلقَ البابَ خلفه. رفعتُ نظري فرأيتُ النقيبَ عبد القادر ضابط التوجيه السياسي جالساً على مكتبه يتطلع إليّ بنظراتِ استعلاء وسخرية. صرخ بي:

" استعدْ! "

فتوقفتُ متسمراً في مكاني. تشاغلَ بتقليبِ قصاصاتِ ورقٍ مرمية بإهمال على الطاولة وهو يصفّر لحناً بدوياً كطنينِ ربابةٍ مرخية الوتر. رفعَ رأسه إلي وسألني وقد نوّص عينه اليسرى فظهرَ جانبُ من فكّه العلوي بأسنانٍ صفر ولثّة سوداء:

" أنتَ دريد .. مو؟ "

فأجبتُ بخوف:

" لا، سيدي. "

توقفتُ قليلاً كي أبلعَ ريقي الجاف ثم انطلقَ صوتي خافتاً مردداً كما الببغاء:

" إني الجندي المكلف حميد ..."

" انجبْ ، قشمر! "

صرخَ بي قبل أنْ أكملَ اسمي الثلاثي فتوقفتُ. نهضَ من كرسيه متجهاً نحوي وهو يهزّ هراوته ضارباً بها راحةَ يده. وقفَ قبالتي فطأطأتُ رأسي مركّزاً نظراتي على بوزِ بسطاله اللامع. وضعَ إصبعه تحت حنكي رافعاً رأسي ببطء وحينما التقتْ نظراتنا، أمطرني ببصاقهِ حتى غطّى وجهي ثم انقضّ على رقبتي حتى شعرتُ بأنّ حدقتيّ ستقفزان خارجَ عينيّ غضباً ومن شدة الاختناق. توقفَ قليلاً وعيناه جاحظتان وجسده يرتعشُ من شهوةٍ مجنونة كأنه يغتصبُ جسدي ويفرغ فيّ سمومَ حقدهِ حتى تراختْ قبضته شيئاً فشيئاً مفتعلاً قهقهةً داعرة وهو يحركُ كرشه الذي قسمه النطاقُ إلى قسمين. تطلع إليّ وقد ضيّق عينيه وكزّ على أسنانه غيظاً كأنه يوشكُ على التهامي. أخفضتُ نظري نحو الأرض وركبتاي تصطكان ببعضها. عاد وشدّ بسبابة وإبهام خشنتين أذني وهو ينظر إلي بسخريةٍ ولسانه يحاولُ التقاط طرف شاربهِ الكثّ ثم خاطبني باستعلاء:

" ههْ.. منيوك.. تحاول تغشّم نفسك. "

لم أكنْ أعي ما كان يرمي إليه بكلامه وغضبه حتى أضاف وباللهجة نفسها، ماسكاً بقبضته ياقة قميصي، ضاغطاً بقوة على عنقي:

" شوفْ .. منيوك .. أحنه نعرف كل شي عنكم. "

توقفَ قليلاً ثم أدارَ إليّ ظهره متوجهاً نحو مكتبه. جلس وهو يهزّ هراوته في الهواء منتشياً، ثم رفعَ رأسه وهو يقهقه بعهرٍ. أمالَ رأسه قليلاً وباعوجاجٍ قليل في شفته السفلى راحَ يردد بثقةٍ:

" مو مشكلة.. دريد.. حميد.. خرا.. مو مشكلة.. مو مشكلة.. "

عندها أدركتُ ما يعنيه وشعرتُ بأني سأحصلُ على ورقةِ انعتاقي ولكن ليس كزملائي الآخرين الذين حصلوا على أوراق تسريحهم قبل دقائق، بل سأحصلُ على وثيقة تسريحي من الحياة، حيث أني أدركتُ أنهم فعلا يعرفون عني كل شيء، حتى اسمي الحركي وبشكل لا ينفعُ معه التغافل أو الإنكار. دقائق بطيئة مرّتْ كنتُ انتظرُ بيأسٍ صدورَ قرارِ إعدامي حتى صدرَ الحكمُ على غير ما أتوقع حينما أخرجَ النقيبُ من جرّار مكتبه ظرفاً أسمر كبيراً كُتبَ عليه بخطٍ كبير (دائرة تجنيد الكوت). شعرتُ بدوارٍ لكني تنفستُ بعمقٍ كأني سمعتُ منادياً يصرخُ بإيقافِ تنفيذِ الحكم قبل أنْ يُركلَ كرسيُ الشنق من تحت قدميّ أو قبلَ أنْ تخرجَ الطلقة من ماسورةِ المسدسِ المصوّب على صدغي. رمى النقيبُ الظرفَ بوجهي وهو يصرخ:

" يلا .. ولّي .. كلب ابن الكلب. "

سقطَ الظرفُ على الأرض فتناولته وهممتُ بالخروج دون أنْ أضربَ قدمي بالأرض بوضعيةِ الاستعداد، وقبلَ أنْ أخرجَ من الغرفة صرخ بي:

" قف ْ! "

فتسمرتُ في موضعي ملتفتاً نحوه. عدتُ بارتباكٍ وخوف. رفعتُ قدمي اليمنى كي أقفَ في وضعِ الاستعداد فاصطدمتْ بساقي اليسرى. قهقه منتشياً ثم أضافَ بلهجةِ تهديدٍ وبنظرةٍ واثقة من صرامتها:

" شوفْ .. أنتَ الآن مو متسرح وإنما منتدب للعمل في المؤسسة العامة للطرق والجسور بأمر من مجلس قيادة الثورة. "

" نعم سيدي. "

أجبتُ بفرحٍ فرفعَ يده مشيراً إلي بأن أصغي إليه، فأضاف:

" مو حسبالك انتهت السالفه وخلصت، نقدر انجيبك بأي وقت نريد، هه، وأنت تعرف البقية، ما يخلصك أبو لينين.  "

هززتُ رأسي وقد تلعثمتُ فلم أستطعْ أنْ أنطقَ أية كلمة حيث كنتُ أشعرُ بأنّ لساني قطعة خشبٍ وشفتيّ مخدرتان ومطبقتان كأنهما ملصوقتان بصمغِ لعابي. تطلعَ إلي ثم أشار برأسه وهو يردد باستعلاءٍ وفظاظة:

" يلا.. ولّي! "

ضربتُ الأرض بقوة صارخاً:

" نعم سيدي. "

في طريقي إلى خارج المعسكر توقفتُ عند الجندي الواقفِ عند البوابة في نوبة الحراسة، والذي تقدمَ نحوي بوجهٍ متجهم يفتعلُ السطوة لرؤية الإذن بالخروج.

" الله يساعدك. "

قلتُ ومددتُ له يدي مصافحاً بمودةٍ أثارتْ استغرابه ولم أكنْ أعي الأسبابَ التي دفعتني إلى توديعه بتلك الحرارة، هل كنتُ مشفِقاً عليه؟ أم خائفاً من شيء لا أعرفه؟. رفعَ لي حاجزَ البوابة الخشبي ملوحاً بيده متمنياً لي حياة سعيدة خارجَ جهنم. سرتُ بخطوات تفتعل الثقة كلصّ يحاولُ إزالةَ الشبهة عنه، ثم حثثتُ الخطى على الطريقِ الترابي المتعرجِ حتى لاحَ أمامي الطريقُ الإسفلتي الواصل ما بين مدينة الرمادي وبغداد. توقفتُ. توجهتُ صوبَ المعسكر الذي بدا لي كأنه بقايا كابوس لايزال عالقاً في أهدابي. أنزلتُ حقيبتي على الأرض وأخرجتُ قضيبي. رفعتُه بكلتا كفيّ راسماً في الفضاء دائرةً بوليةً تحيطُ المعسكر كلّه، ثم أطلقتُ ساقيّ للريح.

لم تدمْ فرحتنا بالتسريح سوى بضعةِ أيامٍ حتى علمنا بأننا سنساقُ مرةً أخرى إلى موضعِ الخطر. فعند مراجعتنا للمؤسسةِ العامة للطرق والجسور لتقديمِ أوراقِ تعييننا كمسّاحين منتدبين، أخبرونا بأنّ علينا أن نلتحقَ سريعاً بفرقِ المساحةِ التي تشكلتْ ضمن حملةِ استنفارٍ تقوم بها وزارتا الإسكان والدفاع لشقّ الطرق في المنطقة الشمالية، وأنّ مَنْ يتخلف عن الالتحاق سيُعتبر هارباً وسيخضع لمحاكمة عسكرية. لفتَ نظرنا في كتابِ التعيين الراتب الذي لم نكنْ نحلم به، عدا عن مخصصات الإيفاد والخطورة.

" جاءكم الموت يا تاركي الصلاة. "

علّقَ أحدنا فتطلعنا في وجوه بعضنا بصمت.

وصلنا كركوك في الثالث والعشرين من شهر آذار عام 1977 وكنّا عشرين مسّاحاً منتدباً وخريجي دفعةٍ واحدة، ومنها تمّ توزيعنا بالقرعةِ على مديريات طرق المحافظات الشمالية. كان نصيبي في مديرية طرق أربيل. ودّعنا بعضنا بحرارة متمنين السلامة كأننا راحلون إلى مصيرٍ مجهول.

لم يكن الأمر بهذه الخطورة حيث أنّ الوضعَ السياسي كان يبدو هادئاً، لكن لاتزال هناك عصابات كردية صغيرة تتخذُ من الجبال المنيعة مركزاً لتجمعها وتشنّ هجماتٍ على ربايا الجيش، ولاتزال عبارات تظهرُ في مانشيتات الصحف البعثية تشير إلى (الجيب الكردي العميل) أو (الجناح اليميني) كما تردُ في صحيفة الحزب الشيوعي فيثيرُ هذا الاختلاف في المصطلحين صراعاً كلامياً ملغوماً بين الحزبين المتحالفين فيحتدم النقاش بين الرفاق حول مستقبلِ التحالف الذي يقفُ الآن على كفّ عفريت كما كان يردد بعض المتشائمين، ولم أكنْ أعي الفارقَ بين المصطلحين.

(العصابات)، (العصاة)، (البيشمركه)، (مصطفى البرزاني)، (عيسى سوار)... مفردات ترنّ في أذني فأرى وجهَ ابن خالتي القادم في إجازة من حرب الشمال وهو يروي لنا عن شراسةِ المقاتل الكردي الذي لا يُرى بالعين، وأسمعُ صوتَ ندّابة ريفية تردد:

" طركاعة اللفتْ برزان بيّس بأهل العماره. "

أدركَ سائقُ سيارة اللاندكروزر الكردي، ونحن نتجهُ من أربيل شمالاً نحو قضاء راوندوز التي سيكون مكانَ عملي وإقامتي، قلقي فراحَ يحدثني عن جمالِ طبيعةِ كردستان والسلام والأخوة بين العرب والأكراد مردداً بافتعالٍ واضح أغنيةً قديمة:

" هربجي كرد وعرب رمز النضال. "

وحينما وجدني سارحاً، أتطلعُ إلى جانبي الطريق بتوجسٍ وخوف، ضغط على زرّ المسجل فانطلقت أغنية كردية وارتفعَ صوته المتخشب حتى طغى على صوت المغنية الناعم. تطلعَ إلي فنظرتُ إليه بابتسامةٍ باهتة أدركَ مغزاها فبادرني:

" كاكه لا تخافْ! "

ثم أضافَ بمودةٍ واضحة:

" كاكه والله ماكو شي. "

وفعلاً استطاعَ بمودتهِ أن يزيلَ عن نفسي شيئاً من الخوف، تلاشى تدريجياً وأنا أتطلع بانبهارٍ إلى جمالِ الطبيعة المحتفلة بنوروزها، وراحتِ الجبال الشاهقة تظهر في الأفق الأمامي. عاد إليّ الخوف مرةً أخرى حينما بدأتِ السيارةُ تتسلقُ جبل صلاح الدين بلفّاته العديدة وطريقه الوعر. كنتُ أنظرُ إلى العجلاتِ التي تسيرُ على مبعدة بضعة سنتمترات من حافةِ الهاوية فينقبض قلبي، غير أنّ مهارةَ السائق وثقته بنفسهِ أشعرتني ببعض الاطمئنان حتى دخلنا المدينة ثم انحدرنا إلى الجانب الآخر.

أوقف السائقُ محركَ السيارة عند مقهى صيفي من جذوعِ الأشجار يقع في مركز مدينة شقلاوه. كنتُ مبهوراً وأنا أتطلعُ إلى سواقي المياه التي تجري تحت أقدامنا وأصغي إلى هدير مساقط مياه يأتي من بعيد. لفتَ نظري الهمسُ الذي كان بين السائق وصاحبِ المقهى وهما يشيران إليّ فارتفعَ في نفسي منسوبُ سوءِ الظن واختلطتْ هواجسي لتحيكَ مؤامرة مدبرة ضدي.

" نعم، ما علاقة وزارة الدفاع بحملة شقّ الطرق؟ "

سؤال له أكثر من مبررٍ قفزَ إلى ذهني وكنتُ واثقاً من أنّه ليس مجرد هاجسٍ بل إنه حقيقة، فعلى الرغم من التفاؤل الذي كان الحزبُ الشيوعي يلقننا به ونرددُ مقولاته كببغاواتٍ إلا أني لم أكنْ مصدّقاً عشر ما يقال فلا جبهة وطنية ولا حكم ذاتي إنما فخّ محكم قد نُصبَ وسيكون أولاد الخايبة أول ضحاياه.

" مو حسبالك انتهت السالفه وخلصت، نقدر نجيبك بأي وقت نريد، هه، وأنت تعرف البقية، ما يخلصك أبو لينين. "

راح صوت النقيب عبد القادر يتردد صداه في أذني متقاطعاً مع صوتِ المظاهرة التي انطلقتْ في داخلي وقد رفعتِ الجماهير الغاضبة شاعرها الحكيم (زفر) بصوتهِ الجهوري يوقظ الغافلين من غفوتهم مردداً:

" قد ينبتُ المرعى على دمنِ الثرى     وتبقى حزازاتُ النفوسِ كما هي "

حينما تركنا مدينة شقلاوه وانحدرتْ بنا السيارةُ على الطريق الذي يقسم السهول المترامية على الجانبين، شعرتُ وكأن السائق يقرأ ما يدورُ في ذهني، لذلك حينما وضعَ شريط أغان ريفية لمطرب عراقي، حسبتُ ذلك تمويهاً لما يدورُ في ذهنه فاعترضتُ عليه ورجوته أن يُسمعني أغاني كردية. تطلع إلي باستغرابٍ فرحتُ أؤكد له حبي للغناء الكردي، مردداً عبارة الشكر (زور سباس) بتملقٍ واضح. استجابَ السائق لطلبي وانطلقَ صوته مردداً مع صوتِ المغنية فشاركتُه بالتصفيق فازداد طرباً وحماسة حتى انتهت الأغنية فالتفتَ إليّ وراحَ يطرح عليّ أسئلةً أدركتُ مغزاها:

" من أين أنت؟ "

" هل أنت شيعي أم سني؟ "

" لماذا نقلوك إلى هنا؟ "

حاولتُ أن أجيبَ بشيء من التمويه إلا أنه أدركَ ذلك. تطلعَ إليّ بعمق كأنه يريدُ أن يحققَ أمنيةً بصدقِ حدسهِ فسألني بتردد:

" هل أنت بعثي؟ "

وما أنْ سمعَ إجابتي التي كان يتمناها حتى صفّقَ بكفيهِ منتشياً وارتفعَ صوته بأغنيةٍ لم أستطعْ التقاط منها سوى كلمة (كردستان). شعرتُ بالبهجةِ لفرحهِ فرحتُ أشاركه بالتصفيقِ وترديدِ كلمة (كردستان) بألفةٍ حقيقية زادها انبهاري بطبيعة لم ترها عيني من قبل.

اجتزنا مدينة (حرير) كما قرأتُ اسمها على لوحةٍ صغيرة. توقفتِ السيارة بالقربِ من جبلٍ شاهق ثم اجتازتْ معبراً ضيقاً فأشارَ السائق إلي:

" كلي علي بيك. "

التفتّ إلى جهة اليمين حيث الشلال الذي قرأتُ عنه في كتاب الجغرافية. طلبتُ من السائق أنْ نترجلَ قليلاً لكي أرى الشلالَ عن قرب وأسمعَ هديرَ الماء الساقط بعنف فلبّى طلبي بفرحِ وراح يذكرُ لي أسماءَ الجبالِ المحيطة بنا ويصف لي جغرافية المنطقة التي تقعُ خلف الجبال وكنت أصغي إليه بحبّ ودهشة.

بعد شلال كلي علي بيك بمسافةٍ قصيرة توقفتِ السيارة عند نقطةٍ عسكرية تقع بالقرب من جسرٍ خشبي صغير. اقتربَ من السيارة جندي بوجهٍ ريفي أملح السحنة، يبدو التعب واضحاً في جسده وعينيه. تطلعَ إلى داخل السيارة وأشار إلينا بالوقوف. بعد لحظات تطلعتُ إلى الخلف فوجدتُ رتلاً طويلاً من السيارات يقفُ خلفنا وحينما سألتُ السائق عن سببِ وقوفنا أجابني بأنهم بانتظار قدوم مدرعتين عسكريتين لمرافقةِ الرتل فتوجستُ خيفةً ولكنه طمأنني بأنه إجراء احترازي روتيني.

قبل مغيبِ الشمس بوقتٍ قصير وصلنا مدينةَ راوندوز التي تقع على قمةِ جبل تسلقته السيارة بصعوبة. هناك وفي فندق قديم التقيتُ بفرقةِ المساحة التي سأكون أحدَ أعضائها.

(حرير، شلال كلي علي بيك، ديانا، سواره توكه، كلاو حسن، راوندوز، شلالات بيخال، العين السحرية، جنديان، كروه زيري، كلاله، قصر الملا، جومان،حاج عمران، ....)

أماكن.

ما مررتُ بها مرورَ سائحٍ بطرٍ ولا مرورَ جنرالٍ أشرٍ أو ثوريّ منكسرٍ، بل مررتُ بها مرورَ إنسانٍ بلا صفاتٍ غير فتوّةٍ مقموعةٍ وإنسانيةٍ تحاولُ أن تتفتحَ في اللا أوان فتصطدمُ بألف خريفٍ. بريء يستفحلُ عليهِ ضميرُه فيحاصرُه بالتأنيبِ على ذنبٍ لم يرتكبه، بل لم يجدِ الوقتَ لارتكابه.

أماكنُ.

مررتُ بها مستطلعاً تفاصيلها فقرأتُ في تضاريسها تأريخاً مكتوباً بالدمِ على كلّ حجرٍ وفي كلِّ واد. كلّ صخرةٍ شاهدةُ قبرٍ وعلى كلّ قمةٍ نايٌ معطوب تصفّر فيه الريحُ معزوفةً حزينة. قرى مهجورةٌ نسيتْ مؤذنَ مسجدِها وحيداً يدعو الجبالَ للخشوع فلا تتصدعُ، ومجنوناً يدحرجُ موّالَ حيرتهِ على السفحِ ويصغي للصدى تردده الوهاد.

" هنا، على هذا السفحِ الحاد تماماً حدثَ إنزالُ الدبابات ودارتْ معركة شرسة انهزمَ على أثرها العصاة. "

أشارَ القائدً بعصاه وهو يتطلع بزهو:

" كانت الدباباتُ تنحدرُ على الجانب الثاني من الجبل وقد أعطيتِ الأوامر لسائقيها أن يشدّوا أذرعَ الفرامل إلى الخلف كي تنزلقَ الدبابات ببطء. " 

" لم ينجُ أحد من العصاة. "

" أبدناهم. "

يقول القائدُ مؤكداً وهو يضربُ ساقه بعصاه نافشاً ريشه مثل طاووس.

نصبتُ جهازَ التسوية ورحتُ أقيسُ منسوبَ القمة وارتفاعها عن سطح البحر.

" أين هو البحر؟ "

تساءلتُ ساخراً وفي لاوعي مسّاحٍ ما اعتادَ على قراءةِ تضاريس التأريخ. رحتُ أقيسُ منسوبَ الدمِ الجاري في الوديان.

قال القائدُ:

" إنّ الخطّةَ كانتْ من وضْعِ إسماعيل تايه النعيمي وقد أشرفَ هو بنفسه على تطبيقها."

تطلعتُ في منظار جهاز التسوية فرأيتُ شيئاً متجسداً أمامي ولكني لم أصدّق عينيّ. رأيتُ حقيقةً سابقةً لأوانها. كان ذلك في صيف عام 1977 أي قبلَ أكثر من ثلاثِ سنوات على بدء الحرب العراقية الإيرانية حيث كان إسماعيل تايه النعيمي نفسه والذي أطلقَ عليه منذ الأسبوع الأول لبدء الحرب (أبو الشهيد) يضعُ خطةً لعبورِ نهرِ بهمشير بعد أنْ عبرنا نهرَ الكارون وتمركزنا في الجانب الثاني على مشارف مدينة عبادان. كانتِ الحساباتُ العسكرية تشيرُ إلى أنّ الجيشَ المهاجم سيدفع 95% من حجمِ قواته كخسائرَ في حالِ نجاح الخطة وتمكنه من عبور نهر بهمشير. حينذاك كنتُ أنا ابن الخايبة سائقُ دبابةٍ في القوة التي ستنفذ الهجوم، لولا حدثَ ما لم يكنْ في الحسبان، أمرٌ غيّر الخطة فنجوتُ لكي أكتبَ ما أكتبه الآن. أما أبو الشهيد، إسماعيل تايه النعيمي فذهبَ في ما بعد بشربةِ ماء وأعدمَ متهماً بالتخاذلِ ولم تشفعْ له أوسمته وأنواطُ شجاعته (هكذا كانتْ مشيئة الرئيس).

طييييييييييييييييييييييط.

أضعٌ جهاز الثيودولايت لأرسمَ استقامةَ الطريق وأقيسُ زاويةَ المنحنى. لم أجدْ نقطةً ثابتةً كي أجعلها رأسَ الزاوية. طفلٌ يركضُ .. يركضُ.. ورشقاتُ الرصاصِ ترسمُ دائرةً حوله، طفلٌ من العصاة، من الجيبِ العميل أو من الجناحِ اليميني المعادي للطريق اللارأسمالي للوصول إلى مرحلة الاشتراكية.

طيييييييييييييييييييط

رأسُ طفلةٍ بشعرٍ كثّ لم يمر عليه الماءُ مذ كان زغباً، يرتفعُ قليلاً من فوق جدارٍ طيني. يرتفعُ قليلاً.. قليلاً.. تظهرُ جبهة بلونِ الوحل، عيناها خضراوان أدماهما الرعب. أوجّه ناظورَ جهازِ الثيودولايت نحو العينين الخضراوين فتصرخُ الطفلةُ وتهربُ باكية. أصرخُ خلفها بصوتٍ ينفجرُ كلغمٍ في داخلي:

" لا تخافي.. من هناك سيمر الطريق. "

وأشيرُ إلى السماء.

" ماذا قلت؟ "

سألني صاحبي فأجبتُ بارتباك:

" وهل قلت شيئاً؟ "

هنا قرية لم يعدْ لها من وجود. أحرقتها الطائرات. كانَ أهلُها مهووسين بإشعالِ النيران احتفالاً بعيد النوروز. تلك القرى هُجّر أهلها إلى جنوب البلاد. كانتْ نساؤها جميلات. كنّ يأتين عند الفجرِ يغتسلنَ بماءِ العين. 

" اشششششش، لا توقظ القائد! إنه يحلم. "

صبايا ديانا ببناطيلهنَّ الضيقة التي تشفُّّ عن ألوان كلوتاتهن وحزوزها الواضحة. نهودهنّ يعصين أوامرَ البلوزات الضيقة فيندلقنَ من فتحات الآباط أو يرتفعنَ من شمالِ شهوتهنّ فيقفُ الرائي على مشارفِ وديانٍ ملساءَ تتدلى في أعماقها الصلبانُ فلا تسمعُ غير أنينِ الشهوة المصلوبة. صبايا ديانا يجلسنَ عند العين ضحىً ويتراشقنَ بالماء ويرسمنَ على صدورهن علامةَ الصليب.

أقفُ عند جدارِ بيتٍ طيني. يخرجُ منه رجلٌ بشوارب كثةٍ، يناولني قنينةَ عرقٍ ملفوفة بورقِ جريدة قديمة، أدسّها تحت أبطي وأمضي مترنماً بأغنيةٍ ظمأى يرددها الواقفُ على الشاطئ وحلمٍ لم يخطرْ في عين وجرحٍ لا يجد مرهماً.    

" من هنا مرّتْ قبل سنتين فصائل البيشمركة المنكسرة بلا بنادق ولا أحلام. كانوا مشاةً وقيلَ إن بغالهم انتحرتْ في الوديان. كانوا متجهين إلى إيران تاركين جثثَ قتلاهم إلى جنبِ البغال النافقة، بعد أن تمتِ التسوية بين صدام حسين وشاه إيران. "

قال عجوز وهو يشيرُ إلى نقطةٍ بعيدة في الأفقِ الذي سدّته الجبالُ. تطلعتُ إلى حيث أشارَ فلم أجدْ طريقاً فهززتُ رأسي له مبتسماً بحزن.

في بيخال سائحة شابة لفّتْ بنطالها إلى الأعلى كاشفةً عن ركبتين بضّتين تختزنان الفتنةَ في امتلائهما، وكان قميصها المطرزُ بالفراشاتِ مبتلاً يشفّ عن حلمتين ناريتين وقد فتحتِ الزرين العلويين فظهرَ وادٍ عقيقي بين جبلين لوحتهما الشمس، تنزلقُ عليه قطراتُ الماء أو العرقِ بحركةٍ محسوسةٍ وهدير مكتوم. مرتْ على أطرافِ أصابعها تنتقلُ على الصخورِ المغمورةِ بماء الشلال البارد. سارتْ باتجاهي دون أنْ تنظرَ إلي. زلتْ قدمُها وكادتْ تسقطُ في الماء فتلقفتُها بذراعين متحفزتين. تطلعتْ إليّ وخصرها مستسلمٌ لكفيّ. ضحكتْ بشهوةٍ سكرى ثم انزلقتْ مثل أفعى متجهةً إلى غيضةٍ قريبة. تلك الليلة حلمتُ بأننا نقفُ عاريين تحت الشلال والناس حولنا يتصارخون خوفاً من البركانِ الذي بدأ يرمي حممه من تحتِ أقدامنا.

في قضاءِ جومان اشتريتُ من دكانٍ صغير ساعةً يدوية مهربة. كانتْ أول ساعةٍ تطوق معصمي. وحينما اطمئنَ البائعُ لي أخرجَ بضاعته السرية. اخترتُ منها ما ينفعني وكان مجلةً جنسية، أخفيتها في جوربي تحت البنطلون.

" أيها المسّاحُ ماذا بوسعكَ أن ترى؟، كلّ الشواخصِ لم تتشخصْ وإنْ لاحتْ مرةً على الأفقِ فأنها تلوحُ مثل حكايةٍ مبهمة محوراها الشكّ والنسيان، وعليهما تقعُ نقاطُ إحداثياتِ الزمانِ الذي طُمستْ معالمُه. ضعْ المسطرة على راقمِ الأفق! وقسْ عمقَ الهوّة! ... ولكنْ أنّى لك أن تعرفَ منسوبَ الدمِ المسفوحِ في الوديان؟ "

" أيها المسّاح المستجدّ، ماذا بوسعك أن ترى؟ "

" الأرضُ تهتز وما من نقطةٍ ثابتة. "

" كيف لكَ أن تقيسَ منسوبَ الأرض على مستوى سطحِ السراب؟ "

توقفتْ بقربي سيارةُ جيب عسكرية فتشاغلتُ عنها وأنا أحدقُ في البعيد ملوحاً بذراعيّ إلى العاملِ الذي حملَ الشاخص. اقتربَ مني ملازم ثانٍ شاب بخطواتٍ تفتعلُ العجرفةَ دونَ إتقان. ألقى تحيةً هامسة ثم توقفَ جنبي وهو ينظرُ إلى المدى الذي أنظرُ إليه. وحينما وجدني مشغولاً عنه تنحنحَ بافتعالٍ، ثم سألني دون أنْ ينظرَ إلي:

" من أين يمرُ الطريق؟ "

فأجبته وأنا أتطلعُ في منظارِ جهاز المساحة:

" من الهاوية. "

خمسةُ أشهرٍ مضتْ قضيتها في التعرفِ على تضاريسِ المنطقة وسمعتُ حكاياتِ ناسها وذكرياتهم الحزينة، شربتُ لبنهم وخمرهم ورقصتُ على إيقاعِ دبكاتهم وأصغيتُ لما كانتْ تبثه الحناجرُ المحترقة وهي تردد حزنَ (حيرانها) الذي يفطّر قلبَ جبالٍ تخشعُ لكنها لا تستكين. كان إصغائي وحده كفيلاً للإلفة وكأنه تعزيمٌ لفتحِ أبوابِ القلوب التي تبحثُ عمّن يشاركها المحنة وما أسهلَ لقاءَ الحزانى الذين رضعوا حليبَ الانكسار كأنهم ولدوا أبناءً غير شرعيين للحياة فمنّتْ عليهم بلحظاتٍ للبكاء يقتطعونها في غفلةِ الزمن. تركتُ على الجبال علاماتٍ ودققتُ أوتاداً ستكونُ إشاراتٍ لاتجاهِ الطريق الذي كنتُ واثقاً من أنّ الطغاة أرادوه لمرورِ الليلِ والدباباتِ إلى القمم التي تنذرُ براكينها بالانفجار. وعلى الرغم من سماعنا لأصواتِ إطلاقاتٍ تشقّ صمتَ الليل بين حينٍ وآخر تصحبها حركة غير طبيعية لعجلاتٍ عسكرية مطفئة أنوارها وهي تنقل جنوداً برشاشات مسحوبة الأقسام متحفزين لمهاجمةِ أيّ طيفٍ عابرٍ دون سابق إنذار، إلا أني كنتُ أشعرُ بأمانٍ ومتعةٍ باكتشافي وجهٍ آخر للطبيعة.

مع انتهاء صيف عام 1977 انتهتْ مهمةُ فرقةِ المساحة فعاد أعضاؤها إلى بغداد وتمّ نقلي إلى مديرية طرقِ الموصل ومنها نُسّبتُ للعملِ في مشروعِ طريق زاخو كانماسي. وصلتُ إلى مدينة زاخو ليلاً وقد حسبتُ أنّ الرحلةَ انتهتْ عند آخر نقطةٍ على الحدود العراقية التركية غير أني ما كنت أعرف أنّ أمامي رحلة طويلة وشاقة، ففي صباح اليوم التالي سارتْ بي سيارة شوفرليت متجهة شمالي زاخو في طريقٍ حجري يقع أغلبه محاذياً للهاوية فكنتُ كلما همّت السيارة باجتيازِ مضيقٍ أترجلُ خوفاً حتى تجتازَ منطقةَ الخطر فأسمعُ قهقهةَ السائق ساخراً من جبني.

باطوفه ... باكوفه ... ومدن وقصبات أخرى مررنا بها في طريقنا لكني لم أرَ منها سوى لوحةٍ حديدية تشيرُ إلى الاسم كأنها (مدن لامرئية) أو فخّ منصوب للغافلين ومنكودي الحظ. استغرقتِ الرحلةُ خمسَ ساعات حتى وصلنا إلى منطقة كانماسي والتي كانتْ كغيرها بلا معالم تدلّ على وجودِ مدينة أو قرية بل كلّ ما رأيته مجمعاً لمكائن وسيارات يتوسطه كرفان قديم هو إدارة المشروع ومكانُ مبيتِ المهندس المشرف. يقع المجمّعُ عند أسفلِ سفحِ جبلٍ تقعُ على قمتهِ ربيئة أو معسكر صغير. خُصصتْ لي خيمة وسرير قديم. شعرتُ بوحشةٍ مخيفة بل تمنيتُ لو عدت إلى الخدمة العسكرية، هناك حيث على الأقل يمكن الذهاب إلى مدينةٍ قريبة أو التمتع بإجازة، بل هناك مَنْ يمكن التحدث معه، أما هنا فلا شيء غير الجبالِ المحيطةِ بالمجمّعِ وربايا الجيش المحيطة بنا وعمال متعبين ومدير المشروع المهندس موفق بوجههِ الكالحِ وانفعالاتهِ غير المبررة، يحاولُ أنْ يختلقَ سطوةً يفرضها على العاملين ملتذاً بإصدارِ الأوامر، وقد وجدها في التحالفِ مع الله ضد مخلوقاته البائسة. أصدر أمراً بإقامةِ الصلاة خمس مرات في اليوم. لم يصدّق في بدء الأمر بأنني أرفضُ الانصياعَ إلى أمره الإلهي فدعاني إلى كرفانه مردداً أمامي جملاً جاهزة عن حلاوةِ الإيمان والتقوى، وحينما وجدني غير مصغٍ إليه راح يفتش عن أسباب للخلاف، ولأنه لا يوجد منفى أبعد من كانماسي يرسلني إليه راح يحاولُ أن يتحججَ بضرورةِ الإسراع بالعمل كلما اقتربَ موعدُ إجازتي الشهرية حتى هطلَ الثلجُ غزيراً في بداية شهر تشرين الثاني فسُدتِ الطرقات وأصبح العملُ مستحيلاً في مثل هذا الطقس البارد. توقفَ العمل ففرحَ المهندس موفق على الرغم من أنه بدا متذمراً كي يعطي انطباعاً عن إخلاصهِ في العمل. عاد إلى مركز المديرية في الموصل وعدتُ إلى العمل مؤقتاً ضمن مشروع زاخو ـ باطوفه.

أيام ماصخة تمرّ وكنتُ أعدّها بالدقائق منتظراً قدوم الثالث من آيار موعد تسريحي من الخدمة العسكرية. أقمتُ في فندقٍ بمدينة زاخو يقع قريباً من نادي الموظفين حيث كنتُ أقضي الوقت منذ غروب الشمس حتى منتصف الليل عندها أعود متعتعاً، أتعثرُ بظلي الشاحبِ الذي تعكسه مصابيحُ الشارع. ألتقي في طريقي إلى الفندق بدوريةِ أمن، وقد كنتُ وجهاً معروفاً لديهم ومحطّ أنظارهم لأني أنا العربي الوحيد في المدينة. تتوقفُ السيارة فتتوقفُ نبضات قلبي. يترجلُ أحدهم وهو يعدّلُ وضعَ المسدسِ في حزامه. يوقفني بلطفٍ عارضاً عليّ خدماته بطريقة عنترية:

" قلْ لي عمّنْ يضايقك .. سأمحوه من الوجود. "

أهز رأسي شاكراً له عرضه فيتطلعُ إلي بنظرة تأنيب:

" دير بالك! لا تلتقِ بالأكراد! جاي نشوفك تجلس مع شيوعيين. "

أحاول أن أبدي عدمَ اكتراثٍ بما يقول أو أصطنع البراءة أو البلاهة فيضعُ يده على كتفي مربتاً ثم يستقلّ السيارة وهو يردد:

" دير بالك! نبهتك، ها، تره احنه حريصين عليك. "

رافعاً سبابته بإشارة تهديد.  

أرمي جسدي على السرير بملابسي التي تمرّ أيام طويلة قبل أن أغيّرها وغالباً ما أرمي ملابسي الداخلية في أول مزبلةٍ أصادفها بعد خروجي من الحمام العمومي. أشعرُ بنشوةِ دوران الجدران حولي قبل أن أستسلمَ للنوم. هكذا يمر يومي ...

نشأتْ لي علاقات حميمة بدأت منذ الأيام الأولى لترددي على نادي الموظفين في زاخو وكنتُ خلالها أتصرفُ بحذرٍ شديد مموهاً ما يدورُ في ذهني بآراء محايدة متذكراً كلام النقيب عبد القادر:

" ... نقدر نجيبك بأي وقت نريد ... "

لكنّ للسكارى حدْساً لا يُخطئ فقد كانتْ حلقةُ الشرب تبدأ من عددٍ قليل من العاملين في المشروعِ لتتسع في آخر الليل فتشمل أناساً مختلفي الأمزجة والسلوك من بينهم السياسي والمقاتل المتقاعد والسكير واللوطي لكنّ الجميعَ يلتفّ حول مركزٍ واحد وهو رفضهم لسياسة السلطة ويتفقون على أنّ التحالفَ ما بين الأحزاب ما هو إلا لعبة خبيثة وفخ نصبته السلطة للإيقاع بمعارضيها وما هذا الهدوء إلا هدوء ما قبل العاصفة. شكّلتْ هذه العلاقات لي جدارَ حمايةٍ كنت ألتجئ إليه من توجسي وشعوري بالغربة ولم أكنْ أعرف حينها أنّ هذه العلاقات ستكون يوماً سبباً لنجاتي في ما سيأتي.

في منتصف شهر آذار عام 1978 عادَ العمل في مشروع كانماسي. خمسة وأربعون يوماً كانت تفصلني عن موعد تسريحي من الخدمةِ الإلزامية وكنتُ أحاول أنْ أنسى بالعملِ مرورَ الوقت الثقيل كيلا أزيدَ بقلقي ثقلَ مرور الوقت متحاشياً أي احتكاك بيني وبين مديرِ المشروع متجرعاً غطرسته المرة منفذاً كلّ ما يطلبه مني بنشاطٍ مفتعلٍ. خمسة وأربعون يوماً وسينتهي الهاجسُ الذي كان يؤرقني، عندئذٍ سأمحو من ذاكرتي وجهَ النقيب عبد القادر وتهديداته الرعناء.

كانت الشمسُ توشكُ على المغيبِ حينما طلبَ مني المهندس موفق أنْ أرافقه لاستطلاعِ منطقةٍ تقع إلى الشمالِ الشرقي من كانماسي لكي أباشرَ بمسحها ووضعِ نقاطِ الطريق المزمع فتحه. استقلّ سيارته بصحبةِ مهندس ميكانيكي مصري وتبعتهما بسيارةٍ أخرى مع عاملين كرديين. توقفنا على مشارفِ سهلٍ مفتوح ينتهي بمضيقٍ مبهم وقد انتشرَ لحمايتنا عدد من الجنود حولنا على السفوح القريبة وفي الوادي وبنادقهم مشرعة بكلّ الاتجاهات. بدأتُ بنصبِ جهازِ المساحة باتجاهِ الطريق المفترض، ولم تكدْ تمر بضعُ دقائق حتى انهالَ علينا الرصاصُ من كلّ الجهات. كنتُ أرى سقوطَ الإطلاقات على الأرضِ قبل سماعِ أزيزها الذي تداخل بالصدى المرتطم بالجبالِ فشعرتُ وكأن جحفلاً عسكرياً قد أحاط بنا. تركتُ الجهاز واختبأتُ خلف صخرةٍ كبيرة عند نهايةِ السفح. كنتُ أرتعشُ من الخوفِ، وهذا كلّ ما أتذكره من وصفٍ لحالتي فقد يكذبُ من يدّعي بأنه قادر على وصفِ مشاعره تلك اللحظات حيث أنّ المرءَ يدخلُ غيبوبةً خارجَ الزمن، فالزمن يتوقفُ وتصبحُ حركةُ الإنسانِ حركةً غريزية بغيابٍ كاملٍ للعقلِ والمشاعر. كنتُ أنظرُ من خلف الصخرةِ وأنتظرُ أنْ استيقظَ من الكابوس الذي أنا فيه أو أفيق من تأثيرِ البنج بعد عملية جراحية. من وراء الصخرةِ كنتُ أرى أجسادَ الجنود تتهاوى مضرجةً بدمائها قبل أن يطلقَ أحدهم رصاصةً واحدة حيث أنهم اخذوا على غفلةٍ فتسمروا في أماكنهم من هولِ المفاجأة. أغمضتُ عينيّ محيطاً رأسي بذراعيّ المرتعشتين منتظراً الطلقةَ التي ستأتيني من الخلف وتخترقُ رأسي، حتى حلّ صمتٌ غريب كأنه ينذرُ بوصول السيد الموت أو ربما قد وصلَ إليّ ولم أشعرْ وها أنا أقف في الضفة الثانية خاصة وأنني لم أعدْ أشعر بأنّ لي جسداً. سمعتُ أصواتاً قادمة، أصواتَ ارتطامِ الشراويل العريضة بالأشواكِ والصخورِ وحركة أقدامٍ تهبطُ على السفحِ الذي أسندتُ إليه ظهري محتمياً بالفجوةِ الصغيرةِ التي تفصله عن الصخرةِ والتي لا أدري كيف استطعتُ أنْ أحشرَ جسدي بينهما. الأقدامُ تقتربُ مني. أخرجتُ رأسي قليلاً من بين ساقيّ فرأيتُ جثةَ جندي لم يبلغ العشرين من عمره، بعمري تماماً بل يكاد يشبهني. كانتْ تتمرغ على الأرضِ قريباً من الصخرةِ التي أختبئُ خلفها ببضعةِ أقدام. رأيتُ موضعَ إصابته وكانتْ تحت كتفه اليسرى تماماً فأحدثتْ في ظهرهِ ثقباً واسعاً راحَ الدمُ يشخبُ منه. أقدام تقتربُ من الجسدِ المنكفئ على وجهه بهيئةِ جنين يبحثُ الأرضَ كأنه يريد الخروجَ من الرحمِ أو يبحثُ عن ثقبٍ في الأرض كي يختبئ فيه. رجلٌ بزيّ كردي هبطَ من السفح وقد وضعَ بندقيته على كتفهِ. ركله بقدمهِ فانقلبَ الجندي على ظهرهِ ملطخَ الصدرِ بدماءٍ ساخنة يتطاير منها بخار أحمر. رفعَ الجندي يديه متوسلاً، مردداً بصعوبة كلماتٍ كانت تخرج متقطعةً من صدرهِ كحشرجاتٍ:

" دخيل العباس. "

وضعَ المقاتلُ الكردي قدمه على عنقِ الجندي فامتدتْ يدُ الأخير ماسكةً القدمَ محاولاً تقبيلها فسحبها بقوةٍ ثم أفرغَ صليةً في رأسهِ وهو يتمتمُ بكلامٍ لم أفهمه. انتفضَ الجسد كلّه وارتفعَ عن الأرض ثم سقطَ خامداً مُحدثاً دوياً مرعباً والدمُ ينفرُ من جبهتهِ ويسيلُ من شدقيهِ ببطءٍ على صفحةِ خدّه المتربة. أمالَ رأسه باتجاهي بعينين جاحظتين تتوسلان المجهول. تناولَ الكردي البندقيةَ المرميةَ على الأرض وشاجورَ الرصاص الإضافي من جعبة الجندي ثم أزاحه بقدمهِ عن الطريق حتى تدهدرَ في الوادي دون صرخةٍ أو موسيقى تصويرية تصاحبُ المشهد. تقدمَ الكردي نحوي ببطء فرفعتُ ذراعي إلى الأعلى ونهضتُ مرتعشاً. لوى ذراعي بقوةٍ فاستسلمتُ دون مقاومة ثم رُبطتْ ذراعي إلى الخلف بخرقةٍ أو حبل لا أتذكر. انتشرَ عدد من القتلةِ حولنا وكنتُ أرى كلّ واحدٍ منهم وقد تحولَ إلى عددٍ من الأجسادِ تنفصلُ عن الجسدِ الواحد وتصطفّ حتى تسدَّ الفضاء. تقدمَ أحدهم مني وقد حسبتُه قائدَ المجموعة. تطلعَ إليّ فطأطأتُ رأسي إلى الأرض. مدّ يده تحت حنكي رفعاً رأسي بطريقةِ النقيب عبد القادر نفسها ثم راحَ يرددُ هازاً رأسه:

" لا تخفْ، لا تخفْ! "

تقدمتُ بضعَ خطوات. كانتْ ساقاي مخدرتين وقدماي لا تشعران بالأرض كأنهما تخطوان في الفراغ. وفي منعطفٍ قريبٍ وجدتُ أمامي المهندسَ موفق والمهندس المصري صلاح وهما مكبّلان، وعلى الأرضِ تكدستْ جثثُ الجنودِ مرمية على بعضها. كان الظلامُ قد حلّ تماماً حينما سرنا متجهين نحو المجهول.

ظلامٌ وصمتٌ ورياحٌ باردةٌ تمنحُ الخائفَ حجةً للارتجاف. كنتُ أسمعُ توسلاتِ المهندس موفق، وكانوا كلما ازدادتْ توسلاته إلحاحاً انهالوا عليه بالضربِ وقد علمتُ في ما بعد أنّ سببَ قسوتهم عليه وحده كان بسببِ كونه يسقطُ في الفخ للمرةِ الثانية وقد حذروه في المرة الأولى من الاستمرارِ في المشروع، وعلمتُ أيضاً أنّه من عائلةٍ موصلية ثرية جداً وقد طلبَ المختطفون مبلغَ مليون دينار للإفراج عنه وقد تكفلتْ عائلته بذلك غير أنّ الحكومة العراقية رفضتِ الاستجابة للطلب.

أما أنا فكان سؤالٌ واحد يتردد في ذهني: " ما شأني أنا بكلّ هذا؟ ". إنسانٌ جاء إلى الحياةِ          سهواً، أو كما كان أبي يردد دائماً " حميد جاء عن طريق الغلط " ، لِمَ إذاً كل شيء يحاصرني؟ لماذا يترقبني الحزنُ كقناص، وما أنْ أخرج رأسي حتى يبعثَ لي رصاصةَ نقمته ملتذاً بخوفي؟ ولِمَ الكلّ يريد أن يجربَ سطوته برأسي؟ يا بؤسَ السطوة حين تُجربُ برأس طفلٍ أعزل مثلي!.

أحيانا يشعرُ لاعبُ طاولةِ النرد الخاسر بأن قوةً غريبة تقلّب هذين الزهرين وألا ما معنى هذه المشاكسة طالما أنهما يلعبان بنفس هذين المكعبين ولا تفرق رمية عن أخرى، فلِمَ يستجيبان بشكلٍ مذهلٍ لما يرغب فيه اللاعبُ الآخر في الوقت نفسه يكون (اليك دو) دائماً نصيبَ الخاسر، وحتى لو جاء (الدوشش) أو (الدوبيش) فأنه يأتي في غير أوانه؟ لماذا؟ الصدفة؟ الضرورة؟ الحظ؟ ..... الله؟

" سبحانكَ ... لِمَ اخترتني دون سواي؟ لِمَ اخترتَ وأنتَ الجبار القادر على كلّ شيء العبدَ الضعيفَ كي تختبرَ مشيئتكَ التي لا اعتراضَ عليها؟ "

" ولو بقيتْ عليه سبحانه وتعالى لهانَ الأمر ولكنْ ما بال العبد الفقير يهفو ليختبرَ مشيئته برأسي؟ "

قضينا الليلةَ في شكفتة (مغارة) منبطحين على وجوهنا وأيادينا موثقة إلى الخلف. كان المهندسُ المصري يتمتمُ بكلماتٍ لم أستطع فهم أغلبها، بل لم تكن كلماته ودعاؤه يعني لي شيئاً. لم أصدّق الحالة التي أنا فيها. كان شعوري باللاأبالية والعبث أكبرَ بكثير من شعوري بالخوف، ورغبتي في اللاشيء أكبر من رغبتي في الحياة، هل كان ذلك شجاعةً؟ أم بلادة؟ أم حالة اللاشعور؟

[ مرةً قال لي صاحبي إن سرّ شجاعةِ المراهقِ واندفاعه ومجازفاته لا يكمنُ في قوةِ جسده وفتوته بل في التهور وعدم إدراك قيمة الحياة. ثم أضافَ بيقين بأنّ للكبتِ الجنسي دوراً كبيراً في ذلك ].

لا أدري لمَ تمّ اختياري أن أكونَ الأول في التحقيق. جلستُ راكعاً ويداي موثقتان إلى الخلف بينما جلسَ أمامي رجل شارفَ على الأربعين من عمرهِ بملامحَ محايدة وإنْ بدا جاداً وعبوساً بعينيه الصغيرتين وجبهته التي لا يزيد عرضها عن عرض إصبعين. كان يتحدث العربية بلهجةٍ سوريّة. سألني عن عمري وعن المدينة التي جئتُ منها وعن سبب اختياري العمل هنا، وقد توقفَ طويلاً عند هذا السؤال متهماً إياي بأني من العرب الذين جاءوا في حملةِ التعريبِ التي بدأها النظام بإقامة حي سكني في مدينة زاخو للموظفين العرب الذين اختاروا الإقامة في المنطقة الشمالية مقابل مكافآتٍ مادية وراتب مغرٍ. حاولتُ النطقَ إلا أن لساني كان ثقيلاً ولعابي صمغاً تلتصقُ به شفتاي فلم أكنْ قادراً على فتحهما. اقتربَ أحد المقاتلين مني ووضعَ في فمي فمَ الزمزمية فاندفع الماءُ إلى جوفي حتى فاضَ على رقبتي فشعرتُ بنشوةٍ غريبة فندتْ عني دون إرادةٍ زفرةٌ أعادتِ اليباس إلى حلقي. رفعتُ رأسي نحوه وبصعوبةٍ أطلقتُ كلمة (سباس) فجاءتْ كانفجارِ بالونة في فمي. تطلعَ إلي مبتسماً فتشجعتُ، وبتملقِ الخائف رحتُ أردد دون أن أستطيع إيقاف شفتيّ اللتين راحتا تتحركان وحدهما:

" زور سباس .. كاكه .. زور سباس. "

لاحتْ على وجه المحقق علاماتُ شفقةٍ أو امتعاضٍ أو تشفٍ أو.. لا أدري. نفيتُ الاتهامَ الموجه إلي مؤكداً بأنّ سببَ نقلي إلى هنا لكوني غير منتمٍ إلى حزب البعث. وبالرغم من أنه بدا لي غير مصدق لما أقول إلا أنه أشار إلى رفيق له كان واقفاً خلفي بأن يحلّ وثاقي وقد طمأنني بأنهم سيطلقون سراحي إذا تأكدوا من صحةِ أقوالي. ويا رحمة الخالق حينما يجبرُ بعد الكسر أو ربما هي جزء من لعبتهِ العبثية بإطالةِ فترة تكويكي لكي أبقى أتحركُ في هذه الدائرة حتى تستنفدَ البطاريةُ كاملَ شحنتها أو ربما هي حالة تأنيبٍ يشعرُ بها الخالق عطفاً على مخلوق أتفه بكثيرٍ من أنْ يختبرَ به مشيئته، وربما من محاسنِ الصدفة وهي تستدركُ حماقةَ فعلتها، وهكذا يكتشفُ الإنسان المتورط أنّ هناك أموراً أغفلتها الصدفة عمداً أو ربما عبثاً جعلت الأمر أقلَّ سوءاً، فماذا لو لم أنسَ ذلك اليوم دفترَ خدمتي العسكرية؟ وهو الوثيقة الوحيدة التي كنتُ أحملها في جيبي، عندها سيكتشفُ القتلة بأنني جندي منتدب للخدمة كمسّاح في مديرية الطرق ولكان مصيري كمصير الجنود الخمسة عشر الذين بقيتْ جثثهم مرميةً وعيونهم شاخصة تحدق إلى وجهِ السماء.

كان المهندسُ موفق والمهندس صلاح يقضيان معظم وقتهما بالصلاة أما أنا فكنتُ أقضي النهار جالساً أرسمُ على الأرض دوائرَ مبهمة وأمحوها، وفي الليل أفتعلُ النوم كي أتحاشى الدخول مع المهندس موفق في نقاشٍ حول الله والدين. فكرتُ بأنْ أرضيه أو أتملقَ الله بأن أدّعي الورعَ والتقوى وأنهض للصلاة ولكني امتنعتُ لأني أدركُ أنّ صلاتي ستدخلني معه في نقاشٍ آخر وربما سوف يحقد علي أكثر مما لو أبقى مصرّاً على إلحادي، بل ربما سيحرّض المختطفين ضدي مستغلاً ما يربطه بهم ويفرّقني عنهم خاصة وقد رأيتُ بعضهم وهو يقيم الصلاة ويتودد إلى المهندس موفق قبل وبعد الصلاة بدقائق. 

في الليلة الرابعة جاءني مقاتل. قرّبَ ضوءَ المصباح اليدوي من وجهي ثم نقرَ على كتفي بإصبعه وأشار لي بأنْ أصطحبه. نهضتُ متثاقلاً وبحالة لم أستطعْ وصفها فقد كنتُ يائساً من رحمةٍ تنزل من قاتلٍ أو رب لاهٍ أو مصادفة عمياء. لم يوثق ذراعيّ كالعادة بل سار أمامي على بعد خطوات دون أن يلتفتَ إلي فشعرتُ بشيء من الاطمئنان. دخلتُ كهفَ القائدِ الذي استقبلني بابتسامةٍ واضحة. أجلسني جنبه على بطانية عسكرية قديمة ثم أحاط كتفي بذراعه واضعاً كفه الأخرى على فخذي غارزاً أصابعها في عظمي فتوجستُ خيفةً من نوع آخر. أخبرني بأنهم تحققوا من صحةِ أقوالي ولكي يعطي مؤشراً على دقّة كلامه راح يسرد لي أحداثاً ليستْ ذات أهمية جرتْ بيني وبين بعض العمال في المشروع، آراء وأحاديث تفوهتُ بها في حلقاتِ السكر التي كانت تجمعني برفاقٍ لهم في نادي الموظفين بزاخو. لم أكنْ أعرفُ أهميتها الكبيرة بالنسبة لشخصية الكردي الباحثِ عن اعترافٍ بهويته. شدّ القائد قبضته ماسكاً رمانة كتفي بقوة مركزاً عينيه بعينيّ كي يعرفَ ردة فعلي لما سيخبرني به. قال بلهجته الشامية وبودٍ حسبته اعتذاراً:

" سنطلق سراحك فجراً. "

تشنجتْ عضلات وجهي وتخشبَ لساني. أدركَ ذلك فراح يربتُ على كتفي مردداً:

" سيوصلك رفيقان إلى الطريق الذي يوصلك إلى الكمب. "

حاولتُ أن أنطقَ كلمةَ الشكر باللغة الكردية إلا أنها توقفتْ في جوف فمي فأجهشتُ في البكاء. تطلعَ إلي بثقةٍ ثم أغمضَ عينيه قليلاً هازاً رأسه بأسفٍ لما كنتُ قد عانيته. ناولني زمزمية الماء فارتشفتُ منها قليلاً وأعدتها إليه حتى هدأتْ أنفاسي. تحدثَ بصرامةٍ وثقة عن المخاطر التي ستلحقُ بالثورة الكردية جراء ما نقوم به من فتحِ شبكاتِ الطرق التي ستسهل حركةَ الدوريات والدبابات العسكرية للقضاء على ما تبقى من الحركة. افتعلتُ الجدّ والدهشة وأنا أصغي إلى كلامه هازاً رأسي علامة على اتفاقي مع ما يقوله، بل تجرأتُ وسألته بتردد عن الحزبِ الذي يقودُ هذه الحركة فلم يعرْ سؤالي اهتماماً فعدتُ إلى إصغائي متلبساً دورَ التلميذ الغافلِ الذي يحاولُ استيعابَ الدرس بفضولٍ وإعجابٍ بالمعلم. رددَ عبارة (القيادة العامة) مرات عدة، وهذا كل ما عرفته عن حركتهم.

تطلعَ إليّ مبتسماً وقد عادَ يشدّ رمانة كتفي بقبضتة القوية، ثم سألني:

" هل لك أن تقدم لنا خدمة وسنكون لك ممنونين؟ "

نطّ طفلُ الفرح في داخلي وأجبتُ بسرعة:

" نعم. "

وقبلَ أنْ يتكلمَ قلتُ وأنا أتطلع إليه بثقةٍ:

" يسعدني ذلك. "

لم يخبرني بالمهمة التي سيكلفني بها وهذا ما زاد قلقي وازداد كلامه غموضاً حينما قال لي بأن الرفيقين اللذين سيوصلانني عند الفجر سيخبرانني بها.

مرّت أولى ساعات الليل وأنا بين فرحِ الانعتاق وغموضِ المهمة التي سأقوم بها، وفي ساعة لا أعرفها خرجتُ بصحبةِ رفيقين ملثمين وسرنا دون أنْ ينطقَ أيّ منهما كلمةً عن المهمة التي سأكلفُ بها حتى حسبتُ الأمر لم يكن سوى اختبارٍ فحمدتُ الله على أني نجحتُ فيه. بعد مسيرٍ خارج الزمن توقفنا عند مضيقٍ يفصلُ بين تلّين أو شطري جبل. أخرج أحدهما من خرجهِ رزمتي ورق مطويتين بإهمالٍ وطلبَ مني أن أسلّم إحداهما إلى إدارةِ المشروعِ والأخرى إلى الربيئة التي تقعُ أعلى الجبل الذي يقع الكمب عند سفحه. أبديتُ استعداداً لتنفيذ المهمة بل بالغتُ في الطاعة. أشار أحدهما إلى اتجاه الطريق الذي ينبغي أنْ أسلكه للوصولِ إلى الطريق المؤدي إلى الكمب وقد بدأتْ أنوار الفجر الأولى تظهر فرأيتُ بدايةَ الطريق بوضوح. مدّ لي أحدهما أطراف أصابعه مودعاً واختفيا من المكان. هبطتُ بحذرٍ سفحاً صغيراً. انزلقتْ قدمي على صخرة ناتئة وسقطتُ إلا أني نهضتُ برغم الألم الذي شعرتُ به. سرتُ ببطء متحسباً بأن عيوناً ترقبني. ظهرَ لي طريقُ مشاة موازياً للماء الجاري في الوادي. اتخذته وسرتُ متجهاً إلى جهةِ اليمين. حركة حيوانات أو زواحف بين الأشجار وحفيف أوراق، إضافة إلى ما يسمعه الخائفُ من أصواتٍ غريبة كانتْ تدفعني إلى الإسراع في المشي بل الهرولة. فكرتُ بأنْ أتخلص من الأوراق إلا أني عدلتُ عن الفكرة حيث كان لي شعور غامض وهو أني عائد إلى أهلي وسألقى احتفاء بعودتي وربما هناك من يراقبني.

وصلتُ بأنفاسي الأخيرة إلى الكمب الذي كان يبدو مهجوراً حيث لم أرَ سوى الحارس وبعض من عمال الصيانة والمكائن المتوقفة. وقفتُ في منتصف الساحة أتطلعُ حولي بحثاً عمّن يرحبُ بي بكلمةٍ تشعرني بأن الإنسانية لاتزال على قيد الحياة. ركلتُ بحركةٍ عبثية علبةَ صفيحٍ فارغة فتدحرجتْ مقرقعة دون أن تحدثَ أية التفاتةٍ من أحد. دخلتُ خيمتي فرأيتُ طبقةً كثيفة من الغبار قد غطتْ سريري. أخرجتُ من تحت السرير حقيبتي وبعجالة فتحتها. فتحتُ بأسناني علبةَ السجائر. شعرتُ بدوارٍ ومتعة مع أول زفيرٍ دخاني أنفثه كأني أنفثُ حسراتِ العمر. توقفتُ عند بابِ الخيمة أستجلي الأمر. اقتربَ مني عامل بحذرٍ ثم تلاه آخر وبعدها وجدتُ نفسي محاطاً بعدد من العمال خرجوا من خيامهم وتجمعوا وهم ينظرون إلي بدهشةٍ غير مصدقين وجودي بينهم. لمحتُ من بينهم العاملين الكرديين اللذين كانا معي تلك الليلة. أقتربَ أحدهما مني وعانقني بفرحٍ. لم أستطعْ أن أنطقَ بكلمةٍ واحدة. جلستُ على الأرض واضعاً رأسي بين كفيّ فجلسوا حولي وهم يتطلعون إلي بشفقةٍ. كابدتُ لكيلا أفقد السيطرة على أعصابي وأجهش بالبكاء ونجحتُ بذلك مكتفياً بخطّين من الدمع حسبوها دموع الفرح. علمتُ منهم بأن العملَ متوقف بأمرٍ من المدير العام للطرق الشمالية الذي وصلَ إلى هنا بعد غيابنا بيومين وهم الآن بانتظار قرارٍ من مديرية طرق الموصل لسحبِ المكائن والعمال. بعد مرور ما يقارب نصفَ الساعة هبطَ من الربيئة جندي. اتجه نحوي ثم أخبرني:

" الآمر يريدك! "

استقبلني عند باب غرفةٍ طينية ضابط برتبة رائد. حاولَ أن يكون ودوداً معي وهو يحتضنني بأبوةٍ مفتعلة. أجلسني جنبه على سريرٍ حديدي وطلبَ فطوراً من البيض المسلوق والشاي الساخن تناولناه معاً وقد بدأ أسئلته مصغياً إلي باهتمامٍ وتعاطف واضحين. رويتُ له بالتفصيل كلّ الذي جرى معي بدقةٍ وأمانة ثم سلمتُه رزمتي المنشورات فراحَ يقرأها باهتمامٍ مشيراً إليّ بيده نحو الباب. نهضتُ كي أخرج إلا أنه أوقفني كأنه تذكر أمراً:

" ربما سنطلبك للتحقيق في مقر الفرقة. "

شعرتُ بقلقٍ ودوار وترقب، لا أعرف ماذا سأفعلُ وكم سأقضي من الوقتِ حتى تنتهي هذه الإجراءات وكيف سأخرجُ سالماً من هذه الورطة. قضيتُ الليل في خيمتي وكاد يقضي علي. أصغي بخوفٍ إلى حركةِ الحشرات أو حفيف أوراق تقترب من الخيمة فأحسبها خطوات قاتلٍ تقترب مني. لم أستطع النوم حيث كلما غفوتُ انهالتْ عليّ الكوابيس. عصاة، جنود قتلى، نوافير دمٍ، عيون تتوسل الرحمة من قاتلٍ لا ترتعش يداه أمام انخذالِ ابن آدم ولا يعرفُ ماذا تعني عبارة (دخيل العباس)، عيون جاحظةٍ تنظرُ إلى نقطةٍ بعيدة في المدى المجهول، فوهة بندقية تلامسُ مؤخرة رأسي، أسمعُ صوت الرصاصة وهي تخرج من المخزن، أسمعُ حركتها وهي تنتقل في الماسورة، أسمعُ أزيزها وهي تخترقُ جمجمتي فأرى مخي وقد تناثر في الهواء فاستيقظ مرعوباً.

في صباحِ اليوم التالي وبينما كنتُ جالساً عند باب الخيمة انتظرُ أمراً ما، وصلَ إلى الكمب مراقبُ عملٍ قادماً من المديرية للإشراف على موضوع انسحاب المعدات والعمال إلى مدينة زاخو. توجه إليّ مصافحاً ومهنئاً على سلامتي ثم أخبرني بأن عليّ أن أعودَ الآن إلى الموصل لمقابلةِ السيد المدير وأشار إلى سيارة الشوفرليت التي جاء بها وقبل أن أتوجه إلى السيارة ذكّرني بأن آخذ حاجياتي معي:

" قد لا تعود إلى هنا مرة أخرى. "

" أي مجنون سيعود إلى هنا مرة أخرى!؟ "

رددتُ مع نفسي وقد كنتُ واثقاً من ذلك حيث لم يبقَ سوى ثلاثة عشرَ يوماً لانتهاء خدمتي العسكرية. حينما انطلقت بي السيارة كنت أرى الجبال وقد أحاطتها غيومٌ سود فبدتْ أمامي قطعةً من ظلامٍ تخفي وراءها أشباحاً ومزاغلَ وكهوفاً، وكنتُ أشعرُ بالقرفِ من كلّ حجارة فيها، الأشجارُ شواخصُ مبهمة وخلف كلّ شجرة يقفُ قاتلٌ ينصبُ كمينه منتظراً وصولي. طلبتُ من السائق أن يزيدَ من السرعة ولكني ندمتُ على طلبي فقد كان أغلب الطريق موازياً للهاوية ولا يبعد إطار السيارة عن الحافة سوى بضعة سنتيمترات، وكان هاجسُ الموت مسيطراً علي، ويقيني المطلق بأنني إنسان منكود الحظ جعلني أشعر بأنّ على الطريقِ تكمنُ الصدفة أو الحظ وربما الله أو الشيطان، كلهم تحالفوا كي ينكّلوا بهذا المخلوق الناتئ على صفحةِ الحياة الملساء، المخلوق الذي لا مبررَ لوجودهِ أو كما كان يردد أبي " جاء عن طريق الغلط ". حاولَ السائقُ أنْ يستفسرَ مني عمّا حدثَ أو يغريني بالكلام برسمِ لي صورة الرجل المهم الذي انقلبتِ الدنيا حينما سمعتْ بنبأ اختطافه، غير أني أشحتُ بوجهي عنه نحو النافذة مسنداً جبهتي على زجاجها. ارتسمتْ أمامي صورةُ جثثِ الجنود المكدسة على بعضها والأذرع المدلاة والرقاب الملتوية والعيون الشاخصة ببلاهةٍ نحو المجهول، حركة الدم البطيئة على خدّ الجندي نحو الأرض.

" لماذا حرصَ القتلةُ على جمعِ جثثِ قتلاهم وتكديسها على بعضها على الرغم من ضيقِ الوقت؟"

" هل هذا المشهد يُشبع نزوةَ القاتلِ الدموية؟ "

" هل قال لرفاقه حينما عاد منتصراً وهو يلفّ سيجارته ويلحسُ ورقها أو ينظف مخزن الطلقات من الدماء التي علقت به: لقد تركنا جثث الأعداء تلالاً؟ "

" هل روى لزوجته وأطفاله وهو يمسّد شاربيه الكثين كيف أفرغَ صليةً في رأسِ العربي الذي راح يقبل حذاءه ويتوسل ذليلاً؟ "

" لا. "

ندّتْ مني صرخة (أو هكذا حسبتُ) فانتبهَ السائقُ ضاغطاً فراملَ الوقوف فجأة فتوقفت السيارة. تطلعَ إليّ فابتسمتُ بخجل. أدرك مغزى ابتسامتي فوضعَ كفه على كتفي ثم أشعل سيجارتين، ناولني واحدة وهو يردد:

" الله يساعدك.. الله كريم.. "

سادَ صمت بيننا حاولَ السائق أن يكسره بحديثٍ مفتعل عن الطبيعة والأشجار ومخاطر الطريق وحينما لم يجدْ مني استعداداً للمشاركة ركّز أنظاره على الطريق محركاً بين فترة وأخرى مؤشر الراديو على المحطات الإذاعية فيرتفعُ صوتُ وشوشةٍ وأزيز رصاص فيغلقه شاتماً اليوم الأسود ثم سرعان ما ينسى غضبه مردداً صفيراً للحنِ غريب.

" انظرْ! "

أوقفَ السيارة فجأةً وهو يشيرُ إلى أعلى السفحِ المحاذي للطريق على جهة اليسار. تطلعتُ إلى حيث أشار فرأيتُ أربعةَ جنود، أحدهم يسحب بغلاً وآخر يسير إلى الخلف بينما الثالث والرابع كانا يسيران إلى جانبي البغل. كانوا يهبطون السفحَ بحذرٍ وبنادقهم تتدلى على صدورهم. لم أرَ شيئاً غريباً فتطلعتُ إلى السائق مستفسراً عن سرّ توقفهِ فأشارَ إلى البغل. ركّزتُ نظري فرأيت جثتي رجلين بملابس كردية يتدلى رأساهما على الجانبين وقد غطى شعرهما دم متخثر. انقبضَ قلبي وشعرتُ بالاختناق. طلبتُ من السائق أن ينطلقَ إلا أنه لم يعرْ طلبي بالاً حتى هبطوا من السفح وساروا على الطريق الحجري أمامنا. تحركت السيارة ببطء وقبل أنْ تجتاز المشهد أدرتُ وجهي نحو جهة السائق متجنباً النظر إلى المشهد الذي صار قريباً جداً من النافذة. ضغطَ السائق على المنبه وهو يلوّح للجنود بقبضةٍ أفرد إبهامها منتصبة إلى الأعلى وهو يردد:

" الله يقوّيهم.. "

غطيتُ وجهي براحتيّ وأفرغتُ سائلاً أصفرَ مرّاً، ملأ راحتيّ ولوّث قميصي. كانتْ له رائحةٌ غريبة وطعمٌ لزج كأنه صمغ. شعرتُ بألمٍ شديد في معدتي وبدوار كأن الجبالَ تدور حولي مقلوبةً على قممها، حتى وصلنا إلى مدينة زاخو فطلبتُ من السائق أن نتوقفَ عند مقهى صغير يقع على الشارع العام. وضعتُ رأسي تحت حنفيةِ الماء فزادتْ برودته من الخدر في رأسي فأغمي عليّ ولم أشعرْ إلا وأنا ممدد على كنبةِ المقهى وحولي عدد من الوجوه مطموسة المعالم بينما انشغل السائق بالتهوية لي. اعتذرتُ من السائق بعد أن استعدتُ وعيي وانطلقنا خارجين من مدينة زاخو على ما سببته له من متاعب غير أني وجدته ودوداً على غير ما خبرتُ أهل الموصل، ولكي أخففَ من ثقلي عليه ومحاولة مني لتجاوز حرجي رحتُ أبرر وضعي بسببِ الأيام الصعبة التي مررتُ بها. تلقفَ إشارتي بشكلٍ لم أقصده وربما كان ينتظرُ مني هذه الإشارة فراح يشتمُ الأكرادَ ومصطفى البرزاني وعيسى سوار، متوعداً، داعياً الله أن يحرقهم ويبيدَ نسلهم فاستغربتُ لطريقةِ كلامه وقد كنتُ أظنه كردياً حيث أنّ اللكنة في لغته توحي بأنه ليس عربياً فقلتُ له:

" ولكن ألستَ كردياً؟ "

" لا. "

أجابَ وكأنه يحاولُ أن يُبعدَ عنه تهمةً أو يردّ إهانةً. وحينما أدركَ من خلال نظراتي إليه بأني أنتظر منه تعريفاً، تطلعَ إليّ بزاويةِ عينه وقال:

" أنا تركماني. "

هززتُ رأسي وأنا أردد:

" أهلا وسهلاً.. نتشرف.. كلنا بشر. "

جاءتْ عبارتي الأخيرة بطريقة توحي بعدم قناعتي بما أقولُ لكنه لم يكتشفْ ذلك بل راح يؤكد لي انتماءه:

" أنا تركماني. من تلعفر. "

وقبل أن أنطقَ بكلمةٍ بادرني:

" ووو... من جماعتكم. "

استيقظَ احترازي وهواجسي فتطلعتُ إليه بنظرةٍ جادة وقلتُ بشيء من الصرامة:

" ماذا تعني؟ "

تطلعَ إلي بابتسامةٍ تخلو من الخبث أو هكذا حدستُ. قرّبَ فمه من أذني هامساً بالسرّ، كأن هناك ثالثاً يصغي إلى حديثنا:

" أنا تركماني من تلعفر. "

أزداد الأمر علي غموضاً وأدركَ ذلك فقال مصطنعاً الثقة:

" يعني شيعي. "

نطتّ مني ضحكة فشاركني الضحكَ وهو يضرب مقودَ السيارة مردداً أهازيجَ شيعيةً لم أسمعها من قبل عن علي بن أبي طالب وأولاده.

وصلنا مدينةَ الموصل بعد نهاية الدوام الصباحي بقليلٍ فودّعتُ السائق وذهبتُ إلى الفندق الذي اعتدتُ المبيتَ فيه كلما جئتُ إلى المدينة بانتظار فترة الدوام المسائي والتي تبدأ في الساعة الخامسة عصراً. كان أول شيء فعلته هو الذهاب إلى الحمام فقد كنتُ أشعر بأني بحاجةٍ إلى تبديلِ جلدي ليس بسببِ القمل الذي كان يأكلُ جسدي وإنما بسبب رغبتي في الخروج من جلدي. قضيتُ فترة طويلة تحت الدش. ارتفعَ صوت في كابينة الحمام الملاصقة بأغنيةٍ ريفية فعرفت صاحب الصوت:

" مزهر؟ "

ناديتُ فتوقفَ الصوت، وبعد ثوانٍ دفع مزهر كاظم بابَ الكابينة وهو يصرخ فرحاً. هجمَ علي معانقاً ونحن عراة، وكان قد علم بخبرِ اختطافي ولكنه لم يعلمْ بخبرِ إطلاق سراحي. أعدتُ عليه الشريطَ مقتضباً وكان يصغي إليّ مرتبكاً محاولاً كبتَ مشاعره. كان قد وصل الفندق قبلي قادماً من مشروع ربيعة ـ سنجار وقد أبلغَ إدارة المشروع بأنه سيذهب بإجازة إلى السماوة ثم يعود ليحصلَ على كتابِ نهاية الخدمة وتبرئة الذمة. ذهبنا معاً إلى مديرية طرق الموصل فاستقبلني المديرُ بالترحيبِ على غير عادته فقد عرفته متجهمَ الوجه لا يخفي طائفيته ويدّعي الورع حيث أفردَ غرفة في المديرية جعلها مسجداً. كنتُ أرى أغلب الموظفين يتسابقون إلى المسجد في وقت صلاة الظهر تملقاً وقد كان رفضي لمجاراة الموظفين وبسبب تقريرٍ كتبه أحد الذين كنتُ أراهم في الحانة كلما ذهبتُ إليها فكانت النتيجة نقلي إلى مشروع كانماسي. بعد أن أصغى إليّ وأنا أروي قصةَ اختطافي بأدقّ تفاصيلها راح يعرضُ أمامي شعوره حينما تلقى الخبر وكيف شغله أمرنا، ثم همس لي بشيء من الحسدِ المفتعل كيف أنّ القيادة السياسية قد انشغلتْ بالأمر بل إن السيد النائب نفسه قد اتصلَ به مستفسراً عن الموضوع، ولم ينسَ أن يلقي علي لائحةً من الشعارات الوطنية مقللاً في الوقت نفسه من حجمِ المعاناة فالوطن العزيز يأمرنا بأن ندفع من أجله " الغالي والنفيس ". وقبل أن تنتهي المقابلة أمر بدفعِ ثلاثمائة دينار كمكافأة مالية لي.

اقترحَ مزهر أن نبيتَ الليلة الأخيرة في الموصل على أن نسافر غداً بالطائرة. وافقته على مضضٍ حيث أني كنتُ أودّ الخروج من كلّ شيء يذكّرني بالكابوس وأنّ الوصولَ إلى أهلي هو وثيقة النجاة التي كنتُ أشعرُ بأني مازلتُ لم أحصلْ عليها كاملة، ولكيلا نشعرَ بثقلِ الليلة الأخيرة اتفقنا على أن نقضيها في الملهى. كان مزهر قد اعتادَ على الذهاب إلى الملهى كلما قضى ليلة في المدينة وكان يعرفُ الندلَ وأسماء الراقصات المصريات، أما أنا فكانت المرة الأولى التي أدخل فيها هذا الجو الصاخب بأضوائه الحمراء وأجساد الراقصات التي تتلوى على بعد نصف متر حيث جلسنا قريبين من المسرح. بعد أن دارتِ الخمرة في رأسينا وخفّ ضخب الإيقاع، أشار مزهر إلى نادلٍ كان يقف قريباً منا فجاءَ راكضاً. تهامسا وقد كنتُ مشغولاً عنهما بمحاولة طردِ الأشباح التي تحيط بي. ذهبَ النادل وعادَ بعد دقائق وهو يشيرُ إلينا بالنهوض فعلمتُ بأن مزهر قد حجز كابينة منعزلة ومظلمة تقع في الطابق الثاني وتطلّ على خشبة المسرح. اهتمام مبالغ فيه ونادل يجيدُ القوادة ولعبة التذلل.

كانت المرة الأولى التي أقتربُ فيها من جسدٍ أنثوي حقيقي. نهدان كبيران مضغوطان بحمّالةِ صدر وقد ظهرَ نصفا الهالتين البنيتين المحيطتين بالحلمتين بحبيباتهما الوامضة بالشهوة أو هكذا رأيتهما. قميصٌ حريري زهري اللون بلا أكمام يكشفُ عن زندين ممتلئين بنقرتين واضحتين عند المرفق. فخذ عارٍ تحتكّ بساقي فتثيرُ في نفسي قلقاً واضطراباً يبدو واضحاً من الحركة اللاإرادية لساقيّ. رفعتْ كأسها فرفعتُ كأسي. قرّبتْ وجهها من وجهي وهي تطرقُ كأسها بكأسي حتى اصطدمَ صدرها بوجهي فشممتُ رائحةً قوية هيّجتْ حساسيةَ أنفي فرحتُ أعطس عطساتٍ سريعة فارتفعتْ ضحكاتهم وهم يتطلعون إليّ وقد احمرتْ عيناي وراح الرشحُ يهطل على ذقني. حاولتُ أن أجد لكبريائي التي اختلّ توازنها موضعاً بحديثٍ يُبعد عني شبهةَ القلق أو الهوس فتبخرتِ الكلماتُ وجفّتْ حتى مخيلتي. التفتُّ إلى مزهر مستنجداً فوجدتُه قد أخرجَ نهدَ أجيرتهِ وراح يلحسُ حلمته وهي تفتعلُ الهياج ويده الأخرى تدعكُ ما بين فخذيها فتطلقُ تأوهاتٍ مفتعلة مادةً لساناً وردياً لاحسةً شفتها العليا. التفتُّ إلى أجيرتي محاولاً رسم ابتسامةٍ واثقة فوجدتُها تنظرُ إليّ بخبثٍ كأنها تدعوني أنْ أفعلَ ما يفعله مزهر بأجيرته. امتدتْ يدي بخجلٍ إلى فخذها فقربتها مني فارجةً بين ساقيها وهي تنظرُ إليّ بعينين ساخرتين. ارتفعتْ كفي على فخذها شيئاً فشيئاً دون أن أنظرَ إلى وجهها محاولاً الإصغاء إلى التغييراتِ التي سوف تحدثُ لي وأنا أقتربُ من كهف الجنون. لم أشعرْ بسوى تقززٍ لكني حاولتُ أنْ أؤجلَ الاعترافَ به مع نفسي فربما سيتغير الأمرُ بعد حين. أبعدتْ كفي بنفورٍ أو غنجٍ فانسحبتُ إلى مواقعي بترفعٍ مثلوم. شعرتْ بانكساري فرفعتْ كأسي وقربته من فمي كأنها تساعد طفلاً أو مريضاً على أخذ دوائه. أخذتُ رشفةً كبيرة من الويسكي فشعرتُ بنارٍ تلتهبُ في حلقي وسعلتُ فارتفعتْ ضحكتها متقطعة كصفّارةِ إنذارٍ وهي تتلوى بافتعالٍ ضاغطةً نهديها بساعديها فيرتفعان أكثرَ وتندفعُ الحلمتان بارزتين فتعيدهما بحركةٍ أكثرَ إغراءً. تناولتُ حزّاً من البرتقالة التي أمامي فمسكتْ ذراعي قبل أن أضعَ الحزّ في فمي. تناولته من بين أصابعي وهي تتطلع إلى عيني بشراسةٍ ثم وضعته بين نهديها مقربةً صدرها نحو وجهي. قرّبتُ فمي من صدرها والتهمتُ حزّ البرتقالة محاولاً كبتَ شعوري المتقزز من حركاتِ العهر السخيفة فأحاطتْ رأسي بكفها ضاغطةً به بين نهديها. ارتعشَ جسدي كله ولكن دون نشوةٍ أو تهيجٍ واستبدتْ بي رغبة في البكاء. لا أدري إن كانتْ قد شعرتْ بذلك أم لا، لكنها راحت تمسّد شعري بحنوّ، وربما أرادتْ أن تعبّرَ عن انتصارها وسخريتها من طفلٍ يتيمٍ.

" دخيل العباس.. "

تردد صدى في الوادي أو من جوفِ الأرض سمعتُه بوضوحٍ شديد. هل غفوتُ على صدرها دون أنْ أدري؟ أم أنّ الصوت مازال يلاحقني في صحوتي. شعرتْ (وربما ارتباكي أوحى لي ذلك) بأن أمراً غريباً يضيقُ خناقه على رجولتي. ودون إرادة مني حاولتُ أن أعترف لها بالأمر وأروي لها الحكاية إلا أني سمعتُ صوتَ مزهر وهو ينهرني باستهزاءٍ ويغيّر الحديث. وحينما تأكد بأني استوعبتُ رسالته عاد إلى جسد أجيرتهِ وقد عراها إلا من قطعة الكلوت الصغيرةِ وقد مدّ كفّه إلى ما تحتها وراح يفركُ متأوهاً كثورٍ هائج. لاحظتْ ارتباكي وقد أوشكتُ على إفراغ نصفِ القنينة فمسكتْ كفي ضاغطاً عليها وبكفها الأخرى رفعت وجهي فتذكرتُ كفّ النقيب عبد القادر قبل أن يمطرني ببصاقه والقاتل الكردي الذي كان يعلنُ انتصاره وسخريته مني بالشفقة وهو يردد " لا تخفْ.. لا تخفْ " . تطلعتُ إليها وكأني أنتظر أمراً مشابهاً لكنها كانتْ تنظرُ إليّ بملامحَ محايدةٍ تخلو من انتصار أو انكسار. استجمعتُ ما تبقّى لي من قوةٍ ورحتُ أحدقُ في عينيها بجفنين أثقلهما السُكر. مسحتْ ظاهر كفي بإبهامها محركةً الوسطى على راحتي بطريقة الإيلاج والإخراج ثم سحبتْ كفي بحركة بطيئة ووضعتها على فخذها العارية. تصلبتْ كفي فحركتْها بنفادِ صبرٍ نحو الأعلى حتى وضعتْها بين فخذيها وأطبقتْ عليها. تحركتْ أصابعي بخجلٍ فأتلعتْ جيدها بنشوةٍ مصطنعة ثم تطلعتْ إليّ مشجعةً فرحتُ أخطّ على باب كهفها خطوطاً عموديةً، مترقباً أن تنتفضَ فحولتي أو تحتج. امتدتْ يدها نحو فخذي وهي تتطلع إليّ بنظرات ترقبٍ لردة فعلي فاستسلمتُ لإرادتها. ارتفعتْ كفها بجرأةٍ أخجلتني وراحتْ تدعك بقوةٍ ما بين فخذيّ من الأسفل إلى الأعلى فأغمضتُ عيني مسنداً رأسي بإهمالٍ على مسندِ الكرسي وقد شعرتُ ببرودةٍ تتمركزُ في رأس قضيبي وسائلٍ لزج يسيل على فخذي. سحبتْ سحّاب البنطلون ببطء وأدخلتْ كفها تبحثُ عن طائرٍ منزوٍ في زاويةِ القفص. اصطادتْه مستسلماً متكوراً على نفسه. حركتْ أناملها على رأسه وعلى حزّ الختان فأوغلَ في انكماشه. شعرتُ ببرودةِ أناملها فسرتْ في جسدي كلّه رعشةٌ وخوفٌ من اغتصابٍ ظل يلازمني طيلةَ أيام اختطافي. تطلعتْ إليّ ببرود، باسطةً كفيها في الهواء، رافعةً كتفيها، ماطةً شفتيها بتبرمٍ وحيرة. تلك اللحظة كان مزهر قد أنهى رحلته على جسدِ أجيرته وراحَ يمسحُ أسفلَ بطنهِ بمنديلٍ ورقي وقد ارتفعتْ ضحكاتهما. نهضتا في لحظةٍ واحدة وقبل أن تغادرا الكابينة وضعت أجيرتي كفها على رأسي هازة شعري بحركةٍ سريعة كأنها تداعب بحنو رأسَ طفل مكسورِ الخاطر.

حينما أقلعتِ الطائرةُ من مطارِ الموصل ورأيتُ ظلالها على المدرجِ وهي ترتفعُ شيئاً فشيئاً شعرتُ بالخوف واشتدتْ سطوةَ يقيني بأني رجلٌ منكود الحظ، وجودهُ في الطائرةِ كفيل أنْ يعطي الصدفةِ أو الحظ أو الله سبحانه وتعالى مبرراً لإسقاطها، لكني وعلى الرغم من خوفي كنتُ أشعر بأني كلما ازددتُ تحليقاً ازدادتْ غربتي عن الأرض. تطلعتُ من النافذةِ الصغيرة إلى الأرض فرأيت نهرَ دجلة وقد بدا خطاً رفيعاً يمضي من شمالِ الكابوسِ حتى جنوبهِ محمّلاً بالأسى والعذاب، وحينما أعلنتِ المضيفة بأننا الآن على ارتفاع ستة وثلاثين ألف قدم عن سطحِ البحر شعرتُ برغبةٍ لو أن الطائرة لن تتوقفَ عند هذا المستوى وتتوغل أعلى وأعلى حتى السماء السابعة، بل حتى العرش العظيم.

في اليومِ الثالث من أيار 1978 التأمَ ثانيةً شملُ عشرين مسّاحاً في مركز الفرقة المدرعة الثالثة المتمركزة عند بحيرة الحبانية. جلسنا عند بابِ (قلم الوحدة) منتظرين استلام كتابِ تسريحنا. روى كلّ منهم بفرحٍ ما جرى له خلال الأربعة عشر شهراً إلا أنا فقد بقيتُ صامتاً حيث أني كنتُ أشعر بأنّ ما حدث لي لن ينتهي بسهولة وسأحمله معي جرحاً لن يمحوه كتاب التسريح. حاولَ البعضُ أنْ يغريني بالكلام وقد علمَ بما جرى لي إلا أني بقيتُ صامتاً محاولاً الإجابة بكلامٍ مقتضبٍ محاولاً تهوين الأمر. مرّ النقيبُ عبد القادر من أمامنا. توقف صارخاً بعجرفةٍ مستفسراً عن سرّ تجمعنا فأطرقتُ إلى الأرض منزوياً في دائرة المتجمعين، وحينما غادرَ المكان رفعتُ رأسي خلسةً فرأيتُ عجيزته الكبيرة وهي ترتفعُ وتنزلُ بمشيته المتهادية وقد تدلّى على ساقه مسدس ظامئ لدمي.

حينما خرجنا من المعسكر، حثّ البعض خطاه مودعاً آخرَ لحظاتِ عبوديته محتفلاً بانعتاقه الأبدي (هكذا كان يظنّ أغلبهم). تخلفتُ عن الجمع قليلاً كي أقيمَ طقسَ كراهيتي وحقدي على الجيشِ والعلمِ بل على الوطن الخاكي بجبالهِ وسهولهِ.. بأنهارهِ وشلالاتهِ الدموية، لذا فقد كانتْ دائرةُ البولِ الذي رسمتها بقضيبي أوسعَ بكثيرٍ من دائرةِ المعسكر.

ما كدتُ أنسى شيئاً من الكابوس حتى ظهرَ أمرُ تعييننا الإجباري وفي نفسِ الدوائر التي قضينا فيها فترة خدمتنا العسكرية. دخلتُ غاضباً على سكرتيرِ رئيس المؤسسة العامة للطرق والجسور فتطلعَ إليّ باستغرابٍ مشفقاً على نزقِ مراهقٍ لا يعرفُ خطورةَ احتجاجه، فأيّ متهورٍ أو مجنون يعلنُ عصيانه على قرارٍ صادرٍ من مجلس قيادة الثورة، وبتوقيع رئيس المؤسسة العامة للطرق والجسور عبد الوهاب المفتي الذي يرتعبُ الموظفون عند ذكرِ اسمه. حاولَ السكرتيرُ أنْ يوضحَ لي عدم جدوى ما أفعله ثم تحولَ توضيحه إلى نصحٍ مبطنٍ بالتهديد، وحينما عجزَ عن نصحي ارتفعَ صوتُه ناهراً مشيراً بيدهِ نحو الباب. تطلعتُ إليه بغضبٍ وقبل أنْ أغادرَ الغرفة عدتُ إليه ثانية. نظر إلي بغضبٍ لكني استأذنته بلطف. حاولَ أن يغلقَ أمامي الطريق رافضاً الإنصات إلى شكواي إلا أني سبقته بشرحِ قضيتي، وحالما سمعَ اسمي وبداية القصة حتى نظرَ إلي بانبهارٍ وهو يردد:

" أنتَ حميد .....؟ "

هززت رأسي بالإيجابِ وأنا أتطلعُ في عينيه بنظرة مستفَزة. هدأ قليلاً ثم أشار إليّ بالجلوس على كرسيّ قريبٍ منه. اقترحَ عليّ أن أطلبَ مقابلة السيد رئيس المؤسسة ثم راحَ يلقنني أصولَ الزيارة بدءاً من طريقةِ فتحِ الباب والوقوف أمام السيد وحتى كلمات التوسل وطلب النقل إلى المكان الذي أرغب فيه. دخلَ غرفةَ سيدهِ وعاد مبتسماً ليبشرني بخبرِ الموافقة على المقابلة بل إنه أسرّ لي بأنّ السيد رئيس المؤسسة انتبهَ باهتمامٍ حينما ذُكر اسمي أمامه واستعجل لقائي. وفعلاً وقبلَ أنْ أكملَ اسمي الثلاثي وقّعَ عريضة نقلي إلى مديرية طرق محافظة الكوت.

كان مساء حزيرانياً ساخناً وكنت أقفُ على كورنيش دجلة مقابل سدة الكوت، أقلّب صفحاتٍ داميةً من تأريخِ الأسى المكتوب على صفحة هذا النهر السادر، وكم أورثَ أبناءه من شقاء. كنّا أطفالاً نخافُ الاقترابَ منه كيلا تلتهمنا أعماقه وها نحن نخافُ الاقترابَ من تأريخهِ الدموي كيلا تستيقظَ فيه روح الانتقام. كان ينقصنا معرفة ميزة أخرى في هذا النهر الجاري منذ أزلٍ بعيد، وأنّى يكون لنا ذلك ونحن الصغار، نُنزل زوارقنا الورقية فيه وننظرُ إليها وهي تندفعُ بقوةٍ نحو المجهول فنخبره بسذاجة طفولتنا " أننا ذاهبون معك " إلى أين سنذهب؟ في رحلةِ النفي أم رحلة نحو أعماقنا السحيقة؟. في رحلةٍ نحو الماضي أم أنّ هنالك هولاكو جديد قادم؟

" ماذا بقي لكَ أيها القدر من حجةٍ لتعذيبي؟ ماذا بقي لكِ أيتها الصدفة من حيلةٍ تنسجها الضرورة ضدي؟ أيها الوطن دعني أتنفس شيئاً من هوائك! أيها الله الكريم دعني أرَ نعمتك ولو مثقال ذرة كي أحدّثَ عنها!."

اقتربتْ مني أقدامٌ أعرفُ وقع خطواتها. التفتّ فرأيتُ صنوي أو شبيهي كما كانوا يروننا. لم أفاجأ على الرغم من مرورِ أكثر من سنة على آخر لقاء بيننا. وضعَ يده على كتفي واتكأ على سياج النهر ثم راحَ ينظر إلى الجهةِ التي أنظرُ إليها مصغين إلى صخبِ الماء المتدفق من تحت بوابات السدة، صامتاً كان يحدثني بما أفكرُ فيه. كان حزيناً مثلي على الرغم من تخرجهِ من كلية الآداب بتفوق، وها هو ينتظر سوقه إلى الخدمة العسكرية.

" ها نحن نتبادلُ الأدوارَ، لقد جاء دوركَ الآن، ومَنْ يدري ماذا تخبئ لك الصدفة والضرورة وأي عبد القادر ستصادف؟ وأي فدائيّ كردي سيحمّلك وزرَ مأساته؟ "

تطلعَ إليّ كأنه قد قرأ ما يدورُ في ذهني ثم عاد يتأملُ النهرَ مثلي. بعد فترة صمتٍ كنا نتحدثُ خلالها عبر التخاطرِ قال دون أنْ ينظرَ إليّ كأنه يحدث نفسه:

" القادم أخطر. "

" ماذا تعني؟ "

قلتُ فالتفتَ إليّ:

"الجبهة الوطنية في خطر."

تطلعتُ إليه بابتسامةِ سخريةٍ أدركَ مغزاها، وكدتُ أقولُ له " طز بيك وبالجبهة الوطنية " لكني صمتّ كي أعرفَ منه أخباراً كنتُ مقطوعاً عنها ولو أني وخلال فترةٍ قصيرة ولأسبابٍ مازلت أجهلها قد أعدتُ علاقتي بالحزب والتقيتُ بالرفاق، ولم أشعرْ من خلال الأحاديث التي دارتْ في الاجتماع بأنّ شيئاً قد يحدث قريباً. كانتْ هناك بعض الخلافات بين الحزبين المتحالفين قد بدأتْ تظهرُ على السطح ولكن لم يحنْ بعد وقتُ الانفجار، لذلك رحتُ أصغي باهتمام لما يقوله صاحبي وفي داخلي شيء يحفزني على مشاكسته، شيء كامن في نفسي من عهد الطفولة وأحسبُ أنه يبادلني الشعور نفسه. أضاف:

" سنذهب بشربة ماء. "

ثانيةً كدتُ أقول له " تستأهلون " لكني تذكرتُ بأني أشاطره الانتماء إلى حزبٍ له صفاتُ النهر فهو أيضا تأريخ من الأسى والنفي والمشانق، وبرغم ذلك فهو سادر بضياعه ونحن سادرون بالمحبة وحسن النية.

" وما العمل؟ "

قلتُ ذلك وقد أطلقتُ ضحكةً لهذا السؤال ذي المغزى المزدوج. التفتَ إليّ وبنظرةِ تأنيبٍ وعتبٍ ألبسها رداءَ التحدي إذ قال:

" ليس أمامنا سوى أن نصمد. "

قال بيقينٍ ساذج ثم أشاحَ بوجهه إلى الجهة الأخرى فأدركتُ بأنه يتحاشى النظرَ إليّ كيلا أكشفَ كذبه وادّعاءه.   

في عصرِ يوم الثاني والعشرين من تموز كنتُ جالساً في مقهى زناد منتظراً كالعادة فرج شاوي وكريم ناصر وآخرين يجمعني بهم هاجسُ الكتابة وتبادل الكتب. وحينما لم يأتِ أحد منهم خرجتُ من المقهى متوجساً، خاصةً وأن حملةَ مطاردةِ الشيوعيين قد بدأتْ وتمّ إلقاء القبض على بعض من رفاقٍ أعرفهم ولكن التطمينات التي كان يبعثها الحزب إلينا كانت توحي بأنها اعتقالات فردية ربما هدفها جسّ النبض. عند انعطافةِ زقاق فرعي رأيتُ كريم يقف بعيداً عن واجهة المقهى. لوّحَ لي وحثّ خطاه في الزقاق فخمنتُ بأن هناك أمراً قد حدث. توقفَ وهو يلتقطُ أنفاسه لاهثاً ثم همسَ لي:

" أمس اعتقِل فرج. "

وبعجالةٍ راح يعدد لي أسماء الأشخاص الذين تمّ اعتقالهم خلال ليلة الأمس واليوم:

" جلال، فلاح، علي، رزاق الخياط .... "

ثم تركني وهو يردد:

" انتبه لحالك، دير بالك، اختفِ، اهربْ .... "

" ليس أمامنا سوى أن نصمد. "

يقولُ شبيهي فأضحكُ منه ساخراً .

" إلى متى سنصمد؟ كيف سنصمد؟ لماذا سنصمد؟ "

" مو حسبالك انتهت السالفه وخلّصت، نقدر انجيبك بأي وقت نريد، هه، وأنت تعرف البقية، ما يخلصك أبو لينين. "

عادَ صوتُ النقيبِ عبد القادر يتردد في أذني.

" سأهرب. نعم سأهرب. "

أسرعتُ إلى البيت سالكاً طريقَ الأزقة الضيقة.

" سأسافر الليلة إلى بغداد ومن هناك سأنتظر نصيحة الرفاق."

هذا ما اتفقنا عليه أنا وصاحبي في آخر لقاء لنا.

خمسون يوماً فقط كانتْ فترة إجازة سوء الحظ وها هو يعود إلى عمله بمثابرةٍ وإخلاص، وهاهو قد وجدَ وسيلةً أخرى لمطاردتي، وسيلة ربما تختلف عن وسائلِ النقيب أو الفدائي الكردي الذي لم يجدْ غيري يدفعُ فاتورةَ حساب الظلم القومي الذي يعاني منه، ولكن ماذا بعد؟. الوسائل تختلف والغاية واحدة " الإذلال ".

شارعٌ واحد بقي علي أن أقطعه للوصولِ إلى بيتنا وقد علمتُ بأنّ حملتهم هذي تختلفُ عن الحملاتِ السابقة فهم لا يقتحمون البيوتَ أو يبحثون عن المنشورات كما كان يفعلُ في السابق رجالُ الشرطة السرية ضد معارضيهم. إنهم الآن أكثرَ لباقة وتهذيباً. تقتربُ من خلفكَ سيارةُ الفولكس واكن أو اللاندكروزر. تخفّضُ سرعتها. تتوقفُ. ينزلُ منها شابان بوجهين حليقين وملابس أنيقة وربما يحملان كتاباً أو صحيفة تحت أبطيهما. تمضي السيارة ثم تقفُ عند منعطفِ الشارع. يخرجُ سائقها. يفتحُ مقدمةَ السيارة. يقيسُ الزيتَ في المحرك ويتطلع إلى أحشاء السيارةِ باهتمامٍ بينما لايزال الشابان يسيران خلفكَ ببطء. تقتربُ خطواتهما. يسيرُ كل منهما على جانبيك. يلقي أحدهما تحية مهذبة وكفّه تنقضّ على كفك.

" تسمح أستاذ تركب معنا. "

" عفواً إلى أين؟ "

تجيبُ بدبلوماسيةٍ وتهذيبٍ مفتعلاً الغباء فيأتيكَ الجوابُ جاهزاً:

" ساعة واحدة ستجيب فيها على بعض الأسئلة ثم تعود إلى أهلك. "

تحتجّ:

" ولكنْ مَنْ أنتم؟"

" كلْ خرا! "

ينتهي الحوارُ وتصعدُ السيارة صاغراً. تنطلقُ السيارة بسرعةٍ مجنونة. تحركُ كتفيكَ بتململٍ كأنك تحاولُ كسرَ أغلالٍ وهمية. تُغرز إصبع في خاصرتك:

" منيوك، أبو العيورة .... "

تحتجّ، لكنكَ تصلُ مديرية الأمن. هناك ستجد أنّ هذه الكلماتِ هي ضمن الحرفِ الأول في أبجديةِ الشتائم وأنها الصفحة الأولى من معجم الإذلال.

أنا نفسي لا أعرف لماذا بقيتُ خمسة أيامٍ في (ضيافتهم) ولماذا كلّ هذا الكرم بتقديمِ وجباتِ التعذيب طالما أنّ الأمر سينتهي بورقةٍ يتمّ التوقيع عليها آجلاً أم عاجلاً متعهداً عدم مزاولة العمل السياسي:

" شوفْ منيوك.. أضخم شارب سينحني ويوقع... فهمت؟ "

يقولُ عبيد وهو يقلقلُ قضيبه المنتعظ على الهواء.

" سأوقع. "

الآن وبعد ألف عامٍ، أنا على استعداد كاملٍ للتخلي ليس عن الحزب والاشتراكية بل عن الوطن بأرضهِ وشعبهِ ومائهِ وكلّ شيء فيه.

" الوطن! المبدأ! "

رددتُ مع نفسي بسخريةٍ وتلمستُ أعوامي الاثنين والعشرين فوجدتُها رخوة، بل دقيق يتسربُ بسهولةٍ من بين فلقتي الرحى الحجرية.

" ابني، شمورطك بهذي الأمور؟ أنتَ بعدك ما تعرف تضرب جلق. "

يقولُ ضابطُ الأمن وهو يولجُ الهراوةَ في قبضته ويخرجها وينظر إليّ منتشياً.

" طزززز "

صرختُ في داخلي وأنا أغادرُ مبنى مديرية الأمن بقدمين متورمتين.

الليلُ المتنمرُ بعسسهِ المتحفزين ونجومهِ الذابلةِ يمتدّ على المدينةِ مثل أميبا يختطفُ الأطفالَ من الشارعِ يلتفّ عليهم، يهرسُ أرواحهم ببطء، يخنقُ براءتهم، يتوغلُ إلى أعماقِ عاشقٍ، ينهشُ أنثى ترقصُ عاريةً في روحه. السياراتُ تمرقُ بسرعةٍ قصوى كأنها تطاردُ أشباحاً فأكادُ أرى الشوارعَ نفسها تتلفتُ خائفةً، والأرصفةَ تنحسر.. تنحسرُ حتى تختفي خلف الجدران تراقبُ خطى المارة. كتلٌ بشرية تلتفّ على بعضها بحثاً عن أمانٍ فتشكلُ تجمعاتٍ دائريةً، وفي مركزِ كلّ دائرةٍ يقفُ مهرج، كلما خلعَ قناعاً ظهرَ بقناع آخر حتى تزوغَ الأنظارُ فلم يعدْ يدركُ الرائي إنْ كان ما يرتديه المهرجُ قناعاً أم وجهه الحقيقي. المروّض بسوطهِ يجلد الهواءَ صارخاً والشاعر يمشي مقلوباً في الشارع فتضحكُ القردةُ ساخرةً منه. إنه لا يجيد حتى تقليد صغارِ القرود. يرميه الأطفالُ بالحجارة. يحاولُ أنْ يقفزَ من غصنٍ إلى آخر. تزل قدمُه فيسقط على إسفلتِ الشارع. يحاولُ أنْ ينهضَ بمكابرةٍ. يقتربُ منه شرطي بدين، يضعُ قدمه على رأسه ثم يدفعه. يحاولُ أن يحتجّ. يتلعثمُ. تخورُ قواه فتضحك الجماهيرُ. يطلقُ مواءً يخرمشُ الحجر. يجلسُ متعباً لاعقاً جراحه مثل جرذيّ هرم. في الشوارعِ المكتظةِ بالضجيجِ، الناس يمضون صامتين، يتلفتون متحفزين بانتظارِ الفَرج الذي سينزلُ من السماء، وعلى شريعةِ النهرِ امرأةٌ متلفعة بالسواد تركضُ جيئةً وذهاباً وهي تحملُ (سفرطاس َ) العشاءِ لولدها الغريق وصحنَ شعيرٍ لفرسِ خضر الياس الذي سيرفعُ جثةَ ولدها.

أصرخُ:

" يمّه... يمممممممه "

تلتفتُ المرأة نحو جهةِ الصوت. تقتربُ مرتابةً. تتطلعُ في وجهي. ترتسمُ علاماتُ الخيبة على وجهها. تبصقُ على الأرض وتعودُ إلى الشريعة. الظلامُ أطبقَ تماماً ولم يعد النهرُ سوى صفحةٍ سوداء كأن الماءَ قد صارَ قيراً ساخناً. لم تطفُ جثةُ الغريق ولم يسمع الخضرُ نداءَ الأم المفجوعة. ترمي الأم عشاءَ ابنها في النهرِ وتقتربُ مني ثانيةً. تضعُ صحنَ الشعيرِ أمامي وتذهب. أتابعُ شبحها وهو يدخلُ أعماقَ الليل حتى تتحولَ عباءتها السوداء قطعةً من هذا الظلامِ الشامل.

بعد الكأسِ الثالثة زاغَ بصري فرأيتُ الناس ديداناً تتحركُ على الأرضِ ثم تكبرُ وتتحد مع بعضها كأرجلِ أخطبوط تحاولُ اصطيادَ الهواء. تنفصلُ عن بعضها. تعود إلى هيئاتها الآدمية بوجوهٍ مطموسة. تتضخمُ حتى تبدوَ كعماليقَ تسدّ الفضاءَ وصوت زفيرها كزئيرِ عاصفةٍ في وادٍ. ترقصُ حول نارِ بركانٍ تتوقد في رأسِ جبل ثم تسيل كشمعٍ ذائب مشكّلةً روافدَ صغيرة، تكبرُ باتحادها حتى تتحولَ إلى طوفان دم.

بعد الكأسِ الرابعة شعرتُ بدبيبِ الخمرةِ وهي تقتحمُ موطنَ الأسرار. ولأني جالس وحدي ولا أخافُ من شيء، فقد اجتزتُ قلقَ الامتحان وحصلتُ على النتيجةِ المطمئنة على الرغم من الرسوب بامتياز بل (السقوط)، هذه الكلمة التي كنتُ أسمعها تتردد كثيراً على أفواهِ من لم يذقْ طعمَ الفلقة واللسعات الكهربائية ولم تحاصره الضباع تنهشُ خصيتيه.

" إذاً فلتقتحمِ الخمرةُ موطنَ الأسرار! " 

" اخرسْ يا دعي! أية أسرارٍ تتحدثُ عنها؟ ألم تعترفْ بالأمس؟ "

" من أنتَ؟ "

" ............ "

كان يجلسُ أمامي رجل قد تجاوزَ الأربعين من العمر بقليل، لا أدري كيفَ ومتى اقتحمَ عزلتي. كان ينظرُ إليّ بعينين تشعّان بريقاً ذهبياً يرسمُ دائرةً ضوئية على وجههِ ويغطي لحيةً حمراء حسبتها مصبوغةً بحناء أو ربما بقايا من صبغةِ دمٍ متخثر.

" الله بالخير. "

قلتُ وقد فرضتْ هيبته عليّ احتراماً أو خوفاً.

تطلعَ إلي ببرودٍ هازاً رأسه دون أن يردّ تحيتي.

" وهل رأيتَ قضيبَ عبيد وهو يهددكَ بالاغتصاب؟ "

قلتُ محاولاً تبرير هزيمتي فردّ علي مؤنباً:

" لِمَ لم تبصقْ في وجهه؟ "

" سيقتلني لو فعلت. "

" وليكنْ. "

" سيقتلني ألفَ مرةٍ. "

" جبان. "

قال ببرودةِ أعصاب فأجبته بغضب:

" من أنتَ أيها السكير التافه؟ "

نهضَ وهو يتطلعُ إليّ بسخريةٍ ثم أدارَ إليّ ظهره وسارَ متمهلاً، وقبل أنْ يبتعدَ عن طاولتي عادَ ثانيةً. توقفَ أمامي وبدأ يتعرى. خلعَ قميصه وأشارَ إلى ذراعيهِ المقطوعتين وإلى صدرهِ المنخول كغربال. قال وهو يحدّق إليّ بتحدٍ:

" قطعوا يميني فحملتُ السيفَ بشمالي وقطعوا شمالي فحملتُ السيفَ بفمي وحينما جاء الشمرُ يحزّ عنقي بصقتُ في وجهه. "

فركتُ عينيّ فتلاشى الشبحُ. أغمضتُ عيني كي أطردَ صورةَ الكابوس فرأيتُ صورته قد عادتْ ثانيةً. رأيته يزحفُ على الأرضِ مقطوعَ الذراعين محاولاً التقاطَ الراية الساقطة على الأرض بفمهِ النازف، وكلما أوشكَ أن يلتقطها تمتدّ قدمٌ تركلُ الرايةَ بعيداً فيظلّ يزحفُ نحوها وعبيد يلاحقه بالسوطِ ويضحك. ضحكتُ .. ضحكتُ على إصرارهِ غير المجدي وحماسته الغبية. انتبهتُ إلى الطاولةِ القريبة مني فرأيتُ عليها شخصين يتهامسان وهما يحدقان إليّ باستغراب. توقفتُ عن الضحكِ وحينما التقتْ نظراتنا، رفعا كأسيهما وهما يصرخان:

" بصحتك. "

رفعتُ كأسي مفتعلاً الرزانة والكبرياء وأفرغتها في جوفي دفعة واحدة. ولكي أوحي إليهما باعتدادي بنفسي رحتُ أتطلع نحوهما بثقة فأشارَ إليّ أحدهما بيده:

" ليش قاعد وحدك. تعال شاركنا! "

نهضتُ حاملاً كأسي الفارغة وما تبقى من عرقٍ في القنينة واتجهتُ إلى حيث يجلسان. وقبل أن أصلَ الطاولة بخطوة أو خطوتين رأيتُ النقيبَ عبد القادر وهو يحاولُ النهوضَ لاستقبالي وأمامه يجلسُ رجل لم أرَ منه سوى ظهره، كان يرتدي شروالاً كردياً ويلفّ رأسه ببشتيم أحمر.

" دخيل العباس... "

عاد صوتُ الجندي القتيلِ يرنّ في أذني. ارتبكتُ وسقطتِ القنينة من يدي فتركتُ المكان هارباً وصوتُ قهقهات السكارى تتبعني.

كانتْ مديرية طرق الكوت تقع مقابل مديرية الأمن تماماً وفي زقاقٍ واحد وهذا يعني أني سأرى كل يوم وجوهاً باتتْ تعرفني جيداً وعيوناً ربما لاتزال تراقبني وتعد خطواتي، ولكن ما شأني بها طالما أني نفذّتُ ما طلبوه ووقعتُ على القرار200؟ وللحقِ أقولُ فأنا نفسي صرتُ أكثر اطمئناناً ولم يعد يؤرقني قلقُ الامتحان أو انتظارُ ظهورِ النتائج، ولكي أثبتَ لهم بأني سأفي بالوعدِ الذي قطعته رحتُ أقطعُ الزقاقَ محاذياً الجدار كي يقالَ عني رجل يتحاشى المشاكل " ويمشي الحايط الحايط ". حتى زملائي في العمل ما عاد وجودي يقلقهم فقد صرتُ واحداً منهم وإنْ بقيتِ المسافة ما بيننا واسعة. لم أكنْ مثلهم تماماً إلا أني لم أعدْ غراباً أبيضَ وسط سوادهم.

" السيد المدير يطلبك. "

قال الفراشُ وغادرَ الغرفةَ سريعاً. نهضتُ بتثاقلٍ وقد عاد هديرُ الهواجس وهي تتلاطمُ في رأسي ولكني أسرعتُ في قطعِ الممرِ نحو غرفة المدير، فقد كنتُ أشعرُ بأن طاقتي على تحملِ قلقِ الانتظار قد نفدتْ وأنّ لحظةَ ركلِ الكرسي من تحت قدمي أهونُ بكثيرٍ من التمهل أو سرقةِ بضع دقائق في قطعِ الطريق الفاصل ما بين الزنزانة والمشنقة. أشارَ إليّ المديرُ بالجلوسِ دون أن يرفعَ رأسه عن مكتبهِ حتى فرغَ من قراءةِ الكتاب، قدّمه لي دون أنْ ينطقَ بكلمةٍ فرحتُ أقرأه بصمتٍ. إنه كتاب صادر من المؤسسة العامة للطرق والجسور وبتوقيعِ عبد الوهاب المفتي نفسه يُعلمني بأنّ المصلحة العامة تقتضي نقلي إلى مشروع جسر الكوفة الثاني. أعدتُ قراءته مرةً أخرى ثم أعدته إلى المدير الذي كان ينظرُ إليّ لمعرفة ردة فعلي، وحينما هززتُ رأسي علامة على الرضوخِ للقرارِ أو على عدم وجودِ وسيلة غير الموافقة والطاعة، تنحنحَ محاولاً إيجادَ طريقةٍ للدخول إلى الحديث. قدّمَ لي سيجارةً وأشعلها بتواضعٍ مفتعل، ثم بدأ حديثه متلعثماً:

" بإمكاننا إلغاء أمرِ النقل إذا... "

وقبل أن يكملَ مساومته قاطعته:

" بالعكس، أنا سعيد بالنقل. "

وفعلاً كنت سعيداً حيث أني وجدتُ من حيث لم أكنْ أحسب طريقاً آمناً للهروب من المكانِ والوجوهِ التي كانتْ تشكّل لي نظراتها الواخزة عبئاً ثقيلاً.

لاحتْ على وجههِ علاماتُ خجلٍ واضحة وأدركَ الفارقَ الكبير بيني وبينه، فعلى الرغم من قدمي المتورمتين مازلتُ أستطيعُ الوقوفَ في منتصفِ السفحِ وأرفضُ الانحدارَ السريع. ولكي يغطّي خجله قال لي بطيبةٍ مخنوقة وكأنه يمدّ لي ما يستطيع من معونةٍ وتضامن:

" لك حرية تحديد يوم الانفكاك عن الدائرة. "

فأجبته بابتسامة أدركَ مغزاها:

" الآن. "

فنهض خارجاً من وراء مكتبهِ متجهاً نحوي ثم تشبثَ بكفي مودعاً بحرارةٍ كأنه يحتضنُ بقايا شرفٍ في داخله.         

" الكوفة!؟ "

رددتُ مع نفسي ونطتْ ضحكةٌ لم أستطعْ كتمانها. التفتَ الركابُ نحوي مستفزين  فأشحتُ بوجهي عنهم متطلعاً من نافذة السيارة نحو الطريق الصحراوي مقتفياً خطواتِ الذين مروا من هنا يوماً واجتازوا هذه الصحراء.

 [أقبلَ مسلمُ ابن عقيل حتى دخلَ الكوفة، فدخلَ دارَ المختار ابن أبي عبيد الثقفي، وأقبلت الشيعةُ تختلفُ إليه، فلما اجتمعتْ إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتابَ الحسين فأخذوا يبكون. وحينما علِمَ بمجيء عبيد الله ابن زياد إلى الكوفة، خرجَ من دارِ المختار إلى دار هاني بن عروة فدخل بابه وأرسل إليه أنْ أخرج فخرج هاني وكره مكانه حين رآه فقال له مسلم، أتيتك لتجيرني " فقال له هاني " رحمكَ الله لقد كلفتني شططا " وأخذت الشيعة تختلفُ إلى دارِ هاني ابن عروة وقد بايعه ثمانيةُ عشر ألفاً فقدّم كتاباً إلى الحسين يعجّله الإقبال، لكنّ عبيد الله ابن زياد أمرَ بهاني فجاءوا به. قال " أدنوه مني " فاستعرضَ وجهه بالقضيب، فلم يزلْ يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسرَ أنفه وسيّل الدماء على ثيابه ونثرَ لحمَ خديهِ وجبينه على لحيته حتى كُسرَ القضيب. ثم أمرَ بسجنه. يقولُ عباس الجدلي " خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف فما بلغنا القصرَ إلا ونحن ثلاثمائة فمازالوا يتفرقون ويتصدعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفساً في المسجد فلما رأى ذلك خرجَ متوجهاً نحو أبواب كندة وبلغَ الأبواب ومعه منهم عشرة ثم خرجَ وإذا ليس معه إنسان، والتفتَ فإذا هو لا يحسّ أحداً يدلّه على الطريق ولا يدلّه على منزلٍ ولا يواسيه بنفسه إنْ عرضَ له عدو، فمضى على وجهه يتلدد في أزقّة الكوفة لا يدري أين يذهب، فمشى حتى أتى باباً فنزل عليه فخرجتْ إليه امرأة يقال لها (طوعه) فقال لها " اسقني " فسقته ، ثم دخلتْ فمكثتْ ما شاء الله ثم خرجتْ فإذا هو على الباب، فقالتْ  " يا عبد الله إنّ مجلسك مجلس ريبة، فقمْ! "، قال " إني أنا مسلم ابن عقيل فهل عندكِ مأوى؟ "، قالتْ " نعم، ادخلْ ".

صعدَ عبيد الله ابن زياد المنبر فحمدَ الله وأثنى عليه ثم قال " أما بعد فإنّ ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلافِ والشقاق فبرئت ذمة الله من رجلٍ وجدناه في دارهِ، ومنْ جاء به فله ديته ". ثم صرخ " يا حصين ابن تميم! ثكلتكَ أمكَ إنْ صاح باب سكّة من سكك الكوفة، أو أن خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعثْ مراصدةً على أفواه السكك"

وأصبحَ ابنُ تلك العجوز التي آوت ابن عقيل وهو بلال ابن أسيد فغدا إلى مجلس ابن زياد وأخبرَ القومَ بمكانِ مسلم. بعثَ ابنُ زياد عمرو ابن عبيد الله ابن عباس السلمي على ستين أو سبعين من قيس. فلما سمعَ مسلمُ وقعَ حوافرِ الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قد أتي فخرجَ إليهم بسيفهِ واقتحموا عليه الدارَ فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك فضربَ بكيرُ بن حمران الأحمري فمَ مسلم فقطعَ شفته العليا وأشرع السيف في السفلى وفصلتْ ثنيّتاه ،فضربه مسلمُ ضربةً في رأسه منكرةً وثنى بأخرى على حبل العاتق كادتْ أنْ تطلعَ على جوفه. فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهرِ البيت فأخذوا يرمونه بالحجارةِ ويلهبون النارَ في أطنانِ القصب ثم يقلبونها عليه من فوق البيت حتى أثخن بالحجارة وعجزَ عن القتال فأسندَ ظهره على جنب تلك الدار، فدنا منه محمد ابن الأشعث فقال له " لك الأمان " وأوتي ببغلةٍ فحملَ عليها، واجتمعوا عليه وانتزعوا سيفه فدمعتْ عيناه ، ثم قال " هذا أول الغدر. " ثم قال " إنا لله وإنا إليه راجعون " وبكى. فقال له عمرو ابن عبيد الله ابن عباس " إن مَنْ يطلب مثل الذي تطلب، إذا نزلتْ به مثل الذي نزل بك لم يبكِ " فرد عليه مسلم ابن عقيل " إني والله ما لنفسي أبكي ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليّ، أبكي لحسين وآل حسين ".

جيءَ بابن عقيل  إلى بابِ القصر وهو عطشان ، فقال " اسقوني ماءً " فجاءوه بماء في قلّةٍ عليها منديل ومعه قدح فأخذ كلما شربَ امتلأ القدحَ دماً فلما ملأ القدحَ المرة الثالثة ذهبَ ليشرب سقطتْ ثناياه فيه، فقال " الحمد لله، لو كان لي من الرزق المقسوم شربته. ".

قال ابن زياد: " اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه "

فضربتْ عنقه ]

استيقظتُ على كفّ العجوز الجالسِ لصقي وهو يوقظني بحذر، وحينما فتحتُ عينيّ وجدته يتطلعُ إليّ باستغراب. مسحتُ وجهي بكفي فشعرتُ بحرقةٍ في عيني وقد غطى العرق وجهي ورقبتي. شكرتُ العجوز على إيقاظي وقد توقفتِ السيارة في كراج المدينة فتطلعَ إليّ بعمقٍ كأنه يقرأ شيئاً في ملامح وجهي، ثم قالَ بعطفٍ وهو يقطب جبهته:

" اش بيك ابني؟ "

وحينما أبديتُ استغرابي لسؤالهِ، أضاف:

" جنت تبجي طول الطريق. "  

درتُ في شوارعِ الكوفة أبحثُ عن مقرِ عملي. سألتُ أصحابَ المحلاتِ على جانبي الطريق والمارين وسائقي سيارات الأجرة إلا أنّ لا أحدَ كان قد سمعَ بوجودِ مشروعٍ لإنشاءِ جسرٍ ثانٍ في الكوفة بل إن عجوزاً صاحبَ مكتبةٍ قديمة تطلعَ إليّ باستغرابٍ من بين الكتب القديمة المكدسة على بعضها وقالَ لي وهو يثبت نظارتيه:

" أي جسرٍ ثانٍ تسأل عنه؟ "

ثم أضاف:

" في الكوفةِ جسور عدة، أولها جسر شيّده زياد بن أبيه. "

تطلعتُ إليهِ بصمتٍ وقد ارتسمتْ على وجهي ابتسامة شجعته على إيقاظِ التأريخ من سباتهِ غير أني غادرتُ المكتبة وأنا أردد مع نفسي:

" وآخرها سأشيده أنا، أية مفارقة غريبة! "

انتصفَ النهار وتعبتُ فلم أجدْ غير مسجدِ الكوفة ملاذاً ألتجئ إليه. ساحةٌ واسعة بشكلٍ مستطيلٍ أقرب إلى المربع مغطاة بآجرّ أبيض ذي سطح أملس تحيطها من الجهات الأربع جدران عالية يرتسمُ على أحدها وهو الجدار المقابل للباب الرئيسي المحراب، المحراب الذي شهدَ مقتلَ إمام الغرباء. غرفٌ تشبه الكوى الكبيرة ترتفعُ عليها أقواسُ مزينة بآياتٍ قرآنية وأسماء الأئمة الإثني عشر خُطت بخطّ الثلث وبحروف كبيرة. في الجانبِ الأيسر من الباحة بابٌ كبير يفضي إلى ضريحي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة. دخلتُ بحذرٍ وتوجس وأنا أحملُ حقيبتي بيدٍ وباليدِ الأخرى فردتيْ حذائي. درتُ حول الضريحِ بخشوع. مسكتُ الشبّاك وتطلعتُ إلى الضريح يلفّه شرشفٌ أخضرُ كبير. ارتعشَ شيء في داخلي حاولتُ أنْ أكتمَ رهبتي متلبساً شخصية الملحدِ الذي لا يرى في هذه الأضرحة سوى أحجارٍ صمّاء، لكني لم أستطع فاختنقتُ بصوتِ صمتي. اقتربَ مني رجل يرتدي كشيدة بطابقين أحمر وأخضر. وقفَ أمامي وراح يقرأ دعاءَ الزيارة. أصغيتُ إليه وجسدي يتمايل دون إرادةٍ مني. أعطيته قطعة نقدية وخرجتُ. عدتُ إلى باحةِ المسجد متطلعاً إلى زخارفِ الجدران ثم جلستُ عند حافة إحدى الكوى متكوراً على جسدي بوضعِ جنين، مبهوراً بسحرِ الصمت الذي يلفّ المكان. هنا موقعُ المنبر الذي تناوبَ عليه الولاةُ لاعنين من سبقهم مهددين الناس بالويلِ إنْ سولت لهم نفوسهم المتمردة بالتعرض لولاة أمرهم بسوء، هنا نزع ابن يوسف الثقفي عمامته مردداً بأنه جاء ليبقى رغم أنف من لا يرضى. 

اقتربَ مني رجل بعمامةٍ بيضاء. ألقى تحيةً هامسة فنهضتُ احتراماً. هزّ رأسه بكبرياء وجلسَ قربي صامتاً وعيناه تستفسران بصمتٍ عن سببِ وجودي هنا خاصة وقد انفضّ المصلّون ولم يبقَ أحد في المسجد، وحينما وجدني صامتاً وأحدق إلى جهة بعيدة كأني أقرأ آثارَ الخطى التي مرتْ هنا، قال مشيراً إلى الجدران:

" كانتْ تنزّ ماءً. "

تطلعتُ إليه بنظرةٍ تتفحص نواياه فأشار مرةً أخرى إلى الجدران. هززتُ رأسي ثم سألته بخبث:

"  تنزّ ماءً أم دماً؟ "

تطلعَ إلي بريبةٍ ثم سألني:

" من أنتَ؟ "

ضحكتُ لارتباكهِ وأجبته:

" لا أحد. "

هممتُ بالنهوض غير أنه سبقني كأنه تذكرَ فجأة أمراً هاماً. تطلعَ إليّ بنظرةٍ خاطفة ثم تركني مسرعاً وهو يلفّ عباءته على جسده دون أنْ يلتفتَ إلي.

خرجتُ من المسجد بجولةٍ أخرى للسؤالِ حول مكان عملي. توقفتُ عند مجمعٍ لسياراتِ أجرة يقعُ عند رأسِ شارعٍ عريض. اقتربَ مني أحدُ السائقين وسألني عن الوجهةِ التي أقصدها وحينما أخبرتُه أشارَ إليّ بيدهِ أنْ ألحقه إلى سيارته. انطلقتِ السيارةُ في الشارعِ العريض وسط أرضٍ قاحلة تلوح في نهاياتها بساتينُ نخيلٍ وعلى جانبي الشارع نُصبتْ علاماتٌ تشيرُ إلى مواقع لمعامل وشركات. لمحتُ من بينها لوحةً معدنية كبيرة تشيرُ إلى موقعِ مشروع جسر الكوفة الثاني فشعرتُ بالاطمئنان.

" هذا معمل الإسمنت. "

وأشارَ السائقُ إلى بناءٍ ضخم تقفُ عند بوابته الحديدية الكبيرة شاحناتٌ كبيرة، وعمال ينقلون أكياسَ الإسمنت إليها. انحرفتِ السيارة باتجاهِ اليسار على طريق ترابي يجتازُ غابةً كثيفة من النخيل ثم ارتفعتْ على سدادٍ ترابي بمحاذاةِ الفرات. توقفتِ السيارة وأشارَ السائقُ إلى خيمةٍ وحيدة عند جرف النهر. لم أفهمْ شيئاً من إشارته فراحَ يؤكد لي بأنه أحضرَ قبل أيام رجلاً إلى هنا. خرجَ من الخيمة رجل عجوز تجاوز السبعين من عمره وهو يتطلع إليّ بعينين كليلتين. رحبَ بي حينما علمَ بأني موظف جديد تمّ تنسيبه للعمل في مشروع الجسر، وحينما سألته عن موقع الجسر أجاب بحيرة:

" هنا. "

وأشار إلى الخيمة وحينما تطلعتُ إليه باستغراب، أوضحَ لي كأنه يزيلُ تهمةً عن نفسه:

" رجل طويل القامة أصلع الرأس وبشعر طويل من الخلف جاء إلى هنا قبل شهر، نصبَ ناظوره ودق وتداً. "

ثم أشار إلى وتدٍ حديدي مغطى بمكعبٍ كونكريتي، مضيفاً:

" ثم قيل لي إنه تمّ تعييني حارساً لمشروع الجسر الجديد، ولم أرَ أحداً بعد ذلك. "

أدركتُ من خلال وصفهِ للرجلِ بأنه عزيز سماوي الذي كنتُ التقيتُ به قبل بضعة أشهر في مشروع زاخو كانماسي فرددتُ مع نفسي متسائلاً بأسى:

" أين أنت الآن يا عزيز؟ في أي سجن أو مخبأ؟ "

على الرغم من وحشةِ المكان إلا أني كنتُ أشعر بفرحٍ، حيث وجدتُ أخيراً خيمةً بعيدةً عن عيون رجال الأمن وبعيداً عن هواجسي وعيون الرفاق المكسورة. وضعتُ حقيبتي في الخيمة وأخبرتُ الحارسَ بأني سأعود غداً وغادرتُ المكان بالسيارة التي جاءتْ بي.

قضيتُ الليلةَ في مدينةِ النجف متجولاً في سوقها المكتظة بالناسِ ومكتباتها التي تشبه مكاتبَ الوراقين بكتبها القديمةِ المصفرة التي يتراكمُ عليها الغبارُ كأنها وجدتْ في التأريخ الأمانَ فلم تبرحْ زمانها. جلستُ مراتٍ عدة في مقاهٍ شعبية مختلفة، وكان همّي يتركزُ على كيفيةِ قضاء الوقتِ الذي كان يمرّ بطيئاً. فكرّتُ أن أذهب لزيارةِ قبرِ أبي في المقبرةِ الكبيرة لكني عدلتُ عن الفكرة لسببٍ أجهله. دخلتُ صحنَ الحضرة الحيدرية. كانتْ تنتشرُ في الصحن وفي الزوايا دوائرُ صغيرة وأقواس من طلبةِ الحوزة الدينية، شباب بوجوهٍ بيض ضاربة إلى الصفرة ولحى ناعمة. كانتْ رؤوسهم تتمايلُ نحو الأمام والخلف بحركةٍ متناسقة فيرتسمُ مشهد يذكّر الرائي بقرونٍ مضتْ تركَ في نفسي شعوراً متأرجحاً بين الاحترامِ والنفور. كنتُ أنقلُ خطواتي على البلاط المرمري الناعم بحذرٍ كيلا أوقظَ أرواحاً مطمئنةً إلى وهمها، متطلعاً إلى الأضواء الصفراء والأبواب المذهبة ولكني لم أتجرأ على الدخول إلى الضريح خوفاً على بقايا يقينٍ أو ربما سخطاً وجدتُ نفسي تتشبثُ به وكأني أحمّلُ الحجارةَ كلّ تبعاتِ الفشل. عدتُ إلى الفندق متعباً، ودون أنْ أنظرَ إلى من يشاركني الغرفةَ ألقيتُ جسدي بإهمالٍ محاولاً طرد أية فكرةٍ عمّا ستأتي به الأيام القادمة.

في اليومِ التالي باشرتُ دوامي وحيداً في مكانِ عملي منتظراً أن يأتي شخصٌ يشاركني منفاي الغريب، لكنْ مرتْ ساعاتُ الصباح والظهيرة ولم يأتِ أحد. عند العصرِ جلستُ على جرفِ النهرِ مُدلياً ساقيّ في الماء، متطلعاً إلى الفراتِ ومراقباً بعض الشباب بزوارقهم وقففهم الصغيرة وهم يرمون كراتِ الزهر(الزهرُ كلمة فارسية تعني السمّ يشكّل منه الصيادون في العراق كراتٍ صغيرةً تقتلُ الأسماكَ فتطفو على سطح الماء عندها يسهل صيدها قبل أن تموت. والطريقة محظورة في العراق) الصغيرة إلى النهر وعيونهم تتطلعُ إلى الجهاتِ بخوفٍ وحذرٍ شديدين. تهامسوا في ما بينهم حينما اكتشفوا وجودي الغريب في المكان، غير أنّ الحارسَ العجوز طمأنهم فجاءوا إليّ مرحبين فعرفتُ منهم بأنّ كل الساكنين في هذه المنطقة وعلى ضفتي النهر هم أولاد عمومةٍ ويلتقون عند برّاك وهو جدّ هذا الرجل العجوز ولذلك سميت المنطقة بالبراكيّة. أنهى الشبابُ مهمتهم برمي (الزهر) وجلسوا مقرفصين على ضفتي النهر وعيونهم تغورُ في النهرِ متحفزين كأنهم يتسولون من القدرِ صدفةً ترمي لهم رزقهم. فجأةً خبطتِ الماءَ في منتصفِ النهرِ حركةٌ غريبة فهرعَ الرجال إلى زوارقهم وقففهم حاملين فالاتهم وسلالهم الخوص مشكلين دائرةً وسطَ النهر وهم يتصارخون بفرح. وبعد دقائق

من الصراعِ وطعنِ الماء ارتفعتْ في الهواء فالة طويلة تحمل بأنيابها سمكةً كبيرة وهي تلبطُ بيأسٍ غير أنّ حرابَ الفالة قد انغرزتْ عميقاً في جسدها. صرخوا فرحين وهم يتطلعون إلى أولى بشائرِ الصيد، ثم عادوا يقرفصون على ضفتي النهر وأنظارهم تشطحُ على سطحِ الماء،

وهكذا تكررَ المشهد فكانتْ حصيلتهم عدداً من الأسماك بمختلف الأحجام. ذكّرني المشهد بزهيري للحاج زاير فرحتُ أدندن وحدي:

" قطّان جنّي طحتْ ما بين عجلة فال

 واحد للآخر يقل له هو ولك نوحه "

جاءَ الليلُ فغادروا المكان فرحين، قانعين بصيدهم وقد قضيتُ معهم رحلةَ صيدٍ ممتعة لم أرها من قبل. ذهبَ هزاع البراك وعاد إليّ بقطعةِ سمك مشوية، غير أني أجلّت أكلها متحججاً بالشبع ولكنْ في الحقيقة كنتُ أحاولُ أنْ أجدَ طريقةٍ لإقناعِ الحارسِ أنْ يذهبَ لينام في بيته القريب كي يصفو لي الجو وحدي، فقد كان حدسي صائباً حينما جلبتُ معي قنينةَ عرق كاملة، فوحشةُ الليلِ في هذا المكانِ المنسي وحرارةُ العشرة الأولى من شهر آب تلهب الأرضَ كأن بخاراً يتطاير من النهر يجعل الفضاء خانقاً برطوبةٍ لها رائحة عفونة زنزانةٍ، والحشرات الطائرة، والخوف من العقارب، كل ذلك لا يمكن التغلب عليه إلا بكأسٍ من النسيان وتخدير الفكرةِ في جمجمةٍ أضحتْ عالةً على هذا الجسد الخاوي. ولكنّ مهمة إقناع العجوز كانتْ صعبة، فقد وجدَ بي آذاناً تصغي إلى قصصه وأحاديثه عن تأريخ البراكية ونزاعاتها منذ بدء القرن وحتى يومنا، والحق أني كنتُ أصغي إليه بمتعةٍ كبيرة، وتعرفتُ تلك الليلة على حكاياتٍ وشخوص نادرة، فقد عرفتُ مثلاً أنّ هناك فخذين من عشيرةٍ واحدة في صراعٍ مستمر على الرغم من كونهم أبناء عمومة.

" آل البزون. "

قال العجوزُ فكتمتُ ضحكةً كادتْ تخرج من فمي غير أني تداركتها لاعناً الصدفةَ التي لا تتركني استمتعُ حتى بمنفاي ووحدتي، وحتى لو كفّ رجال الأمن عن مطاردتي فسيطاردني اسمي. قرّبَ العجوز فمه من أذني هامساً:

" وألبو عيسى. "

تلفتُّ فلم أجد أحداً غيرنا فأثارَ همسُه وتحفظه فضولي لمعرفة من هم ألبو عيسى وما سبب نزاعهم مع آل البزون، ودون إلحاحٍ مكشوف حاولتُ استدراجَ العجوز لمعرفةِ سببِ خوفه مفتعلاً الإصغاء والاهتمام بالأمر فراحَ يتحدث ويداه ترتعشان وأنفاسه تتقطع عن النكبةِ التي حلّتْ بألبو عيسى حتى حسبتُ نكبتهم كنكبة البرامكة. قلتُ ذلك مع نفسي مازحاً، ولكن بعد أنْ أسهبَ العجوزُ بالحديث اكتشفتُ بأن هناكَ شبهاً كبيراً بل تطابقاً بين ألبو عيسى والبرامكة، فقد تمّ إعدام وسجن الكثير من شبابهم وصودرتْ أملاكهم وأراضيهم وبساتينهم بعد أن كانوا يتمتعون بعزّ وحظوة لم يمتلكها البرامكة أنفسهم.

" بسبب انقلاب السلطة على ولدهم. "

قال العجوزُ هامساً فسألتُ باستغراب:

" ومن هو ولدهم؟ "

تطلع إلي وكأنه يأخذ مني عهداً بأن لا أبوحَ بهذا السرّ فهززتُ رأسي موافقاً. قرّبَ فمه من أذني حتى شعرتُ بأنفاسهِ تصطدمُ بخدي، ثم قال:

" ناظم كزار. "

ثلاثةُ أيام مرتْ وأنا أنتظرُ أيّ قادم جديد حتى بدأتُ أشكّ بوجودِ المشروع أصلاً. أقضي النهارَ في الانتظار، وفي الليلِ استمعُ إلى حكاياتِ هزاع البراك وحينما يسيطرُ عليه النعاس ولم يستطع مقاومته يتطلع إلي منتظراً أن أقول له:

" اذهبْ ونمْ عند عائلتك وأنا سأحرس النهر. "

حيث لا يوجد شيء يتطلبُ الحراسة سوى الخيمة والنهر، عندها أخرج بقايا قنينة العرق الساخن وارتشفُ منها رشفاتٍ كمخدرٍ ضد لسعات البق والذكريات.

انتصفَ نهارُ الخميس ولم يصلْ أحد فشعرتُ بالضجر حيث عليّ أنْ أنتظرَ حتى يوم السبت كي يتجددَ الأملُ بوصولِ موظفٍ آخر أو منفيّ يقاسمني الخيمةَ والإصغاءَ إلى حكايات العجوز، وحينما لم يأتِ ذلك الضائع أو المضيّع قررتُ قضاءَ العطلةَ في بغداد لا شوقاً إلى رؤية الناس بل هرباً من وحدتي.

في كراجِ (علاوي الحلة) اقتربتُ من صبي يقفُ على الرصيفِ وأمامه صحف ومجلات. كانت جريدةُ (طريق الشعب) من بينها. امتدتْ يدي بترددٍ، لكنْ قبلَ أنْ تلامس الجريدة انحرفتْ قليلاً لتتناولَ جريدةَ (الجمهورية) ومجلة (الطليعة الأدبية).

" السفلة، هل جعلوا من الجريدة فخّاً لاصطيادِ مَنْ لم يسمعْ بأخبار التسقيط بعد؟ "

رددتُ مع نفسي وأنا أتلفت بخوف.

" ولكن ما شأني أنا؟ ألم أوقع على وثيقة تنازلي؟ "

طمأنتُ نفسي وبالغتُ بالاطمئنان حينما رفعتُ الجريدةَ على رأسي حاجباً أشعةَ الشمس الحارقة عن رأسي وفي الوقتٍ نفسه أشيرُ إلى مَنْ يترصدني بأني لا أحملُ جريدةَ الحزب الشيوعي بل جريدة النظام.

" ولكن مَنْ الذي يقومُ الآن بإصدار الجريدة؟ "

" وهل لا تزال القيادة تتأملُ أنْ تعود المياه إلى مجاريها؟ "

" وأين هي القيادة ؟ "

" لماذا لم أسمعْ باعتقال أحدهم؟ "       

" هل هربوا ثانيةً إلى موسكو وبراغ؟ "

" وأين أخفوا عائلاتهم وأبناءهم؟ "

" لا، لا.. "

" أبناؤهم هناك يدرسون الباليه منذ سنوات. "

كان آخرُ منشورٍ صادر عن القيادة يدعو الرفاقَ إلى الاعتمادِ على أنفسهم في تدبير أمورهم.

" هذا كل ما قدروا عليه؟ "

" ربما هم الآن ينتظرون عطفاً من سيادةِ النائب يعفو عنهم لذنبٍ هم أبعد ما يكونون عن ارتكابه أو ربما ثورة يقومُ بها كي يصححَ مسار الحزب اليميني نحو بناء الاشتراكية، عندها سيعودون إلى الحكم ثانية بقيادة جيفارا العراق. "

" تفوووووووو على مثل هذه القيادة. "

عبرتُ جسرَ الوثبة باتجاهِ شارعِ الرشيد. توقفتُ في منتصفهِ وتطلعتُ إلى الماءِ الجاري في دجلة. رددتُ مع نفسي أبياتاً من قصيدة الجواهري ساخراً:

" وأنتَ يا قـارباً تـلـوي الرياحُ به          ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانـيـنِ

 وددتُ ذاك الشراعَ الرخص لو كفني          يُحاكُ منه غداةَ البين يطويـني "

كان شعورٌ بالسخطِ يخنقني، سخطٌ على كلّ شيء حتى بدا لي منظرُ الناس وهم يتحركون مصطدمين ببعضهم محدثين دوياً كدويّ دورانِ الخذروف، كأنهم جراد أعمى يهجمُ على المدينة. انتقلتُ إلى الجانبِ الأيمن من شارعِ الرشيد وسرتُ باتجاه الميدان. توقفتُ عند سينما مقابل أورزدي باك كانتْ تعرضُ في واجهتها صوراً لفيلمٍ إباحي. حشرتُ نفسي بين الواقفين ورحتُ أتطلعُ بعينين جائعتين إلى نهودِ الممثلات وسيقانهن. فكرتُ أن أدخلَ لأشاهدَ الفيلم غير أني عدلتُ عن الفكرة بعد أنْ رأيتُ وجوهَ الداخلين وكان أغلبهم من الجنود وعمالِ الكراجاتِ والريفيين، وهم يتلفتون بعيونٍ زائغةٍ يتطايرُ منها نهمٌ جنسي فكأنهم متحفزون لاغتصابِ الهواء، وقد كانتْ لي تجربة سابقة في الدخول إلى هذه السينما فهي مشهورة بأنّ أغلبَ روادها من اللوطيين والمأبونين.

" سينما الوطني "

هذا هو اسمها التي حملتُه عن جدارة.

" وطن للسفلة واللوطيين. "

رددتُ مع نفسي بألمٍ وحثثتُ خطاي مبتعداً كيلا يراني أحد وأنا واقف في هذا المكان. لاحَ لي تمثالُ الرصافي متسمراً في ساحة الأمين حيث توجد المقهى التي يلتقي فيها القادمون من مدينة الكوت. توقفتُ عند واجهةِ المقهى متفحصاً وجوهَ الجالسين فلم أرَ شخصاً أعرفه فقفلتُ عائداً، ولكن ما أنٍ خطوتُ بضعَ خطوات حتى سمعتُ صوتاً يهمس باسمي قادماً من ورائي. توقفتُ ملتفتاً فرأيته يقتربُ مني. مسكَ ذراعي دافعاً إياي إلى الأمام كأنه يحثني على الابتعادِ عن المكان باتجاه جسر الشهداء. توقفنا عند بوابة المتحف الشعبي. تطلعتُ إليه فأدركتُ بأنه لم يعدْ يشبهني فقد موّه نفسه بشاربين كبيرين ونظارةٍ سوداء أو ربما أنا الذي لم أعد أشبهه. كان حزيناً ومرتبكاً ولأول مرةٍ أراه يتنازلُ عن كبريائه ويخاطبني:

" احتاجُ مساعدتك. "

فخمنتُ بأنه محتاج إلى نقودٍ فمددتُ يدي في جيبي وأخرجتُ رزمةً من الأوراق النقدية ووضعتها في كفّه دون أن أعدها فأعادها إلي شاكراً:

" لا أحتاج إلى فلوس ولكني أحتاج إلى أمر آخر. "

" ماذا؟ "

سألته وقد أربكني ارتباكه فهمسَ لي:

" أحتاج إلى مأوى أختبئ فيه. "

حدقتُ إليه بحيرةٍ وهو ينتظرُ ردي بلهفةٍ وخوف:

" ولكن إلى متى ستبقى مختبئاً؟ "

فأجابني بثقةٍ:

" حتى يوم الأربعاء. "

تطلعتُ إليه منتظراً منه توضيحَ الأمر فأضافَ:

" سأسافرُ إلى الجزائر يوم الأربعاء القادم. "

" ...................... "

" لقد أكملتُ كلّ شيء وحجزتُ بطاقة السفر ولم يبقَ لي سوى الانتظار. "

" ................... "

" لكني أخافُ أنْ يستدلوا عليّ، لذلك أنا بحاجةٍ إلى مخبأ أمين. "

" ولكن كيف تسافرُ وأنتَ لم تكمل الخدمة العسكرية بعد؟ "

سألتُ فردّ علي هامساً:

" حصلتُ على جواز سفر مزور. "

تطلعتُ إليه بإعجابٍ فتضببتْ صورته أمامي ولم أعدْ أعرفُ إنْ كان يشبهني حقاً أم لا، ولكني لم أشعرْ نحوه بمودةٍ وحبّ في أيّ وقتٍ مضى كما كنتُ أشعرُ تلك اللحظة. كنتُ على استعداد أنْ أفديه بنفسي. نعم، أنا الذي لم أفدِ نفسي بنفسي. كنتُ أرى فيه بقيةَ روحٍ تشيرُ إلى أنّ الحياءَ لايزال على قيد الحياة وأنّ أغصانَ الشرف التي جففها الخريفُ لم تمتْ بعد وأنها بانتظارِ ربيعٍ قادم. هززتُ رأسي مبتسماً فتطلعَ إليّ بلهفة:

" عندي مخبأ لا يصلُ إليه الجنّي الأزرق. "

قلتُ فلاحتْ ابتسامة على وجهه واغرورقتْ عيناه بالدموع. رحتُ أؤكد له:

" مخبأ لا يمرّ عليه سوى الفرات. "

تطلع إلي مستفسراً فرحتُ أصفُ له المكانَ فلم يصدّقْ كلامي حتى رويتُ له حكايةَ اعتقالي في مديرية أمن الكوت وتوقيعي على قرار 200 ونقلي من مديرية طرق الكوت إلى مشروعِ جسرِ الكوفة الثاني. شدّ على يدي بقوة محاولاً أنْ يخففَ عني وطأةَ الشعورِ بالخيبة أو الخجل، مردداً:

" فاشست، سفلة، كلاب ... "

ثم راحَ يتوسلُ بي أنْ نسافرَ إلى الكوفة الآنَ فهززتُ رأسي موافقاً. ذهبَ إلى الفندقِ وعاد سريعاً يحملُ حقيبةً صغيرة وكتاباً. توجهنا إلى كراجِ العلاوي بعد أنْ اشتريتُ كلّ الحاجات الضرورية للعزلةِ والنسيانِ وللضيفِ الذي سيقاسمني منفاي خمسة أيام ليذهبَ بعدها في رحلتهِ نحو المنفى الأبعد، هذا إذا كان محظوظاً واستطاعَ الإفلاتَ من قبضةِ كلابِ المطار، أما إذا وقعَ في أيديهم فستكونُ رحلته إلى أبدية العدم.

في الطريق من بغداد إلى الكوفة كنتُ أشعر بجسدهِ يرتعشُ على الرغم من أنّ السيارةَ كانتْ تغلي كحمّامٍ عمومي. أدركتُ أنه خائفٌ من الإقدامِ على مجازفةٍ كبيرةٍ غير محسوبة النتائج فحاولتُ أن أثنيه مقترحاً عليه تسليم نفسه مهوّناً الأمر على الرغم من عدمِ قناعتي بما أقول إلا أنه رفض اقتراحي بإصرار.

" أموتُ ألف مرة ولا أتنازل لهؤلاء الأوغاد. "

تطلعتُ إليه فأدركَ أنه قد أساء إليّ فالتفتَ نحوي معتذراً، مبرراً الأمر بأنه قناعةٌ شخصية وليس موقفاً ثورياً أو اجتراح بطولة، ثم سادَ صمت بيننا وكلّ منّا يغورُ في داخلهِ بحثاً عن معنى لهذا الضياع. قطعَ صمته بقهقهةٍ مفتعلة حاولَ فيها أنْ يعرضَ أمامي توازنه، وحينما تطلعتُ إليه راحَ يردد بسخريةٍ مُرة:

" الكوفة!؟ "

فأدركتُ بأنه كان في رحلةٍ مع التأريخ فأجبتُه بالسخريةِ المُرة نفسها:

" نعم كوفة الحسين ومسلم بن عقيل والمختار والمتنبي و.. "

فاعترضَ بحزن:

" أم كوفة ابن زياد والحجاج؟ "

فأضفتُ هامساً:

" وكوفة آل بزون وألبو عيسى وناظم كزار. "

تطلعَ إليّ باستغرابٍ حينما ذكرتُ اسم ناظم كزار، فرحتُ أسرد له حكاياتِ هزاع البراك. حدّق إليّ بصمتٍ وكأنه تذكر أمراً لم يخطر في ذهنهِ عندما طاوعني بالمجيء إلى الكوفة فسألني عن مدى ثقتي بهذا العجوز. طمأنتُه مبتسماً غير أنه عادَ إلى التأريخ وكأنّ الأمر قد استبدّ به بحيث لم يستطع الخروج منه فسألني جاداً:

" ومن يدريك بأن (هزاعكَ) هذا لن يكون كـ (طوعه) فيشي بنا ولده وعندها ستسحلُ جثتانا في أسواق الكوفة كجثتي مسلم وهاني بن عروة؟ "

" اتركِ الأمر لي وكنْ مطمئناً! "

أجبتُه بثقة وأنا أربتُ على كتفهِ مهوّناً الأمر فعادَ إلى صمته.

تطلعَ هزاع إلى وجهينا على ضوء الفانوس ثم التفتَ إليّ وسألني:

" أخوك؟ مو؟ "

هززتُ رأسي إيجاباً مؤكداً على أنه جاء ليطمئنَ عليّ ولزيارةِ الأماكن المقدسة في الكوفة والنجف وكربلاء فباركَ له فعله ثم راح يؤكد الشبهَ الكبير بيننا حتى حسبنا توأمين. غادرَ هزاع الخيمة مسرعاً ثم عادَ بعد دقائق بصحبة صبيّ يحملُ صينية عشاء إكراماً للضيفِ الجديد، وحينما ذهبَ مودعاً تنفسَ صاحبي بعمقٍ بعد أنْ تأكدَ بأنه في مخبأ آمن، فلا وشاية ولا عسس ابن زياد. خلعَ قميصه واستلقى على فراشِ هزاع وهو يردد:

" يا ريل طلعوا دغش والعشق جذابي.. "

نهضَ فجأةً وراح يبحثُ في جيوبهِ كي يتأكدَ من وجودِ جواز سفره والبطاقة. قدّمَ إليّ الجواز بتباهٍ وحركات استعراضية فرحتُ أتفحصه على ضوء الفانوس. الأوراقُ نظيفة لم يفضضها ختمُ مطارٍ أو فيزا والصورة مثبتة بإتقان. توقفتُ عند الاسم وقرأتُه بصوتٍ عال:

" عاشور وحيد صابر "

فانفجرَ صاحبي ضاحكاً وأنا أتطلعُ إليه باستغراب. توقفَ عن الضحكِ ثم قال:

" انسَ اسمي الحقيقي! فمن الآن أنا عاشور وحيد صابر. "

حسبتُ أنّ الاسمَ ملفّق ولكي أتأكدَ سألته:

" ولكنْ من هو هذا العاشور الوحيد الصابر؟ "

فأجابَ:

" أنه أخ لأحد رفاقنا الذي تبرع لي بالجواز. "

ثم أضافَ بحزن:

" غرقَ في نهر دجلة قبل شهرين ولم تظهر جثته."

أيامٌ تمرّ ببطءٍ شديد كنّا نقضيها بالقلقِ والحيرة. كان عاشور يذهبُ صباحاً إلى مدينةِ الكوفة أو النجف وأظلّ أنا محدّقاً إلى النهر بانتظارِ المنفي الجديد الذي قد تلقي به موجةُ السخط أو حظّه العاثر ليشاركني الوطنَ الذي تحول إلى خيمة، وقد كنتُ أتمنى لو يؤخر مجيئه حتى يسافرَ صاحبي، وليالٍ موحشة نقضي نصفها مصغين إلى أحاديثِ هزاع الذي وجدَ فيه عاشور لُقطةً ثمينة، فكان يستفسرُ منه بفضولٍ عن أدقّ تفاصيلِ الحكاية كأنه يحاولُ حفظها على ظهرِ قلب، أما النصف الثاني فنقضيه جالسين على جرفِ النهر نعبّ سمّاً ساخناً ساخطين على مَنْ ورّطنا بهذه الورطةِ الغبية متذكرين رفاقاً لنا لم نعرفْ مصيرهم، وحينما كنتُ أسمّي الأشياء بأسمائها، أرى الامتعاضَ واضحاً على وجهِ صاحبي محاولاً إيجاد مبررٍ لسياسةِ الحزب، لكنْ لم يصلْ خلافنا إلى حدّ التشنج فقد كانَ كلّ منّا يحتفظ بمساحةٍ مشتركة مع الآخر وحينما كان يشعرُ بأنّ النقاشَ قد وصلَ إلى حدّ الخلاف، يرتفعُ صوته بغناءٍ حزين كأنه يودّع آخر شيء يربطه بجغرافيةِ العراق:

" أريد يطولْ مسرانا على شطّ الفرات دهورْ

 وأريد الموجه تحرسنه، تحرسنه تظل ناطورْ

 وأجمع كلْ حلمْ عندي وأبني لكْ حبيبي قصورْ "

فأكملُ أنا الأغنيةَ بسخرية:

" قصورْ .. قصورْ وردية "

ثم نضحك.. نضحك، مختتمين ضحكنا بغصّةٍ وزفرةٍ متسترين بالظلام كيلا تفتضحَ دموعنا وكلٌّ منّا يتابعُ مسيلَ دمعاتِ صاحبه. مرةً واحدة انفجر ببكاء مرّ يشبه الصراخَ ضارباً وجهه براحتيْ كفيه بانفعالٍ شديد حينما كنّا في بدء سُكرتنا. تركته يفرغ حزنه بصراخٍ طفولي وألمِ شيخ رأى من عذاب السنين ما لا تحمله الجبال وها هو يتشبثُ بآخر ساعاتِ عمرهِ كأنه يأسف على عمرٍ لا يستحق أنْ يتذكرَ أحد أيامه. طلبَ مني أن أقرأ له آخر ما كتبتُ فقرأتُ قصيدة كتبتُها في الليلة الأولى التي قضيتها في الخيمة، وكانت بعنوان (الرفيق). أصغى إلي بقلق وهو يقضمُ أظافره:

" أتذكرهُ ...

أتذكرُ لغوَهُ

هل يتذكرُ صمتي؟

أتذكرهُ الآنْ

كان يطاردني في الشارعِ، في الحانةِ، في المقهى ...

يتسللُ في العتمه

أتذكرُ عينيه الزائغتينِ، وصمتَ جريدتهِ

أتذكرهُ الآنْ

ماذا كانْ؟

شرطياً؟

سمساراً؟

سلطانْ؟

أتذكرهُ الآنْ

أتذكرُ

كيفَ انسلَّ رهيفاً من رحمِ الزحمةِ

ـ أين نرى حمدانْ؟

فأجبتُ بهمسٍ

ـ حمدانُ على الشجره

وضحكنا..

كنّا ننتظر الباصَ الذاهبَ للثورةِ

في آبْ

حدثني عن بردِ القطبِ ونومِ الأفعى

ناولني معطفه المطريَّ وغابْ

أين هو الآنْ؟

هل ينتظرُ الباصَ الخارجَ للثورةِ؟

أو ينتظرُ الباصَ الداخلَ للنسيانْ؟  

لم نستطعْ إخفاء قنينةِ العرق حينما اقتحمَ مغيظ الأعور الخيمةَ بغفلةٍ منّا فارتبكَ عاشور متحفزاً لما سيبدرُ منه وتوقفَ قلبي متوجساً من أنّ أمراً سيحدث بالتأكيد، فمغيظ هذا شقي من شقاوات المنطقة، يتطايرُ الشرّ من عينيه ويسبقه في كلّ خطوةٍ يخطوها، وهو منبوذ من جميع البراكيين، عاطلٌ عن العمل ويعيشُ على الأتاوات التي يدفعها إليه أولاد عمومتهِ دفعاً لشرهِ وللفضيحةِ التي قد يسببها سلوكه أمام أفخاذ العشيرة الأخرى. جلسَ دون استئذانٍ وهو ينقلُ نظره بعينين حمراوين بيني وبين عاشور.

" الله بالخير. "

قلتُ متملقاً فردّ عليّ بفظاظةٍ ليستْ غريبة عليه:

" منين يجي الخير؟ من يا أخ قحبه يجي الخير؟ "

تطلعتُ إليه مبتسماً ثم ناولته القنينة وأنا أردد بطريقةٍ حسبتُه يرتاح إليها:

" اشربْ مغيظ اشربْ، كس أمّ الدنيا. "

" شكراً استاد، شكراً. "

قالها بتهذيبٍ وأخذَ القنينة. عبّ كميةً كبيرة من العرقِ دون أنْ يمزجه بالماء، ثم مسحَ فمه بكمّ دشداشته التي لم يمر عليها الماء منذ دهر. أعادَ إليّ القنينة وهو يردد:

" شكراً استاد. "

قدّمَ إليهِ عاشور سيجارةً فتناولها هازاً رأسه بأدبٍ ثم تطلعَ إليّ بعمق كأنه يريد أنْ يفترسني فتراجعتُ إلى الخلف. مسكَ ذراعي بقبضةٍ من حديد، وبعد لحظات من الصمت تتخلله زفراتٌ عفنةُ الرائحة، قال:

" شوف استاد أنت غريب هنا بين ذوله الجلاب واحنه صار بيناتنا دخان وعرق.. "

فهززتُ رأسي مُصغياً إلى ما سيقول، فأضاف:

" أي واحد يحاول يضايقك قلْ لي عليه وأنت ما عليك سوى عينك تشوف. "

شكرتُ له شهامته ثم قدّمتُ له القنينة ثانية فعبّ منها وأعادها وقد ظهرتْ عليه علاماتُ السُكر. سقطَ حاجزُ الحيطة بيننا فسادَ جو من المرح بينه وبين عاشور فراح يسأله عن المنطقة وناسها محاولاً اقتناصِ كلّ جملةٍ غريبة يقولها مغيظ حتى سأله سؤالاً بدا لي غريباً:

" قلْ لي أخي مغيظ، شفت اليوم في المنطقة أطفال بشعر أشقر، يلعبون في البساتين.. "

وقبل أنْ يكملَ عاشور كلامه ارتفعَ صوتُ مغيظ بضحكةٍ مجلجلة مختنقاً بسعالٍ يخرجُ من صدرٍ منخور حتى استلقى على ظهره باحثاً الأرض برجليه وهو يضرب جبهته براحةِ كفّه فتطلعتُ إلى عاشور بنظرةِ لوم مؤنباً إياه على فضوله وعلى الثقةِ المفرطة التي خصّ بها شخصاً مخبولاً. توقفَ مغيظ عن الضحك ثم تناولَ القنينة مرتشفاً منها بنهم. تطلعَ إليّ ثم قال بصوتٍ صاخب:

" استاد مو قلت لك ذوله جلاب. "

لم أفهم ما يقصده فتطلعَ إلى عاشور وهو يردد:

" استاد ذوله أطفال بلجيكيين. "

وحينما طلبَ منه عاشور توضيحاً راح مغيظ يتحدثُ بحركاتٍ سوقية موضحاً الأمر:

" قبل عشر سنوات جاءت هنا شركة بلجيكية، عملت في معمل الإسمنت وبعد ما راحوا تركوا لنا أطفال بلجيكيين. "

انفجر عاشور بالضحك وجاريتهما بضحكٍ حذر فتشجعَ مغيظ على فتح بالوعته العفنة:

" صدقوني .. أنا ما أجذب .. الخبراء البلجيكيين ناجوا نص نسوان البراكية. "

حينما غادرَ مغيظ سألتُ عاشور بغضبٍ عمّا دفعه لطرح مثل هذا السؤال الأحمق على رجلٍ أرعنَ كمغيظ فراح عاشور يؤكد صحةَ ملاحظتهِ عن الأطفال شقر الشعور:

" ردت أتأكد من صحة توقعاتي. "

قال مفاخراً فتطلعتُ إليه بسخريةٍ لم تردعه بل راح يتحدثُ بإصرارٍ ساذجٍ عن كيد المرأة والخيانة التي جُبلتْ عليها مستعيراً بعض مفردات مغيظ السوقية متباهياً أمامي بتفوقهِ بسعةِ تجاربه مع النساء من خلال علاقاته مع فتيات الجامعة، فبدا أمامي شخصاً آخر وحسبتُ الأمرَ ردة فعل على فشلٍ في علاقة عاطفية وربما بسببِ فشل في إقامة علاقة مع إحدى زميلاته خاصة بعد أن راح يحدثني عن الطموحات البرجوازية لفتاةِ الجامعة:

" حتى رفيقاتنا في الحزب كنّ يفضلن الطالب الغني والذي يملك سيارة وعنده الإمكانيات المادية لاصطحابهن إلى المقاهي والمحلات الراقية. "

ارتفع صوته وتهدلتْ وجنتاه من شدة السكر فراح يردد:

" أما نحن فليس لنا سوى الحسرة وضرب الـ .... "

قاطعته قبل أنْ يكملَ جملته ورفعتُه من ذراعهِ نحو سريرِ هزاع فاستلقى بهمودٍ وارتفع شخيره.

في الطريق إلى المطارِ كان جسده يختضّ وشفتاه يابستين وقد كنتُ أحسبُ في كلّ لحظةٍ بأنه سيمزقُ جوازَ السفر والبطاقة ويعلنُ تخليهِ عن فكرةِ السفر والمجازفة:

" ماذا يعني؟ سأقضي يومين أو ثلاثة بضيافةِ خضير بطنج أو حتى عبيد أو جباره، وسأوقع على قرار 200 وأخرج. "

" هل توقفَ طريقُ الاشتراكية على صمودي؟ "

" حالي حال المئات من الرفاق الذين وقعوا وعادوا إلى عوائلهم ووظائفهم، لا خوف ولا عنتريات ثورية وحشر مع الناس عيد. "

"  وحتى لو بقينا ثوريين يمكن العمل بسرية طالما إن الإعدام هو المصير في كلا الحالين. "

" لماذا إذاً الرحيل والمنفى ومبارزة طواحين الهواء؟ "

" أي حزب هذا، قيادته تهرب وتترك القاعدة وحدها في دوامة!؟ "

" يمعوّد يا اشتراكية يا بطيخ، روح شوف الإتحاد السوفيتي الناس فيه يتسولون وأجمل فتاة تقدم لك جسدها مقابل كأس فودكا أو علك أبو السهم. "

" بعدين أين هو الإتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية اللي ثبرونا بيها؟ "

" سيأتي بريجينيف نفسه يتملق السيد النائب وطز بالأممية والطبقة العاملة. "

" ديميتروف، هه، ديمتروف والجبهة الوطنية. "

" تفووووووو "

تمتدّ يده على جواز السفر. يتطلعُ في صورتهِ بشاربيهِ الكثين ونظرته الجادة. يقرأ الاسمَ بصوتٍ عالٍ وترتفعُ ضحكته وهو يردد:

" بلا عاشور وحيد صابر، بلا بطيخ. "

ثم يمزقُ الجوازَ أو يشعلُ عودَ ثقاب، يقرّبه ببطءٍ من الأوراقِ الخضراء ويستمتعُ بمنظرِ اللهبِ المتصاعدِ من الأوراقِ، من رأسِ النسرِ الشامخِ برعونةٍ، وربما يشعلُ سيجارةً وينفخُ دخانها مغمضاً عينيه بهدوءٍ ونشوة، ربما سيندمُ بعد ذلك ولكن مَنْ قال إنه لن يندمَ بعد أن تطأ قدماه أرضَ الغربة.

غير أنه لم يفعلْ ذلك بل كان يحاولُ أنْ يتماسكَ ويبدو أمامي بمظهرِ القوي، المناضل، السائر إلى جلجلته واثقاً من خلوده أو بعثه، مردداً:

" أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ      بأنّ جراحَ الضحايا دمُ "

مسكتُ كفه كي أوقفَ ارتعاشها فشعرتُ براحتها وهي تقطرُ عرقاً. أدركَ ذلك فاعترفَ لي بقلقهِ وخوفه:

" تعرف! طالبُ المدرسة يشعرُ بالراحة بعد اجتياز الامتحان حتى لو كانت نتيجته السقوط، على العكس من شعوره قبل الدخول إلى قاعة الامتحان. "

تطلعتُ إليه ببرود فأدركَ مغزى نظرتي، فقد كان حذراً من تلفظ كلمة (السقوط) أمامي، وهو يدركُ مدى حساسية أغلب الرفاق الذين تمّ اعتقالهم ووقعوا على قرار 200 من هذه الكلمة لذا فأنه راحَ يبررُ قصده بهمهماتٍ مبهمة وهو يردد كلمة " أعني " دون أنْ يكملَ الجملة. نظرتُ إليه بابتسامةٍ وأنا أربتُ على كتفه، ثم قلتُ له:

" نعم، أتفق معك. إن قلق الامتحان أصعب بكثير من نتيجة الفشل. "

ولكي أبعدَ الموضوعَ عن السياسة والحالة التي هو فيها قلتُ:

" أنا أتخيل أنّ أهل جهنم أكثر سعادة من الأحياء حيث على الأقل أنهم لا يفكرون بالموت والحساب ونار جهنم. "

ارتفعَ صوته بضحكةٍ مخنوقة معرباً عن إعجابهِ بهذه الصورة الشعرية.

وصلنا المطار الساعة الثانية عشرة ليلاً وكان علينا أنْ ننتظرَ أكثر من ثماني ساعات حتى يُفتح الممرُ للدخول حيث أنّ طائرةَ الخطوط الجوية العراقية ستقلع من مطار بغداد في الساعة العاشرة صباحاً.

لا أدري كيف مضى الوقتُ وكم مرةٍ امتدتْ يده تتفحص الجواز والبطاقة لتتأكدَ من وجودهما أو لفكرةٍ خطرتْ في ذهنهِ وأعدلَ عنها، وكم مرةٍ تطلعتُ إليه وأنا أنتظرُ منه اتخاذ قرار العودة الذي يتوقفُ على طرفِ لسانه، وكم مرةٍ ذهبَ إلى دوراتِ المياه لألمٍ في معدتهِ أو ليغسلَ وجهه كي يبقى يقظاً.

أشارتِ الساعةُ إلى الثامنة تماماً، عندها فُتح الممر وجلسَ شاب خلف مكتبِ تدقيق الجوازات وشحن الحقائب، شابٌ مهندمٌ بقميصٍ أبيضَ بكمين قصيرين وربطةِ عنقٍ خضراء، وقفتْ إلى جانبهِ شابة رقيقة نثرتْ شعرها الأسودَ الفاحمَ على كتفيها. شعرتُ بشيء من الاطمئنان، فوجهُ الشاب يوحي بالبراءةِ ولا ينمّ عن الخبث الذي تمتاز به وجوهُ رجالِ الأمن أو المخابرات. أشارَ بيديه إلى المسافرين فتدفقوا نحوه مصطفين بطابورٍ ليس طويلاً. كان من بين المسافرين نساء أجنبيات، فالطائرةُ ستتوجه أولاً إلى أثينا ثم إلى طرابلس الليبية قبل أنْ تنتهي الرحلة في مطار الجزائر. تباطأ صاحبي متردداً فدفعتُه نحو الطابور ووقفتُ خارجه أتطلعُ إليهِ وأوصيه بأنْ ينتبهَ لحالهِ وأنْ لا يتكاسلَ في البحثِ عن العملِ ولا يضعفَ ويشعرَ بالهزيمةِ وأنْ يكتبَ لي باستمرار وأن لا يتحرجَ في طلبِ أيّ مساعدةٍ ثم أشرتُ مازحاً إلى فتاتين كانتا تقفان في الطابور وتتحدثان باليونانية، إحداهما ترتدي تنورةً قصيرة وقميصاً مفتوح الأزرار فظهر جزء كبير من نهديها، لذا فقد كانتْ وصيتي الأخيرة له أنْ " تبّيض وجهنا أمامهن ". لاحتْ على وجههِ ابتسامة حزينة حاولَ أنْ يفتعلها مجاراةً لثرثرتي وبطري . كانتْ وصاياي كلها تشيرُ إلى ما بعد وصوله إلى الجزائر، قافزاً على الدقائقِ الرهيبة القادمة، محاولاً الإيحاء إليه بالفألِ الجيد وإنْ كنتُ أعلمُ بأنه لم يسمع أياً من وصاياي لانحصارِ تفكيرهِ بالدقائق القادمة وكلّ ما بعدها سيهون. قدّمَ جوازَ سفرهِ والبطاقة إلى الموظف وراح يتطلعُ إلى زاويةٍ بعيدةٍ في القاعة متحاشياً النظرَ إلى الموظف الذي انشغلَ بتقليبِ الجوازِ والبطاقة. أشارَ إلى صاحبي أنْ يضعَ حقيبته على الشريطِ المتحركِ ثم أطبق الجواز وفي داخله البطاقة وسلّمها إلى عاشور. علتْ ابتسامة باردة على وجهِ صاحبي وهو يجتازُ الممرَ المحاذي لمكتبِ الموظف ويتجه إلى دهاليز التفتيش الأخرى وقبل أنْ يختفي عن نظري، التفتَ نحوي ثم رفعَ يده مودعاً. أغمضتُ عينيّ وأنا أرفعُ يدي مودعاً كأني أحيطه بحجابٍ يفصله عن أعينِ أولاد الحرام، ثم رحتُ أردد مع نفسي بقلبٍ يفطره الإيمان:

" بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم"

مسحتُ وجهي براحتيْ كفيّ فتبللتْ راحتاي بمطرٍ غزير.

صعدتُ السلالمَ إلى الطابق الثاني حيث كافتريا المطار التي تطلّ بنافذة زجاجية كبيرة على صالةِ الترانزيت. أخذتُ شاياً وجلستُ قريباً من النافذة، أتطلعُ إلى الأسفل بقلقٍ وأدخنُ ويداي ترتعشان. رددتُ مع نفسي وكأني أكتبُ أولى رسائلي إليه:

" إيهٍ يا عاشور وحيد صابر سأنسى اسمكَ الحقيقي فأنتَ الآن تتقمصُ الاسمَ الذي يناسبنا تماماً، يا صاحبي، يا شبيهي، يا توأمي، يا أنا. لو كان بإمكاني أن أحملَ دجلة والفرات لحملتهما وسكبتُ ماءهما خلفكَ كما كانتْ أمي تفعلُ حينما تُدلقُ طاسةَ الماء خلفي متمتمةً بدعاء يفطّر قلبَ الله ليعيدَ ولدها سالماً. "

مرتْ ساعة على دخولهِ جوف المطار ولم يخرجْ بعد إلى قاعة الترانزيت فشعرتُ بخوفٍ وألمٍ في معدتي. هرعتُ إلى دورة المياه، رشقتُ وجهي بحفنةِ ماءٍ بارد محاولاً طردَ الصورة التي علقتْ في جفني، صورة عاشور مكبّلاً يمسكُ بذراعيه شرطيان يقودانه إلى بوابةِ المطار الخارجية سيتلفتُ نحوي كي ينقلَ إليّ رسالة، سأديرُ وجهي عنه متنكراً ومنكراً معرفتي به. يحاولُ أنْ يصرخَ أو يشتمَ أو يرددَ أبيات شعرٍ كان يرددها المناضلون المحكومون بالإعدام وهم يسيرون نحو المشنقة، غير أنّ كفّاً تسقطُ على هامتهِ تحشره في المقعد الخلفي من السيارة التي تنطلق به إلى جهةٍ مجهولة. عدتُ إلى مقعدي في الكافتريا وكانتِ الساعةُ قد شارفتْ على التاسعة والنصف. وقفتُ لصقَ زجاجِ النافذة وقد أطبقتُ كفيّ حول وجهي كي تتوضح الرؤية. دارتْ نظراتي حولَ جميعِ المسافرين وهم يتحركون ببطءٍ بين السوق الحرة والمصاطب. ازدادتْ دقات قلبي شدةً حينما لم تتوقفْ نظرتي حتى على وهمٍ يجسّد لي صاحبي. عدتُ إلى مقعدي وأشعلتُ سيجارةً أخرى ثم نهضتُ نازلاً السلالم. وقفتُ أمام سبورةِ الرحلات الضوئية التي تتغيرُ بسرعةٍ لتحتلَ الرحلةُ إلى أثينا المرتبةَ الأولى في القائمة. تلفتُّ مسترقاً النظر إلى وجوهِ ذئابِ المطار ظناً مني أنْ التقطَ إشارةً تشيرُ إلى فرحٍ مرسوم عليها وقطراتِ دمِ صاحبي على أنيابها، حركة غريبة أو همسة بين شخصين تشيرُ إلى إلقاءِ القبض على مخرّبٍ أو مشبوهٍ كان ينوي تفجيرَ المطار أو يختطف طائرة. عدتُ ثانيةً إلى النافذة ورحتُ أمسحُ أجسادَ المسافرين وزوايا صالةِ الترانزيت بنظراتي حتى استقرتْ على هلالِ العيد الذي يرتسمُ على أفقِ سمائها. كان عاشور جالساً على كرسي مرتفع، مُسنداً كوعيهِ على خشبِ البار وأمامه كأسُ البيرة وعيناه تتفحصان زوايا الصالة. قفزتُ فرحاً ملوحاً إليه فلم يرني فرحتُ أرقبُ كلّ حركةٍ يقوم بها. يرفعُ الكأسَ بحركةٍ بطيئة، يقرّبها من شفتيه مرتشفاً قليلاً منها ثم يعيدها إلى سطحِ البار مدوّراً إصبعه على حافة الكأس وعيناه تغوران في رغوتها كنرسيس هائمٍ بجمالِ وجهه. انفتحتْ بوابةٌ صغيرة في يسارِ الصالة ووقفتْ عندها فتاة في زيّها الأخضر. تقاطرَ نحوها المسافرون. نهضَ عاشور بعد أن عبّ بقايا كأسهِ وسارَ بتؤدةٍ وثبات حتى وقفَ في آخر الطابور. توقفتِ المضيفة وهي تقلّب جوازَ سفره وتتطلعُ إليه فحسبتُ الثوانيَ دهراً.

" علي.. يا علي.. يا علي.. قولي علي.. قولي علي.. علي.. علي.. خرجَ رأسُه.. علي.. اضغطي.. علي.. شدّي.. قولي علي.. يا علي.. يا داحي باب خيبر.. علي.. قولي علي.. علي.. علي.. خرجتْ كتفه.. علي.. داحي باب خيبر.. قولي علي.. علي.. اضغطي.. بعد.. بعد.. علي.. علـ... ي ي ي ي ي ي ي ي ي.. خرجَ جسده.."

سلّمته القابلةُ جوازَ سفره وهي تبتسمُ فاندفعَ صاحبي خارجَ الرحم.        

" ولدْ.. ولدْ.. ولدْ.. زغاريدُ طويلة وبكاءُ وليدٍ يملأ الفضاء.. خرجَ الطفلُ من رحمِ الأرض.. خرجَ الطفلُ عاشور أو حميد أو جبر أو.. مدفوعاً بقوةٍ مجهولة.. خرجَ من رحمِ الأرضِ إلى منفى اللاوجود.. حبا الطفلُ على يديهِ ورجليه.. تعَ تعَ تعَ تعَ تعَ.. نهضَ الطفلُ متكئاً على الفراغ.. سقطَ.. اسم الله.. سور سليمان ابن داوود.. خطا الطفلُ خطواته الأولى خارجَ الأرض.. تاتي توّاتي.. تاتي توّاتي.. سارَ الطفلُ إلى جهةٍ مجهولة.. العيونُ ترقبه بحذر.. تقيسُ خطوته.. تروزه.. تتفرسُ في وجههِ.. سيكونُ طبيباً .. لا.. مهندساً.. ردتكْ ما ردتْ دنيا ولا مالْ.. الحسّاد كثر.. الأعداءُ كثر.. عدوّكْ عليلْ وساكن الجول..  احذرْ من أصدقاءِ السوء.. احذرْ من أولادِ الحرام.. قلْ أعوذُ بربّ الناس.. احذرْ من الغجر سيسرقونكَ ويعلمونكَ الرحيل إلى مدنهم البعيدة.. لكنّ الصبي سيرحلُ إلى المدنِ البعيدة.. نعم سيرحلُ الصبي.. بلا غجرٍ ولا بوصلة.. رحلَ.. ارتقى سلالمَ الطائرة.. وقفَ في أعلى السلّم.. رفعَ ذراعيه كأنه يجرّب الطيران بقوادمَ مكسورةٍ وحوصلةٍ زغبةٍ.. رفعَ ذراعيه ملوّحاً إلى نقطةٍ في هذا الفضاء.. مودّعاً ماضيه.. الماضي الذي هو بضعُ دقائق لا غير.. ابتلعه جوفُ الطائرة.. أغلقَ البابُ.. تحركتِ الطائرةُ ببطءٍ على المضمارِ المرسومِ بدقّة.. سارتِ الطائرةُ بحركةٍ سريعة.. سريعة.. سريعة جداً.. ارتفعتْ مقدمةُ الطائرة.. ارتفعَ الدولابُ الأمامي قليلاً.. تحررَ من جاذبيةِ الأرض.. ارتفعَ الدولابان الخلفيان.. ارتفعتِ الطائرةُ في الفضاء.

ماتَ الطفلُ.. ماتَ جبرْ.. ماتَ جبرْ.. تاركاً حكمته الأبدية:

" جبرْ من كسْ أمه للقبرْ. "

كان اسمه (جبرْ)، ليس مصادفةً، لا أعني هنا (جبرْ) صاحبَ الحكمةِ الخالدة، بل جبر الزبّال أو جبر الأعور كما كنّا نناديهِ بكلّ فظاظةِ أرواحنا ووساخةِ ألسنتنا. كانتْ مهمته جمعَ الأزبال صباحاً، وهذا ما كان سبباً لانتقامِ الناسِ منه وكان سبب مأساة جبر.

" مَنْ قال إن الناس أوادم؟ "

" إنهم أقذر من الخنازير. "

" وأحطّ من الضباع. "

كانَ يخرجُ أحدهم صباحاً إلى عملهِ مردداً لتملقِ الرازق الساتر بآياتٍ من القران، ولكن ما أنْ يصطدمَ بوجهِ جبر الحزين حتى ينسى ما كان يردد فيشتم هذا اليومَ الأسودَ الذي يبدأ صباحه بوجهِ الأعور.

" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. "

" أيّ فألٍ سيء يحمل هذا الصباح؟"

" منين يجي الخير إذا أول ما فتحنا عيونه شفنه الأعور. "

" يا ربي سترك. "

" اجعله خير يا ربي. "

" تفوووووو عليك يا أعور. "

ينزوي جبر الزبال في منعطفِ الشارع. يقرفصُ قبالةَ عربةِ الأزبال وهو يلفّ سيجارته. يتطلعُ إلى وجهِ السماء، إلى وجه الله الأعمى.

" إلهي.. سيدي ومولاي.. لا اعتراضَ على حكمتكَ.. يا خالقَ السماواتِ والأرض وخالقَ جبر الأعور.. لا اعتراضَ على إرادتك.. "

يطأطئ رأسه إلى الأرض راسماً بعودٍ دوائرَ مبهمةً ثم يمحوها. يرفعُ رأسَه إلى السماءِ مرة أخرى بعينين دامعتين:

" إلهي.. يا عظيم يا جبار، عبدك الحقير جبر يسألك فاغفر له نفاد صبره وقلة حيلته، يسألك يا رحيم يا غفار... "

تتغيرُ ملامحُ جبر محركاً يديهِ بغضبٍ كأنه يحاولُ الإمساكَ بعنقِ الفضاء:

" أخ القحبة لو أنا الله ، تقبل أخلقك جبر؟ "

" تفوووووووو "

ثم يمسحُ وجهه من الرذاذِ النازلِ من السماء، وينهض.

الطائرةُ نقطةٌ سوداء في الفضاء.. تصغرُ.. تصغرُ حتى تتلاشى .

يا عاشور.. يا صاحبي.. يا شبيهي.. يا توأمي.. يا أنا. أنتَ الآن حرّ في السماء.. تحتكَ العراقُ تماماً.. لا تدعِ الفرصةَ تفلتُ منك.. حققْ لي ما أعجزُ عن فعله.. حققْ رغبتي وإنْ كانتْ رغبة مجنونة أو ساذجة. بالأمسِ أخرجتُ قضيبي ورسمتُ دائرةً بولية حول المعسكرِ وكأنني أنتقمُ لنفسي ولضعفي أمام مسخٍ تافه، ولكني أدركتُ بعدها أنّ العراقَ كلّه معسكر وأينما تولّ وجهكَ ثمة ألف عبد القادر كلهم قادرون على إذلالكَ أو إلغاء وجودكَ من على سطحِ الأرض.

يا عاشور.. يا صاحبي.. يا شبيهي.. يا توأمي.. يا أنا.. أنتَ الآن فوق العراق تماماً.. أخرجْ قضيبكَ من نافذةِ الطائرة وارسمْ دائرةً بوليةً تحيطُ العراقَ كلّه.. بُلْ.. على هذا الوطنِ الزريبة، الوطنِ السجن، الوطنِ الماخور.

" ماخور.. "

" عفواً، ماذا قلت؟ "

سألني سائقُ التاكسي وأنا عائد من المطار، فأشرتُ إليهِ أنْ يتوقف. فتحتُ بابَ السيارة الأمامي وتقيأتُ حتى أفرغتُ كلّ ما في معدتي من سائلٍ أصفرَ تلوح عليه بوضوح خيوط حمراء.

بغدادُ ضيقة كأنّ الناسَ فيها محشورون في قفصٍ أو كأنهم سمك السردين. الشوارعُ قِدرٌ ساخن يرتفعُ منه بخارٌ وتصطدمُ ذراته ببعضها. الرصيفُ مضمارٌ موحلٌ والسائرون يمضون بحذرٍ إلى غاياتٍ مجهولة. هل كان بسبب ما يجري في البلد؟ أم أنهم سادرون بنسيانهم ولا يعرفون اتجاه الطريق. مشيتُ في كلّ الاتجاهات بحثاً عن الطريق، أيّ طريقٍِ كان، كأنني أبحثُ عن المعنى في هذه اللوحةِ الغريبة الملطخةِ بألوانِ الانفعال والعبث رسمتْها يدٌ مرتعشة من خوفٍ أو مرض. توقفتُ على الرصيفِ متلفتاً إلى كلّ الجهات. لم أكنْ خائفاً بل لكي أبحثُ عن طريقٍ يوصلني إلى معنىً لضياعي. لم يعدْ يهمني ما يجري في البلدِ وكأنّ قرار 200 الذي وقعتُ عليه لم يكنْ تعهداً بعدمِ الانتماء إلى أية جهةٍ سياسية وإنما صار تعهداً أمام نفسي بأنْ لا أنتمي إلى شيء. لم أكنْ قبل ذلك حريصاً على انتمائي بل لم أفهمْ سببَ انتمائي، ولكنّي أشعرُ الآن وكأني فقدتُ شيئاً عزيزاً عليّ. كان انتمائي نزوةً.. نزوة حملتْها اللقالقُ للقبابِ الزرق، ولكن حينما جاعتْ تخلّتْ عن سمّوها الشاهق لتسفّ.. تسفّ من أجلِ ضفدعةٍ في ماءٍ آسن.. فطغى صوتُ النقيقِ على الموسيقى الكونية التي كانتْ تطمحُ الروحُ لسماعها في لحظةِ تأملٍ تفلتُ من عمرِ الزمنِ الوحشي.

لقد كان لانفلاتِ صاحبي من قبضةِ الجبابرة أكثر من معنى، هل كان الأمرُ بهذه السهولةِ غير المتوقعة؟ هل أنا جبان؟ وأسئلة كانتْ تترى في ذهني بسرعةٍ خاطفة، أسئلة تفجرّها المقارنةُ بيني وبين عاشور فهل دبّ الحسدُ في نفسي؟ هل عادتْ تراكماتُ الطفولةِ تحاصرني من جديد؟ من منّا تفوق الآن على صاحبهِ؟.

المنفى! مفردةٌ جديدة دخلتْ عالمي بسرعةٍ غير معقولة، منفى الخارج المتمثل في جواز سفر مزور ومجازفةٍ وغربةٍ ورحيل إلى مدى مجهول ومنفى الداخل المتمثل في خيمةٍ وحيدة، وكلّ الطرق تؤدي إلى المنفى حينما لم تعد للوطن قيمة أو معنى.

ارتفعَ صوتُ آذانِ الظهرِ من سمّاعةٍ معلّقة في عذقِ نخلةٍ وسطَ الجامع فتسمرتُ في مكاني مُصغياً إلى نداءِ مستضعفين يُبشرهم خالقُهم بأن اللهَ أكبر. رددتُ مع نفسي وأنا أنظرُ باتجاه الصوتِ لعلّي أستطيعُ لمسَه بيدي موقناً، موقناً بأنّ اللهَ أكبرُ وأقدرُ من النقيبِ عبد القادر، أكبرُ من جلادٍ يستطيع إلغائي بنزوةٍ، أكبرُ من قاتلٍ ضئيل، وله ذراع طويلة وقوية تمتد لتشلّ يدَ القاتلِ الجبان قبل أنْ يضغطَ على زنادِ مسدسه. عدتُ إلى نفسي فوجدتُني عاجزاً عن فعلِ أيّ شيء، أنتظرُ قدميّ تتخذان القرارَ وما عليّ سوى الطاعةِ العمياء. ضياع بلا بوصلةٍ أو ببوصلةٍ عاطلة تشيرُ إلى كلّ الاتجاهاتِ في وقت واحد.

بغداد ضيقة والكوتُ ماضٍ مؤلم يحاصرُ الروحَ بذكرياتِ طفولةٍ بائسةٍ وشبابٍ مقموعٍ ولم يبقَ لي من هذا الوطن سوى خيمةٍ على نهر الفرات. أبحثُ في ما أنا فيه عن رمزيةِ وجودي أكثر من بحثي عن وجودي الحقيقي، فرات.. عطش.. حصار.. قتل.. قضية خاسرة، عويل.. عويل يمتد قروناً. خيمة.. بدو.. صحراء.. رحيل.. نفي.. غدر. خيمة تختصرُ كلّ المسارات التي علينا أن لا نتجرأ ونختارَ غيرها، وطن ومنفى وسجن. هناك حيث لا أحد سوى عجوز يلوكُ بفمٍ أدرد ماضيه كنواةِ تمر.

استيقظتُ صباحاً على صوتِ منبّهِ سيارةٍ قربَ الخيمة فخرجتُ بفرحٍ مستقبلاً القادم الجديد، المنفي الجديد الذي سيقاسمني الخيمةَ والصمت. ترجلَ رجلٌ شارفَ على الخمسين من عمره يحملُ حقيبةً صغيرة، رماها على الأرضِ متأففاً وهو يشتمُ يوماً أسود. لم يفاجئه وجودي كإنسان بدائي يعيش على ضفافِ الأنهار ويقتاتُ على عشبِ الأرض، بلحيةٍ كثةٍ ووجهٍ لم أره في مرآة منذ ثلاثة أيام. تطلعَ إليّ كأنه يعرفني:

" حميد.. مو؟ "

قال ومد يده نحوي مصافحاً.

" نعم. "

أجبتُ باستغرابٍ لمعرفتهِ اسمي فأخبرني بأنه الموظفُ الإداري المكلّف بترتيبِ أمورِ المشروع.

" المنفي الجديد؟ "

قلتُ بسخريةٍ فتطلعَ إليّ كأنه يروزني أو يكتشفُ ما أخبئ من إشارة وراء ما قلته. شعرتُ بندمٍ أو خوف فسألته محاولاً إضفاء شيء من المرحِ أو اللاجدية في الكلام:

" سمعتك تشتم اليوم الأسود، أي يوم تقصد؟ "

ثم أضفتُ:

" وهل هناك ألوان أخرى؟ "

تطلعَ إليّ بابتسامةٍ خبيثةٍ تشيرُ إلى أنه أدركَ القصدَ ثم انفجرَ بضحكةٍ هازاً ذراعي بحرارة وهو يردد:

" سبحان الجمعنا بغير ميعاد. "

جلسَ على حافةِ سريرِ الحارسِ واضعاً رأسه بين كفيهِ متطلعاً بحزنٍ إلى أطرافِ الخيمة المهترئة كأنه لم يصدقْ أنّ الرحلةَ قد انتهتْ به إلى هذا المكان النائي، ثم فجأةً نهضَ وهو يقهقه بصوتٍ عال. تطلعَ إليّ فوجدني أنظرُ إليهِ محاولاً فهم ما يُضحكه. وضعَ يده على كتفي وخاطبني كأنه يحسم أمره ويرضى بالأمر الواقع:

" يلا، بالعربان ولا بالتربان. "

ثم أضافَ بحزنٍ:

" وقلْ ما يصيبنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا. "

كان حامد سلطان، وهذا هو اسم الموظفِ الجديد، رجلاً مرحاً على الرغمِ من الحزنِ الريفي الظاهرِ في عينيه. يتحدثُ بلهجةٍ قريبة من الفصحى مطعّمة بأبياتٍ شعرية وآياتٍ قرآنية وأدعية، وعلى الرغم من مرحهِ وسخريته المُرة إلا أنه كان جاداً في عملهِ دون قصدِ تملقٍ بل ربما كان يسعى " لتحليلِ خبزته " كما كان يردد، فبعد ساعةٍ من وصولهِ إلى الخيمة باشرَ عمله الإداري. أخرجَ من حقيبته أوراقاً رسمية ودفترَ شيكات وراح يتحدثُ عن البدء بتهيئة أمور العمل قبل وصول المهندس المشرف على المشروع وطاقمِ العمل من موظفين وفنيين وخبراء أجانب. ذهبنا معاً إلى مدينةِ الكوفة والنجف بحثاً عن سماسرة لتأجيرِ بيوتٍ خاصة للمشروع. ولأن له صلاحية بدفعِ أيّ مبلغ يطلبه المؤجر فقد حصلنا على وعودٍ أكيدة بالحصولِ سريعاً على بيوتٍ للإيجار. قضينا معظمَ النهار في هذه المهمةِ، وبالسرعةِ ذاتها سقطتِ الكلفةُ بيننا وانهارَ جدارُ الاحترازِ فشعرَ كلانا بطمأنينةٍ وإلفةٍ لا تناسب الساعاتِ القليلة التي عرفنا فيها بعضنا. استأجرنا في فندقٍ نظيف غرفةً بسريرين تطلّ على الصحنِ الحيدري. أبدى استغرابه من أني قضيتُ الأيامَ السابقة في الخيمة فأخبرته مازحاً:

" كي أحرسَ الفرات. "

ارتفعتْ ضحكته ولكن سرعان ما دبّ الشك في مزاحي فتطلعَ إليّ وبنظرةٍ جادة سألني:

" ممنْ تحرس الفرات؟ "

قلتُ وقد كنتُ أتوقع سؤاله:

" من جيش ابن زياد. "

تطلعَ إليّ بحزنٍ وقد برقتْ في عينيهِ دمعتان تداركَ نزولهما مغمضاً عينيه، هازاً رأسه بعلامةٍ تشير إلى مشاطرتي الرأي ومعجباً بفطنتي، ثم سادَ صمت بيننا قطعه ارتفاع أذانِ المغرب فهبّ واقفاً وهو ينتظرُ مني استجابةً أو مجاراةً له، وحينما لم يجدْ ما يرجوه ابتسمَ بغموضٍ وقد غادرَ الغرفةَ ففسرتُ ابتسامته على أنها خيبةُ أملٍ وهذا ما عرفته في ما بعد، فقد  كان حامد سلطان وعلى الرغمِ من تدينه إلا أنه كان متسامحاً معي ومع نفسه فقد كان راويَ نكتةٍ بارعاً ويحفظُ قصائدَ طويلةً من شعرِ أبي نؤاس والحاج زاير، ويستمعُ إلى الغناء بمتعةٍ مردداً في بعض الأحيان وبطربٍ يصلُ حدّ البُحران:

" وحياةِ عينكَ وهي عندي مثلما الإيمانُ عندك "

عادَ حامد سلطان في ساعةٍ متأخرة من الليل. فتحَ البابَ بهدوء فافتعلتُ النوم. لم يُضئ المصباح لكن ضوء قبّة الضريح والمنائر الذهبية كان كافياً لإضاءة الغرفة. خطا خطوتين ثم توقفَ وسط الغرفةِ وهو يتشممُ الرائحة الغريبة. أدركتُ أنه عرفَ طبيعةَ الرائحة ومصدرها حينما راحَ يستغفرُ الله بصوتٍ عال، متعوذاً به من الشيطان الرجيم. خلعَ ملابسه ببطء متذمراً بزفراتٍ كان يُصدرها محاولاً إبلاغي احتجاجه على سلوكي الذي ينافي أعرافَ مدينةٍ مقدسة كالنجف والتي يعتبر فيها شرب الخمر جريمة بحق الدين والأعراف، فظننتُ أنّ الفراقَ قد حانَ بيننا ولم نكملْ يوماً واحداً معاً أو على الأقل أن بيننا شيئاً قد انكسرَ ويصعب إصلاحه. استلقى على سريرهِ وهو يتمتمُ بأدعيةٍ تصبّ كلّها في لعنةِ الظالمين، ولعلّه قد أكتشفَ بأني صاحٍ فراحَ يحدثُ نفسه بكلامٍ يبغي منه إسماعي عن طيشِ الشباب وغرورهِ وعن الملحدين الذين ورّطوهم بأفكارهم الملعونةِ وسياساتهم الغبية مردداً مقاطع طويلة من قصيدةٍ تشيرُ بوضوحٍ إلى المعنى الذي كان يريد إيصاله إليّ:

" سوّاهُ من دنسٍ فماتتْ عنده         فِطَرٌ سليماتٌ ولُوّثَ منـزعُ

 فالله وهـمٌ والعقيدةُ كـلّـها        ترفٌ وما تبعتْ وما تستتبعُ

 ما الفردُ إلا معدةٌ وغـريزةٌ         وسـواهما أكـذوبةٌ وتصنعُ

 حتى إذا الطغيانُ طاح بأهله        وكبا به بغيٌّ وأوشكَ يُصرعُ

 ألقى لنا صوراً تعدد نعتُها          ........................... "

(هذا ما استطاعت ذاكرتي أن تحتفظ به)

تحركتُ بعد أنْ أدركتُ أنْ لا نفعَ من وراء التمثيل فارتفعتْ ضحكته كأنه قد ضبطني متلبساً بالتحايل. أسندتُ رأسي على مسند السرير الحديدي وأشعلتُ سيجارة دون أن أنظرَ إليه فراح يقهقه بسخريةٍ تنمّ عن شماتة واضحة، مردداً:

" ما يفيد.. لا العرق ولا الندم ولا عضّ الأصابع. أنتم أغبياء. "

نفختُ دخانَ السيجارة مصحوباً بحسرةٍ لا تخلو من الافتعال، فراحَ يتمتمُ بصوتٍ هامسٍ كأنه يحدثُ نفسه:

" أغبياء.. نسيتم ماذا فعلوا بكم في شباط 63 ..."

توقفَ قليلاً ثم ارتفعَ صوته بنبرة أعلى لا تخلو من حزنٍ صادق:

 " ملاعين الوالدين.. جبناء.. ليش ورّطتوا هالشباب وتالي عفتوهم وهربتوا... هه ، وهذي النتيجة. "

لم أجبه بشيء فاستأنفَ حواره مع نفسه مؤنباً أولئك القادة الذين يعيشون في المريخ مكرراً كلمة (أغبياء) قبل كلّ جملة ينطقها:

" أغبياء.. لو سألتم الناس البسطاء والأميين لأخبروكم بحقيقة أمر أولاد الشوارع ذول وتاريخهم الوسخ وغدرهم ونذالتهم ... "

ثم التفتَ نحوي وهو يردد:

" نمْ أخي .. نمْ، واتقِ الله! "

ثم وبطريقة لا تخلو من الفظاظة خاطبني مباشرة:

" بدل هذا السمّ اللي تشربه قوم أخذ لك ركعتين واستغفر ربك. "

أدارَ وجهه إلى الحائط وبعد بضعِ دقائق ارتفعَ شخيره.

لم يغيّر اختلافنا من المودة التي جمعتنا بل على العكس صار الحديثُ بيننا دون ألغازٍ أو مجاز، فكنا نقضي الوقتَ بالحديث عما كان يجري في البلد وباتفاقٍ غير معلن صار كل منا يمارس طقوسه الليلة بعد أن انتقلنا إلى بيتٍ في مركز مدينة الكوفة دون أن نتدخل بشؤون بعضنا على الرغم من النصائح التي كان يحاولُ أن يُهديني بها إلى جادة الصواب في نظره. كان البيتُ واسعاً وبغرفٍ كثيرةٍ تحيطه حديقة واسعة وطارمة واسعة يفصلها عن الباب الخارجي ممرٌ مسقوفٌ بعريشةٍ من شجر العنب الذي تدلّتْ منه عناقيد كبيرة. الطابقُ السفلي من البيت صارَ مركزاً لإدارةِ المشروع وأما الطابق العلوي فقد اتخذنا من إحدى غرفتيه سكناً لنا. كان حامد سلطان يقضي الليلَ في الغرفة بالصلاة أو بتحريكِ مؤشرِ المذياع بحثاً عن نشراتِ الأخبار التي كان يتصدرها خبرُ المظاهرات التي تعمّ شوارع طهران وأخبار الخميني وبياناته ونداءاته المرسلة إلى الشعب الإيراني والشعوب الإسلامية، بينما كنتُ أنصبُ طاولتي على السطح وأشربُ بخفيةٍ وصمتٍ متحاشياً إثارة صاحبي.

وصلَ ثالثُ المنفيين فتغيّر الأمر.

" المهندس عبد الأمير علي أصغر. "

قال معرّفاً بنفسه وهو يقدّمُ كتابَ تعيينهِ إلى حامد سلطان. شاب ذو بشرةٍ بيضاء ووجهٍ مكتنزٍ مائلٍ إلى الصفرةِ قليلاً وبلحيةٍ محددة بعنايةٍ تميلُ إلى الشقرة. تطلعَ إليّ حامد غامزاً بعينه. لم أدركْ ما كان يرمي إليه بإشارته حتى وضّحَ لي الأمر حينما انفردنا:

" منفي ثالث. "

فتطلعتُ إليه مستوضحاً الأمرَ أكثر، فأضاف ساخراً:

" سنشكل جبهة معارضة حقيقية. "

وحينما أدركَ بأني لم أفهمْ قصده صرخَ بصوتٍ عال:

" ألا يوحي لك الاسم بشيء؟ "

هززت رأسي بالنفي فقال:

" الاسم يدل على أن الأخ إيراني. "

في الليلةِ الأولى حدثَ بيننا خلاف حينما رآني جالساً على السطحِ وبالقربِ مني ربعية العرق. اعترضَ على سلوكي بكلامٍ معبَّأ بعدوانية مكبوتة. حاولتُ أن أخففَ من ثورتهِ ضدي بعباراتِ المجاملةِ والمزاحِ غير أنه ازدادَ إصراراً وعدوانية محاولاً كسبَ حامد سلطان إلى جانبه، على الرغم من أنّ الأخيرَ اتخذَ موقفَ المترقب لما يدورُ بيننا بصمتٍ حسبته انحيازاً واضحاً إلى الجانب الأخر. لم يكتفِ عبد الأمير بالعباراتِ الفظّة التي كان يوجهها إلي بل صعّدَ سقفَ مطالبه بأن يقيمَ أحدنا في البيت:

" إما أنا أو أنت. "

قال بشكلٍ حاسم فأجبتُه ببرود:

" أنتَ حر، بإمكانك أنْ تبقى أو تترك البيت. "

تطلعَ إليّ بنظرةِ استعلاء وقال:

" ولكن أنا مهندس ومساعد مدير المشروع وأنت مجرد موظف صغير. "

مسكتُ كتفه بغضبٍ بعد أنْ نفدَ صبري وقلتُ له هامساً وأنا أحدّق في عينيه:

" ولكن أنا عراقي وأنتَ.... "

 ثم توقفتُ ندماً عن إكمالِ الجملة. تراجعَ إلى الخلف وهو يرمشُ بجفنيهِ ويدعكُ وجهَه بكلتا راحتيه بهيستيرية وخوف، وقبل أنْ أعتذر له عمّا قلته سبقني هو إلى الاعتذار فتألمتُ لحالهِ بل تألمتُ على دورِ البعثي الذي تلبسني كجدارِ دفاعٍ ضده أو كوسيلةٍ لإخراسه. تدخلَ حامد سلطان بيننا مُصلحاً فانتهتِ المشكلة بحلّ وسطي وهو أنْ يقيمَ هو في غرفة وحده وأن لا أشرب العرق في البيت. رضختُ للأمرِ على مضضٍ جاعلاً من قضية الشرب مبدأ لن أتنازلَ عنه حتى لو كان بقرار 200 آخر، فصرتُ أذهب كلّ ليلة إلى مدينة (الكفل) التي تقعُ بين مدينتي الحلة والكوفة لا حباً بالشرب بل كنتُ أشعرُ بأني أنتقمُ من جلاديّ الجدد وأنتشلُ من بين أنيابِ الواقع حقاً من حقوقي، وحينما أعودُ إلى البيت أذهبُ لأنامَ دون أنْ أنطقَ بكلمةٍ مع أحد، حتى وصلَ مديرُ المشروع وأقام مع عائلته في بيتٍ قريبٍ من بيتنا. ولأنه كان خاضعاً لقرارِ المنعِ من قبل زوجتهِ فقد كان يأتي عندنا كلّ ليلةٍ لتتحول الحديقة إلى حانة صيفية، ولم يستطعْ أحد أن يعترض. كان هادي حسن شيوعياً قديماً تركَ الوظيفة في مؤسسة الطرق والجسور منذ بداية السبعينات وعاد إليها مجبراً وفق قرار مجلس قيادة الثورة الذي يفرضُ على كلّ الموظفين المستقيلين العودة إلى دوائرهم الأصلية، لذا فقد كان ناقماً على السلطة وغير جاد في العمل، يستيقظ ضحى ولا يأتي إلى موقع العمل إلا قبل نهاية الدوام بساعةٍ أو ساعتين. مع وصول المدير رجحتِ الكفة إلى جانبي، ليس بمسألة الشرب فحسب بل بالآراء السياسية فكان يطلقُ تصريحاتٍ بتحفيز مني تستفز الطرفَ الثاني من الجبهةِ الرباعية التي تجمع أطرافها قضيةٌ واحدة وهي الحقد المعلن على السلطة والبعثيين، فكان يرفع كأسه في بدايةِ الجلسة نحو حامد وعبد الأمير المشغولين بسماعِ أخبار الثورة الخمينية في إيران صارخاً بصوتهِ البغدادي الأبح:

" بصحةِ شاهنشاه آريامهر. "

فكنتُ أرى الغيظ طافحاً في عينيْ عبد الأمير كأنه لا يتوعدني بنارِ جهنم في الآخرة فحسب، بل في الدنيا والآخرة معاً، وقبل أنْ يغادرَ المدير إلى بيته يتطلعُ إليهما بعينين مغمضتين مشيراً بسبابته وهو يترنح:

" ثورة بدون عرق فلسين ما تسوه. "

عدتُ من العملِ عصراً فأخبرني حامد سلطان بوصولِ رسالةٍ إليّ. فتحَ جرار مكتبهِ وناولني مظروفاً صغيراً وهو يتطلعُ إليّ بفضولٍ منتظراً أنْ أخبره عن المرسل. أخذتُ الرسالة وصعدتُ إلى الغرفة متجاهلاً نظراته المستفسرة عن سرّ لم أبحْ به إليه في أحاديثنا السابقة. كان المظروف مفتوحاً وخالياً من العنوان سوى عبارة (عاشور وحيد صابر ـ الجزائر العاصمة). ثلاثُ أوراق كبيرة مكتوبة بخطٍ ناعم بدأها بالتحية والشوق إليّ وإلى الوطن (الحبيب) وعبارات تمويه أخرى كأنه كان على يقينٍ بأن رقابةَ البريد ستطلعُ عليها، ثم راح يسرد عليّ قصةَ سفرهِ من صعودهِ الطائرة حتى وصوله العاصمة الجزائرية بعباراتٍ ملغّزة لكنها مترعة بفرحٍ وزهو مَنْ اجتازَ امتحاناً عسيراً بتفوق، وقد أفردَ مساحةً كبيرة من الرسالة في سردِ قصةٍ بدتْ لي من وحي خيالهِ كفكرةٍ تراود كلّ مسافر، حيث كتبَ عن مسافرةٍ يونانية جلستْ لصقه وعن نخبِ الويسكي الذي شرباه معاً حالما أقلعتِ الطائرة والحديث الذي دارَ بينهما واصفاً جسدها بدقةٍ وهي تستديرُ نحوه مسندةً جانبَ رأسها بشعرها الأشقر الطويل على مسندِ الكرسي وتغفو بوداعة طفل آمن.

" ... تاركةً أزرارَ قميصها مفتوحة فأندلقَ نهداها البارعان منفلتين من أسرِ القميصِ الزهري الشفاف كعنقودِ عنب دانٍ ومتدلٍ من غصنِ كرمةٍ في الجنةِ على شفتيّ الظامئتين واللتين جففهما الخوف. "

 واصفاً قطراتِ العرق وهي تنحدرُ من خلف أذنها منسابة ببطء على عنقٍ مرمري بضّ.     " لتستقر في كوثر ما بين النهدين. "

" افتعلتُ النومَ فأسندتُ رأسي باتجاه رأسها حتى اختلطَ شعري بشعرها. لم تمانعْ بل أدارتْ صفحةَ وجهها فلامستْ خدي والتقتْ أنفاسنا. ندتْ عنها آهة قصيرة. ألقتْ رأسها على كتفي حتى لامستْ شفتاها عنقي واستقرتْ يدها على صدري الذي كان يرتفعُ وينخفضُ بحركةٍ واضحة فأحطتُ كتفها بذراعي ".

توقفتُ عن القراءة متخيلاً صاحبي وهو جالس وسطَ حورِ العين يغترفُ من الكوثرِ متعته، مرتشفاً ما يشاءُ من نهودٍ وشفاه، وإني وإنْ كنتُ واثقاً من أنّ ما أقرأه ليس إلا خيالاً أعرفُ أنّ صاحبي بارعٌ فيه إلا أني فرحتُ بنشوتهِ وسايرتُ خياله بخيالٍ موازٍ محاولاً تغيير النهايةِ التي كنتُ أتخيلها، وقد صدقَ حدسي، فحينما عدتُ إلى الرسالةِ حاثاً صاحبي أنْ يكونَ شجاعاً ويمدّ يده بجرأته لاجتيازِ المطارِ بجوازه المزور، ببطء يمسّد العنقَ نازلاً نحو النهد، يحمله براحةِ يدهِ الواثقة من ثباتها ثم يقرّبه من شفتيه، لاحساً حلمته وهي تتنهد، تتوسلُ بفارسها العربي أن يُطفئ ظمأ شهوتها الأغريقية، ثم يغيبا بقبلةٍ طويلة وهما يجتازان البحرَ الأبيض المتوسط ليضيئا ظلماته بنورِ الشهوة. لكن ..

" استيقظنا على صوتِ المضيفة وهي تطلبُ منّا ربطَ الأحزمةِ فالطائرةُ على استعدادٍ للهبوط في مطار أثينا ".

ضحكتُ .. ضحكتُ حينما قرأتُ الخيبةَ التي كنتُ أتوقعها، لكنّ عاشور وكعادته لا يستسلمُ بسهولةٍ حتى في أوهامهِ، فقد حاولَ أن يخلقَ نهايةً أخرى للقصةِ كعزاءٍ للخيبة.

" حينما هبطتِ الطائرةُ في مطار أثينا ودّعتني بقبلةٍ ساخنةٍ وكتبتْ لي عنوانها ودعتني لزيارتها في أي وقتٍ أشاء. "

وصلتِ المكائنُ الثقيلة من بلدوزرات وشفلات وحادلات، ونصبتْ الخبّاطة المركزية بعد أنْ قمتُ بنقلِ مخططها على الأرض. وصلتْ إدارةُ الشركة اليابانية المكلفة بتنفيذِ المشروع وأقامَ عمالُها الكوريون في الحي نفسه حيث نقيم. انتقلتْ إدارةُ المشروعِ من البيت الذي نقيمُ فيه إلى موقعِ العمل فاتخذَ كلّ منا غرفةً خاصة به، غير أنّ عبد الأمير لم يكفْ عن تلصصهِ عليّ وتشممه كلما اقتربَ من بابِ غرفتي. حاولتُ إرضاءه بالإصغاءِ إلى ما يدور بينه وبين حامد سلطان من دروسٍ في الفقه والتفسير مكتفياً بالصمتِ وافتعال البلادةِ أو افتعالِ الورع، غير أنّ ذلك لم يكنْ يرضيه فقد راح يُبدي ضجره من صوتِ التلفزيون كلما شاهدني غارقاً في متابعة فيلمٍ أو أشاهدُ أغنيةً فيطفئ التلفزيون دون أنْ يطلبَ إذناً مني مردداً عباراتٍ جارحة بينما كان حامد سلطان وعلى الرغم من إقرارهِ بفظاظةِ سلوكِ صاحبه إلا أنه كان يقفُ على حيادٍ مفتعلٍ، وحينما يوضعَ في موقفٍ لابد من أنْ يقولَ فيه كلمةً كان ينحازُ إلى جانبِ أخيه في الدينِ والمذهبِ ولسانُ حاله يقول " اسلمْ تسلمْ ". وتلافياً لإثارةِ ضغينته امتنعتُ عن مشاهدةِ التلفزيون مؤثراً العزلةَ في غرفتي أو جالساً معهما وأنا أطالعُ كتاباً أو مجلة. لم يكتفِ بتنازلي بل راح يرفعُ صوتَ الراديو بأغنيةِ الثورة الإيرانية، يرددها بنشوةٍ ويترجمُ بزهوٍ كلماتها لحامد سلطان الذي يُصغي إليه بإعجابٍ مشيرين إليّ بين الحين والآخر بكلماتٍ واخزة وبشماتةٍ بليدة، منذرين الفاسقين والملحدين بالزحفِ الإسلامي القادم قريباً، وإني وإنْ كنتُ أشعرُ بفرحٍ لانتصارِ الثورة الإيرانية لأسباب أجهلها، ربما نكايةً بحزب البعث الذي بدأ الخوفُ يظهرُ جلياً في سلوكِ أعضائه فاستنفرَ أعلامه ضدّ الثورة ونشطَ مخبروه بين العمال للتلصصِ واستراقِ السمع لكلّ حديثٍ يدورُ حول إيران أو الحركاتِ الإسلامية، إلا أني كنتُ لا أرى أنها بديل للنظامِ البعثي خاصةً بعد أن خبرتُ الرعونةَ والتخلفَ من خلال سلوكِ أشخاصٍ مرضى كعبد الأمير علي أصغر أو حامد سلطان اللذين لا يختلفان بالحقدِ على مَنْ هو مثلي عمّنْ عرفته من بعثيين. تحولتْ حياتي في البيت كابوساً بل ظلّ صوتُ المطربِ الفارسي يطاردني حتى في النوم ولم تعد في عالمي نغمة سوى:

" إيرانْ إيرانْ إيرانْ

 خون ومرك وعصيانْ "

حتى حفظتُ الأغنية كلها دون أن أفهم منها شيئاً.

سارَ العملُ بسرعةٍ ملحوظة وارتفعتْ في النهرِ أسطوانات كونكريتية ضخمة. ارتفعتْ رواتبنا إلى الضعف، مع إضافة مخصصاتٍ للخطورة والعمل الإضافي ومخصصات التنفيذ المباشر على الرغم من أنّ أغلب العمل يتمّ من قبل الشركة اليابانية.

بعد التغيير الذي حدث باستلام صدام حسين السلطة المطلقة، خفّ اندفاع وحماسةُ عبد الأمير وحامد للثورة الإيرانية بل تحولَ ضخبهما إلى همسٍ وخوفٍ من الحيطان التي تتنصتُ خاصةً وأنّ حركةً مريبة بدأتْ تظهر بين العمال ووجوهاً غريبة تدخلُ إلى المشروع واجتماعات تعقد أثناء وقت العمل وعمالاً يحضرون إلى موقعِ العمل ببدلاتهم الخاكية ورشاشاتهم ولا يستطيعُ المدير أو غيره الاعتراض على وجودهم، بل كان المديرُ نفسه يتملقُ أعضاءَ النقابة والحزبيين متحاشياً الاصطدام بهم على الرغم من تدخلهم بكلّ صغيرةٍ وكبيرة وتعيين وفصلِ مَنْ يشاؤون من العمال. غليان تحت سطحٍ يبدو راكداً لكنه واضح وينذرُ بانفجارٍ وشيك. الوجوهُ تحملُ ملامحَ تتغيرُ كلّ لحظةٍ. خوف.. ريبة.. حزن.. ارتباك.. وشاية.. وصمت. يغيبُ عامل بشكلٍ مفاجئ وحينما أسألُ عن سببِ غيابه يأتي الجواب مبهماً يدلّ على أنه أخذَ إلى جهةٍ مجهولة لا يعلمها غير الله. تزوجَ حامد سلطان زوجةً ثانية وانتقلَ للسكن في بيتٍ مستقل، ولم يمضِ سوى شهر واحد حتى تزوجَ الآخر فصفا لي الجو وحيداً في بيتٍ واسع وعدتُ إلى ممارسةِ طقوسي بحريةٍ واضعاً سداً كبيراً بيني وبين ما يدور في العالم الخارجي. زارني بعضُ العمال بشكلٍ مفاجئ بحجةِ السؤال عن صحتي أو لتخفيفِ وحدتي وربما يبالغ أحدهم في اللياقةِ والكرم فيحملُ سفرةَ عشاء إكراماً للغريب الذي بينهم. يجلسُ الضيفُ وعيناه تزوغان في أرجاء البيت. يتطلعُ تحت الكنبات والكراسي وخلف التلفزيون، يقرأ أيّ قصاصة مرمية على الأرض أو على الطاولة، يسألُ عما أقرأ وعمّن ألتقي. في البدءِ كنتُ أخفي قنينةَ العرق حينما يحضرُ أحدهم ولكني اكتشفتُ بعد ذلك أنّ مشاركةَ الزائرِ لي في الشربِ تجعله بعدَ الكأس الثانية يفتحُ خرْجَ أسراره أمامي فيبوحُ لي بالمهمةِ التي جاء بها وربما كشفَ لي عن عددِ التقاريرِ التي كُتبتْ عني وعمّا تدور، وحينما يغزّر فيه العرق والدخان يتحولُ إلى نديمٍ مخلص فينقلُ لي ما دارَ عني في اجتماعاتهم الحزبية، محذراً إياي من فلانٍ أو فلان الذي يحاولُ التربصَ بي، لذا فقد كان تمثيلي دورَ السكران يشكّل حجاباً بيني وبين مقاصدهم الخبيثة فيخرجُ الزائرُ دون أن يحصلَ على فرصةٍ لمفاتحتي بأمر الانتماء إلى الحزب، وربما كتبَ تقريراً عني واصفاً إياي بالسكير أو " البايع ومخلّص " الذي لا ينفع ولا يضرّ، أو على الأقل بأني لستُ مناصراً للحركاتِ الدينية ولا للخميني، وهذا ما تأكد لي فعلاً في ما بعد.

" هذا شنو حجاره لو حايط!"

قالتْ إحدى الموظفاتِ هامسةً في أذن زميلتها كاتبة الطابعة حينما دخلتُ إلى غرفةِ حامد سلطان طالباً منه أنْ يحررَ لي كتاباً رسمياً. التفتُّ إليها فارتبكتْ ودفنتْ نظرها في الأوراقِ المرمية على مكتبها متشاغلة في البحثِ عن شيء ضائع. سألني حامد عن وضعي الجديد بعد أنْ بقيتُ وحيداً فأجبته بتمثيلِ دور اللامبالاة:

" للحايطْ التزيتْ مامش نفاهه

روح التفارقْ روحْ تتلفْ تراهه "

وقبل أنْ أخرجَ من الغرفة تطلعتُ إلى الموظفةِ بطرفِ عيني فوجدتُها تبتسمُ بخبثٍ هازةً رأسها كأنها تخبرني بأنها استلمتِ الرسالةَ واضحة.

" لستُ حائطاً ولكنْ من أين لكِ أن تعرفي أي خوفٍ ينخرُ روحي وكيف لمثلي أنْ يفكرَ بامرأةٍ ولم يشعرْ يوماً بنبضٍ يسري في عروقِ رجولته. "

رددتُ مع نفسي وأنا أتذكرُ وجهَ الموظفةِ التي لم أعرفْ حتى اسمها، لكنّ ابتسامتها كانتْ ترتسمُ أمامي وأنا أحدّقُ في السقف. أجسّدها أمامي قبل النومِ أو في لحظاتِ السُكر فتتجلى قامةً ناريةً مستغيثةً بحريقي كي يطفئها.. تقتربُ مني شيئاً فشيئاً فأتراجعُ.. تتقدمُ فأتقدمُ نحوها بخطواتٍ خائفةٍ.. تراودني فامتنعُ وأخجلٌ من امتناعي. تحلّ أزرارَ قميصها ببطءٍ وهي تنظرُ إليّ فأتجمدُ في مكاني كثلجٍ يفور.. ترفعُ ساقاً وتضعُ قدمها على الطاولة الصغيرة وهي تخلعُ جوربها فيسطعُ ضوءُ فخذيها.. تخلعُ لباسها الداخلي ثم تطوحُ به في الفضاء وترميهِ على وجهي فأشمُّ فيه رائحة أنوثةٍ متمردة وأتلمسُ رطوبةَ شهوتها فتتشنفُ أرنبة أنفي وأسمعُ صوت خواري.. تقتربُ مني وتمدّ يدها.. تقتنصُ الطائرَ المنزوي في ركنِ قفصه.. تشدّه بقبضةٍ واثقةٍ.. تسحبني منه فأطيعُ متردداً.. تُدخلني مخدعَ عذريتها.. تستلقي على السريرِ فارجةً ساقيها.. وأنا واقف مثل عمودٍ حجري متآكل.. تتمطى فيرتفعُ صدرها كجبلين من مرمرٍ يتفجرُ في قمتيهما بركانا شهوةٍ نارية.. تتأوهُ.. تزفرُ ولسانها يلحسُ شفتها العليا.. تقولُ لي بغنجٍ وعهر " هيتَ لك ". أتقدمُ منها بخوفٍ، وهي تلوح إليّ بيديها:

" تعال!.. تعال! "

أجلسُ عارياً على حافةِ السرير فتهجمُ عليّ، تشدني إليها من شعرِ ناصيتي بغطرسةٍ:

" منيوك.. ألم أقلْ لك بأننا قادرون أن نأتي بك بأي وقت نشاء؟ "

أسمعُ صوتَ النقيب عبد القادر وهو يشدّ شعر رأسي ويبطحني أرضاً.

" أخ القحبة منو حاسب نفسك أنت؟ أكبر شارب أنيج أخته. "

يرتفعُ صوت عبيد بينما يحاولُ خضير بطنج أن ينزعَ لباسي وهو يقهقه بعهر.

" دخيل العباس. "

أصرخُ في داخلي فتحدقُّ إليّ بعيني ذئبٍ يدورُ حول فريستهِ المستسلمة، تقرّبُ رأسي من صدرها العاري تضغطه على نهدها بقوةٍ وهي تتأوه.

" الحسْ صدر سيدتك! "

" ارضعْ ثدي أمك! "

" الحسْ يا كلب! "

أحاولُ استثارة رجولتي، أرتمي عليها، احتكّ بجسدها، ضاغطاً حوضي على موضع شهوتها، اعتصرُ نهدها بقوةٍ فتتشبثُ يدها بشعري:

" أخ القحبة.. ألم توقعْ على قرار 200؟ ألم تتعهدْ بعدمِ الانتماءِ إلى أية جهةٍ سياسية غير حزب البعث؟ "

أسمعُ صوتَ شرطي الأمن. أصرخُ متوسلاً:

" نعم وها أني أفي بوعدي.. لم أنتمِ إلى أي حزب.. أنا أكره الأحزاب.. أكره السياسية.. أكره فهد.. أكره لينين.. أكره مسلم بن عقيل.. أكره أمي.. أكره أبي.. أكره نفسي.. والله العظيم أنا أكره الحياة.. "

" ولكن ماذا تفعل الآن؟.. يا كلب.. هه. "

" أمارسُ العادة السرية. "

ينقضّ عليّ خضير بطنج بقبضتيه الحديديتين راكلاً خاصرتي بقدمهِ الفلاحية وبسطالهِ المدبب. يشدّني من ذراعي ويسحلني خلفه خارجَ غرفةِ التعذيب. نجتازُ ممراً ضيقاً وطويلاً، أشعر بألمٍ شديدٍ في ظهري. يتمزقُ جلدي وتتساقطُ على الأرضِ كتلٌ من لحمٍ وعظام فيصطبغُ بلاطُ الممرِ بخطٍ أحمر بعرضِ كفّ. يفتحُ الشرطيُّ باباً على جهةِ اليمين. يضربُ قدمه بالأرض ويصرخُ:

" أخيراً اعترفَ سيدي بأنه يمارسُ عملاً سرياً. "

" لا سيدي. "

صرختُ محتجاً ورحتُ أوضحُ الأمرَ مصححاً سوء الفهم:

" سيدي.. ما كنتُ أمارسُ عملاً سرياً ولكني كنتُ أضرب جلق "

" تفووووووووو "

تصرخُ بي تستحثني على المواصلة فافتعلُ الشراسة، أغرزُ أظافري في كتفيها، أعضها. صوتٌ يسخر مني فأقاومه منشغلاً بالجسد الذي يرتمي تحتي باستسلام.

" عفيه.. سبع.. حبّاب.. يلا.. تعال.. تعال.. "

يطولُ ارتمائي عليها، فتمتدّ يدها نحو قضيبي، تحركه، تدعكه بقوة، تحاولُ قلعه من جذره، لكنّه غارق في موتهِ، حتى ينفدَ صبرها فتركلني بقدمها وتنهضُ، ترتدي ملابسها متمتمةً بكلماتٍ تستفزّ رجولتي ثم تبصقُ على الأرض وتغادرُ المكان فتتبعها نظراتي الجريحةُ حتى تختفي في عمقِ الظلمة، فأفيقُ. أتلمسُ جسدي وقد قُدّ من كلّ الجهات وصرخة تخرجُ من حنجرتي رغماً عني:

" دخيل القحاب. "

انتقلتُ إلى الجانبِ الشرقي من الفرات لوضعِ نقاطِ منتصفِ الطريقِ الرابطِ عبر الجسرِ بين الكوفة والطريقِ العامِ الواصلِ ما بين مدينتي الحلّة والديوانية. كان الطريقُ المزمعُ فتحه يمرّ ببستانٍ مكتظةٍ بالنخيل. علمَ المزارعون بنيتي فهرعوا إليّ متوسلين أنْ أحرفَ الطريقَ قليلاً عن البستان فأخبرتهم بأنّ الأمرَ ليس بيدي بل إني أتبعُ ما هو موجود في خريطةِ المشروع. لم يقتنعوا بكلامي.

" أنا عبد مأمور. "

قلتُ بخذلانٍ مقلّداً كلامَ رجلِ الأمن والشرطي والجلادِ وراكلِ كرسي الشنق. وحينما لم أستطعْ إقناعَ أحدٍ منهم بعدم جدوى احتجاجهم وقد تجمعوا حولي متوسلين بي أخبرتُ الإدارةَ بالأمر. وصلَ ممثلُ نقابة العمال. تطلعَ إليهم باستصغارٍ وهو يضعُ إبهاميه في زنارهِ ثم راحَ يحدثهم عن أهميةِ المشروع وهم يصغون إليه بارتباكٍ وخوف.

" ستعوضكم الحكومة عن كل نخلة، حتى الفحل سنعوضكم عنه. "

قال هازاً كرشه مفتعلاً أريحيةَ المغرور وهو يفركُ إبهامه على سبابته بحركةِ إغراءٍ ويردد:

" فلوس.. فلوس.. فلوس.. "

" وحق هذا مسلم ابن عقيل ما أبدل كل نخلة بمليون دينار. "

قال عجوزٌ أعمى وهو يشيرُ بذراعه إلى جهةِ القبّةِ الذهبية فأيّده الرجال وارتفعتْ أصواتُ احتجاجهم ثانيةً فارتفع صوتُ ممثل النقابةِ بعنجهيةٍ رعناء وهو يمسكُ طرفي ياقة قميصه الخاكي:

" اشششش .. ماكو واحد يعترض على قرار الحكومة. "

فعمّ الصمتُ بين الرجال وتفرقوا وهم مطأطئي الرؤوس. تطلعَ إليّ من فوق كتفه وهو يستعرض سطوته بزهو:

" الما يجي بالمروه يجي بالقوه. "

وقبل أنْ يغادرَ المكانَ تطلعَ إليّ مرةً أخرى وبصيغة أمرٍ خاطبني:

" اللي يعترض طريقك بس تعال قلْ لي وما عليك! "

 بعد يومين جاءتِ البلدوزر والجرافات وبدأتْ حملتها بقطعِ النخيل. وقفَ الرجالُ على مسافةٍ قريبةٍ وهم يتطلعون بصمتِ حدادٍ إلى نخلاتهم وهي تتساقطُ بضربات مقدمة البلدوزر. نهروا الأطفالَ الذين اقتربوا من المكائن فكأنهم قد حسموا أمرهم على خوضِ المعركة. فجأةً رمى العجوزُ الأعمى بنفسه أمام البلدوزر فهرعَ إليه الرجال. حملوه وهو يصرخُ بهستيرية، ضارباً رأسه ووجهه بكفيه. اقتربتُ منهُ بحذرٍ. أخذتُ رأسه بين يدي وقبلتها فاختلطتْ دموعنا. راحَ الرجالُ يتطلعون إليّ باستغرابٍ كأنهم يتساءلون عن سرّ بكائي. اقتربَ مني رجلٌ يبدو من هيئتهِ ولحيتهِ البيضاء المشذبة بعنايةٍ بأنه حكيمهم. همسَ في أذني كلاماً ملغزاً ولكنه يوحي بأنه يدركُ اللعبةَ مختتماً همسه بنبوءةٍ لم أدركِ العلاقة بينها وبين الطريق:

" القادم أخطر. "

قال ذلك وهو يربتُ على كتفي ثم تركني أحاولُ حلّ الرمز. بعد أنْ غادرَ المكانَ تجمعَ الرجال مشكلين دائرة حولي، ثم راح يتحدثُ كلّ منهم عن نخلاتهِ واحدةً واحدة، وعن تاريخِ غرسِ كلّ نخلةٍ وأول حملٍ حملته ونوعية تمرها، وروى البعض قصصاً وأساطيرَ عن كرامةِ النخلةِ وعن الثوابِ والعقابِ الذي يلحقُ بمَنْ يغرسها أو يؤذيها والعلاقة الروحية التي تربطُ المزارعَ بنخلاتهِ وكم هي عزيزة عند صاحبها:

" والله بمعزة أولادي. "

قال أحدهم فاتفقَ معه الجميع. ارتفعَ صراخُ الأعمى ثانيةً فانتبهنا إليه. كان يحتضنُ بين ذراعيه جذعَ نخلةٍ مرمي على الأرض، متمرغاً معه في الترابِ ويبكيان. اقتربَ منه الرجالُ وأنهضوه وهم يعدونه بجزاءٍ أكبرَ عند ربهِ يومَ القيامة، متوعدين الظالمَ بعذابِ الجحيم. قاده أحدهم من يده وسارَ به إلى القريةِ القريبة. وقبل أنْ يغادرَ المكانَ التفتَ نحو جهةِ النهر رافعاً رأسه إلى السماء، صارخاً:

" إلهي بحق هذا أمير المؤمنين أن لا يعبر على هذا الجسر أحد. "

ازدادَ ترددي على غرفةِ حامد سلطان متحججاً بأمورٍ إدارية مطيلاً الحديث معه حتى أدركَ أن تغيراً قد حدث في سلوكي فراحَ يدعوني للجلوس جنبه محاولاً إزالةِ الجفوة التي حدثتْ بيننا بسببِ انحيازهِ إلى جانب عبد الأمير علي أصغر، بينما كانتْ إخلاص تنظرُ إليّ بين لحظةٍ وأخرى مسترقةً السمعَ للحديثِ الذي يدور بيننا ويرتفع صوتها بضحكةٍ لأيةِ طرفةٍ أقولها أو يقولها حامد، وحينما تلتقي عيني بعينها تخفضُ بصرها بخجلٍ على سطحِ المكتب وابتسامة شفافة تلوحُ على شفتيها، وحينما أهمّ بالنهوض ترفعُ رأسها نحوي فتلوحُ في عينيها نظرةُ توسلٍ بالبقاء، وحينما أغادرُ الغرفةَ كانتْ هي الوحيدة التي يرتفعُ صوتها:

" مع السلامة.. عيني. "

استيقظَ شعورٌ غريب في داخلي زادني قلقاً لكنه يختلفُ عن قلقي السابق فهو قلقٌ جميل يداعبُ روحي بنشوةٍ لم أعرفها من قبل، قلقُ مَنْ قامرَ أول مرةٍ وربحَ فيخافُ من فقدانِ ربحه لكنّ هوساً غريباً يدفعه لمواصلة اللعب. لم ينهضْ هذا الشعور من رقدته فجأةً بل كنائمٍ كسولٍ فتحَ عينيهِ ببطءٍ محاولاً إبقاء ذيولِ الحلم بين جفنيه، تمطّى، كابدَ يقظته، حاولَ أنْ يجدَ حجةً للبقاء في السرير طويلاً، وحينما استنفدَ كلّ وسائلِ حيلته نهضَ متململاً لمواجهةِ نهارهِ المبهم.

حاولتُ طردَ الفكرةِ من رأسي هرباً من مواجهةِ عالمٍ أجهلُ كلّ تفاصيله إلا أني استسلمتُ لإرادته كأنه قدر، أو كأنّ الغريقَ لم تعد الغطّةُ الإضافيةُ تخيفه فربما يرتدّ جسده إلى الأعلى وينجو من غرقهِ، ومَنْ يدري ربما يُخطئ النكد مرةً ويجتازني دون أنْ يراني. تكررَ مروري من نافذةِ الغرفة متشاغلاً، رافعاً صوتي وأنا أتحدثُ مع العمال مفتعلاً المرحَ كأني تحت أنظارِ رقيبٍ ينتظرُ مني أن أقدّمَ إليه شهادةً عن سلوكي السوي وعن عنفوانِ روحٍ طريةٍ تمزقُ إطارَ صورتها المعلقة على جدارِ العزلة وتغادرُ طبيعتها الصامتة. كنتُ أختلسُ النظرَ إلى إخلاص الجالسةِ أمام النافذة تماماً تفتعلُ الانشغالَ بعملها أو تتطلعُ إلى الخارج بنظراتٍ ساهمةٍ كأنها لم ترني أو تحدقُ إلى زاويةٍ بعيدة. تضعُ خصلةً من شعرها في فمها أو تمصّ شفتها السفلى بحركةٍ تبدو كأنها لا إرادية. تجفلُ حينما أدخلُ غرفةَ حامد سلطان وترتسمُ على شفتيها ابتسامةٌ خجولة وتردّ على تحيتي قبل أنْ أنطقَ بها.

عدتُ من موقعِ العمل ظهراً فالتقيتُ بها في الممرِ قبل أنْ أصلَ إلى غرفتي. توقفتْ في منتصفِ الممر فحييتُها بابتسامة وقبل أن أجتازها قالتْ:

" عندك رسالة في مكتبي. "

تطلعتُ إليها باستغرابٍ وقبل أن أستفسرَ عن أية رسالة تتحدث، أضافتْ:

" وصلتك اليوم رسالة من الجزائر. "

هممتُ بالعودة معها لأخذِ الرسالة إلا أنها همستْ في أذني وهي تتلفتُ بحذر:

" روح لغرفتك وأنا أجيبها لك بعد شويه. "

نقرتْ على البابِ بهدوء فنهضتُ لاستقبالها. دخلتِ الغرفة تاركةً الباب مفتوحاً. تطلعتُ في عينيها كأني أريدُ قراءة ما تخفيان من شوقٍ أو خبث. كانتا سوداوين بعمقٍ وتحيطهما دائرتان من الكحلِ أضافَ لعينيها عمقاً وذكاءً. ارتعشتْ روحي وأنا أغورُ فيهما فأغضتْ بصرها بخجلٍ فلمحتُ شفتين خلتُهما متورمتين من شوقٍ وانتظارٍ إلى شفاهٍ تستحقان اقتطافَ ثمرتهما التي أنضجها حرّ النخلِ فسالَ عسلها، وقد بدا بوضوحٍ شقّ طبيعي في منتصفِ الشفةِ السفلى كأنه نهرُ غوايةٍ يدعو ظمأي أنْ يرتشفَ منه. استيقظتْ من غفوتها رافعةً رأسها بثقةٍ ثم مدّتْ يدها فتناولتُ منها الرسالةَ محتضناً بكفي ظاهر كفها الصغيرة فارتفعَ صدرها بشهيقٍ واضح كاشفاً عن نهدين مغرورين بعنفوانِ شموخهما. سحبتْ خطوتها بترددٍ، وقبل أنْ تغادرَ الغرفةَ قالتْ كأنها تبعد شبهةً عن نفسها وهي تتلفتُ بحذرٍ كغزالٍ خائف:

" الرسالة وصلتْ مفتوحة. "

شكرتها هازاً رأسي بعلامةٍ تشيرُ إلى ثقتي بما تقول.

" صديقي حميد..

 أخيراً بعد طول معاناة وغربة شديدة استطعتُ الحصول على عملٍ كمدرسٍ للغة العربية في مدرسة ثانوية في مدينة سيدي موسى، وهي مدينة تابعة لمحافظةِ بليده وتقع على بعد نصف ساعة بالباص عن العاصمة براتب شهري لا بأس به. وقد حصلتُ على شقة صغيرة في بناية أغلب سكانها من العرب والأجانب. أثثتها بأثاث بسيط سأحاول تجديده إذا قررتُ البقاء في الجزائر. بلّغْ تحياتي إلى الفرات وهزاع البراك ومغيظ الأعور والأطفال البلجيكيين.

أخوك عاشور

سيدي موسى / الجزائر

23/9/1979 "

وفي نهايةِ الصفحة كتبَ عبارةً مموهة، أرادَ أنْ يمررها من جدارِ الرقابة ويدركُ جيداً بأني أستطيع حلّ لغزها بسهولة:

" ملاحظة: قبل شهرين التقيتُ هنا بالصديق يوسف سلمان يوسف (تعرفه بالتأكيد!) وعدنا أصدقاء مرة أخرى ونلتقي كل أسبوع. "

أطبقتُ الورقةَ وقد استبدّ بي غضب، ليس بسببِ كونه تجاهلَ أن يسجلَ عنوانه:

" ربما يحسب بأني سأزوره أو أكلفه بأنْ يجد لي عملاً هناك حيث يقيم، هه. "

.. فحسب، بل لأنه عاد إلى الحزب الشيوعي مرة أخرى وكأنه لم يتعلمِ الدرس بعد:

" مَنْ يدري ربما يفكر بإكمالِ دراسته الأدبية في جامعات موسكو أو براغ، أو ربما سيواصل النضال الثوري ويُكمل طريق التطور اللارأسمالي في مراقص وبارات بودابست أو صوفيا، أو أنّ رفاقه الأمميين سيضحون بحليفهم من أجل سواد عينيه... هه. "

وضعتُ الرسالةَ على مكتبي وخرجتُ إلى المغاسلِ فرأيتُ إخلاص تذرعُ الممر جيئةً وذهاباً بخطواتٍ بطيئة، وحينما شعرتْ بوجودي التفتتْ وهي تحدق إلي بنظراتِ قلقٍ غريبة. عدتُ إلى غرفتي فلم أجدها في الممر.

فتحتُ الرسالة ورحت أعيد قراءتها لعلّها تخفي شيئاً آخر لم انتبه إليه. وحينما لم أجدْ غير ما تفصحُ عنه الكلمات بوضوح، أطبقتُ الورقة بحنقٍ، وقبل أنْ أدسّها في المظروف وجدتُ في قعره ورقةً صغيرة. تناولتُها بفرحٍ، وبسرعةٍ خاطفة لا تتعدى أعشار الثانية غيّرتُ رأيي بعاشور وتألمتُ لتسرعي في الحكمِ على صديقِ طفولتي، حيث أني كنتُ على يقينٍ بأنّ القصاصةَ هذي تحملُ عنوانه الكامل.

" ........

انتظرتُكَ.. بحثتُ عنكَ في كلّ الأزمنة.. في كلّ الوجوه.. في كلّ الطقوس.. في اليقظةِ وفي الأحلام.. وحينما تعبتُ من البحثِ عنكَ.. وكدتُ استسلمَ لوحدتي.. سمعتُ صوتكَ قادماً من جهةٍ خامسة مثل أغنيةٍ ترددها الملائكة.. ورأيتكَ قادماً نحوي كإلهٍ يخرجُ من أسطورة.. أو كملاكٍ ينشرُ أجنحته في فضاء روحي. "

ارتجفتْ يدي وأنا اقلبُ الورقةَ حيث كتبتْ عبارة:

" أراكَ اليوم الساعة السابعة في مسجد السهلة. "

مساءُ الثلاثاء في مسجدِ (السهلة) له معنى خاص، حيث أنّ الناسَ هنا يعتقدون بأنّ المهدي المنتظرَ سيظهر في هذا المكان وفي مثلِ هذه الليلة من غيبتهِ الكبرى ليعلنَ الثورةَ التي تطيحُ بكلّ العروش.. " ويملأ الأرضَ قسطاً وعدلا بعد أن مُلئت ظلماً وجورا " .

الجموعُ تتوافدُ سيراً على الأقدامِ باتجاهِ المسجد الذي يبعد عن مدينةِ الكوفة بمسافة ثلاثة كيلومترات شمالاً. المسجد مكتظّ بالناس، يدورون في صحنهِ مثل خليةِ نحلٍٍ بدشاديشهم ناصعة البياض وطاقياتهم الملتصقة على رؤوسهم، حاملين المصاحفَ ويدورون حول سردابٍ عميقٍ يقعُ في منتصف الصحن، يعتقدون بأن المهدي الذي غابَ في سردابٍ بمدينة سامراء سيظهر هنا في هذا السرداب. شبابٌ بوجوهٍ صفر لم يمر عليها شعاعُ الشمس ولحى سوداء طويلة، يعتكفون طوالَ الليل يتلون القرآن بانتظارِ أنْ يحظوا بنداءٍ خفي قادمٍ من أعماقِ الغيبة ليكشفَ لهم الحجابَ ويضيءَ أرواحهم بالأمل. نساء لم يظهرْ من وجوههنّ سوى عيونٍ زائغةٍ تبحثُ عن الذي سوف يجيء. وأنا... ذاهبٌ لألتقي حلماً سيظهرُ الليلةَ بعد غيبةٍ طويلةٍ في سراديبِ المجهول، حلماً سوف يملأ روحي حباً وأملا بعد أن مُلئت حزناً وضغينة.

" لماذا اختارتْ إخلاص هذا المكان ليتمّ فيه لقاؤنا الأول؟ "

" لا أعتقد أنها من الذكاء بحيث تجعل لحدثٍ كهذا بعداً رمزياً، فهي لا تبدو أكثر من فتاةٍ متواضعةِ التعليم والوعي. "

" ولمَ لا؟.. إنها لعبة بيد القدر أو رسالة أرسلها المجهول إليّ. "

عدتُ إلى التفكيرِ بالأمورِ وكأنها لا تجري على الأرض بل إنها تخرج من اللوحِ المحفوظ لتتحركَ بمشيئةِ القدر. ها أنا مرةً أخرى أمام طاولةِ النرد، تغريني المجازفةُ أو معاندةُ القدر على الرغم من يقيني بالخسارة.

هاجسٌ غريب كان يدفعني لمعرفةِ ما يخفي الأمرُ من رمزية، وخوفٌ يجعلني أسيرُ في حقلٍ من الألغام تدفعني لاجتيازهِ قوةٌ مجهولة، لعلّها حاجة المبلولِ إلى مزيدٍ من المطرِ لكي يهربَ.. يهربَ إلى أيّما جهةٍ دون شعورٍ بمرارةِ الهزيمة، أو حاجةُ الغريقِ إلى غطّاتٍ أخرى كي يدركَ حقيقةَ غرقهِ.

درتُ في صحن المسجد بورعٍ كبقيةِ الحالمين بحضورِ المنقذ الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وربما كنتُ أكثرَ المنتظرين شوقاً للقائه. ارتفعَ آذانُ المغرب واصطفَّ المصلون باتجاه كعبتهم فانسحبتُ إلى الخلف متوارياً عن الأنظار التي ترمقُ الضالَ من القطيع. جلستُ مُسنداً ظهري على الجدار الخلفي للمسجد متطلعاً إلى الزخارفِ والخطوطِ الزرق التي تزيّن الجدرانَ والأقواس، محدقاً بين حين وآخر في عيون النسوة التي تتقاطعُ أنظارها خلف النقاب والعباءات السود. انتهتِ الصلاة وتفرق الحشد. تشكلتْ دوائرُ عائلية ودبّتْ في المكانِ حركة حتى غدا صحن المسجد كسوقٍ شعبية فافترشتِ العائلاتُ الأرضَ ومُدّتْ سفراتُ الطعام. الرجال يدورون بنشاطٍ ومرحٍ كأنهم ألقوا عن كاهلهم أوزارَ خطاياهم اليومية وكذبهم ونفاقهم وصفتِ القلوب المتشوقة لحضورِ الغائب. الشبابُ يدورون متهادين، يفتعلون حركاتٍ تثيرُ انتباه الصبايا إليهم وارتفعتْ أصوات النساء بضحكاتٍ تستطيلُ.. تستطيلُ ثم تُقطعُ فجأة كأن ساطورَ الرقيبِ قد نزلَ عليها.

شعرتُ بالمللِ من انتظارِ الذي لا يأتي فنهضتُ نافضاً الغبارَ الذي عَلقَ ببنطلوني.

" كلّ غائبٍ لا يأتي ولكن لابد من الانتظار. "

رددتُ مع نفسي، وقبل أن أخطو سمعتُ صوتاً قادماً من الخلف:

" انتظرْ "

التفتُّ فوجدتُ إخلاص جالسةً على بعدِ بضعة أشبارٍ من مكان جلوسي. أزاحتِ العباءةَ عن رأسها قليلاً ثم أشارتْ إليّ بالجلوس معهن، حيث كانتْ بصحبةِ فتاة أخرى. ترددتُ بالجلوس متلفتاً حولي فجاءَ صوتها مرةً أخرى يؤكد عليّ بأنْ لا أعيرَ اهتماماً إلى الموجودين.

" طز بيهم. "

قالتْ وهي تشيرُ إلى كلّ مَنْ في المسجد. مدتْ كفّها نحوي فاحتضنتُها بكفي ضاغطاً عليها برقّةٍ فندّتْ عنها ضحكة متقطعة كأنها تخفي رعشةً داخلية. حركتْ أصابعها على راحة كفي فشعرتُ برسيسِ هيامٍ ونشوةٍ تصعد بي في فضاءٍ عبقٍ ببخور سماوي يعطّر أنفاساً كادتْ تختنقُ قبل لحظات. قرّبتُ رأسي من رأسها كأني مزمع على ارتكابِ قبلةٍ فأشارتْ بعينيها إلى المكان المكتظّ، وهي تعض شفتها منتشيةً بالأنفاسِ التي تقاطعتْ.

" لماذا اخترتِ هذا المكان؟ "

سألتُها بنبرةِ لومٍ وخبث، فأجابتْ:

" كي أكون مع المنتظرين. "

نظرتُ إليها بنظرةِ استفسار جادةٍ، فأضافتْ:

" ولكني أختلف عنهم حيث أني أنتظر حقيقةً لا وهماً. "

لم أصدقْ ما أسمعُ من كلامٍ يصدرُ عن عاملةٍ صغيرة لا تجيد سوى تسجيلِ أرقامٍ على الكتبِ الواردةِ والصادرةِ فعدتُ أنظر إليها كرمزٍ أو كحلمٍ سأستيقظُ منه قريباً، فرحتُ ألملمُ الوقت كأني أغتصبُ من زمني البخيلِ لحظاتٍ إضافيةً كي أطيلَ مدة الحلم النادر. تطلعتْ إليّ محركةً شفتيها بأحرفٍ متباعدة عن بعضها:

" أ... ح... ب... ك "

تلقفتُ الأحرف كاتماً جوفَ كفي كيلا تفلتَ من بين أصابعِ الزمن ولكني افتعلتُ الثباتَ فسألتُها بعد أن أزحتُ ما تراكمَ من صدأ وغبارٍ في حنجرتي مفتعلاً السعال:

" كيف حدثَ هذا؟ "

فأجابتْ:

" لكثرةِ ما سمعتُ عنك. "

" ممنْ؟ "

سألتُ باستغرابٍ فردتْ كأنها كانتْ تنتظرُ مني سؤالاً كهذا:

" أين ما ذهبتُ.. "

حاولتُ أن أستفسرَ منها أكثر وقد دبّ الخوف في نفسي من أنّ هناك مَنْ أرسلها إليّ لتكشفَ سرّ الغموض الذي تدثرتُ به تجنباً للوشاية، لكنها وبدلاً من الإجابةِ عن سؤالي راحتْ تتحدثُ عن نفسها بصوتٍ هامسٍ ذي صدى يتردد كأنها تتحدثُ في منامها أو كأني أسمعه في منامي:

" في البدء كنتُ أظنكَ حالةً حلّقتْ بي كسحابةٍ عالية، فوجدتني طفلةً تلهو، بعدها احتقرتُ نفسي. تمنيتُ أن أنسى وأعتبرها لعبةً أو لحظةً عابرة. "

توقفتْ وهي تبلعُ ريقها بصعوبةٍ، وقبل أن أعيدَ عليها سؤالي، استأنفتْ حديثها دون أنْ تُصغي إليّ وكأنها تحدثُ نفسها:

" لم أشأ أنْ أؤذيكَ وخفتُ أنْ أفقدك. حاولتُ أنْ أجعلَ منك شبحاً ولكني استخفّيتُ بنفسي فكيف لي أنْ أحبّ شبحاً."

" ............... "

" .. لكني لحظتها أغمضتُ عينيّ وتذكرتكَ بعيداً عن كلّ نزواتي فوجدتكَ مقيماً في داخلي. "

" .............. "

" كنتَ قبل إدراكي بأني أحبكَ شخصاً متميزاً يقفُ على الأفقِ البعيد قريباً مني يلوّح لي بتلويحةِ وداعٍ وكنتُ أصرخُ بدون وعي مني وأمدّ يدي نحوكَ أحميكَ من السقوط في الهوة التي تقع على الجانب الآخر من الأفق. كنتُ أردد في يقظتي أحبكَ.. أحبكَ.. "

" ............... "

" ولكن حين استقريتَ في داخلي شعرتُ باطمئنانٍ لم أشعرْ به من قبل.. شعرتُ بأني طفلة تغفو في حضنكَ.. امتزجتْ بي عواطفُ العالم ورغباتُه فكنتَ أنتَ. "

نسيتُ هواجسي ومخاوفي وأنا أصغي إليها متيقناً بأنها واحدة من النساءِ اللواتي يأتي بهنّ الظلامُ في وحدتي أو يفلتنَ من قفصي الصدري ضلعاً يكبرُ.. يكبرُ.. ثم ينفصلُ عني ويستوي امرأةً مجنونة تشاركني الوحدةَ والغربةَ والألمَ. سحبتْ يدها من كفي فتشبثتُ بها كيلا يفلتَ الحلمُ، فسألتني محفزةً إياي أن أتحدثَ عن نفسي غير أني كنتُ عاجزاً عن النطق. أدركتْ ارتباكي فسألتني:

" ما بكَ؟ "

" أفكرُ بكلامكِ. "

هزّتْ رأسها مبتسمةً ببراءةٍ ثم واصلتِ الحديثَ وهي تتطلعُ إلي مسبلةً جفنيها بنشوةٍ فكانتِ الكلماتُ تخرج من بين شفتيها مصحوبةً بشهقاتٍ مرتعشةٍ وأنفاسٍ ساخنة:

" كنتُ أتلهفُ على رؤيتكَ لأمرين هما، لكي أرى مَنْ وهبني هذه الطاقة التي حسبتها قد وهنتْ، وأراك رؤية حق... "

" أيّ وهن تتحدثُ عنه وهي لم تبلغ الثامنة عشرة بعد. "

حدثتُ نفسي وأنا أتطلعُ إلى زاوية بعيدةٍ في ركنٍ وهمي. هزتْ يدي بقوةٍ فانتبهتُ إليها:

" ... والأمر الثاني ولا أنكره، أنّ جسدي ما عشقَ فكرةَ رجلٍ ولا تحكمتْ به شهوة جارفة كالتي لي فيك. "

توقفتْ فحسبتها لا تريد مواصلةَ حديثها وقد تسللَ بها إلى منطقةِ الجسد، إلا أني كنتُ واهماً فقد كانتْ جرأتها أكبر بكثير مما أتخيلُ.

" فكرتُ بأجسادِ ممثلين كهيئةِ مثالٍ، لكني ما فكرتُ بوجودهم، أنتَ وحدكَ أصبحتَ هوسي... أفكرُ في لحظةِ أنْ تلمسني يداكَ... أفكرُ في حركاتِ كفّكَ وهي تنحتني وتشكّلُ خارطةَ جسدي... ياااااا الله... أفكر في لحظةٍ تتقرآني بلمسةِ أصابعكَ... تُنطقني... هل سأتحول لحظتها آيةً تتلوها؟ دعاءً يخترقُ السماءَ السابعةَ فتجيبُ دعوةَ الملهوف وتكشف السوء؟ هل سأصيرُ عنقاءَ تدخلُ نارَ جحيمكَ وتخرج من غير خطيئة؟ هل...؟ "

توقفتْ عن الكلام وكأنها تنتظرُ مني أنْ أبوحَ لها بمشاعري، غير أني كنتُ أفكرُ بما وراء الكلمات. تلعثمتْ مشاعري حتى أني تمنيتُ لو لم يكنْ هذا اللقاء أصلاً. أيقظتني كفها من سرحاني فتطلعتُ إليها بإعجاب. قرّبتْ رأسها مني مسبلةً جفنيها، غارزةً أظافرها في راحتيْ كفيّ وهي تتلمظ، وحينما لم تجدْ بي شجاعةَ المبادرة فتحتْ عينيها وقالتْ:

" بوسني! "

قربتُ شفتي من شفتيها لكني توقفتُ في منتصفِ الطريق:

" الناس! "

فقالتْ:

" أي ناس؟ "

تلفتُّ حولي فلم أرَ أحداً في صحنِ المسجد، والظلام يحيطُ بأركانهِ سوى بصيصِ ضياء ضعيفٍ يتسربُ من داخل السرداب.

في الطريقِ إلى البيت كنتُ أسيرُ مطبقاً ذراعيّ على جانبي محاولاً الاحتفاظَ بالحلم داخل قفصي الصدري كيلا يفلتَ في لحظةِ سهو.

 

أدركَ حامد سلطان ما يدور بيني وبين إخلاص فانفردَ بي جانباً مُبدياً استعداده لمساعدتي بطلبِ يدها من أهلها فأجبته بالموافقة دون تردد، وكما يقال " خير البر عاجله " فقد زارَ حامد أهلها وعادَ إليّ بموافقةٍ أولية بشرط أنْ يأتي أهلي ليطلبوها كما هي العادة. سافرتُ إلى الكوت ليلاً بعد غيابٍ طويل ودخلتُ المدينة متسللاً كأن أشباحَ مديريةِ الأمن لا تزال تطاردني. كنتُ متردداً في مفاتحةِ أهلي حيث أني كنتُ على يقينٍ من ردة فعلهم، فالزواجُ في عرفِ عائلتنا جريمة لا تغتفر بل إنّ مجرد التفكيرِ بهذا الأمر هو إساءة لتضحياتِ من سبقوني إلى العنوسة، ولكي ألقي الحجةَ قبل اتخاذ القرار قلتُ بهدوءٍ موجهاً الكلام إلى أمي بعد تمهيدٍ لم يصلْ إلى هدفه:

" أريدكِ تأتين معي كي تخطبي لي. "

مرّ كلامي في فضاء الغرفة دون أنْ يصطدم بأذنِ أحدٍ فكررتُ العبارةَ دون تغيير. تطلعتْ إليّ أختي الكبيرةُ بوجهٍ مصفرّ وأنفٍ مرتجف، ودون أنْ تنطقَ أية كلمةٍ وصلني الردّ حيث أنها لم تتمالكْ نفسها فانهارتْ على الأرض وأغمي عليها.

لم أخبرْ حامد أو إخلاص بفشلِ محاولتي كي أطيلَ فترةَ الأمل محاولاً التفكير بوسيلةٍ أخرى. تكررتْ لقاءاتنا السرية والقبلاتُ السريعة في العتماتِ أو في الرسائل المقتضبة. الشهوةُ تتبرعمُ وتزهرُ لكن حينما تحين لحظةُ النزق كنّا نروّض حماستنا أو نتحايلُ عليها كي تقتربَ من قفصِ الكتمانِ فنغلق البابَ عليها مكتفين بقواعدِ الترويض صعوداً إلى الذروةِ الثلجية بأنفاسٍ ساخنةٍ محتفظين بحرارةِ الحلمِ ونشوة اليقظة.

أشارتْ إليّ بعينيها وهي تجتازُ الممرَ نحو المغاسل فتبعتُها. دستْ قصاصةَ ورقٍ في يدي وقبل أنْ تخرجَ مسكتُها من ذراعها وأعدتها إليّ. تطلعتْ إلى الممر خائفةً، وحينما لم يكنْ هناك أحد عادتْ. وقفتْ أمامي حتى التصقَ صدرها بصدري. أحطتُ خصرها بذراعي وقربتُ رأسها باليد الأخرى فأغمضتْ عينيها مستسلمة. قرّبتُ شفتيّ من شفتيها وغبنا بقبلةٍ حسبتُها طويلة، انتهتْ بصرخةٍ أطلقتْها حينما وجدنا ممثلَ النقابةِ يقفُ بيننا وخلفه عدد من العمال. حاولتِ الهروبَ إلا أنه أوقفها بفظاظةٍ، وراح يصرخُ مردداً كلماتٍ سوقية، هرعَ على أثرها كلّ موظفي الدائرةِ وعدد من عمالِ المشروع. تخشبَ لساني ولم أستطع النطقَ سوى بعذرٍ لا يصدقه أحد. تدخلَ حامد سلطان ومديرُ المشروعِ لإصلاحِ الأمرِ إلا أنّ ممثلَ النقابةِ لم يدع الفرصةَ تفلتُ منه فكما يبدو وما صرّحَ به بأنه كان منذ زمنٍ طويلٍ يراقبني ويتحيّنُ الفرصةَ التي جاءته اليوم على طبقٍ ذهبي. لم يعد الطين يخافُ من بلّة أخرى فهو طين، لذا فقد تهيأتُ لقرار 200 آخر دون اعتقالٍ أو تعذيب:

" إني الموقع أدناه أتعهد بعدم مزاولةِ الحبّ والقبلاتِ وسأتحملُ مسؤوليةَ ما يصدرُ بحقي في حال مخالفتي لتعهدي هذا. "

... الأحداثُ تجري بسرعةٍ بحيث لا تسمحُ للحلمِ أنْ يستمرَ بعد اليقظة ثوانيَ، والكوابيسُ المتواليةُ تجعلُ الإنسانَ يخافُ من النومِ أو الصفنةِ، فالصافنُ متآمرٌ والحالمُ مخلّ بالقوانين التي فرضتها السلطة. المدينةُ نائمة على صفيحٍ ساخن والعسسُ يجوبون الشوارعَ مصوبين مسدساتهم نحو السكون، يقتلون النكهةَ في كلّ شيء. الخوفُ شواخصُ بلا ملامحَ أو أشكالٍ ثابتةٍ تخرجُ من العتمةِ تقتنصُ مَنْ يوقعه الحظّ الأسودُ في دوائرها وكلما ارتفعَ صوتُ استغاثتهِ، مات ضميرٌ أو غيّر قناعه. عاشقان ينامان عاريين على حافةِ الأفق، قريبين من الله، يجتمعُ حولهما عسسُ الأرضِ وشياطينُ السماء، يحاصرونهما، يرجمونهما فيتدحرجان على الجهةِ الثانية ميتين فتضحكُ الملائكةُ والشياطينُ بسخرية. مَنْ يستطيعُ الآنَ أنْ يقتنصَ المعنى حيث لا معنى، وحيث الركامُ يغطي كلّ شيء؟ لا أحدَ.. لا أحد، فقد اختلفتِ الأسماءُ الأولى ولم يعد آدمُ يعرفُ شيئاً، بل لم يعد لآدم من وجود. القوسُ والسهمُ ودائرةُ الإصابة كلهم في قفصِ الاتهام، وحده المهرجُ في الساحةِ يرفعُ سوطه وينهالُ به على الحماسةِ التي تأبى الترويضَ فيضحكُ الحاضرون كلما ارتفعَ صوتُ الحماسة الناشز أو المستغيث. وأنا (أقصدُ مَنْ ظننتُ أنا) كمَنْ يستيقظُ على قُبلةٍ وموسيقى الختام أو كمَنْ جاء إلى الحياةِ متأخراً.

مدينتا النجف والكوفة تحولتا ساحةَ عرضات، رجالُ الجيش الشعبي ببدلاتهم الخاكيةِ المكوية بإتقانٍ وبنادقهم المعلقة على الأكتافِ، يجوبون الشوارعَ كأنهم بانتظارِ لحظةِ صدورِ الأمر باعتقالِ المدينةِ أو نسفها على رؤوسِ أهلها. همسٌ وشكوكٌ ونوايا واضحةُ المقاصد يقرأها العابرُ في وجوه الآخرين:

" أين أختبأ؟ "

" مَنْ؟ "

" الذي تبحثون عنه. "

لا أحدَ يجيبُ ولعلهم لا يعرفون عمّنْ يبحثون، فالماشي في وضحِ النهار والمتخفي بوجوهٍ كثيرة، الهامسُ بنداء (الله أكبر) والسكّيرُ الذي يترنحُ في الشارع، الزافرُ بعمقٍ أو النافثُ دخان سيجارته، الرجل والمرأة... كلهم شواخصُ تمرينٍ للمتقدمِ شاهراً حربته كي يطعنَ الهواء.

زرتُ مسجدَ السهلة لعلي أحظى هناك بلقاءِ إخلاص التي تركتِ العملَ في الدائرة بعد يومِ الفضيحة، فلم أجدْ أحداً سوى العسسِ الأموي أو البعثي فقد تداخلتِ الأزمنةُ والوجوهُ تتشابه. كانتْ وجوههم صفراً ويلوحُ الخوف في عيونهم الغائرة تحيطها كدماتٌ سود. هل كانوا بانتظارِ ظهورِ الغائبِ كي ينقضّوا عليه؟ هل تخلّى الناسُ عن آخر أحلامهم؟ وهل ملّ الناسُ من لعبةِ الانتظار؟ لا أعتقد، فليس لهم غير الانتظارِ يُحيكونه حلماً ومتراساً ليتّقوا به شططَ أمنياتهم، ربما أدركوا حقيقةَ أنّ لا عودةَ للغائبِ في هذا الزمان، وربما استعذبوا فكرةَ الغيابِ فغابوا، وربما هم الآن في تقيّةٍ مُقنعين أنفسهم بأنّ الله مع الصابرين.

زرتُ حامد سلطان في بيته. كان كئيباً على غير عادته. لم أجد صعوبةً بإقناعهِ بأنّ الفضيحةَ التي أثارها ممثلُ النقابة لم تكنْ إلا حيلة مدبرة ضدي. اتفقَ معي بل إنه راحَ يؤكد ثقته بما قلتُ، وأضافَ بيقين:

" كلنا مستهدفون والله الساتر. "

نقلتُ له ما رأيتُ من حركاتٍ مريبة في الشارعِ وفيِ العمل فهزّ رأسه ساخراً من إدراكي المتأخر. تلفتَ حوله خوفاً على الرغم من أن لا أحدَ غيرنا في الغرفة وزوجته في المطبخ ثم همسَ لي:

" أعدموه. "