يتخذ الروائي المصري المخضرم التاريخ إطارا لأحداث روايته الجديدة التي خص بها الكلمة، من خلال رحلة أثار فرنسية نزلت إلى الأقصر كي تنقل إحدى المسلات إلى فرنسا، فيأخذ القارئ في رحلة جغرافية إلى تلك الأمكنة الساحرة وظروف الحياة وطبيعة بشر الصعيد في تلك الفترة زمن محمد علي.

الفاتنة تستحق المخاطرة (رواية العدد)

فؤاد قنديل

                                 في البدء لم تكن الكلمة.. بل كان الوطن

                                                                         ف. ق

من الفاتنة.. و من العُشاق؟

هل مصر التي عشقها الغرب؟

هل الإمبراطورية التي شغلت محمد على؟

هل " جزيرة " التي هام بها جوزيف؟

هل المسلات التي حلم بها الفرنسيون؟

هل الأقصر التي اجتذبت الرحالة وعلماء التاريخ؟

أم تراها الهيروغليفية التي تعبّد في محرابها شامبليون؟

 

الشخصيات الرئيسية والثانوية
أسرة جوزيف.. روبير وعديلة..جوزيف.. رشيد البري. نبيه البقلي والد عديلة..عسكر شقيق عديلة.. فاليري عم جوزيف وبناته ليليان. سوزان. صوفيا

الحجاجية.. حكيم الحجاجي (العمدة).. جزيرة ابنته.. مدثر الابن الأكبر (مات في الحرب المصرية اليونانية).. حفصة وفاطمة.. بركة (مصطفي).. كاملة زوجة حكيم..زهران شقيق حكيم.. نصر ابنه.. زاهر شقيق كاملة (مات في الحرب ضد الوهابيين) رمضان شقيقها الثاني وأسرته

الباشا محمد على.. ابراهيم باشا ولده. عباس حفيده. بوغوص سفيان. الكلونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي)

الطاقم الفرنسي.. ريشار رئيس المهندسين.. هنري القبطان.. روجيه الطبيب.. فيكتور وبول وساسي وأولان..الإيطاليان: ماركو طبيب..روسي عالم آثار

الأهالي:

قرشي طبيب مصري..هنومة ورقية. يعقوب ومرقص ومهران الحداد وعبد الشهيد المراكبي. بيبرس الراعي. شيخ البلد بركات.مجاهد صديق نصر..يونس شيخ المسجد وآخرون.

 

(1)

أجمل ما خلق الله على الأرض الصباح الباكر الذي تزفه شقشقة العصافير والنسائم النقية الطازجة وقطرات الندي الساقطة من عيون السموات الرحيمة.. في شرف استقبال الصباح الوليد أرواح متلهفة اغتسلت بالصفاء والأمل.. تعودت أن ألقاه وأنا فوق سطحنا العالي الذي يشجعنى على التطلع إلى كل أنحاء القرية من صحرائها الغربية ونيلها الذي يتهادي في صمت وتؤدة كجمل تشغله أفكار غامضة حتى جبالها الشرقية التي تمتد إلى سفوحها حقول خضراء تبدأ من تحت أقدامي وتفرح مثلي بالصباح والندي بينما تكشف في سرية كاملة وزهو خجول عن وجه جديد من النضارة والبهاء وقد أطلت كالأطفال براعم وثمار وزهور.

المشهد تكتمل صورته البهية بخروج الرجال وبعض أولادهم تسبقهم الأبقار والحمير والأغنام متجهين إلى الحقول التي كانت محاصيلها من القمح إلى القطن والبرسيم والقصب متألقة بخضرتها تنتظرهم بشغف.. تمتد على مئات الأفدنة وأبعد من مدد الشوف. خضرة من كل شكل ولون.. الطيور تحلق وتحوم معلنة سعادتها باليوم الجديد.. تسرع بالتقاط ما تقع عليه عيونها من الحب ونتف الخضرة وما تجده من السنابل الناضجة.. الحمام ينطلق من الأبراج مهللا ومرحبا بالطبيعة المغسولة بالندي.. أقول في نفسي.. ما قيمة الحياة دون هذه الطبيعة، وأحيانا أقول ليست الحياة إلا الطبيعة..الطبيعة النابضة بالحب والجمال والحركة والإنتاج والفرح.. الحمد لك يا رب العالمين..هكذا يُكتب يوم جديد قد يحمل البهجة والخير لبشر طال اشتياقهم للابتسام.

 الأرض - رغم الأمل الوليد - انشقت فجأة عن عشرات الخيول يمتطيها جنود يحملون البنادق وينتشرون في القرية. يتحركون بسرعة داخل الشوارع والأزقة يمينا ويسارا كأنهم قضوا أياما في التدريب على مهاجمة هذه القرية بالذات. كثير منهم شقر الوجوه..على رؤوسهم طرابيش حمراء قصيرة تتدلي من خلفها خيوط سوداء حريرية لامعة معقودة بزر فوق الطربوش..أسرعت أتراجع إلى الخلف فقد كانت رأسى عارية وشعري الطويل البنى منطلق على ظهري والكتفين بحرية.. دخلت غرفة لم تكتمل تسد نافذتها عدة ألواح من خشب. من بين الفروق الطولية الرفيعة تابعت المشهد.

 ترجل الفرسان وتقدم بعض الجنود من الخيول فسحبوها إلى الميدان.. تركوها لترتاح وتتناول فطورها من الحبوب..أكمل الجنود الطريق مشيا إلى أقرب الحقول يَحُشّون عيدان البرسيم ويحملونها إلى الخيول التي ربما غادرت بهم قنا مقر الحكمدارية قبل الفجر وظلوا يركضون بهمة لعدة ساعات دون راحة.. وقف أكبر الجنود سنا ومقاما أمام بيتنا وراحوا يطلقون الأوامر لمن دونهم من الشباب كي ينتشروا.. حدقت بتمهل في ملابسهم وسحنهم.. تغطي صدورهم سترات زرقاء فوق قمصان بيضاء تميل قليلا للصفرة، وعلى الخصور أحزمة حمراء عريضة وتحتها سراويل بلون القمصان، تم تجميع قماشها وحشره عند منتصف الساق في جتور، والجتر كوز اسطواني محكم يبدأ من فوق الحذاء الأسود.. البنادق التي يحملونها مثبتة في مقدماتها سناكي طول الواحد منها يعادل نصف سيف.. لمحت بقدر من الدهشة أن بحيرات العيون برغم السلاح والسلطة والصوت العالي تلمع فيها فقاقيع من الرعب.

 بدأ الجنود الكبار يضربون الأرض ويرفعون أصواتهم بالنداء على الأهالي عبر البيوت الصامتة والأبواب المغلقة.

-                     يا أهالي البلد.. حان موعد سداد الضرائب المتأخرة.. من لم يدفع سيتعرض للعقاب، تعرفون النظام.. من يفكر في الهرب سوف يُقتل فورا.. الدولة لديها التزامات وأعباء ولابد من الدفع.

 أعرف أن البعض قد دفع حصته منذ شهر مثلنا..هناك من طلب مهلة حتى يجمع ما عليه فلم يزرع هذا العام إما بسبب انخفاض الفيضان أو لهجوم العربان علي أرضه ونهب محصوله قبل حصاده بأيام، والبعض قد يتعلل ولو كذبا بأنه باع أرضه ولم تعد لديه حيازة، وآخرون اختفوا وتركوا الأرض دون زراعة من كثرة الديّانة.

من بعد.. ألمح من فوق الأسطح رجالا يرتدون الجلابيب الداكنة.. يتقافزون قبل أن تلحق بهم رصاصات الجنود الألبان الموكلة إليهم مهمة الجباية تحت إشراف الصيارفة.. تُفتح بعض الأبواب ويخرج رجال يتقدمون في خطوات جنائزية باتجاه الصيارفة ليسلموا القروش المقررة على أراضيهم. يلمح الجنود العشرات ممن لا يجدون قوت يومهم يندفعون بالركض في الاتجاه المعاكس. يكون الجنود قد أعدوا بنادقهم للإطلاق واتخذوا وضع الضرب، وسرعان ما يطلقون الرصاص الذي يتجنبه الفارون قدر الإمكان، لكن بعضهم يقعون بسبب الرصاص الذي أصاب أقدامهم أو ظهورهم، وعندئذ تنطلق النسوة بالصراخ والولولة فقد كن يتابعن رجالهن الذين لم يكن لديهم حل إلا الفرار ببقايا الكرامة ورفضا للتعذيب والمهانة.

 يسرع الجنود للحاق بصيدهم من الرجال العاجزين عن الدفع وعن النهوض. يساعدونهم على القيام أو يجرونهم كالزكائب حتى الميدان وعليهم حراسة ليلحق بهم بعض ذويهم من الفتيان والصبية ليضمدوا الجروح إن استطاعوا.

 أتذكر أن هؤلاء الجنود كما قال أبي مرات لابد جاؤا في باخرة، ولم يأتوا إلينا برا من الحكمدارية.. أتحول إلى النيل فلا تقع عينى على شيء ثم ألمح بطرف عين صاري المركب يظهر من خلف معبد الأقصر.. يقول أبي:

-                     تبدأ الحملة عملها من أسوان حيث ينزل الجنود بالخيول إلى البر ويشرعون في جمع الضرائب ومطاردة خلق الله من الفلاحين المساكين ومن لا يقدر على الدفع يعذب ويؤجل له أو يحمل إلى الباخرة التي تتوجه شمالا إلى القرية التالية وهكذا حتى تصلنا وعليها المئات من المتعثرين.

سئمت المشهد البائس الخالي من الرحمة فهبطت لأسأل عن أبي وأطمئن عليه.. يحب أن يراني في الصباح ونشرب القهوة معا بينما هو في فراشه قبل أن أساعده على النهوض أنا وأمي ليمشي خطوات حتى الكنبة في وسط الدار ومنها يستطيع أن يري عبر الباب الخشبي الكبير نور الله والعابرين في الشارع، ويطمئن على أحوال الدنيا ويعرف أخبار الناس فقد يشعره هذا بأنه ما يزال على قيد الحياة.

كانت أمي كاملة قد أبلغته بما يجري. علت وجهه سحابة من الأسى فتنهد واهتز ذراعه الراقد ذليلا في حجرة.

ينقضي وقت قبل أن تظهر نوعية ثالثة من الرجال الذين باتوا الليلة الماضية والليالي السابقة عليها دون عشاء يذكر ولو لقيمات خشبية وبعض الحشائش الخضراء التي يلتقطونها عادة من الحقول خلسة أو من ضفاف الترع.

يخرج هؤلاء الرجال منكسي الرءوس إلي الجنود وموظفي الجباية. يقفون وأذرعهم متدلية وتعسة إلى جوارهم أو معقودة على بطونهم وهم يعرفون بالضبط ما الذي سوف يحاق بهم وماذا ينتظرهم من عقاب.

يسأل الصراف كل شخص عن اسمه، وتمر عيناه كالسهام على كشف الأسماء إلى أن تعثر على اسم العبد الفقير وأمامه المبلغ المطلوب سداده..يردد الصراف على سمع الرجل الذي يشبه قطنة مبتلة طلب الدفع فلا يجد الفلاح أية إجابة ولا تبلغ الصراف كلمة. يعيد الطلب مع التهديد بالعواقب فلا يسمع ردا إلا تنهدات وتمتمات لعلها تنادي الله كي يتدخل بكرمه.. يتقدم الجنود ويحيطون بغير القادرين المقرين بعجزهم وقلة حيلتهم. يرفع الصراف صوته قائلا لأهل الشارع الواقف على ناصيته:

-                     فلان الفلاني مطلوب منه خمسين قرشا ضرائب حيازته والقانون أقر الجلد لمن يعجز عن السداد في حدود جنيه أو أقل.. بمعدل جلدة عن كل قرشين.. يا بلاش، من لم يدفع المقرر عليه إذا كان خمسين قرشا مثلا يجلد خمس وعشرون جلدة. فهل منكم من يسد عن هذا الرجل؟.. مولانا الباشا الكبير يسهل عليكم،وقد قال:

-                      بعضكم سند لبعض. أما من يستحق عليه أكثر من جنيه فيقطع من يده أصبع بعد الآخر حتى يدفع لنفسه أو يدفع له غيره أو يوافق على الخدمة المجانية بحفر الترع أو بناء الجسور مقابل الطعام فقط حسب الأحوال.

أعاد الجابي ما قاله بطلب السداد والمساندة ثلاث مرات فلما لم يجد من يتطوع بالسداد أشار إلى الجنود للإمساك بالفلاح المدين وربطه بأقرب نخلة بحيث يتوجه نحوها بصدره ويعانقها، ثم يعري الجنود ظهره ويبدأ تنفيذ الحكم.. حدث هذا مع أحد عشر رجلا، وأنقذ البعض خمسة بأن دفعوا بدلا عنهم وفي الأغلب يكونون من أقاربهم. ومن يرفض العقوبة يُربط بالحبال مع أقرانه ويتم جرّه إلى المركب ليعمل دون أن يتلقي أي سحتوت لمدة عام كامل وقد يزيد حسب الظروف.

 مع آذان العصر يكون الجابي قد انتهي من مهمته، ونزلت العقوبات بمستحقيها وتبدأ الرحلة إلى الباخرة والحبال تجر الفلاحين وسط ولولة النسوة من الأمهات والزوجات والشقيقات والبنات اللائي لا يتوقفن عن الصراخ والبكاء واللطم.. يتبعهن العيال الصغار حفاة مكشوفي العورات في الأغلب تتوزع على جلودهم السمراء خرائط الملح المترسب من عرق صبته حرارة الليل ورطوبته.. بعضهم يبكي لأن أمهاتهم تبكي والبعض خرج للفرجة على الموكب الطويل الكئيب الذي يذكرهم بالمولد. جنود في ثياب ملونة وبنادق وخيول ورجال مربوطين ونسوة في جلابيب سود وأصوات تتعالي، لكن عيونهم تتعلق باهتمام وفرح بالطرابيش الحمراء ذوات الزر والخيوط السوداء اللامعة التي تتطوح يمينا ويسارا كذيول الجياد.

 ترفع النسوة رؤوسهن إلى السماء يطلبن الغوث والفرج، كما لا يفوتهن الدعاء لله أن يهدم بيوت الظالمين وأن ييتم أطفالهم ويرمل نساءهم ويرجونه متضرعين أن يشتت شمل الباشا وجنوده وأن ينتقم منهم شر انتقام،حتى يصل الموكب الحزين إلى ضفة النيل حيث يجدون الباخرة مليئة بمئات الرجال الذين عجزوا عن السداد ورفضوا العقوبة وارتضوا مفارقة الأهل اعتمادا على أن الله سيتولاهم فهم خلقه وهو المكفل برزقهم.

 رأيت الباخرة من قبل وهي تغادر المرسى

 بنعومة في الظاهر كبطة كثيفة اللحم وهي في الواقع تعاني من شيخوختها ومن أحمالها الثقيلة ومن انخفاض منسوب المياه في النهر، ولا يكون بمقدور القبطان أن يفعل لها شيئا إلا أن يتقبل على مضض احتكاك قاعها بتلال الطين المتكدس على مدي آلاف السنين حتى أوشكت أن تظهر للعين في بعض المواضع حتى إبان الفيضان، وهو ما اعتاد أن يشكل جزرا كثيرة وسط النيل كتلك التي ولدتُ بها قبل أربعة وعشرين عاما.

 تتجه المركب عموديا صوب منتصف النهر كأنها تعتزم الوصول إلى الضفة الغربية ثم تميل جهة اليمين لتأخذ طريقها نحو الشمال، ولا يؤثر ابتعادها في نقصان جبال الحزن، فالأيدي المنكسرة تواصل التلويح والعيون التي أصبحت مآقيها بلون الدم لا تكف عن نزف الدموع، والقلوب المفارقة يسمع صوت تصدعها بين الضلوع.. تجلس النسوة على الشاطئ ويعيدن عقد الطرح على رؤوسهن في وضعية التعبير عن الحزن العاصف وقد قصمت ظهورهن رحلة الرجال المجهولة ولا يعلمن ما المصير ومتى يحين اللقاء مجددا؟.. هل يسبقهم الموت إلى الأهل فتغيب عن الحياة أمهات وآباء وقد يختطف المرض المتوحش الصبية الصغار..لا أحد يعرف أي شيء عن أي شيء..المجهول يفضي ولابد إلى الخوف..المجهول عوّد الناس على الطعنات. لكن الإيمان راسخ بأن الله سوف يبعث قدره ومعه اللطف والرحمة.

فجأة تقول امرأة أنها أخطأت في حق زوجها إذ لم تتمسك به ولم تدافع عنه ضد الظّلمَة..تؤيدها أخري قائلة:

-                     فعلا.. تركناهم ووقفنا نتفرج عليهم

تمنع ثالثة موجة التأنيب قائلة:

-                     ماذا بأيدينا لننقذهم؟

تندفع رابعة:

-                     كان بأيدينا الكثير.. كيف فاتنا أن ننقض على الجنود ونخمش وجوههم ونأكل جلودهم بأسناننا؟.. كان يكفي أن نرميهم بالطوب ونعمي عيونهم بالتراب.. أمور كثيرة كان يجب أن تحدث

أيدتها خامسة وأشعلت الشابات غير المتزوجات المشهد، إلى أن زعقت فيهن جدة لها أحفاد اختطفوا ولدها الوحيد:

-                     كفاية يا مرة أنت وهي. ما حصل حصل. في المرة القادمة بيّنوا كرامة.. كنتن تريدن ضرب عشرين عسكرى مسلحين بالبنادق والسيوف والجبروت، وبعد ما تضربوهم بالطوب وتأكلوهم بأسنانكم ماذا سيحدث؟..ستصبح المصيبة مصائب. ربنا يتولانا

هتفت بحفيدها:

-                      ولد يا سليم..

أنهضتها النسوة واعتمدت على عكازها ووصل سليم فوضعت كفها المعروقة على كتفه ذي السنوات التسع.

جفت الدموع مع توالي عبارات الملامة وخفتت الأصوات وتركت مساحة للتنهدات والأسف.. تصاعدت طلبات الصغار الذين نام بعضهم على صدور الأمهات.. وبينما الشمس تتأهب تدريجيا كي تغادر الأفق في موكبها الأرجواني بدأت النسوة في القيام المتمهل والعودة إلى بيوتهن يجرجرن الخطوات الثقيلة لا تكاد الكثيرات تشعرن بأقدامهن، ومع ذلك لم يكن بالإمكان تجنب التفكير في الأمسيات الخالية من الرجال،والبيوت الساكنة التي لن تكف عن سؤال الرياح والقدر.. متى يعود الغائبون؟، ثم تجيب على نفسها:

-                     ليتهم يعودون حتى لو لم يكن في البيت لقمة أو شربة ماء.

والآن وقد تبددت الطرق ودنت الخطوات من البيوت لم يبق غير طلب العون من الله الذي لا تضيع معه الودائع، ولأنه المُطلع على كل شيء فسوف يكون السند والحافظ، وسوف ينتقم من كل ظالم.

 فلابد من يوم معلوم تترد فيه المظالم

أبيض على كل مظلوم

أسود على كل ظالم

 في صباح اليوم التالي كنت على السطح كعادتي أستقبل يوما جديدا فانتشت روحي بالمشهد.. الرجال يتجهون إلى الحقول وعلى أكتافهم الفؤوس، تسبقهم البهائم ويتبعهم الأولاد الصغار والنسوة يحملن الجرار إلى النهر لجلب الماء، كأن الأمس لم يكن فيه ما يغضب وكأن أحدا لم يفارق.

 

(2)

كل القرى المصرية تكاد تتشابه في المباني والطرقات، والبشر والحجر والشجر والنبات والعفاريت والغبار والكلاب والأفكار والأحلام والحشرات والجاموس والحمير والجمال والنخيل والهلاوس والأعراف والعبادات والإيمان بالسموات والالتفاف حول ضفاف النيل وشمس الشتاء وطقوس الأفراح والأحزان والرضا بالمقسوم والعجز عن اختراقه أو تغييره.

لكن الأقصر تختلف قليلا بسبب قلة السكان وكثرة المعابد نصف المردومة وإحساس أهلها بأنهم على أطراف الدنيا بحكم المسافة الفاصلة بين مركز الكون في القاهرة ذات الاسم المدوي منذ جاءت الحملة الفرنسية وأعقبتها القفزة الذكية للجندي الألباني على كرسي الحكم، وتركه تجارة أبيه في الدخان.

 رغم ذلك فالأهالي يدهشون لأن جنود الباشا لا يتوقفون عن الظهور بينهم كل عدة أسابيع كأنهم يقيمون في قنا أو إسنا، وهؤلاء الجنود أصبحوا شبه دائمين في أحلام الفلاحين، ومع الكرابيج والرصاص وركض الفرسان على الخيول خلف الأهالي ودهسهم حتى يتوقفوا عن الفرار، تتنوع الرؤى والحكايات، بل اختلطت كلتاهما فلا يعرف أحد على وجه اليقين عندما يحكى حلمه للآخرين ما إذا كان يقص عليهم ما رآه في المنام أو ما عاشه في الواقع.. هل كانت نجاته من زيارة الجنود الأخيرة وهو يجتاز الزرائب ويقفز فوق الأسطح وفوق أكوام السباخ أو مدفونا في تل من التبن أو منطرحا وسط الأغنام التي أحاطته بحنانها وتواطأت معه وقد أدركت أزمته فاحتضنت مصيره المشكوك في إمكانية أن يمتد لساعات..هل كان هذا في الحلم أو في اليقظة؟..لكنه قد يعثر على ما يساعده على التذكر والتمييز متمثلا في بعض الجروح والخدوش والكدمات في ذراعيه وساقيه ووجهه.

 يقول الأهالي أنني لست كأية فتاة في الأقصر..تفكيري وشكلي وكلامي مختلف. لكن السؤال الذي يعربد في عقولهم وأحلامهم ونفوسهم المغرمة بأسرار الآخرين مازال دون إجابة ولا يستطيع أحد ولا يتجاسر على أن يسأل بنت العمدة مباشرة لماذا لم تتزوج حتى الآن رغم أن هناك بنات تزوجن في الرابعة عشرة؟.. ليسألوا كما شاؤوا ويخمنوا ويتصوروا بقدر ما يسمح خيالهم إذا كان هناك خيال وظنونهم وهي بالتأكيد متوفرة وسوء الظن كذلك.. لكننى غير معنية بإزالة همومهم والإجابة على أسئلتهم.

 أنا لم أعد تلك الطفلة الصغيرة ذات السنوات الاثنتى عشرة التي كانت تحلم كثيرا بأشياء غريبة، ولست تلك الفتاة التي رأت القاهرة وهي في الخامسة عشرة.. لابد أن هناك في بر مصر نحو مليون فتاة مثلي لم تتمكن من زيارة المدينة الكبيرة المغرية بالمعالم العجيبة والحكايات التي لا تنتهي حتى لا تملك أن تغمض عينيها لتنام بعد جهد يوم ثقيل، وقد كنت أسب النوم إذا فكر أن يزورني قرب منتصف الليل لأن شوقي مركز في أن أري كثيرا وأسمع وأعرف وأتذوق طعوم كل خيراتها، وكم كان يسعدني أن أخاف من الخيول المسرعة وأرتج رعبا من المباني العالية وأنا فوق أسطحها أتأمل المدينة العامرة التي لا تعرف النوم إلا ساعات قليلة.أنا إذن لست أنا التي تعيش في الأقصر منذ ربع قرن.. أنا الآن أعرف الكثير وأفهم المواقف سواء من ظاهرها أو من باطنها ولكل شيء مهما استخفي وتواري ظاهر وباطن.

 أبي وأمي يشعران بقلق بالغ ودائم من عدم قبولي الزواج.. أنا نفسي لا أدري لماذا أنا غير متقبلة فكرة الزواج وأتقبل جدا فكرة قضاء العمر في المعرفة، وأول المعرفة المكان.وإذا كنت قد أحببت القاهرة فقلبي في الأقصر وروحي تهيم بأجوائها وتعانق نخيلها وقدماي تعشقان الطرقات المفضية إلى معابدها وإن لم يمنع هذا من أن أنظر إليها على أنها قرية ميتة لم تتحرك وتدب فيها الحياة إلا مع قدوم البعثة الفرنسية، وقبل ذلك لا تعرف اليقظة والانتباه إلا مع هجمة جنود الباشا أو في يوم مولد أبي الحجاج..

 لم تؤثر في سلوكي وشخصيتى زيارتي للقاهرة قدر ما أثرت في طبيعتى حالة أبي المرضية التي داهمته فور علمه بوفاة مدثرأحد شقيقيّ بعيدا عنا ولم نتسلم جثمانه، وكان يحارب مع الجيش المصري لإخماد الثورة اليونانية ضد الحكم العثماني..أخي مدثر هو الأكبر.. شخصية نادرة جمعت كل الصفات الحسنة.. كريم وذو مروءة وصادق وشجاع وحليم وحكيم وصبور وبارع في الزراعة والتجارة.. ذهب مدثر وبقي لي شقيق واحد هو مصطفى الذي شاعت تسميته في البلد بركة بسبب اعتقاد الناس أنه طيب جدا وله صلة وثيقة بالله.. في أحيان كثيرة يتنبأ بما يمكن أن يحدث، فهو الذي خطر بباله بشكل مفاجئ أن مجاهد صديق نصر ابن عمي سيلتقي زوجته عند الساقية مع أذان العشاء فمضي إليه وأبلغه أن العربان سيهجمون على البلد فجر الجمعة وما جري بعد ذلك أثبت صحة ظنونه، وهو الذي قال: إن سنية التي لم تحمل يوما لسبع سنوات ستحمل وقد حملت وإن مات ولدها، وهو الذي قال لأبي:

-                     الجراد في الطريق وسوف يحط على البلد في الصباح

يقصد جباة الباشا.

أخي بركة الذي يتكلم بصعوبة هو الذي يجلب لنا السمك من النيل، فعندما ينزل وينادي عليه همسا يخرج السمك إليه.. ليس في كل الأوقات بالطبع..لكنها أمور غريبة.. وهذا هو السر في أن كل الناس تثق أنه مدعوم من الله وأنه بالفعل بركة، وإذا تشكك البعض في هذا أسكته غيره ومنهم الشيخ يونس:

-                      ليس ذلك بمستبعد..الله مطلع على عباده ولا يتركهم أبدا ويكتفي بأن يبعث إلى العباد آياته في صور متعددة..فالله خيرٌ حافظا وهو أرحم الراحمين.

 بركة قد يحمل السمك أيضا لمستورة ابنة الشيخ يونس ويجلس معها بعض الوقت، ويضطر أبوها إذا وجده معها أن يطلب منه بكل حنان مغادرة البيت و قد نصحه مرات ألا يدخل الدار في غيبته لكن بركة ينسي.

وعندما تعثر أبي مرة وهو متجه إلى المرحاض في زكيبة بها بقايا من ذرة صفراء لم يستطع الاعتماد على ذراعه المشلولة فوقع على الأرض وغاب تماما عن الوعي.. تعاونتُ مع أمي في رفعه إلى الفراش وناديت برهام ابن عبد السلام المزارع ليستدعي الدكتور قرشي بسرعة من الوحدة الصحية، فعاد دونه لأنه طبيب لا يعتمد عليه بسبب كثرة غيابه وسفره إلى بلده. طلبت إليه سرعة البحث عن بركة ولما لم يجده أمرته بالذهاب إليه في بيت الشيخ يونس.. لم ينفع أبي الماء الذي نثرته على وجهه ولا البصلة التى أحضرتها أمي وقد كانت رائحتها النفاذة كفيلة بإفاقته..

 مضت أمي تدلك بطن قدمه وأنا أدلك صدره بينما الدموع تسيل وعقلي يدور بشدة باحثا عن المنقذ بعد الله.. قالت أمي: ننادي لشلبي حلاق الصحة.. رفضت.. مجرد أن ترد سيرة هذا الرجل اللزج أوشك أن أتقيأ، لكنى أذعنت مضطرة لإرسال نجية ابنة عبد السلام لدعوته....رجل فضولي لا تكف عيناه عن الدوران في البيوت والسؤال عما لا يخصه والتفتيش في كل ما تقع عينه عليه، وله نظرات تلمس الجسد وتكاد تكشف العورات وتقتحم الملابس. ما الذي أخر بركة؟

.. حضر شلبي وأخذ ينثر على وجه أبي العطر ويشممه البصل ويفعل كل ما فعلنا، ثم قال:

-                      لابد من نقله إلى الوحدة

كدت أقول له:

-                     شكرا يا عم شلبي.. تفضل

أنقذني حضور بركة الذي وقف شاردا لحظات يهرش قفاه ثم بطنه ونحن نحدق فيه.. هو بالطبع ليس طبيبا لكنه بركة..

سحب بسرعة الوسادة من تحت رأس أبي ووضعها على وجهه ونزل بثقله عليها فصرخنا أنا وأمي وهجمنا عليه فأبعدناه.. دفعنا بقوة ثم أعاد الوسادة لحظات وتركها كما هي.. وقف ينظر إلينا ويشير بإصبعه رافضا أية خطوة وفجأة ضحك فرفع أبي رأسه.. نظر إلينا وسأل:

-                     ماذا جري؟.. لماذا أنتم واقفون هكذا؟.

سالت دموعنا وتهاوينا إلى الأرض.. فتح بركة باب الشارع وخرج. أسرعت وراءه أسأله إلى أين أنت ذاهب، فقال:

-                     النار في الطاحونة.

 علمت بعد ذلك أن نارا نشبت في بعض الزكائب الفارغة بطاحونة يعقوب و انتقلت إلى كيس قطن كان ممتلئا وطالت ألواح خشب فعلت النيران.. أسرع الجيران بالمشاركة.. تعاونوا وأطفئوها مع وصول بركة قبل أن تلحق السقف والماكينة.. دون تفكير تقدم يعقوب من بركة وقبله وعانقه وهو في حالة امتنان شديدة.

 حاولت عدة مرات منذ الثامنة أن ألعب مع الصبية الذكور مع أنني

 كنت أشعر بأنهم نماذج عجيبة من الكائنات.. ما يبدو من أجسامهم صدئ وأغلب ملابسهم مهترئة، وقذرة وبعضها بكم واحد أو بدونهما معا والياقات بلا أزرار وبعض الجيوب تمزقت وقد اختلطت ألوان الجلابيب، كما أنهم يلبسونها على اللحم والأسوأ تلك الروائح العطنة أو الكريهة التي لا أستطيع تمييز مصادرها ورائحة البصل هي المهيمنة، كما أنهم يميلون إلى الشجار لأتفه الأسباب، ويظلون وقتا يتقلبون فوق التراب حتى تكاد تتغير ملامحهم.. لا أدري كيف يحتملون كل هذا والأرض تحت أقدامهم جمر وهم حفاة..كثيرا ما أشعر أن العيال تنتمي إلى الحمير أكثر من انتمائها للبشر..رغم ذلك حاولت اللعب معهم فلم أوفق.. بعضهم رفضنى كوني بنتا وبعضهم رفضنى لضعف أدائي وإفساد إيقاع اللعبة.. اضطررت للعب مع البنات،استأذنت أبي فوافق وإن لم تتحمس أمي وأخي مدثر لفكرة لعب البنات واكتفي بالقول:

-                     العبي مع أختيك

كيف ألعب مع طفلتين تصغرني أكبرهما بخمس سنوات..كان بيننا ولد مات بعد سنتين.. حاولت لعب السيجة والحجلة والكرة الخيش فلم أتقبلها ولم تجتذبنى وأعجبتني الاستغماية.. استشعر أخي مدثر حاجتى للتسلية فعلق لي حبلا في شجرة الجوافة أول أشجار الجنينة الخاصة ببيتنا الكبير.. وضع لي وسادة في أسفل الحبل الذي عقده فوق الشجرة وأجلسنى على المرجيحة ودفعنى عدة مرات ففرحت وضحكت وطرت في الفضاء،وعلمنى أن أمرجح نفسي، فأقبلت وتفننت في الطيران بالمرجيحة وارتفعت حتى لمست أطراف الشجر بيد واحدة وشهق عندما رآني أكاد أطير..هددني في حالة تكرار ما رآه ألا يسمح لي بركوبها فقد سقطت من فوقها نجوي ابنة سلام المزارع.. لم يرهبنى سقوط البنت فمضيت أحلق عاليا وألمس أطراف الشجر.. احتجت بعد عدة أيام لدعوة أخي كي يربطها من جديد بعد أن انقطع الحبل بسبب ركوب بركة عليها وهو رغم أنه أصغر منى فقد كان في مثل حجمى مرتين على الأقل.

 لم أشعر بالخوف ولا أذكر أني عرفته.. فمما أخاف؟.. ربما أخاف النهر فقط لأن من يسقط فيه فهى النهاية،.. لا أخاف الكلاب ولا الظلام ولا العفاريت ولا السير وحدي رغم الحكايات الكثيرة المرعبة التي يتناقلها الكبار والصغار. قد يكون إيماني الغامض بأن لكل شخص ملاك حارس يساعدني على التماسك والجرأة اعتمادا عليه.

 شعرت به منذ سنوات ينام إلى جواري وكان يصاحبنى في الكتّاب.. يصعد معي إلى السطح ويتنزه معي في الجنينة.. أحسه بالقرب منى وأنا أقف طويلا وسط أشجار البرتقال لأتشمم العطر الفواح لزهر البرتقال.. أنشغل عنه عندما أطارد الفراشات الرقيقة وأحاول بكل رفق الإمساك بها.

كتمت سري عندما لم أجد أمي تتحدث عن الملاك الحارس ولا أبي ولا أخي وإن لم أنس أن أمي قالت لأخي مرة، وقد أصابت وجهه طوبة في حجم تينة ألقتها بقوة امرأة على ولدها في الوقت الذي كان أخي يدخل الشارع فأصابت وجهه بالضبط فوق أنفه وبين عينيه، وأسرعت المرأة تعتذر وتدعي على ابنها وأصرت أن تغسل وجه مدثر وأن تكبس التراب الناعم على الجرح.. لما عاد إلى البيت صرخت أمي واضطربت رعبا وصبت ماء في كفها وغسلت الجرح..سألته عن السبب فقص القصة وعزمت أمي أن تمسح بكرامة المرأة تراب السكك فأوقفها أبي وأخي.أرسلنا إلى شلبي الحلاق اللزج فوضع سائلا أحمر وبودرة صفراء وقطنا مبتلا وطلب ألا يتحرك قبل يومين.. قالت أمي بعد أن تنهدت:

-                     الحمد لله.. العين عليها حارس يا ضنايا

قال أبي: ابتلاء بسيط يفدي الله به ولدنا من شر كبير

كلمت الملاك الحارس في العديد من المناسبات.. لم أسمع منه كلمة ولا همسة، لكننى كنت على ثقة أن شخصا آخر معي.. لابد أنه كان معي عندما أعتزم السير نحو النهر فأجدني فجأة أرتد وأغير رأيي وأذهب إلى إيزيس التي أميل إليها ابنة عم صبري صاحب الفاخورة..اعتادت أن تكون هناك.. أجلس معها فتعرفنى كيف يصنع أبوها الأزيار والقلل والزلع والإبرمة. وبعد فترة أطلب منها أن تصاحبنى لنتوجه إلى معبد الكرنك فيأذن لها أبوها.. أتعجب من الأعمدة المستديرة الضخمة التي نبدو تحتها كالنمل.. تقول إيزيس:

 لابد أن من بناها كان في حجمها

أقول:

-                     ولماذا لا يستخدم السلم؟

-                     السلم لا يفيد في الأبنية الضخمة ربما يفيد في عمود رفيع يبنيه على مراحل.

نطوف بالمعبد وندهش للتماثيل والمسلات ونصفها على الأقل مردوم تحت التراب..نحدق في الرسوم على الجدران ونتنافس في تحديد النساء لنميزهم عن الرجال..

أقول لإيزيس:

-                     إذا تأملنا بعض الرسوم ربما نكتشف أنها تكاد تحكى قصة

-                     ربما.. لكننا لا نستطيع أن نفهم المقصود من الرموز المحفورة ولا عمل هؤلاء الأشخاص وما الداعي لرسم صورهم على الحجر.

-                     هل يمكن أن يكون هناك ناس غير المصريين أقاموا هذه المعابد؟

-                     ربما وجائز أن يكون قد أقامها أجدادنا منذ سنين طويلة وتغيرت الأحوال ولم يتركوا لنا ما يعيننا على معرفة أسرارهم ومبانيهم.

-                     أبي قال: إن من بنوا هذه المباني مدفونون في البر الغربي

أحسست أن يدا تلمس يدي.. كانت إيزيس قد سبقتني إلى تمثال كبير لشخص علي رأسه عمامة كبيرة. ارتعدت فقد تبادر إلى ذهني أن أحد سكان هذا المعبد هو الذي حاول أن يمسكني، لكنني تذكرت الملاك الحارس.. لم أستطع أن أحدد مصدر اللمسة ولذلك أسرعت ألتصق بإيزيس.. مضت بي إلى عمق المعبد ووصلنا إلى ساحة كبيرة بها تماثيل كثيرة مرصوصة بحذاء الجدران.. عادت اليد الرقيقة تلمسني. لا أحد قريبا منى.هذه إشارة.. قلت للإيزيس:

-                     هيا بنا.. لقد تأخرنا

في يوم بعد أن بلغت الثالثة والعشرين ناداني أبي، وقال:

-                     اجلسي يا ابنتي. تعالي يا كاملة أحضرينا

جلست دون أن أفهم ما الموضوع ربما تكون حفصة أو فاطمة بهما شيء

أو أحد مسّ بركة بكلمة.. قلت:

-                     نعم يا أبي

-                     يا ابنتي.. هل أنت غير كل البنات؟

ابتسمت مندهشة

-                     ماذا حدث منى أغضبك؟

-                     تكلمنا معك عدة مرات بخصوص زواجك وتقدم لك خطاب كثيرون ولم تفتحي الباب بأي صورة ولم تجعليه حتى مواربا

أحنيت رأسي.. لم أحدد بعد ماذا أقول.. كلام معاد وممل

-                     مرة ثانية يا أبي!

-                     وثالثة وعاشرة.. هذه هي الحياة

-                      لا أريد الزواج.. لا أريد الزواج

-                     سُنة الحياة

-                     أنا عقلي يرى أن الزواج كلام فارغ ومشروع فاشل

-                     تفضلي يا ست كاملة اسمعي ماذا تقول ابنتك

أمي الطيبة ضربت كفا بكف ثم قالت بحنان:

-                     لماذا يا ضنايا؟.. نِفسنا نشوف أولادك

-                     عندكم أولاد فاطمة وحفصة

-                     لابد أن يكون لنا أحفاد منك

-                     لست أرنبة يا أمى

تطلع أبي إلى السقف ثم النافذة.. تنهد بتوتر وقال:

-                     هات لي بنتا واحدة في الأقصر كلها ترفض الزواج

-                     أنا

-                     صارحيني يا ابنتي

-                     ليس عندي ما أقوله.. ربما عندك حق والناس جميعها عندهم حق في هذا الموضوع لكنى أراه سخيفا

-                     أوضحي لنا.. لماذا هو سخيف؟

-                     كله على بعضه سخيف ولا ينتج عنه إلا المشاكل والسبب فيها اختلاف الطباع غير مشاكل الأولاد والأهم نظام العبودية

-                     أي عبودية؟

-                     أليس الرجل هو السيد والأنثى عبدة؟

-                     غير صحيح بالمرة.. هل أمك عبدة أم سيدة البيت؟

-                     هي بالفعل سيدة البيت لأنك رجل حكيم وتميز الخطأ من الصواب وتقدرها

ولا تري أن البيت يمكن أن تقوم له قائمة بدونها

-                     هذا هو الصواب

-                     نادر جدا

-                     والحل

-                     إذا جاء من أتوسم فيه أن يكون مثلك فسوف أوافق عليه عدا ذلك مستحيل

-                     نصر لا يعجبك

-                     نصر من المطاريد وسوف يقضي بقية عمره على الطريق ذاته

-                     مبروك الضابط الذي جاء من قنا ليخطبك

-                     مغرور

-                     الدكتور قرشي

-                     كل ما فيه يجعله مرفوضا من وجهة نظر كل الفتيات

-                     دكتور ماهر وله سمعة

-                     لا يعرف في الطب إلا علاج البرد والصداع، ثم أنني لا يعنيني علمه.. المهم طباعه. شخصيته. كرمه. شجاعته. أسلوبه في الحياة. مظهره

-                     كل من تقدموا لك لا يصلحون

-                     نعم

-                     والحل

-                     ثق أنه سيأتي عندما يريد الله ذلك

-                     العمر ينقضي دون أن نحس

-                     أطال الله عمرك

-                     أتحدث عنك.. فاطمة وحفصة أصغر منك تزوجا وأنجبا ستة في خمس سنوات

-                     هل أنت سعيد بهذا؟

-                     كل السعادة

-                      قلت كل ما عندي يا أبي فلا تفتح هذا الموضوع مرة ثانية لو سمحت وتأكد أن الله سيرضيك بطريقته

-                     ربنا يرضيك يا ابنتي..ادعى لها يا أم مدثر

أسرعت أمي تدعو الله:

-                     ربنا يسعدك ويوقف لك أولاد الحلال ويخلف عليك الذرية الصالحة ويجعل أيامك كلها هنا يا جزيرة يا بنت بطني.

ابتسمت وقلت لها:

-                     ألن نأكل يا كاملة؟

هبت واقفة رغم سمنتها النسبية وشكواها من ركبتيها قائلة:

-                     من عيني يا ضنايا

دخلت معها إلى المطبخ لنقل الأطباق إلى الطبلية الكبيرة.. لحق بنا بركة.. أمي الطباخة الماهرة ذات النفس الذي يجعل للطعام رائحة فواحة تجر العابرين من مسافة بعيدة كانت قد أعدت لنا " الشلولو " و"المسبوبة " و " الأرز المكمور " مع الخبز الشمسي.. أكلنا حتى عجزنا عن القيام.

 

(3)

 الصيف موسم للحر والذباب والعربان والموت والسكون والضجر.. العربان الذين يقيمون على تخوم الأقصر الجنوبية في منطقة وسطى بين ضفاف النيل والجبال الشرقية، وقد حرصوا على ألا تطالهم أيدي السلطة القادمة من الماء ولا أيدي المطاريد الخارجين على القانون الذين يتخذون المغارات والكهوف مأوي لهم يعرفون القرية كما يعرفون خطوط أكفهم وملامح خيولهم وخريطة الألوان على ظهورها وبطونها، وكما يعرفون درجات الحرارة التي تميز أيام السنة وطبائع الرياح المتعددة وما تحمله كل منها من رمال أو لقاح أو مطر أو أمراض وجراد ومصائب.

 الصيف موسم الحركة والنشاط للعربان.. وهو مثلهم منفر لكن لكل منهما أسبابه.. الصيف في العادة نهاره طويل وأيامه بطيئة وباعثة على الضجر.. تمر متوانية ولزجة مثل الذباب. الصيف بحرارته الساخطة على الوجود يضرب الهواء والعقول والليل والفضاء. يقسو على تراب الطرق والأسطح والأسرة والقلل والخيول والحمير والكلاب. لم أحلم مرة في موسم الصيف. الصيف موعد للرحيل ولا أدري لماذا يموت فيه الكثيرون ولا يجد أهالي الموتي دموعا في الصيف ليذرفوها على من فقدوا ولا يتوفر لوداعهم إلا الصمت، وسرعان ما يضطرون للنسيان إذا انقضت جحافل العربان يمشطون الأرض و يحملون معهم بالسيوف من كل خيرات البلد دون أن يردعهم رادع.

 العربان ربما أكثر من رجال الباشا يعرفون أن الأقصر يتجاوز سكانها الألف بربع الألف من الفلاحين وأصحاب الورش والمحلات، ويعرفون أن مساحة البر الشرقي العمرانية والزراعية تتجاوز الألف فدان بما فيها المعابد، وأن السكان يقيمون في سبعة شوارع كبيرة ونحو عشرين حارة، تضم مائتى بيت، غير العشش المتناثرة، وفي تلك الشوارع وبعيدا عنها محلات للبقالة والحياكة وجزارة وبائع للحبوب ومقهي وورش للحدادة والنجارة والفاخورة وطاحونة يعقوب ومسجد ووحدة صحية صغيرة أقرب إلى أن تكون مخصصة كلوكاندة للكلاب وبعض عابري السبيل وهم قلة، ولا أدري لمَ يُغرم الكلاب بالنوم فيها منذ أذان الفجر وحتى الظهيرة.ولم نسمع بأحد مرض زارها وتلقي العلاج الشافي.

 يعرف العربان أن كل الشوارع متعامدة على النهر العجوز والحارات موازية له، وكلها تقريبا تقع خلف المعبدين.. الأقصر والكرنك، وتتجنب الاقتراب من النيل، لعله يكون مصدرا للأخطار. سمعت هذا الكلام من مدثر الذي نقله عن جدي وأكده أبي. وقد حرص العربان أن يعرفوا كل ذلك وأكثر منه بوسائل عديدة حتى يستطيعوا كسب قوتهم وتوفير مطالبهم وتحصين أنفسهم.

 يمر العربان على بيوت الأقصر وحقولها وزرائبها مرة كل شهر تقريبا، ويفضلون الهزيع الأخير من الليل، يهاجمون ومعهم أجولة وقفف يملؤونها من مخازن القمح والذرة والفول والشعير ومن الحقول الباذنجان والبامية والطماطم والملوخية والخبيزة والشطة ومن الفاكهة ما يشتهون حسب المواسم، كما يعلقون على أكتافهم الحبال لتحزيم وربط حزم قصب السكر، أما الأغنام فيحملونها على الخيول، وقد تكون لها زيارة خاصة قبل العيدين. وأحيانا يجرون جمالا و جواميس ويحملون العشرات من الدواجن، وإذا وقعت عينا شخص عليهم أو سمع ضرباتهم المكتومة وحركتهم المحمومة فإنه لا يقدر على فتح فمه ولو بصرخة لأن العربان مسلحون بالبنادق والشوم وقد ترسخ في أذهان أهل الأقصر والقرى المجاورة أن العربان في صدورهم قلوب قدت من حجر هجم العربان آخر مرة على القرية قبل ثلاثة أشهر. فوجئوا بالرصاص يستقبلهم قبل الحقول من الجهة الجنوبية.. جفلت الخيول ورُوع الفرسان. أسرعت الخيول ترفع سيقانها الأمامية في فضاء مذعور ووقفت على الخلفية. سقط بعض العربان وتمرغوا في التراب لكنهم هبوا كأحصنة وأسرعوا قبل أن يلتقط بعضهم طواقيه الصوفية فقفزوا فوق صهوات خيولهم وقد شملهم اضطراب شديد ثم سقطوا من جديد. وقعت بعض الإصابات المباشرة، مع أن أوامر نصر كانت واضحة بعدم التصويب على الأجساد.. لم يكن الغرض من إطلاق النار القتل أو التعجيز ولكنه كان للترويع وتبليغ رسالة مؤداها انتهاء عهود الاستسلام ولن تكون الأيام المقبلة كما كانت سابقاتها متيسرة، ينهب من البلاد من يريد بلا مانع أو رادع. وربما كان عدد ممن ردوا الهجوم قد أصاب أهله ضرر كبير على أيديهم فوجّه الغيظ البندقية. أصيب اثنان والتقطهما الآخرون وأطلقوا سيقان خيولهم للريح ولم تكن الركائب أقل دهشة ورعبا منهم فقد تفرقت سبلهم يمينا ويسارا ثم اجتمعت وعادت بالفشل والكمد.

كان نصر ابن عمي الهارب في الجبال مع المطاريد قد تأكد من صدق كلام أخي بركة عندما أخبره أحد رجاله بنية العربان مهاجمة الأقصر فجمعهم عند النخلات الثلاث المتعانقة جنوب غرب القرية قبل حوض الأشراف وانتشر الرجال في حقول الذرة بينما ركب النخلات بعض الشباب كناضورجية.

قال نصر لرفاقه: سنضطر للسهر ثلاث ليال على الأقل فسوف يعودون.

قال له مجاهد مساعده الأول: لا أظنهم

رد نصر بثقة:

-                     بل سيعودون، وإذا لم يعودوا في الأيام القريبة يكونون قد وعوا الدرس وأشك أن يحاولوا مرة أخري.. يكفي ما نهبوه على مدي سنوات.

قال مجاهد ضئيل الجسم المشهور بدهائه وندرة كلامه:

-                     لا تعرف طبع الأفاعي

 كان أهالي القرية قد ضجوا من الشكوى لحكمدار قنا الذي وعدهم عدة مرات بقطع دابر العربان ولم يفعل شيئا وظل الحال كما هو.. النهب لا يتوقف والخسائر تتزايد والضربات ثقيلة والبلد مكشوفة.. في حين أن الخفراء القليلين كبار السن يتقاضون الفتات..ضعاف البنية وشبه عميان.. منذ سنتين وبرغم مرضه نصح أبي عمي زهران الحجاجي الذي أصبح عمدة أن يجمع الكبار لبحث المشكلة وبعد المداولات والاجتماعات عدة مرات لم يتفقوا فقد تعلل البعض بكثرة عدد العربان وتعلل آخرون بكثافة تسليحهم وذكر البعض تعذر الاستعداد لهم بسبب اختلاف المواعيد، ومن ثم يصعب انتظارهم. وتبين بمرور الأيام أن العربان يدعمهم الباشا ويستخدمهم في مطاردة الهاربين من كل تكليف وخاصة عندما يحتاج إلى شباب للحروب التي لا تتوقف>

 

(4)

 رحلت والدتي السيدة عديلة البقلي منذ ستة أشهر.. رحلت الأم النادرة التي تتأهب في كل لحظة كي تضحي من أجل زوجها وولديها بحياتها.. توجه كل أعصابها ناحيتهم ولا تري في الوجود غيرهم وفي الوقت ذاته لم تقصر في حق والدها نبيه البقلي ولا أخيها عسكر. وربما لهذا السبب لم أفترق طوال عمري عنها إلا عامين. زرت باريس مرة وأنا في الخامسة عشرة ومرة وأنا في السابعة والعشرين تلبية لرغبة عمي فاليري وأسرته لزيارة الوطن والتعرف على أهلي الذين لم أرهم مطلقا، وقضيت أقل من عام في اليونان مع الجيش المصري. في زيارتي الأولي لباريس انشغلت بالتنزه و باللهو مع بنات عمي الثلاث.. أكبرهن أصغر منى بثلاث سنوات. شاهدت البيت الذي عاش فيه أبي قبل أن يأتي إلى مصر كجندي في الحملة الفرنسية وقد كان مقربا من الإمبراطور..أقصد نابليون.البيت كبير وجميل تتقدمه حديقة جيدة التنسيق وعامرة بالخضرة وأجمل ما فيه قربه من كنيسة الساكركير (القلب المقدس) في مونمارتر حيث الجمال والأشجار والنزهات الخلابة والزهور..أعجبتني الأرضية الخشبية النظيفة اللامعة والستائر الدانتيل والتماثيل الصغيرة المتناثرة والمرايا وفازات بها ورود وريش نعام وبيانو كبير يلفت نظر كل من يدخل الصالة الفسيحة بلونه التركواز المزين من أطرافه بخطوط ذهبية.. تتناثر على سطحه تماثيل صغيرة من العاج لبعض كبار العازفين.. أسمعني عمي بعض المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية على اسطوانات فعنده بيك أب..قال:

-                     أبوك كان يجيد العزف عليه مثل أمنا، وقد اضطررت للاستعانة بمعلم كي يدرب البنات على العزف.. صوفيا الصغرى تجيده أفضل من أختيها.

 أما الزيارة الثانية فقد وجدت بنات عمي خاصة الكبيرة ليليان عروس ناضجة ومتألقة بالشباب والعنفوان والمرح، وفوجئت باهتمامها بالثقافة وحضورها الصالونات مع زوجها جورج وقد اتفقا على الانفصال خلال الصيف دون أن يقطعا أواصر الصداقة الحميمة.. علمت أن الثانية سوزان قد سافرت إلى موسكو مع زوجها الملحق بالبعثة الدبلوماسية الفرنسية وبقيت في البيت صوفيا الهادئة الصامتة وغير الاجتماعية دون زواج.. لفتت نظري بسبب اهتمامها الشديد بالقراءة وكتابة الأشعار ذات الأبعاد الفلسفية والموسيقي، على أنني لاحظت أنها كتومة وهناك بعض المشاعر المضادة للناس أو ربما الحذر الزائد وتساءلت عن السر في أن الأشعار والموسيقي لم تؤثر في طبعها نحو المحبة والتسامح وجمال الروح والرضا عن الوجود. لكنها كانت المساعدة الأولي التي اعتمدت عليها في اختيار وشراء اسطوانات الموسيقيين الكبار، وأهداني عمى بيك أب سيمفونيات بيتهوفن الخامسة والسادسة والتاسعة.. شيء حقا بديع وعبقري. ومن الغريب أنه لما بلغ إعجابي بالموسيقار الألماني ذروته وتغلغلت في كياني موسيقاه المجنونة والمجنحة أبلغتني صوفيا نبأ وفاته في فيينا، والأغرب أني كنت ساعتها أستمع إلى سيمفونيته السادسة المسماة بالرعوية.. بقيت الليلة كلها أستمع إلى موسيقاه.. لما انتهت " الرعوية " وضعت الخامسة "البطولة "على الجهاز..كان موفقا للغاية هذا المبدع الكبير في اختيار الإيقاعات المتميزة بالقوة والعنفوان تتسلل خلالها بعض المساحات الناعمة ثم تعلو تدريجيا طرقات أقدام الجنود الواثقة التي تتقدم نحو المعارك.. استطاع الفنان تصوير معنى البطولة التي تتمناها كل المخلوقات لبعث النبض والأمل في الحياة حتى في تشكيل الكيانات الفنية والإنسانية.. سحبتني السيمفونية إلى بحرها الهائج ونبراتها الساحرة وأمواجها العالية وابتلعتني أعماقها فاستمتعت بالغرق الجميل والغياب الوثير ثم ألقتني في دعة على شاطئ من الجمال والحرير وقد تحولتُ بها إلى روح محضة وكيان موسيقي صافٍ ونبيل

 في المرة الأولي لم أتنبه لجمال باريس والحياة الفرنسية، أما في المرة الثانية فقد حرصت على أن أكتشف جمالها وأتغلغل فيه لأتفهم آفاقه وأسراره.. سرت على ضفاف نهر السين تقريبا كل يوم، وزرت أهم المعالم مثل جامعة باريس ومتحف اللوفر وقصر فرساي وكنيسة نوتردام وكنيسة ساكر كير والحي اللاتينى وبوليفار مون مارتر وقصر التويلري والعديد من الحدائق والمعارض بل توقفت أمام مبنى سجن الباستيل الرهيب.. شربت القهوة في عشرة مقاه تطل على نهر السين حيث كان من حولي الشعراء والكتاب والرسامين والمناضلين ومنهم من يقف بالمرصاد للملوك وحكوماتهم على مدى ثلاثين سنة منذ ما قبل ثورة عام 1789.

 لفت نظري نظام تزويد البيوت بالمياه، والطرق النظيفة والمنظمة ولا أنكر إعجابي بالنساء الجميلات، لكنني كنت سعيدا ومندهشا لأن الدين لا يذكر إلا في النادر كموضوع بين المتحدثين وليس كما يحدث في مصر حيث يحضر دائما بلا مبرر في أغلب الأحوال.. أما الفرنسيون فيحتفظون بالدين في القلب بوصفه معتقدا شخصيا، لكن الحوارات في الأغلب تتناول الفنون والآداب وتنتقل إلى الديمقراطية والدستور والمجالس النيابية وأية قضايا تخص الحكم إذا كان هناك ما يقتضي ذلك، وحديث لطيف قد يمتد حول العلاقات الشخصية بكافة ألوانها خاصة الحب والهوايات والرحلات والصيد، وكل الحوارات يحكمها العقل والمنطق..

إن شمس باريس الحقيقية ليست التي تطلع في الصباح وتغرب قبل حلول المساء، وإنما هي شمس لا تغرب أبدا..إنها شمس العقل..

 على أن أهم ما خرجت به من باريس هو عودتي بحمولة رائعة من الكتب التي لا أجد لها مثيلا في مصر.. روايات ومسرحيات لشيكسبير وراسين وكورني وموليير ورابيليه ومدام دى لافييت، ماريفو وبومارشيه وشاتوبريان. وأشعار لماليرب ورونسار ولامرتين وللعبقري جان جاك روسو وفولتير..ما يقرب من ستين كتابا قرأتها مرات وكتبت الخواطر والنظرات حولها ومن وحيها.

 يكفي أن هذه الكتب غيرت فكري وشخصيتي وأعادت خلقي بما يفتح آفاقا عريضة أمامي في مقدمتها وأنا أتأهب للسفر بعد شهر إلى باريس عائدا تماما لوطني كي ألتحق بالجامعة وأنضم لصحيفة وأكتب آرائي وقد أنضم للثوار خاصة بعد ما جري مؤخرا في فرنسا. لكنني حزين لأن عمي الذي يستثمر لي أموالي التي ورثتها عن أبي كوارث وحيد يفرط في الشراب وقد لاحظت تدهور صحته، وحرصه على السهر حتى الصباح مع أصدقائه، وأخشى على صوفيا أصغر البنات من أن تفاجأ برحيله وهي ترفض الزواج وتؤثر الوحدة. طلبت إليه أن يخفف حرصا على صحته فوعدني، وطلبت من صوفيا أن تنصحه وتتابعه حتى يتوقف أو يقلل فقالت بلا مبالاة:

-                     هذه حرية شخصية

 لم يعجبني ردها وإن كنت أومن بالفعل إنها حرية شخصية، لكن الإنسان أراد أم لم يرد مسئول عن نفسه أولا ومسئول عمن ينتسبون إليه ثانيا وقد ينتج ضرر أو منفعة من تصرفه الشخصي حتى للغرباء هو مسئول أيضا عنه.

 أصر أبي روبير كما قالت أمي أن يتزوجها. رآها في وكالة جدي بالغورية وكان ضمن مجموعة من الضباط الفرنساوية، أما هي فقد اصطحبت صديقة لها وأمها لشراء كل ما يلزم لجهازها من الوكالة.. انصرف فكر أبي عن رفاقه وتابع المصرية الجميلة وفهم أنها ابنة صاحب المتجر. حرص على أن يمر كل يوم بالوكالة باحثا عنها متمنيا رؤيتها، وبعد أيام رآها مجددا فازداد إعجابا بها.. ولم يستطع أن ينطق بكلمة، واضطر أن يقص ما جرى على أصدقائه المقربين الذين نصحوه بالتحدث مع زميلهم فرانسوا الذي يجيد العربية فبإمكانه أن يساعده.. اصطحبه فرانسوا إلى الشيخ برهام الشاذلي الذي كان يعرف السيد نبيه البقلي ووكالته وابنته.. طلب برهام من روبير أن يتعلم العربية أولا وعاونه على ذلك فرانسوا فتعلم ما يلزم للحوار خلال شهر كان لا يكف خلاله عن زيارة الوكالة والتوقف لشراء أي شيء في الأغلب لا يريده. قالت أمي إن رؤساءه عاتبوه بسبب عدم تركيزه ولاحظوا أنه يتعلل بحجج واهية كي يتهرب من الحملات المستمرة لمطاردة الثوار والخارجين على التعليمات التي وضعها نابليون. لم تمر ثلاثة أشهر حتى تزوج أبي من أمي السيدة عديلة البقلي بعد أن أعلن إسلامه.

 بدأت أسأل أمي عن أبي فتهربت سنتين تقريبا ثم أخبرتني عندما بلغت الخامسة أن أبي قتله أحد الثوار عندما كان عمري ثمانية أشهر. وما زالت على الجدار لوحة رسمها فرانسوا لوالدي ووالدتي يوم الزفاف معلقة في شقة القاهرة القريبة من كنيسة العذراء بباب زويلة.. قال لي أحد العلماء الفرنسيين إنها ربما تكون أقدم كنيسة في القاهرة وعمرها يتجاوز ألفا وخمسمائة عام.

 رشيد البري أحد كبار قادة المماليك وصديق خالي عسكر وقعت عيناه على أمي فقرر أن يتزوجها خلال أسبوع وكنت في نحو السادسة.. رجل سمين وثري جدا ومتزوج من سيدة لا تنجب رغم مرور خمس سنوات وهي ابنة شقيق الألفي بك زعيم المماليك الذي مات قبل سنوات.. أحببت رشيدا جدا لأنه كان يتمتع بصفات نبيلة من الكرم والصدق والشجاعة والمروءة وسعة الأفق.. أبدي اهتماما غير عادي بتعليمي ورعايتي حتى شعرت بحنانه الأبوي متجليا في كل موقف ونظرة ولمسة.. لم يعترض على تعلمي الفرنسية التي كنت قد بدأتها قبل زواجه مع أمي فقد رأت أنني فرنسي مصري ويجب أن أتعلم لغة أبي مع العربية وحفظ القرآن.. حرص رشيد على تعليمي ركوب الخيل والسباحة والرماية وشتى فنون القتال طبقا للنظام السائد مع أبناء المماليك.

 عندما بلغت العاشرة حملت زوجته الأولي ووضعت ولدا في يناير سنة 1811.. ضج رشيد بالفرح حتى أنه ظل يرقص لنحو ساعة رغم جسمه اللحيم.. سمي ولده أمين على اسم صديقه أمين الخازندار أحد قادة المماليك.. شعر في لحظات كثيرة أن الدنيا لا تتسع لسعادته فأقام احتفالا كبيرا بمناسبة مرور أسبوع على ميلاد أمين، حضره جدي وخالي وأمي وأنا بالطبع وكان من الحضور قادة المماليك وكبار علماء المسلمين وبعض الفرنسيين وعدد من رجال محمد على باشا ووزع الطعام على نحو ألف شخص من الفقراء. لكن ما جري بعد ذلك بشهرين كان داميا بشكل لا يوصف ولا يمكن أن يتكرر في أي مكان أو زمان.

 أراد محمد على أن ينفرد بحكم مصر وهناك عدة آلاف من المماليك يتربصون به ويناوشونه ولديه أفكار ومشروعات لتطوير الحياة في مصر ويعجز عن تنفيذها وإحكام قبضته على البلاد بسبب المؤامرات والحروب الدائرة بينه وبين المماليك، لذلك فكر مع محمد الدفتردار ولاظوغلي والمقربين منه في وسيلة تمكنه من توجيه ضربة واحدة فقط تقضي على المماليك جميعهم ومن ثم ينفتح أمامه الطريق تماما فلا يوجد ما ينغص عليه أحلامه. ولما كان السلطان العثماني يضغط عليه لسرعة إرسال حملة عسكرية ضخمة للقضاء على الوهابيين في الأراضي الحجازية فقد قرر إقامة احتفال بخروج جيشه بقيادة ولده طوسون – كما حكى لي خالي عسكر - دعا إليه كافة المماليك المقيمين بالقاهرة وعددهم يقرب من خمسمائة مملوك وتضمنت دعوته الإشارة إلى أنها فرصة للتصالح والتعبير عن أهمية التعاون بين محمد على والمماليك وفتح صفحة جديدة بينهم ولابد من مشاركتهم فيها.

.. في زهو وتيه شق المماليك الطرقات وهم يعتلون صهوات أكرم الجياد وعلى الأجناب جماهير غفيرة تشاهد وقد انتقل إليهم قليل من الفخر بأهم الأحداث وأكبر الحروب التي يعتزم الجيش المصري للمرة الأولي أن يشنها خارج القطر منذ مئات السنين.. بدا المماليك في أثمن ملابسهم من الفراء والحرير غارقين في أجود العطور متقلدين السيوف المذهبة التي يلمع صلبها مع كل حركة بما يصدم العيون والطبنجات معلقة على الخصور في أغمادها، وعلى الصدور أوسمة وفي الأصابع خواتم ذهبية ثقيلة بفصوص الماس كأنهم يخرجون من المتاحف الكبري ليكتبوا التاريخ الذي لن ينسي.. خالي كان حكاء يهوي هذه العبارات مع مسحة خفيفة من السخرية ولا يمل مستمعيه من حديثه

 ترجل الضيوف المماليك ضخام الجثث عن صهوات خيولهم في الساحة الخارجية للقلعة حيث تلقي السُيّاس الجياد وأوقفوها على الأجناب صفوفا وسار المدعوون بتمهل تسقط على وجوههم الحمراء أشعة شمس الحادية عشرة حتى وصلوا القاعة الداخلية الفسيحة حيث استقبلهم الباشا و ألقي كلمة تختلط فيها الألبانية بالتركية والعربية رحب فيها بأبرز رجالات الدولة وعلى شرفهم وبحضورهم يكلف ولده طوسون بقيادة الحملة العسكرية المتوجهة إلى الأراضي الحجازية لتنفيذ أمر الباب العالي بالقضاء على الوهابيين الذين امتلكوا من القوة ما يهدد السلطنة، ويتصرفون كأنهم استقلوا عنها.. وقام الخدم بتوزيع القهوة التركية فشرب الجميع وكان الباشا يمر بينهم ويحييهم فردا فردا ويداعبهم ويبتسم ويبتسمون وقد أدرك أكثرهم أن الوالي تغير لأنه يتباسط ويضحك ويعلق، ويحدثهم عن خططه بالنسبة للمستقبل ورغبته في مشاركتهم فيها بأفكارهم وأموالهم ورجالهم.. وقد أسعدهم أن يقول:

-                     هذه بلادكم فاقترحوا لها ما تشاءون واسهروا عليها وأنا معكم.

 ابتعد عنهم مسافة وصفق بكفيه وهو يعلن بدء الحملة.. وجه المماليك التهاني لقائد الحملة مع التمنيات الطيبة بالنصر المؤزر وتبادلوا التحية معبرين عن رضاهم بالصفحة الجديدة ثم اتجهوا صوب الساحة الكبيرة ومن ثم صعدوا إلى خيولهم وكان عدد من الفرسان الألبان يقفون متأهبين ليتقدموا الموكب.

 أخذت الخيول تخطو نحو باب العزب المفضي لميدان الرميلة ويبدأ بالهبوط في ممر ضيق منحدر ومتعرج جري نحته منذ سنوات طويلة في صخرة ضخمة ولم يتم تهذيبه وأرضيته لا تسمح إلا بمرور حذر جدا ومتمهل.. ما إن خرج الفرسان الدلاة أو الأدلة حتى أغلق وراءهم باب العزب لكن باب الجحيم انفتح على مصراعيه واندفع الجنود الألبان يطلقون الرصاص كالمطر على المماليك الذين امتطوا صهوات جيادهم وتكدسوا عند بداية المنحدر، حاول المتقدمون منهم الرجوع فلم يفلحوا وحاولوا سحب سيوفهم أو الطبنجات فما استطاعوا وتوالي هطول الرصاص بلا توقف.. كان ينهمر من فوقهم ومن خلفهم وعن يمينهم وشمالهم، تستولي عليهم حالة رهيبة من الاضطراب والرعب والعمي فقد فقدوا كل قدرة على التفكير أو التصرف.. كل المواهب اختفت وغاب الوعي تماما في حضور الصدمة بينما أنهار الدماء تسيل وتغرق أرض المعركة الصخرية للفناء الفسيح وتجري في جداول نحو التربة الرملية المنخفضة.

 جري بعض المماليك نحو القاعات التي وجدوها مغلقة، إلى أن عثروا على باب صغير مفتوح يفضي إلى قاعة الحريم.. وكانت فيها بعض السيدات فوقعوا تحت أقدامهن طلبا للنجدة ولكن النسوة اللائي صرخن من دخول الرجال وهم مكشوفي الرؤوس والصدور توقفن عن الصراخ وإن ظلت الأفواه مفتوحة بينما رقاب الفارين تذبح تحت عيونهن والدماء تتفجر تحت الفساتين والمقاعد وعلى الأزياء الفخمة بديعة النقوش والألوان.

 استمرت آلة القتل الجهنمية تعمل بلا هوادة ودون توقف من الظهيرة حتى الغروب تتخللها عمليات كر وفر يسيطر عليها الألبان بالبنادق والسيوف والغدّارات التي يوالي الجنود المساعدون حشوها بالذخيرة حتى تم القضاء على الجميع وتبليغ الباشا بانتهاء الذبح الكامل لكل الضيوف، فأصدر أوامره بالنزول إلى المدينة وقتل أسرهم ومن ينتمون إليهم، ثم الزحف على الوجهين البحري والقبلي لاصطياد من لا يزالوا أحياء بحيث لا يعود هناك من هذه النوعية من البشر شخص يتنفس يمكن أن يمثل خطرا على دولة محمد على. وكان من بين الضحايا بالطبع عمى رشيد البري، أحد الذين أثروا في حياتي، ويلحق به مباشرة كصاحب تأثير الكلونيل سيف أو سليمان باشا الفرنساوي الذي تعرف على خالي عسكر عندما جاء إلى القاهرة عام 1819 وكان قد حضر حفلا أقامه حكمدار القاهرة الجديد ترحيبا بكبار رجال البلد وضيوفها وكان من بينهم خالي الذي تعرف على الكلونيل والتقاه مرة أخري بعد أيام ثم دعاه لزيارتنا وتعرفت عليه، وما لبث الرجل أن طلب منى التقدم للالتحاق بالمدرسة الحربية لإعداد ضباط المشاة التي أمر الباشا بتأسيسها في أسوان بعيدا عن ضجيج القاهرة وحفاظا عليها من التلصص ومعرفة أخبارها وطلابها ومن ثم التسبب في فشلها.

 كنا خمسمائة طالب أكثرهم من الأرناؤوط وأقلهم من المماليك والمصريين لكن الكل أفادته المدرسة، خاصة أن الكلونيل كان منضبطا جدا وكثير الخبرات والمعلومات ودقيق وبعيد النظر وصاحب خطط عسكرية للهجوم والدفاع فضلا عن مظهره الأنيق وعوده الرشيق وصدره العريض وعضلاته البارزة ووجهه الوسيم وشاربه الكثيف المبروم من الجانبين وبصره الحاد.. أعجبت به جدا وتمنيت أن أظل بقربه مهما طال الوقت لكن أمي كانت كلما غبت شهرا بكت وأرسلت من يدعوني بسرعة للحضور بسبب مرضها أو مرض جدي أو أي سبب مفتعل كي أعود.. كنت أنسي أنها تتعلل وأسرع بالعودة إليها. لكنني لم أستطع أن أتخلف عن الحملة المصرية العثمانية التي اتجهت شمال البحر المتوسط منتصف عام 1826 لإخماد الثورة اليونانية.

 كان سليمان باشا منذ ولد كما حكى لي بنفسه خشن الطباع مغرما بالمخاطرة واللعب العنيف والجري والمصارعة وكلما دعاه أبوه لمساعدته في الورشة هرب وأهمل حتى هدده أبوه أن يلحقه بالبحرية التي أعلنت بعد أن أصبح نابليون قائدا للجيش عن طلب دفعات حتى من الصغار.. زاد إهمال الفتى وانطلاقه على هواه فألحقه أبوه بالبحرية قبل أن يكمل الثالثة عشرة، وبعد تدريب لمدة سنتين قامت الحرب بين فرنسا والنمسا فشارك فيها وبقي هناك نحو سنتين تحت الأسر ثم عاد ليشترك في الحملة التي شنها نابليون على روسيا عام 1812 وهزمها، ثم اشترك في الحرب بين فرنسا وانجلترا التي اندلعت عام 1815 وانتهت بأن أنزل الإنجليز بقيادة ولنجتون بالفرنسيين هزيمة منكرة في موقعة ووترلو، تم القبض بعدها على نابليون ونفي إلى جزيرة سانت هيلانة.

 علم سيف عام 1819 أن شاه إيران أعلن عن رغبته في الاستعانة بمدربين فرنسيين للجيش فقرر أن يوافق فورا، لكنه تلقي في الوقت ذاته خبرا عن رغبة محمد علي في مدرب عسكري فاختار السفر إلى مصر بتشجيع من كثير من الفرنسيين الذين اشتركوا في حملة نابليون على مصر قبل عشرين عاما. وهكذا كان من حظي التعرف على هذه الشخصية المميزة. وقد طلب منى الاستعداد للمشاركة في الحملة التي ستتوجه إلى عكا والشام فوافقت، لكن الوالدة الحبيبة رحلت فجأة ووقعت أسير الرغبة في السفر إلى فرنسا حيث الوطن الذي يجب أن أكون فيه وحيث الاستقرار والثقافة.. صحيح أن مصر وطني أيضا لكنها لا تزال تبحث عن ملامح جديدة لشخصيتها ولا أظنها تستطيع أن تحقق شيئا ذا بال مع حاكم يميل إلى العنف والحروب الكثيرة شرقا وغربا وجنوبا فيما لا يخص بلاده التي ينكل برجالها بكل السبل. آه.. هل كتب علىّ أن أتمزق بين دينين ووطنين وثقافتين وشعبين وزمنين وحكمين؟!!.. ربما تجيبني الأيام المقبلة.

 

(5)

 كنت يوم 17 يوليو 1831ضمن المدعوين لحضور الغداء الذي أقيم على متن باخرة فرنسية اسمها "الأقصر" راسية في نيل بولاق حضرها إبراهيم باشا والكلونيل سيف.. كانت المرة الأولي التي أعرف فيها أن هناك باخرة قادمة من فرنسا لنقل احدي مسلتي معبد الأقصر بناء على توصية من العالم الأثري شامبليون مكتشف اللغة الهيروغليفية، وفي هذا اليوم دعاني الكلونيل سيف لمرافقة البعثة الهندسية التي ستنقل المسلة كمترجم، حاولت التهرب وكنت قد أوضحت له في مناسبة سابقة رغبتى العودة إلى باريس لأن عمي مريض وكان هذا صحيحا بسبب إدمانه الشديد للخمر إلا أنه قال:

-                     لقد فات الأوان فقد أبلغت الباشا الكبير بأني أرشح للبعثة مترجما إلى العربية والعكس، فقال: أعلم أن هناك مترجما فرنسيا قدم من باريس

قلت له: مهما كانت مهارته فلن يكون مثل جوزيف وهو مصري فرنسي

رحّب الباشا بالفكرة، ولا يجب أن نرجع عنها مهما كانت الظروف.

نكست رأسي ولم أجد كلمة أقولها لرجل أحبه ولا يصح أن أرفض له طلبا

.. أضاف جوزيف أنتيلمي سيف:

-                     لا تنس أنك بعد أن تبقى معهم عدة أشهر ستسافر إلى باريس في الباخرة ذاتها.

كنت أود أن أعود إلى باريس حيث ألتقي بجان جاك روسو في كتبه الرائعة.. " العقد الاجتماعي " و" إميل " و " هيلواز الجديدة " و" الاعترافات " وغيرها وحيث يوجد فولتير ومونتسيكيو ولامرتين.

كانت الباخرة قد تم تنظيفها وتزينت ورست في عرض النهر الكبير.. مضت عشرات المراكب الصغيرة تنقل الضيوف وتشق الماء الرقراق بمجاديفها والمويجات من حولنا ترقص بينما الأيدي تعبر عن سعادتها بالجو الجميل بإنزال أصابعها في الماء والاغتراف منه ثم نثره في الفضاء فتحمله النسمات وسرعان ما يسقط منها كحبات اللؤلؤ الصغيرة.

 على سطح الباخرة اصطف أكثر من مائة ضابط وبحار وجندي فرنسي في صفين طويلين أمام صفين من الأسِرّة المعلقة التي طويت بكل عناية وتخفي وراءها عشرة من المدافع الثقيلة.. كان كل شيء يبدو في موضعه مهندما ومتألقا ومتأهبا لاستقبال إبراهيم باشا الذي أطل في مشية عسكرية تزيد من مهابته، وسرعان ما أطلقت المدفعية ثلاث طلقات تحية للقائد المصري الذي طارت شهرته إلى شرق العالم وغربه..لم يكن طويلا بشكل لافت. هو تقريبا في مثل طولي (175 سم)، لكنه عريض الصدر. مدكوك وقوي.. جذب العيون بشاربه الكث المبروم والمدبب من طرفيه كقوسين يحيطان بالفم.. كان إلى جواره الكلونيل سيف.

 رفع بحارة الباخرة العلمين الفرنسي والمصري وعزفت الموسيقى، وقام الضباط والجنود بتقديم التحية العسكرية للقائد بينما أسرع المدعوون بالوقوف والتصفيق، وتقدم منه المسيو دروفيتى القنصل الفرنسي والمسيو هنرى القبطان والمسيو ريشار كبير المهندسين فرحبوا بهما ورافقاهما إلى المقاعد المخصصة في صدر المائدة الكبيرة العامرة بكل ما لذ وطاب وألقي دروفيتى كلمة.. أوضح فيها أن الملك لويس فيليب شخصيا كلفه بأن يعلن باسمه ونيابة عنه سعادته بهذه المناسبة التي توطد العلاقة بين البلدين والتعبير عن رغبته العميقة في توجيه التحية للباشا الوالي وشكره على كريم تعطفه بالموافقة على منح فرنسا قطعة ثمينة من التراث المصري العريق التي ستزين قلب باريس.

 ألقي إبراهيم باشا كلمة قصيرة عن علاقة البلدين وتمنياته بالتوفيق.. ألقي دروفيتى كلمة مختصرة وبها قدر من خفة الظل ثم قطعها بأن أوضح أن الكلمة في الحقيقة هي للمسيو ريشار كبير المهندسين.. تكلم ريشار عن المشروع منذ كان فكرة وهاهي الفكرة توشك على التحقق وتنفيذها يقتضي مراحل عدة.. توشك أن تنتهي مرحلته الأولي بوصولنا إلى الأقصر والثانية وهي الأصعب وتتمثل في نقل المسلة من قاعدتها ومستقرها الذي قضت فيه واقفة في ثبات وثقة أكثر من ثلاثين قرنا من الزمان، والثالثة عودة الباخرة حاملة تلك الكتلة الحجرية التي تزن نحو ثلاثمائة طن، والرابعة والأخيرة رفع المسلة في ميدان الكونكورد.. صفق الحضور لهذه الكلمة الموجزة المثيرة للخيال الباعثة على الأمل في مستقبل يحفل بالتعاون الجميل والمثمر بين البلدين.

وجه السفير الدعوة للجميع وخاصة الباشا لتناول الطعام، ورفع كل طاقم الباخرة الفرنسيين كؤوس النبيذ تحية لمحمد على والملك شارل والعلم الفرنسي وللحضارة المصرية المرموقة.

 لست أدري ما السر في أني لم أرفع رأسي عن وجه إبراهيم باشا طوال الحفل.. كنت معجبا بانضباطه وعسكريته الفطرية وتركيزه الشديد في مهامه وخططه.تشغلنى في أحيان كثيرة طبيعة القواد العسكريين.. تحجر القلوب والانضباط والانشغال بالجغرافيا وعشق التدمير والجثث.. كلما كان القائد ذا بطش صار بطلا عظيما يستحق الخلود على الأرض وفي جهنم أيضا.

 لقيت إبراهيم باشا ثلاث مرات. لاحظت أنه لا يتكلم كثيرا ولا يبتسم ولا يميل إلى الصداقات المتعددة ولا يحفل بالمتع إلا حرصه على تجرع القليل من الخمر، وقد أكثر في هذا اليوم من ارتشافه ولم يهتم كثيرا بالطعام. أعلم أن كل تفكيره وشروده في المعارك والحروب والخطط العسكرية ومحاولة التفكير في أوامر والده التي لا يستطيع رفضها مهما كانت عجيبة.. يكاد يكون نسخة من كولونيل سيف أو سيف نسخة منه.

 خطف بصري زي جندي ألباني ظهر بدون مقدمات.. تقدم من إبراهيم باشا ومال عليه وهمس بكلمات. أشار له القائد بيده ليغادر. لحظات ثم هب واقفا وانصرف دون بروتوكول معقد..أعرف أن الاستعدادات لحملة الشام تجري على قدم وساق.

 غادرت الباخرة بولاق في احتفالية نهرية مدهشة كأنها مناسبة زفاف عروس إلى أمير.. موكب يتكون من عشرات المراكب الصغيرة التي كانت تركض إلى جوارها وقد بسطت أشرعتها لكنها كانت تسبح ضد التيار، بينما كانت الجماهير تحيى الباخرة وطاقمها بالتهليل والتصفيق والتلويح.. أدهشني أني سمعت النسوة يزغردن وهن بالتأكيد لا يعرفن سر الهيصة.. النساء يشتقن للفرح حتى لو لم تكن هناك مناسبة لذلك، فما علاقتهن بالباخرة المتجهة لانتزاع مسلة من عشها القديم؟.

 بدأنا نتباعد تدريجيا عن بيوت القاهرة المتراصة بكثافة جهة اليسار حتى أهملتها عيوننا فطالعتنا من جهة اليمين أهرامات الجيزة وسقارة ودهشور ثم ميدوم لتظل تلك المعالم تحت أعيننا عدة ساعات ثم نمر بأطفيح والواسطة وبني سويف.. الباخرة تشق طريقها بارتياح وانسيابية في نهر النيل الذي اتسع جدا وبلغ عدة مئات من الأمتار.. الأفق أمامنا مفتوح والنسمات تلاحقنا وتحاول جاهدة أن توفر لنا مناخا بديعا تمنينا أن يدوم عطاؤه الذي تنشرح له الصدور وقد تحققت أمانينا فعلا فاستمر فاتنا ثلاثة أيام إلى أن نلاحظ أن الوادي قد ضاق بسبب اتجاه المجري نحو الجبال الشرقية ولم يعد طريقه مستقيما.

 تتوقف الباخرة في المنيا لزيارة مقابر بنى حسن التي أفاض كتاب " وصف مصر" في مدحها ونكتشف أنها ربما أفضل مما كتبه الفرنسيون عنها، وفي اليوم التالي تحاذي الباخرة " جبل أبو فضة " وهو ممر مائي خطير يشتهر بوجود العديد من الدوامات التي كادت أن تقضي على المراكب الصغيرة الموثوقة بالأم الكبيرة.. اندفعت الباخرة بشكل مفاجئ ومرعب تجاه سفح الجبل الذي يبدأ من ضفة النهر الشرقية فينكسر شراعان للباخرة رغم ما بذله القبطان والبحارة للسيطرة عليها، وقد تطلب ذلك استخدام الحبال والخطاطيف لمحاولة كبح اندفاعها المجنون للارتطام بالجبل وقد صرخ الجميع وكتموا أنفاسهم من شدة الفزع وخشية سوء العواقب، لكن الله سلم.

 طلبنا من القبطان بعد هذه المنحة الإلهية أن نأخذ راحة ونضمد الجراح التي سببتها للباخرة تلك الدوامات العنيفة التي انشق البحر عنها ولا أظن ذلك دليل غضب. صعدت نظراتنا تمسح الجبال التي كانت تثقبها المقابر في مواضع عديدة حيث يدفن الموتى وحيث يتخذها المطاريد مقرا لهم وملاذا من بطش السلطة كما قال جندي مصري مرافق لنا كلفه معاونو إبراهيم باشا باصطحابنا مع مصري آخر وأربعة من الجنود الأتراك للحماية والإرشاد وتذليل العقبات.

 إذا كان ما بالنهر من مياه أقل من نصفه فقد كان اعتماد الباخرة الأساسي على الرياح التي تدفعنا نحو الجنوب بعد أن تجمعها الأشرعة، لكن الرياح لم تحضر ومن ثم تأثرت حساباتنا التي أكدت أن يالإمكان بلوغ الأقصر خلال أسبوع، ولذلك اضطررنا للتوقف في دندرة بعد أن سارت الباخرة ببطء شديد لعدة كيلومترات تجاوزت خلالها عددا من المنحنيات، فقد نصحنا أحد المصريين:

-                     لا داعي للتوقف.. يُفضل السير بروية حتى الوصول إلى دندرة ففيها ما يمكن أن تتسلون به.

صدق الرجل.. فقد شاهدنا بالقرب من الشاطئ معبد دندرة الرائع المدفون نصفه في الرمال.. معبد سليم الأعمدة والجدران والسقف لولا السناج الأسود المطلي به السقف في مواضع عديدة.. أما الرسوم فقد بدت فاتنة وطازجة بألوانها النابضة والناصعة كأن فنانوها انتهوا منها فقط منذ أيام.

لم تأت الرياح في اليوم التالي فقمنا برحلة صيد الأرانب وطيور الحجل التي نبهنا إليها المصري الثاني..طوال رحلتنا في الصحراء والحقول جذبت أذني المواويل التي يرددها المصريون حتى لو البطون جائعة والقلوب تكاد تنفطر حزنا على عزيز أو على زرعة راحت.. بدأت المواويل منذ خرجنا من بولاق. كانت تصلنا من الضفتين تشكى الزمن أو النصيب أو الحبيب أو الحظ والمكتوب.. عدنا نستمتع ونتأمل المعبد الذي تتجلي فيه الأبراج وجداول المواقيت وحركة الشمس والقمر.. عمل حضاري بديع أذهلنا جميعا مما دفع أحد البحارة ليقول:

-                     يبدو أن هناك مخلوقات هبطت من السماء وبنت هذه الأعمدة ورسمت هذه الرسوم فلم تكن لدي البشر قبل آلاف السنين القدرة الهندسية والعلمية والفنية التي تمكنهم من أداء مثل هذا العمل وغيره مما كتب عنه علماء الآثار الذين حضروا مع الحملة.

كنت مع القبطان وعدد من الضباط عندما لاحظنا معا بالقرب من الضفة الشرقية تمساحا ضخما نصفه فوق الماء. بهرني لونه البترولي المختلط بالبنى والأخضر الفاتح والأصفر.. أسرع القبطان بإطلاق النار عليه ولما رآه الطبيب روجيه يتخبط بشراسة ويتقلب من تأثير الرصاصات في جسمه كلف المركب الكبيرة بسرعة التوجه إليه وسحبه بصحبة بعض البحارة الأشداء الذين حملوا معهم الحبال. عندما دنوا منه وجدوه قد ازداد عنفا وأخذ يحاول مثل حيوان أعمي توجيه ضرباته وأنيابه ناحية ما يتصور أنه يهاجمه ولذلك احتاج بحاران إلى طعنه عدة طعنات بسناكي البنادق حتى هدأ نسبيا ثم ألقوا عقدة الحبل علي خطمه وسحبوه وهو لا يزال يتخبط مثل سكير عربيد تلقي ضربة في فكه من خصم قديم مشحون بالحقد عليه.

 احتاج رفع التمساح الجميل الضخم إلى رجال آخرين كي يرفعوه إلى الباخرة. قال بعضهم إنه يزن نصف طن على الأقل ما دام رفعه اقتضي مشاركة ثمانية رجال.. تمدد الكائن الذي حرصت على النظر إليه بعيدا عن قوته وشراسته وأدهشتنى النظافة الفائقة التي يتميز بها فمه وحلقه ومنطقة العمليات المعنية بالتقطيع والتمزيق والبلع.. لحم وردي اللون وأنياب بيضاء مسنونة وفك ضخم وذيل نشيط جدا ظل لساعات يتحرك بعد أن تفرغ رئيس الأطباء وأربعة من أكفأ مساعديه لسلخه وتجهيزه للحفظ وقد تطلب هذا العمل الشاق يومين حتى يمكن الحفاظ عليه وتسليمه للهيئة البحرية في أول ميناء فرنسي ربما يكون طولون. ظل التمساح يطفو على سطح خيالي حتى بعد أن اختفى عن العيون. لقد عاش عمره دون أن يتعرض للأذى على أي نحو فنما وكبر وتوحش ولعله ابتلع العديد من البشر وهيمن على النهر الكبير وتحكم في كل ما فيه من كائنات، ولم يخطر بباله قط أن الضربة ستأتيه من غرباء قدموا من بلاد تبعد آلاف الكيلومترات ليلقى على أياديهم حتفه.

 قبل أن نصل إلى الأقصر بنحو عشرين كيلو عند انحناءة النهر هجمت علينا رياح معاكسة قادمة من الجنوب على غير العادة، ولم تكن بالباخرة خطاطيف فقد فقدت في عديد من المناسبات وتهرأت حبال وتمزقت الأشرعة وتهشمت المراكب الصغيرة وأصبحت الباخرة مجرد تل ضخم من الخشب يستقر كجزيرة في عرض النهر.. اضطررنا للانتظار عدة ساعات من الصباح إلى الظهيرة دون أن تتوقف الرياح المعاكسة، إلى أن دنا منى المصري الثاني واسمه آدم.. قمحي اللون مفتول العضلات.. سألني:

-                     هل تقبلون أن أذهب لدعوة عدد من الرجال لجر الباخرة بالحبال؟

قلت له: شكرا. فكرة طيبة ولكن أين الحبال؟

قال: هم يحضرونها

ابتسمت، ولم أقل له ما أفكر فيه فهم لا يجدون اللقيمات التي سيتناولونها في الغداء

سألت القبطان عن فكرة المصري.. فقال:
- لا مانع

قلت لآدم:

- وافق القبطان

أسرع يركض ناحية سور الباخرة ثم قفز في الماء. شملتنا الدهشة.. تابعناه وهو يسبح بنعومة وسرعة غريبتين حتى بلغ الشاطئ ثم اختفي بين الأشجار

.. بعد ساعتين عاد ومعه نحو مائة رجل كلهم حفاة ومهترئو الملابس.. صدورهم مفتوحة وضلوعهم يمكن عدها وشفاههم بيضاء من الحر والظمأ يحمل بعضهم كومة من الحبال.. ربطوها في قاعدة حديدية كبيرة في مقدمة الباخرة واصطفوا على طول الحبال وجروها بعرض النيل نحو الضفة الشرقية وصعدوا إلى الضفة وبدأوا سحب الباخرة التي تشبه جثة حوت ميت.. انحنى الرجال وانغرست ألياف الحبال الخشنة في جلودهم التي لا يفصلها عن هياكلهم العظمية أية كتل من لحم.. كانوا يغنون ذلك الغناء الإيقاعي الهادئ الذي يعينهم على العمل وعلى احتمال الشقاء الدائم.. سأل بعض البحارة آدم عن المجاري الحمراء العريضة التي تقسم ظهور الفلاحين..قال آدم:

-                     إنها سياط السلطة التي تجلدهم باستمرار

سأله البحار: لماذا تجلدهم؟

قال آدم: لأسباب كثيرة ومتنوعة.. كل يوم هناك سبب جديد لا يخطر على البال.. الباشا لديه كل يوم مشروعات جديدة تحتاج إلى أن يجلد بسببها الفلاحين، ومن يفكر في رفض الجلد ليس عليه إلا أن يهرب وعندئذ عليه أيضا أن يثق أن الجنود إذا قبضوا عليه فسوف يذوق العذاب مضاعفا وفي الغالب سيحين أجله، لذلك ففي أغلب الأحوال لا يفكر الكثيرون في الهرب.

 واصل الفلاحون الجر والغناء رغم العرق الذي يسيل في مجاري ظهورهم المحنية ولا يملكون مع هذا الوضع إلا النظر إلى الأرض.. بينما الجنود الأتراك الذين اصطحبوهم من حكمدارية قنا يواصلون جلدهم كي لا يفكرون في الراحة ولكي يستمروا في الجر بهمة زائدة.. كنا فوق السفينة ننظر إليهم وقد تحطمت قلوبنا تماما وتجمدت الدموع في بعض المآقي.. ليس من البشر على أي أرض القدرة على احتمال مثل هذا العذاب.

 بلغنا الأقصر عند منتصف الليل وأسرع الرجال يسقطون في مياه النيل الباردة.. يجففون العرق ويطفئون النيران التي تكوي جلودهم و ويُهدؤون من آلام السياط ويطفئون لهيب الظمأ.. ظلوا في الماء أكثر من ساعة بينما كنا قد نزلنا إلى المرسي نتلفت حولنا.. كان البحارة يقومون بترتيب بعض الأوضاع اللازمة للنوم فالكل مجهد إلى حدود غير مسبوقة والظلام هو سيد الزمان والمكان.

 أخيرا سلم بول المسئول المالي للبعثة الفرنسية مبلغا كبيرا من المال للمسئولين الأتراك الذين حضروا منذ ساعتين من مديرية قنا وسلموا بالتالي للفلاحين أجورهم.. حصل كل فلاح على نصف جنيه في حين كان ما دفعته البعثة جنيها لكل فلاح. عرف الفلاحون الخدعة والاحتيال، فلم يقولوا شيئا ورفعوا القروش إلى أفواههم وقبلوها ثم رفعوها إلى جباههم وعادوا يقبلونها ويحمدون الله على النعمة، ثم تمددوا على الأرض وما لبثوا أن غرقوا في بحر من الغطيط العالي الذي تفوق على نقيق كل الضفادع حتى الصباح.

 

(6)

 أرسل إلىّ الكلونيل سيف من يبلغني بأنه رشحني لمرافقة جان فرانسوا شامبليون كمترجم أثناء زيارته لمصر في أغسطس 1828، أسعدني الخبر فأنا لا أخفي إعجابي بشامبليون كلما ورد ذكره في حديث يجمعني مع مصري أو فرنسي. وقد تلقيت خطابا رسميا من محمد الدفتردار سكرتير محمد على ومثله من القنصل العام بإفادتي بأني المرشح الوحيد كمترجم لمرافقة شامبليون، مع العلم أنه سيصل أولا إلى الإسكندرية ويبقي فيها يومين.

 جاء شامبليون ذو العود الرشيق والوسامة والشعر الناعم على رأس بعثة فرنسية توسكانية ومعه صديقه الإيطالي روسيلينى..في أول لقاء بعد أن تعارفنا واستمع إلى جانب مختصر عن حياتي قال بعد أن تنفس بعمق:

-                     أخيرا تطأ قدمي البلد التي استهوتني منذ صغري وكانت صاحبة الفضل الأول فيما تحقق من مجد لها ولي ولفرنسا

سألته:

-                     هل جئت لتزورها وتكتشف عن قرب ملامح هذه الحبيبة؟

قال وعلى شفتيه تختلج ابتسامة ظهرت آثارها في عينيه:

-                     هذا التعبير دقيق وصادق.. يقترب كثيرا مما عزمت عليه وهو أن أتأكد من صحة ما توصلت إليه على الطبيعة، كما أنني أخطط لزيارة بعض الآثار.

 زار شامبليون المسلتين الموجودتين في مدينة الإسكندرية القديمة التي بدا أنها أهملت تماما.. كان علينا للوصول إلى المسلتين أن نركب الحمير.. تصعد بنا وتهبط فوق كثبان رملية وتلالا مكونة من بقايا الأبنية اليونانية والرومانية وقد طلعت علينا الكثير من الكلاب المشردة التي بدا جليا في نباحها المتشقق مدي ما تعانيه من وحشة وكآبة وجوع في هذه المناطق المهجورة.. يفحص شامبليون المسلتين لكن معالم وجهه تنضح بعدم رضاه عنهما.

 في اليوم التالي نعود إلى القاهرة لنلتقي فور وصولنا بالوالي محمد علي وكنت ألتقيه لأول مرة..حاولت أن أركز نظراتي على عينيه فالعيون مرآة صاحبها لكن الباشا لم تكن له نظرات واحدة، فربما ظهرت نظرات حنان لتعقبها مباشرة نظرات نمر غاضب، وما تلبث أن تظهر فيهما نظرات خامدة تدل على الملل والرغبة في انتهاء اللقاء.. تحدث شامبليون عن أهمية الآثار المصرية وإنها خلال سنوات ستحول مصر إلى أهم دولة في العالم، لكنني لاحظت أن الباشا غير معنى بهذا الحديث إلى درجة أنه كان يسأل العالم الفرنسي عن الملك شارل مثلا أو عن مدي استعداد الحكومة الفرنسية للتعاون، وقال في نهاية الحديث:

-                     حدد ما يعجبك من الأحجار وسوف أنقلها لك إلى باريس. المهم أن تؤكد عليهم سرعة إرسال الأخشاب المطلوبة لبناء السفن

قال شامبليون:

-                     سيدي الوالي أرجوك لا تفرّط في الآثار أبدا مهما كانت حاجتك إلى المال

-                     أتري هذا حقا؟

-                     بل أري أن تصدر مرسوما لمنع حصول أحد على أية قطعة في حجم قطة

-                     لك هذا.. المهم لا تنس أن تؤكد على أهمية الخشب

كان شامبليون قد لفت إليه كل الأنظار بسبب اكتشافه رموز اللغة الهيروغليفية.. هذا يعنى بكل بساطة إماطة اللثام عن كل ما يخص الآثار المصرية التي من المؤكد ستظهر أنهم كانوا شعبا ذا حضارة، ولابد من أن يعرف العالم على وجه الدقة حقيقة هذه الحضارة التي تدل آثارها المعمارية في الأساس وقبل معرفة معنى الكلمات على تقدم علمي وهندسي لافت.

 كنت قد علمت قبل حضوره أنه اكتشف تلك الرموز بعد تحليله للكتابات المحفورة على حجر رشيد بثلاث لغات هي الهيروغليفية أي الكتابة المقدسة وهي مخصصة للمعابد و الملوك، واللغة الديموطيقية وهي الكتابة الشعبية أو العامية.. لغة الناس البسطاء، ثم اللغة اليونانية، وقام شامبليون بعمل مقارنات بين اللغات الثلاث المعبرة عن نص واحد، وقد كان يجيد اللغة اليونانية واللاتينية حتى أنه ألف وهو ما يزال في السابعة عشرة من عمره كتابا بعنوان " الأصول القبطية لأسماء الأماكن المصرية في أعمال المؤلفين اليونان واللاتين " كما أصدر كتابا بعنوان " معجم اللغة القبطية ".

 انتهي اللقاء وسافرنا إلى الأقصر وما أن وقعت عيناه على مسلتي معبد الأقصر حتى صرخ وعانقهما واحدة بعد الأخرى وتنفس بملء رئتيه.. رجع إلى الخلف لتحتوي عيناه المشهد بكامله وقال:

-                     قصر هائل تتقدمه مسلتان ترتفع كل منهما حوالي 80 قدما، وكل منهما قطعة واحدة من حجر الجرانيت الوردي أقيمتا بشكل رائع ويصاحبهما أربعة تماثيل ضخمة من الحجر ذاته طول كل منها ثلاثين قدما تقريبا، حيث إنها مدفونة حتى صدرها وكلها في عهد رمسيس الأكبر.

رأيته يقيس طول وعرض الضلعين الغربي والشمالي للمسلة التي على يمين البوابة أكثر من مرة لأن الضلعين الجنوبي والشرقي محاصرين بالمنازل، وكان الضلع الجنوبي والغربي للمسلة التي على يسار البوابة محاطا أيضا بالمنازل.. مضي يقرأ المكتوب ويمرر أصابعه على الكتلتين عدة مرات

سألته متخابثا:

-                     هل هناك نية لعمل مسلة مثلها في فرنسا؟

كان شاردا لكنه سمعني وأجاب بعد لحظات قليلة:

-                     هناك اتفاق بين الباشا والملك شارل على نقل المسلتين إلى باريس

ارتبكت.. كان ما ذكره غريبا.. لقد قال للباشا أمامي لا تفرط أبدا في أثر ولو كان في حجم قطة.. أي تناقض هذا؟!.. ليس من حقي التدخل لكن من حقي أن أفهم.. النفس البشرية فعلا معقدة.. أحيانا يرفع صاحبها عقيرته بالدعوة لشيء ويفخر بأنه أول من نادى به ويناضل من أجل تنفيذه وفي الوقت ذاته قد يقع فريسة الطمع في لحظة معينة وينسي تماما ما أعلنه مدويا يوما ما.هل يمكن أن تكون المبادئ قشرية أو أقنعة أو أزياء نلبسها يوما ونخلعها في يوم آخر.. لم أشعر بالغضب ولكن بالدهشة فالمسألة بالنسبة لي بالذات واحدة فانتقال المسلتين من وطنى الأول إلى وطني الثاني أو العكس لا تضرني في شيء.. نحيت الفكرة جانبا وفكرت في الوسيلة.. وزن المسلة الواحدة ليس أقل من مائتي طن.. سألته:

-                     وكيف يتم النقل خاصة أن المسلة ثقيلة جدا؟

قال:

-                     لا يقل وزن الواحدة عن ثلاثمائة طن

-                     إذن سيتم تقطيعها إلى أجزاء

-                     ليس شرطا.. يمكن أن تنقل على حالتها.. المهم التأكد من أنها سليمة

قرأ بصوت مسموع المكتوب على احدي المسلات وترجمه فورا إلى الفرنسية:

" إن سيد العالم.. الشمس التي تحمى الحق (العدالة) مؤيدا برع، قد قام بتشييد هذا المبنى على شرف أبيه آمون رع، وأقام له هاتين المسلتين الكبيرتين من الحجر أمام الرامسيوم الخاص بمدينة آمون "

ثم قال شامبليون واصفا الرسم المحفور على المسلة التي إلى اليمين من البوابة:

-                     هاهو آمون رع إله طيبة يجلس على عرشه وتزين تصفيفة شعره ريشتان طويلتان وهو يمسك بيده صولجانه المعتاد، أما يده اليسرى فيمسك بها رمز الحياة الإلهية، ويجلس أمامه رمسيس الثاني راكعا ورأسه تزينها تصفيفة شعر الإله بتاح- سوكاريس، يعلوها القرص المجنح وهو يقدم للإله آمون رع قربانا من آنيتين من النبيذ "

يعود شامبليون ليتأمل المسلتين ويقول:

-                     مسلتان فريدتان من حيث جمال المادة وكبر النسب وثراء النقوش التي تغطيهما بالإضافة إلى جوانبهما المصقولة والأهم حالة حفظهما الرائعة فليس فيهما خدش بسيط بأظفر طفل

يميل شامبليون على صديقه روسيلينى وعلى مرافقه الفرنسي شارل لونورمون ويدس ساعده تحت ساعد الإيطالي وساعد تحت ذراع شارل، ثم يحنى عوده ويعود فيقيمه مرتين ويجرهما معه قائلا

-                     إنه لشرف قومي لفرنسا أن تحصل على احدي المسلتين، وأظن أن أي وزير سيخلد اسمه إذا أقدم على هذه الخطوة وزين باريس بهذه التحفة.

يسحب الإيطالي ذراعه من ساعد شامبليون قائلا:

-                      أسرع قبل أن تخطفها الإنجليز منك كما خطفت حجر رشيد

يلتفت شامبليون إلى لورمون ويقول:

-                      إن وضع مسلات الأقصر تحت أعين الفرنسيين سوف يدفع إلى الارتقاء بأذواقهم

يعلق صديقه الفرنسي:

-                     الشعب الفرنسي ليس معتادا إلا على رؤية زخارف الصالونات

يقول شامبليون وهو يمط شفتيه:

-                      الأجنبي الذي يزور باريس لا يجد فيها أي أثر يدل على أننا قمنا بحملة مدهشة على مصر

بدأت ملامح شامبليون منذ تلك اللحظات تأخذ شكلا آخر وقد كان طوال الأيام الماضية ذا وجه شاحب،إلا أن هذا الوجه ذاته أصبح ورديا، والشرود والصمت الغامض اللذان اكتست بهما ملامحه وحركاته طوال الوقت صارتا وضوحا وابتساما وكلاما بل ورقصا.

 عدنا إلى القاهرة وجلسنا في شرفة الفندق ليلة سفره.. كوكبة من الأصدقاء الفرنسيين بالسفارة وأعضاء البعثة الأثرية التوسكانية.. بعد أن ارتشفنا الكثير من كؤوس الخمر، سأله سكرتير السفارة عن رأيه في محمد على.. كان قد قابله في الصباح مرة ثانية وأكد عليه أهمية إصدار مرسوم يجرم من يمس قطعة أثرية. قال شامبليون بعد أن أكمل اللحن الذي يردده:

-                     الباشا رجل صادق مع نفسه. له هدف واضح لا يحيد عنه وهو أن يستولي على أكبر قدر يستطيع الاستيلاء عليه من أموال المصريين المساكين، ولما اكتشف أن مصر في الحقيقة بقرة دأب على حلبها وإنهاكها من الصباح إلى المساء انتظارا لذبحها وهو يتأهب لذلك. أما لونورمون فقد قال:

-                     لقد قام محمد على بإحراق الأروقة والمعابد والفنون الجميلة على مذابح الصناعة، وإذا أراد أن يبني مصنعا لا يترك المقاول يحضر الحجر من الجبل ويسمح له أن يأخذ الآثار القريبة لأنها أسهل وأرخص.

 تساءلت بيني وبين نفسي: إذا كان محمد على بهذه الصفات الأنانية كيف يستقيم أن يتمتع بالوفاء لأهله إلى درجة أن يُسَمّي ولده الأول على اسم أبيه إبراهيم أغا، الذي مات وهو في الرابعة حتى أنه لم يعرفه وكفله عمه طوسون وقد مات وهو في الرابعة عشرة فسمى ابنه الثاني على اسمه، ولما رحل تكفل برعايته إسماعيل صَدَيق والده وحاكم قوله فسَمّى محمد على ولده الثالث باسمه؟.. هل صفات الإنسان تتغير كثيرا حسب المواقف أم هي ثابتة أو شبه ثابتة؟!!.. المرء يأتي للحياة فقط ليتعلم، ويتعلم دائما حتى رغم أنفه.

 

(7)

 في نحو الثامنة صباحا نهض الجميع من النوم دفعة واحدة كأن هناك موعدا تذكروه فجأة..خرجوا إلى النهار يتطلعون إلى السماء والنهر الذي بدا ممتدا بلا نهاية.. تلفتوا إلى الضفاف الغربية البعيدة وإلى أنفسهم وإلى الباخرة ليتأكدوا أن كل شيء في موضعه وليست هناك خسائر تذكر ولم تتحرك الباخرة ولم تصعد إليها التماسيح ولا دخلها الماء ولا تسللت إليها الماعز. ابتسم البعض كأنه يعرف ما يدور في الرؤوس الأخرى وضحك البعض وتعجب الباقون، لكنهم لسبب ما تحولوا إلى الضفة الشرقية التي يطل عليها معبد الأقصر وتلتصق بمرساها الباخرة فاستولت على الكل دهشة لطيفة دفعتهم للابتسام الطويل والرضا بالمشهد الإنساني الذي ربما لم يقابلوه في حياتهم.

 كانت الضفة الشرقية عامرة بالرجال ذوي الجلابيب الثقيلة الغامقة وعلى رؤوسهم الطواقي الوبر ووجوههم تبدو صلدة ومحددة المعالم وفي الأغلب لا أثر للحم في الوجوه بل جلود تغطي العظام الناتئة..كانت النسوة يلبسن السواد ويغطين الوجوه إلا قليلا.أما الأطفال فكانوا يرتدون جلابيب خفيفة على اللحم والصغار نصف عرايا، والكل لوحته الشمس. عدد كبير من البشر من كل الأعمار يحدقون في البحارة الذين كانت صدورهم لا تزال عارية وستظل. اضطرت النسوة أن يسترن عيونهن ويتوارين خلف الرجال دون أن تغادر منهن واحدة.. كانوا يتأملون الباخرة الكبيرة و ركابها من الغرباء الشقر ذوي الشعور الصفراء وكلهم تقريبا من الشباب.. الكل ينظر إلى الكل في مشهد ثابت دام دقائق إلى أن ضحك الفرنسيون فضحك بدرجة أقل سكان الأقصر المجتمعون لمشاهدة الضيوف منذ شروق الشمس تشغل خواطرهم الحيرة والدهشة والأسئلة.. كانوا لاشك هنا منذ استيقظوا أي قبل ساعتين على الأقل.. لابد أنهم ظلوا طوال الوقت يتساءلون عن سر حضور هذه الباخرة التي تشبه مسجدا كبيرا، ولماذا حضر هذا العدد من الغرباء وهم بالقطع ليسوا من الأتراك، ولا يبدو عليهم جاءوا لجمع الشباب للعمل بالسخرة في حفر الترع أو إقامة الجسور، ولا تدل ملامحهم على أنهم أتوا لحمل الرجال إلى الحرب.. هكذا ظلت الأسئلة بلا إجابة.. على أن ثمة حالة من الاطمئنان كانت مستقرة في القلوب دون أن يهتدوا إلى السبب..

 بعد دقائق شعرت النسوة والبنات بقدر غير قليل من الخجل فشرعن في الدوران والعودة إلى بيوتهن بينما رفض الأطفال دعوة الأمهات للعودة إلى المنازل لاستكمال النوم أو لتناول طعام الإفطار المكون في العادة من الجبن القديم والخبز الجاف وبعض العيدان من الخضرة التي تنمو وحدها على حواف الترع والقنوات الظمأى.

 دنا منى المسيو ريشار كبير المهندسين الذي يتميز بطول فارع وأنف معقوف.. طلب أن أسألهم إذا كانوا يوافقون على العمل.. سألتهم، فلم أتلق إجابة لمدة دقيقة تقريبا.. تبادلوا النظرات ثم انفتحت الأفواه وخرجت الإجابة عالية تقول: نعم

قال ريشار:

-                     قل لهم.. العمل سيبدأ في السابعة صباحا

أخبرتهم بالموعد، فتحرك الرجال تأهبا للمغادرة.. سأل أحد الفتيان:

-                     هل نحن أيضا يمكن أن نعمل؟

سألت المهندس، فقال:

-                     الكل ممن تجاوزوا الثالثة عشرة وحتى الخمسين.. المهم الجسم السليم.

هلل الأولاد واستدار الجميع ليعودوا من حيث جاءوا خلال لحظات.. وقفت أتطلع إليهم..عندما تلفت شاب منهم وألقى نظرة أخيرة علينا أشرت إليه بالرجوع..أسرع نحوي عشرة فسألتهم:

-                     هل يوجد هنا مخبز؟

قالوا في صوت واحد: لا

سألت: هل توجد محلات نشتري منها البقالة؟

قالوا: نعم

سألت: هل يوجد جزار؟

قالوا: نعم

شكرتهم، لكنى أدركت أن على ّ التجول في القرية

لمعرفة ما الذي يمكن أن تمدنا به

 اغتسل الجميع وتناولوا إفطارهم المتاح من الجبن والبيض والزيتون والمربي والزبد والخبز الفرنسي.. تناولنا الشاي ثم انشغلنا في نقل الأسِرّة وأدوات الطهي والعدد والآلات الهندسية والميكانيكية، وكذلك الأخشاب وقد كان معنا ما يعادل مائة متر مكعب على شكل ألواح.. كما كان معنا عشرين مترا من الصاج السميك ومئونة من الطعام تكفينا أسبوعا دون لحم. كان شامبليون قد طلب من كبير المهندسين وبول المشرف الإداري والمالي أن يحملا معهما كل ما يلزم فليس في الأقصر غير الفلاحين.

 قلت لريشار والقبطان:

-                     عليكما مقابلة العمدة وإبلاغه بوصول البعثة فهذا حقه

قال ريشار: قابله أنت وأبلغه.. أنت تمثلنا

أخذت نسخة من موافقة الباشا وخطاب الحكومة الفرنسية.. طلبت من فيكتور المهندس المساعد لريشار والمشرف المالي أن يرافقاني في جولة تبدأ بزيارة العمدة الحاج زهران الحجاجي.. سألت عن بيته وطلبنا لقاءه.. رحّب بنا الرجل..أبلغته بوصول البعثة الفرنسية وأوضحت له مهمتها وعددها ومدة إقامتها التي لن تتجاوز أربعة أشهر.. قدمت له الأوراق.. سألني عن المكتوب فيها..أوضحت له كل شيء وأضفت:

-                     قد نحتاج إليك في تذليل بعض العقبات وتوفير بعض الخدمات

تلفت حواليه ثم قال بتوجس قليل كأنه مدين لا يستطيع سداد دينه:

-                     عقبات؟!!.. خدمات!!

-                     مثلا لابد من إزالة بعض المنازل كي نقيم طريقا من المسلة إلى النيل

فزع وعاد يتلفت حواليه، وقال مندهشا وبحروف ممتدة فاتحا فمه أكثر من اللازم كأننا سنمحو الأقصر من الوجود:

-                     إزالة المنازل؟!!!!

-                     نحن مستعدون للتعويض

فجأة ابتسم وقال:

-                     مادام فيه تعويض فلا مشاكل

-                     أردنا أن يكون لديك علم بكل شيء

-                     عدّاكم العيب.. هذه هي الأصول.. كلنا تحت أمركم

وقفنا وشكرناه فقال:

-                     لا يمكن أن تتحركوا إلا بعد الغداء

-                     شكرا.. علينا أن نتفق على توفير طلبات المعيشة

-                     إذا احتجتم لأي شيء رقبتنا سدادة

-                     شكرا

بعد أن خرجنا قال بول المشرف المالي:

-                     كان علينا أن نطلب مساعدته في تزويدنا بالخبز واللحم وبقية الطلبات

قلت: سوف نسأل بأنفسنا أولا

-                     أقصد أن نترك له العملية بكاملها

-                     هل ستكلف العمدة أن يوفر لك كل شيء وعلى هواه؟

-                     يبدو بلا عمل

-                     لكنه عمدة

 سألت مجددا عن مخبز فتأكد عدم وجوده.. سرنا حتى بلغنا آخر مبنى في القرية ثم لمحنا مبنى يشبه المصنع الصغير وفي أعلاه مدخنة.. تبدو بلا صوت أو حركة ولا يصعد من فوهة المدخنة دخان. اقتربنا من المبنى. كان الباب مغلقا غلقا شكليا بدوائر من السلك. توقفت وتأملت المكان.. تصورت أن هذا المبنى يمكن أن يكون طاحونة.. تنبهت أن عددا من الصبية يتبعنا..سألتهم:

-                     هل هذه طاحونة؟

قالوا معا: نعم

سألت: هل تعمل؟

-                     كانت

-                     ومن صاحبها؟

-                     المقدس يعقوب

-                     وأين هو؟

-                     سافر ليحضر المهندس

فكرت في مشكلة الخبز. كل شيء يمكن الحصول عليه إلا الخبز.. سألت فيكتور:

-                     هل يمكن أن تلقي عليها نظرة؟

مط فيكتور شفتيه.. لويت السلك حتى أخرجته تماما من مقبضيّ الباب.. تقدم منها ودار حولها.. فحص عددا من القطع

والأذرع.. ثم قال:

-                     لابد من مفتاحها كي نطمئن على الدورة الميكانيكية

سألته:

-                     ألا توجد وسيلة لإدارتها؟

-                     العِدد في المركب

-                     ليتنا نستطيع تشغيلها

وقف الصبية حولنا يتفرجون ويحاولون فهم لغتنا، لكنهم أدركوا أني أتكلم العربية.. اقتحم صمت المكان طرقات وصوت نسائي فاستدرنا.. كانت فارسة فوق حصان.. شابة خمرية اللون ذات عينين واسعتين خضراوين ترتدي عباءة نسائية زرقاء مطرزة بخيوط الذهب وعلى شعرها الطويل شال من الحرير الكناري تتوزع عليه رسوم لريش طاووس صفراء وزرقاء.. سألت في شبه حدة:

-                     من أنتم؟

قلت:

-                     البعثة الفرنسية القادمة لفحص المسلات والآثار

سألت:

-                     أليس لكل بيت حرمة ولكل مكان صاحب؟

-                     عرفنا من الأولاد أن الطاحونة عاطلة ونحن بحاجة إلى الخبز لإطعام مائة شخص

قالت بصوت ينضح بالثقة والشخصية المهيبة حتى خلتها سلطانة:

-                     ما كان يجب الدخول قبل الاستئذان

شعرت بقليل من التوتر.. قلت وأنا أحاول ألا أقع في الخطأ:

-                     قال الأولاد أن صاحب الطاحونة سافر لإحضار من يصلحها

-                     كان يجب عليكم الانتظار

-                     وماذا يأكل البحارة والمهندسون والعمال؟

-                     ليس المهم طعامهم. المهم حقوق الناس

استدارت فجأة وخطفت من عيوني الوجه البديع.. مضت الفرسة الشهباء تحتها متجهة صوب البوابة تتراقص باعتزاز ودلال كأنها فهمت ما صدر عن الفارسة المتوهجة وما جري لنا.. الفرسة الشهباء عالية الأرداف

تواصل نقش الصمت بطرقاتها التي تخدش آذاننا وتكاد تمشي فوق ضلوعنا..انكشف ذنبي بجلاء..ما كان يجب أن أفتح الباب. أصابت الفتاة وأخطأت.. لم يخرجني من الموقف الحرج إلا قول الأولاد:

-                     الفرنساوي يتكلم عربي.. الفرنساوي يتكلم عربي..

مضوا يلحنوها ويرددونها، ثم ركضوا وهم يغنون أغنية انتشرت بعد ذلك عن الفرنسي الذي يتكلم العربية وقد أضاف إليها البعض كلمات جديدة، وسرعان ما انضم إليهم عشرات الأولاد الذين خرجوا من الكتاب، وفي أعناقهم تتعلق لوحاتهم السوداء في المخالي الخيش، ووراءهم شيخهم معلم القرآن والحديث والتجويد واللغة العربية وفي يده عصاه التي يضرب بها من يعجز عن الحفظ أو لا يحسن التلاوة، كما أنه فيما يبدو يتوكأ عليها وله فيها مآرب أخري.

وأنا في طريق العودة سألت البقال العجوز عمن يمكنه أن يحضر لنا التموين فقال:

-                     ليس غير مرقص

-                     أين أجده؟

-                     تجده الآن في محله قبل معبد الكرنك ببيتين

تذكرت اللحم، فسألته عن جزار.. قال:

-                     الجزار هو سليمان راعي الغنم ويفتح محله كل جمعة

-                     وأين محله؟

-                     المغلق هناك في نهاية الشارع

-                     وبيته

-                     بجوار الطاحونة

-                     هل أجده الآن؟

-                     اليوم هو الخميس وسوف تجده غدا قبل صلاة الجمعة في بيته

مضيت إلي مرقص وسلمته كشفا بمطالبنا الأسبوعية من الحبوب والسكر والأرز والبطاطس والطماطم والجبن والشاي والبن والخُضر والتبغ والماء.. قال مرقص صاحب الأذنين الكبيرين:

-                     لا حل إلا غلي ماء النيل، فهو صالح للطهي والشرب

في اليوم التالي اتفقت مع سليمان على تزويدنا بعشرين كيلو لحم بقري يوميا لمدة عشرين يوما وخمسة أيام للدواجن بمعدل عشرين دجاجة يوميا.. رحب وحذرته من التأخير.. أخبرته أنه سوف يحصل على الثمن بعد التوريد..تغير لون وجهه..قلت:

-                     لن ندفع ثمن لحم اليوم إلا بعد أن تحضر لحم الغد بحيث يكون لك دائما علينا ثمن لحم يوم واحد لم يسدد.

فهم وقبل شرطنا، لكنه سأل:

-                     وماذا ستأكلون في الأيام الخمسة المتبقية؟

-                     أسماك

-                     لا علاقة لي بها

سألته عن اللبن.. فقال:

-                     عندي.. ما الكمية؟

-                     ثلاثون كيلو يوميا

-                     ستكون عندكم

وفقت في العثور على صياد لديه زورق باستطاعته أن يزودنا بعشرين كيلو سمك كل أسبوع وهي لا تكفي.. بحثت عن صياد ثان يزودنا بالكمية ذاتها وقد عثرت عليه في اليوم التالي، وهكذا أعددت القاعدة الأساسية للتموين بحيث يجد كل أعضاء البعثة الفرنسية كافة متطلباتهم.

أدهشني وجود وزة بيضاء كبيرة وجدها العمال على سطح الباخرة تجري و تنادي على أخواتها الغائبين وربما أولادها.. أحضر لها فلاح البرسيم والخس ووعد بأن يوفر لها متطلباتها، وهو من أخبرني أن بَركة شقيق "جزيرة " هو الذي أحضرها وقال إنها هدية.

تولي وجهي نيابة عنى التعبير عن عدم فهمي.. قال:

-                     الفارسة التي تظهر أحيانا فوق حصانها الأشهب اسمها "جزيرة "

حدثني عبد القادر الفلاح راعي الإوزة عن بركة الذي بعقله لوثة، لكنه طيب وله أحيانا كرامات.. هو ابن الحاج حكيم العمدة السابق

-                     سمعت هذه الكلمة من قبل كثيرا منسوبة للدراويش.

-                     البعض ينسب بركة للدراويش الذين لا يسيطرون تماما على تصرفاتهم، لكنهم في العادة طيبون ولا يتسببون في ضرر لأحد.. بركة دون أن يدري يذكر أشياء مستبعدة فلا نصدقها، لكنها تحدث في معظم الأوقات. ويأتي أحيانا بأفعال لا يأتيها غيره.. فهو إذا نزل النهر صعدت إليه الأسماك ورقصت حوله وقفزت داخل جلبابه وأكد البعض ممن نزلوا معه أن السمك كان يضحك كلما رآه.

نقلت إلى المهندسين أهمية تشغيل الطاحونة ولابد من بذل جهد فني لأننا بحاجة إلى الخبز.. قال فيكتور:

-                     ما دمت مصرا فهيا بنا ومعنا مهندس ميكانيكي وعاملان وبغل

-                     لماذا البغل؟

-                     بغل أو حصان أو جاموسة.. هذه الطاحونة المتخلفة تديرها الماشية القوية

-                      المهم أن تدور

طلبنا بغلا من العمدة فسمح لنا أن نأخذ ما نشاء من اسطبله.. عمل المهندسون والعمال على مدى يومين إلى أن تكللت جهودهم بالنجاح.. اشترينا أردبين من القمح وأمكن طحنهما.. انطلق الطباخ الفرنسي يخبز، وفي اليوم التالي اتفقت مع مرقص على أن يمدنا بجوالين من الدقيق كل أسبوع والأفضل أن تأتي مجتمعة مرة كل شهر.

 

(8)

 كان أول ما شغَل المهندس ريشار هو زيارة المسلتين القائمتين على جانبي بوابة المعبد والاقتراب منهما والابتعاد..لاحظ اختلافا طفيفا بينهما في الارتفاع..كانت الشرقية البعيدة بنحو ستة أمتار عن رفيقتها عكس اتجاه النيل هي الأعلى.. حَدّث نفسه ريشار (دعاني لأقرأ ما كتبه في يومياته بعد أيام وقد تصرفت قليلا في نقلها إلى هذه المذكرات):

-                     ليست العبرة بالطول ولكن بالسلامة والجمال.. من حيث الجمال المسلتان متشابهتان وإن كانت الشرقية في نظري أجمل معماريا وأدق هندسيا فأضلاعها متساوية وليس بها أي انحراف أما الغربية التي ناحية النيل فضلعها الجنوبي أعرض بسنتيمتر واحد بما يحقق الانحراف في الضلعين الشرقي والغربي، ومن ثم فإننا إذا حاولنا رسم محيط عرضي فسوف نجد مساحته ليست على شكل مربع ولكن على شكل شبه منحرف بمقدار نصف سنتيمتر.. أما من حيث الكلمات المسجلة عليهما، ومن حيث السلامة قال شامبليون إن المسلتين سليمتين ويمكن أن نأخذ الأقرب للنيل الآن ثم الأبعد في فرصة تالية.

 مضي ريشار يمر بيده على الجرانيت البراق الأملس باحثا عن أية خدوش أو شروخ أو نتوءات أو أي جروح تقلل من مهابة المسلة.. لم يجد شيئا مما يسيء إليها.. تذكر أنه سمع أحد علماء الآثار الفرنسيين يقول:

-                     إن المسلة الشرقية مشروخة

هاجمه القلق الذي اعتاد أن يهاجمه مع بداية كل عمل ولا يهدأ له بال حتى يتخذ القرار المناسب بعد البحث والتمحيص والتيقن من أن كل الأمور كما يتمنى.. لا يحب أن يبدأ عملا وهناك واحد في الألف من التوجس أو القلق بشأن إمكانية تحقيق نجاح يفوق كل التوقعات.. دون أن يقصد أو يحس تسللت يده إلى العروسة وارتاح كفه على الجرانيت وخبط برقة عليها وتنصت.. لا صوت هناك ولا نفس.. عاد يخبط كأنه سيشتري بطيخة.. لم تبلغ أسماعه ولم تنتقل إلى راحة يده همسة لجسد جرانيتى ينتفض.

 تنبه إلى هذه الحركة فأعجبته مع إنها ليست سلوكا هندسيا أو معماريا مع هذه الكتل وقد تصلح مع جدران بسيطة من الطوب.. كرر التجربة العشوائية التي لقيت لديه تعاطفا فلم يسمع شيئا يشير إلى أدني درجة من المتاعب المتوقعة عاجلا أو آجلا.. تنهد بارتياح.. رجع إلى الخلف وسمع أعماقه تردد:

-                     بوحي بما لديك إن كان لديك شيء.. لا تضعيني في موقف يسبب الخجل أو العار.. أنا ممن يخشون التاريخ ويعمل له ألف حساب.. ربما بعد ألف سنة سيظهر شخص ما حتى لو كان نكرة ليقول:

-                     لقد تصور شخص جاهل يوما أنه كبير المهندسين وعبقري العباقرة وتولي مهمة نقل مسلة المصريين ودرة تاج الآثار العالمية فإذا به مجرد مدعي دخيل على المهنة ارتكب جريمة لا يرتكبها طفل في مدرسة ابتدائية حيث جلب لنا مسلة مشوهة، أو مشروخة أو مزيفة أو مثقوبة

أو يقول:

-                      لقد فات هذا الفسل أن الجرانيت فيها مجرد قشرة خارجية والداخل كله من الطين اللبن أو الحجر الجيري.

 بوحي ولا تخذليني. أخشي إلى درجة احتمال أن أفكر في الانتحار إذا حدث لك مكروه ونحن نساعدك على الرقاد في محفتك التي ستحملك إلى النيل.. ما أبشع المشهد إذا تفككت وأنت تهبطين إلى الباخرة أو وأنت في طريق العودة!!.. سوف أفقد صوابي بالتأكيد لو تأثرت هيبتك أو تصَدّع شموخك وأنت ترتفعين في قلب باريس حيث ميدان الكونكورد قريبا من اللوفر وبين أجمل معالم عاصمة النور والثقافة.

 عاد إليه الوعي بعد أن لاحظ أنه غاب عنه لحظات.. تنهد من جديد وعاد إلى الرفاق راضيا عازما على أن ينجز عملا يفخر به وتتيه به فرنسا ولا يجسر التاريخ أن يمر عليه مرور الكرام دون أن يعبأ به.

 أقام الفرنسيون على عجل مخيما في معبد الأقصر ونقلوا إليه أسِرّة البحارة التي علقوها على حبال غليظة ممدودة بين الأعمدة ورصوا بحذاء الجدران كل مستلزماتهم الشخصية في صناديق أصبحت صالحة في الوقت ذاته كمقاعد، كما نقلوا جميع المعدات بكافة أشكالها وخدماتها وأفرغوا السفينة تقريبا من كل شيء. ولم يعد لها من مهمة إلا أن تصبح ملاذا لمن تزعجهم حرارة الجو فيفزعوا إلى قاعها الأقل حرا خاصة بعد أن فرشوا كل مساحة السطح بالحصر وحرصوا على إغراقها بالماء صباحا وعصرا.

 وافق المهندس على بناء بعض الغرف للإدارة على يسار الداخل إلى المعبد فيما بعد الجدار الجنوبي لمسجد أبي الحجاج الأقصري، وقد قام ببنائها بعض الفلاحين الذين صنعوا قوالبها من الطمي الممزوج بالتبن وتركوه يجف تحت حرارة الشمس التي أسرعت بإنجاز مهمتها حتى يرتب الموظفون الإداريون والماليون مكاتبهم وأوراقهم وملفاتهم. وقد طلب المهندس والقبطان ورئيس الأطباء غرفا مماثلة، فأقامها الفلاحون وسقفوها بجذوع النخيل المشقوقة إلى نصفين بالطول واكتفي الجميع بتعليق ستائر من القماش على أطر من خشب تحيط بفتحات النوافذ، وكان الحل مناسبا للحر لكنه سمح لبعض الثعابين والعقارب بزيارة الضيوف والترحيب بهم دون رحمة إلى درجة التهديد بالموت ولكن الله سلم، وسرعان ما هجرها كبار أفراد البعثة وعادوا للأسرّة المعلقة، وقام العمال ببناء دورات مياه خارج المعبد، لكن كبار رجال البعثة امتنعوا عن استخدامها، وظلوا على سابق عهدهم يلجأون إلى حمامات الباخرة.

 تمكن بعض الفلاحين الشباب من صناعة أسِرة معلقة من سعف النخيل عندما لاحظوا اضطرار بعض البحارة والعمال للنوم على صناديق اللوازم الشخصية، وانتهز عقرب الفرصة للدغ عامل أنقذه قرشي الطبيب المصري الذي كان لحسن الحظ موجودا وهو في العادة غير متوفر وأسهل شيء يتعلل به قوله:

-                     الدواء قبل الطبيب، ومادام الدواء غير موجود فما حاجة المرضي لطبيب.

للأسف كلام محروم من الصواب إلى حد كبير، فليس كل الطب دواء.

طلب هنري القبطان وريشار كبير المهندسين من الفلاحين بناء مخزن كبير من الطوب وله شبابيك وباب كبير محكم لتخزين الأسلحة.. لمّا تم بناء المخزن بصورة مرضية نقل العمال إليه كل البنادق والمسدسات والسيوف والرماح القصيرة وكراتين الذخيرة وقطع الغيار والزيوت، ولم تنقل بالطبع المدافع العشرة الثقيلة التي اندهشت لوجودها ولم أعرف لماذا حملوها معهم من فرنسا حتى سألت القبطان يوما فقال:

-                     فكرة وزير البحرية الذي أكد أنه لا يستبعد تحرش البوارج الإنجليزية التي لا تكف عن التجول في البحر المتوسط لتبحث عن كل ما هو فرنسي لتعتدي أو تستولي عليه.

فوق غرفة المخزن أقيمت غرفة صغيرة أخري وفوقها تم تثبيت لوح خشبى كصاري مرتفع لنحو خمسة عشر مترا عُلق به علم فرنسا الثلاثي الأزرق والأحمر وبينهما الأبيض.

 عندما جاء الفلاحون للعمل أول يوم طلب منى ريشار المساعدة، ولم أكن بحاجة كي يطلب منى ذلك فقد أدركت منذ أول يوم بل منذ كلفني الكلونيل سيف أن علىّ المشاركة في كل شيء تقريبا إن لم يكن بمد يد العون المباشر فبالحضور للترجمة، وأنا بشكل أو آخر محسوب على المصريين وهذا ما يدعونني للبحث عن حل لأية مشكلة تخص الأقصر وظروفها والجانب المصري بشكل عام.

 امتلأت الساحة بالفلاحين طالبي العمل.. جلس روجيه الطبيب القصير ومساعده أولان تحت مظلة و أمام منضدة وجلس المهندس ريشار ومساعده فيكتور تحت مظلة وأمام منضدة وأحضر العمال لي كرسيا فرفضت الجلوس عليه وظللت واقفا لأضبط النظام وأتابع كل حركة.. طلبت من الفلاحين الانتظام في صفين.. واحد للذكور وواحد للنساء.. نفذ الجميع بسرعة ما دعوتهم إليه.. دعا روجيه الذكور في البداية للكشف عليهم.. بدأ العمل مع الشاب الأول:

-                     ارفع جلبابك حتى ذقنك

ما إن نفذ الرجل ما طلبه الطبيب، حتى بلغتنا طرقات الجواد الأشهب و ظهرت الفارسة التي التقيناها في الطاحونة. قالت بثبات ونبرة قوية:

-                     السلام عليكم..أهلا بكم في بلدنا.. إذا كنتم بحاجة إلى عمل النساء فالكشف عليهن لا يكون اليوم ولكن غدا..

ترجمت للطبيب فوافقها على ما طلبت، وقلت ذلك للنسوة اللاتي تلكأت بعضهن ثم غادرن جميعا وسبقتهن الفارسة ببطء..عادت الفرسة الشهباء تتراقص في مشيتها وأنا أتصور أن الفارسة والفرسة كائن واحد يتهادى في دلال يتيه بجماله النادر خاصة في بلدة كالأقصر.

 واصل الطبيب عمله.. حدق في وجه العامل الأول. لاحظ أنه يعانى من الرمد.. سجل هذا في دفتره...حدق في جسده. لم يلاحظ شيئا إلا بعض الجروح القديمة وانتفاخ طفيف في البطن.. سأله مما يشكو. أجابه الرجل بعدم وجود أية شكوى لديه.. طلب منه أن يكشف ظهره.. جس الجلد، ثم طلب منه الوقوف جهة اليمين بعد أن يمر على مساعده أولان.. معنى ذلك الموافقة.. كان مساعده يسجل اسم وسن من يوافق الطبيب على إلحاقه.. أخرج الطبيب من الكشف كل من يعاني من الكبد والقلب والأنيميا الشديدة وصفار العيون وضيق التنفس كما رفض الموافقة على عمل العميان والصم، ووافق على عمل البكم صحيحي الجسم. وأمر بعلاج مرضى العيون.

 ظهرت الفارسة من جديد.. قالت للطبيب: لا تكشف على النساء والبنات

وبحثت عيناها عنى حتى وجدتني، ولم تقل لي كلمة.. ترجمتُ للطبيب كلماتها، فشرد لحظات ثم هز رأسه موافقا أو مستسلما..سألت أحد الفلاحين عنها.. فقال:

-                     ابنة العمدة

أبلغت المعلومة لكل القيادات حتى يتعاملوا مع كلامها وطلباتها باهتمام يليق بمكانتها.

 كل من وافق عليه الطبيب أمره المساعد بالتقدم من اللجنة الهندسية المكونة من ريشار ومساعده ورئيس العمال الفرنسيين، وكان ريشار يسأل العامل ومعه المترجم الفرنسي المرافق للبعثة من باريس:

-                     هل سبق لك أن عملت في نشر الخشب أو الحجارة؟

كانت الإجابة في الغالب: لا

 كنت قد تساءلت عن السر في أن البعثة كبيرة العدد تحتاج إلى عمال محليين من الأقصر , معظمهم إن لم يكن كلهم بلا أية خبرة ترتقي لمستوي أقل العمال الفرنسيين.. لم أتصور إمكانية الحاجة إليهم ثم أدركت الآن فقط أن هناك بالفعل أعمالا يتجنب الفرنسيون القيام بها مثل هدم المباني والشيالة وجر الباخرة بالحبال، وغيرها من الأعمال التي لا تحتاج إلى فن وعلم بقدر ما تحتاج إلى قوة بدنية، والفرنسيون لا يتحملون هذه الأعمال المهدرة للطاقة قليلة الأهمية من وجهة نظرهم.

 أمكن تحديد خمسة والباقون تقرر تدريب الأشداء منهم على النشر.. أما الفتيان فيما فوق الخامسة عشرة وحتى العشرين فقد رأي ريشار أن يتم تدريبهم ليكونوا مساعدين ويتوزعوا على الأعمال المختلفة.

 قبل آذان المغرب كان قد وافق على عمل ما يقرب من مائتي عامل، طلب منهم المجيء للعمل في السابعة صباح اليوم التالي، ورفض تشغيل أربعين رجلا كانت لديهم موانع صحية منهم سبعة تجاوزوا الستين.

 سهر روجيه رئيس الأطباء يكتب بيانا بكافة الأمراض المنتشرة مثل الدوسنتاريا والرمد والكبد والبلهارسيا والحساسية والأمراض الصدرية و الجلدية والقلب والأنيميا.. أعد قائمة بالأدوية المطلوبة لعلاج عدد من هذه الأمراض وأرسل بالقائمة إلى دروفيتى القنصل العام وكذلك مسئولي الصحة في الحكومة.

 كلف المهندس ريشار كبير النجارين ومعاونوه الأربعة بتدريب العمال على نشر جذوع النخل أولا ولو قضوا في ذلك أياما حتى ينضبط أداؤهم وبعدها ينتقلون إلى نشر الأخشاب وتقطيع العوارض حسب المقاسات، كما قام ميكانيكي ونجار فرنسيان بتدريب الفتيان الصغار على معرفة كل الأدوات وأسمائها بالفرنسية وطريقة استعمالها وما تقوم به، وقد حرصت أن أقوم بنفسي بالترجمة، مستشعرا سعادة بالغة لأن الأطفال تجاوز عددهم المائة نصفهم على الأقل من البنات، وبلغ العاملون الأقصريون من كافة الأعمار نحو أربعمائة أي ثلث سكان البلد تقريبا ويتقاضون أجورهم مع غروب كل يوم وليس بالأسبوع أو الشهر.. كان مشهد وقوفهم لاستلام أجورهم أجمل من أن يوصف وملامحهم الراضية بل السعيدة بالقروش أكاد أستحي من الحديث عنها.. كان البعض بعد أن يبتعد يقفز عاليا عدة مرات، والبعض يرقص. وكان الذكور في العادة لا يقبضون نقودهم إلا بعد أن يلقوا بأنفسهم في نهر النيل كأنهم يوقعون لديه بالانصراف.. يغتسلون ويشربون ويتوضأون لصلاة المغرب ثم يخرجون وتكون النسوة والبنات قد قبضن أجورهن وقطعن خطوات في الطريق إلى بيوتهن تتصاعد من أفواههن ضحكات جميلة لها في النفس وقع مستحب.

 تحولت المنطقة المطلة على النيل وحتى بداية طريق الكباش وداخل معبد الأقصر فيما يغطي مساحة عشرة أفدنة والتي كانت مغمورة بالسكون إلى حد الرعب إلى منطقة تضج بالعمل والحركة.. مشهد بديع كان يجمع الفرنسيين والمصريين في تعاون وتكامل وانسجام.. مع هذا العمل الدءوب كأنه مصنع مكشوف تجتهد آلاته في إنتاج سلعة مهمة كانت تتعالي الأغنيات والضحكات، بل سمعت خلالها ولأول مرة أجمل المواويل التي أعجبت الفرنسيين دون أن يفهموا معناها.. من ذلك ما أنشده بيبرس:

 أهل السماح الملاح دول فين أراضيهم
أشكى لهم ناس لم بعرف أراضيهم
ياما حَفظت الوداد ونسيت مواضيهم
إن غبت عنهم بنار البعد اتكوى
وان مَسّنى قربهم تجرحنى مواضيهم

يهلل العمال فرحا، فقد تلقت أرواحهم الموال بسعادة ومس شغاف قلوبهم الظمأي بل وربما شبعت بطونهم، لكنهم يتمنون المزيد.. ينادي بعضهم على سليمان النجار، فيُسلك صوته ثم ينشد:

قوامك الغصن فى روض البها عادل
ووجهك البدر ماله فى الجمال عادل
من يوم عشقتك أراك عن مُغرمك عادل
قضيت زمانى فى حبك جسم من غير روح
أشكى صدودك لحاكم فى الغرام عادل

 يصيح العمال إعجابا و تعاطفا مع العاشق المتيم والمكوي بعذاب الهجران.

 سرح خيالي فتصورت الحالة الصاخبة والمتناغمة كيكة كبيرة وفوقها حبات الكريز والكريمة والشيكولاتة حتى لقد أثار هذا الجو اهتمام الفرنسيين وحاولوا ترديد الألحان التي التقطوا بعضها في يسر وأقبل بعضهم يسألني عن معناها وقد لاحظ أن من الأغنيات ما يتناول العشق وانتظار الحبيب وليلة الدخلة وغيرها وكانت النسوة يشاركن فيها بدرجة كبيرة. في تلك اللحظة التي كان خيالي يحلق فيها فوق مساحة الجمال التي تعانقت مع أحاسيسي الشخصية بحكم أني مصري فرنسي اكتشفت فجأة أني اشتقت إلى الشيكولاتة والكريمة والحلويات عموما. يجب أن أبحث عن وسيلة لجلب الفواكه والشيكولاتة ولو من إسنا أو قنا بل لا بأس لو طلبناها من القاهرة لولا خشيتى من الوقت الطويل الذي يمكن أن يحتاجه الحصول على ما نتمناه.. من حق هؤلاء الرجال أن يستمتعوا بطعم الشيكولاتة والحلوي.. الجميع يبذل جهدا كبيرا ويعملون في ظروف صعبة أولها الحرارة العالية التي تلهب المصريين بالذات لأنهم حفاة، كما كانوا يعانون من الظمأ ومن العرق الذي يكدس طبقات الملح فوق جلودهم وتكويها مع الحرارة..مما يضطرهم لاختطاف لحظات في النهر للشراب ونثر المياه على الرؤوس والأجسام حتى تطفئ اللهب المشتعل في الأبدان.. لابد من مكافأتهم ببعض الحلوى.. سوف أسأل أولا المعلم مرقص الذي اتفقت معه على جلب التموين من قنا.

 سمعت فجأة زعيقا وأصواتا عالية.. أسرعت للتعرف على ما يجري.. مهران الحداد ذو الفم الواسع الذي حضر بالأمس فقط لمح العلم الفرنسي المرتفع فوق غرفة في المعبد.. فجأة توتر وتوقف عن العمل وطالب بضرورة إنزاله..أسرع إليه المترجم واستمع إليه وهو يشير إلى العلم.. فهم سر غضبه غير المبرر.. اشترك ريشار وروجيه والعمال في المناقشة فلم يتقبل..كلما حاولوا تهدئته أصر على إنزال العلم.. قال له المترجم فيما قال:

-                     هذا بروتوكول دولي

رد عليه الحداد ذو الصوت العالي:

-                     بل إنه صورة من صور الاحتلال، ولن أعمل إلا إذا نزل هذا العلم..هذه أرض مصرية

تدخلت لمحاولة إقناعه.. سألته:

-                     ما الجهة التي تنفذ العمل في هذا المكان؟

لم يرد

-                     أجبنى لو سمحت

قال بصوت منخفض ومكبوح:

-                     فرنسا

-                     أليس طبيعيا أن توضح هذه الدولة أن العمل يتبعها؟

-                     لا

-                     لماذا؟

-                     لأن العبرة بالأرض

طال الحوار والرجل رأسه وألف سيف ألا يقبل أي رأي آخر..المسيطر عليه عبارة واحدة:

-                     لابد من إنزال العلم

سأل القبطان:

-                     ما عمل هذا الرجل؟.. هل هو عالم في الآثار أو خبير في التفجير؟

قيل له إنه حداد

سأل القبطان:

-                     وما أهميته؟.. اطردوه

قال ريشار وروجيه:

-                     لا..

مال عليّ أحد العمال المصريين وقال:

-                     مهران طيب لكنه معروف بعصبيته، وله مواقف مشابهة كثيرة تثير الأزمات

مال ثان وقال:

-                     هو طيب ولكنه عنيد

مازال صوته يأتيني:

-                     العلم لابد ينزل

الأزمة تتسع والعمل توقف والجو تكهرب.. كنت أحلق في السماء وأنا ممتلئ بمشاعر السعادة.. لمعت في رأسي فكرة.. دنوت منه وقلت:

-                     هل يرضيك أن يرتفع العلم المصري مع الفرنسي؟

صمت لحظات وقد فوجئ بالعرض وبدا لي كأنه غاضب لأن المشكلة على وشك أن تجد حلا.. هز رأسه بالموافقة، فهلل الجميع وقال له ريشار:

-                     هات العلم غدا وسوف نرفعه

قال روجيه:

-                     كان عليك أن تقول هذا منذ البداية

في الصباح حضر مبكرا ومعه العلم المصري المكون من هلال كبير وأمامه نجمة خماسية على أرضية حمراء مثل علم الدولة العثمانية..

أمر ريشار بإعداد صاري خاص بالعلم المصري، ولما انتهى العمال من إعداد الصاري احتضن الرجل العلم وقبله ثم سلمه لعامل مصري ليرفعه فأصر القبطان أن يرفعه بنفسه.. ارتفع العلم المصري في الفضاء ببطء مقصود.. هلل الجميع مصريون وفرنسيون وزغردت النسوة والبنات إلى أن استقر في سمائه فابتسم الكل بل و تقدم القبطان فعانق مهران وكذلك فعل الباقون مع أهل البلد، وعاد العمل من جديد وعدت أنا للتحليق وتذكرت ثانية طعم الشيكولاتة الذي اشتقت إليه.. الغريب أن لحظات قليلة مرت ثم رأيت مرقص يتقدم نحونا بحمارتيه المحملتين بالمئونة قادما من قنا بالمركب التي تقوم بخدمات الأهالي بين البلدين،وعند المرسى يكون ولده أو ابنته بانتظاره بالحمارتين.. سألته عن مطلبي فحكي لي معاناته في البحث لدي كل وكالات قنا دون جدوى.. سهرت أكتب رسالة إلى المسيو دروفيتى قنصلنا العام في القاهرة مدونا فيها كل ما نريده ولا نجده في المدن المجاورة.

 

(9)

 وصلت مركب البوستة التي تصل من القاهرة إلى الأقصر كل أسبوع. كانت تحمل مكتوبا من خالي الأستاذ رمضان المدرس في الأزهر يعرفنا فيه بقدومه بعد عشرة أيام لإنهاء موضوع الميراث الذي تركه جدي لأمي ويتعجل أخوالي الآخرين توزيعه.

 خالي رمضان الوجه المضيء في حياتي لكنه بعيد فلا يحضر إلى البلد مع أسرته إلا في شهري الصيف..لا تغادر ذاكرتي مطلقا تفاصيل زيارتي له في القاهرة قبل عشر سنوات.. كان خالي وزوجته وابنتاه خديجة وعائشة وولده على قد جاءوا لزيارتنا وزيارة كل أهالينا وتجديد ارتباطهم ببلدهم.. لهم بيت بعد بيتنا بعدة بيوت ولهم أرض أيضا يتولاها خالي سليم.. كنت معهم دائما.. أنام وأتناول طعامي وأقضي كل وقتي في بيتهم.. خديجة وعائشة وهما توأم ولدا معي في الشهر ذاته الذي ولدت فيه أغسطس سنة 1807، لذلك كنت مشدودة جدا إليهما وهما كذلك.. يصران أن ننام جميعا في سرير واحد ويصران أن أكون في الوسط ولا ننام إلا بعد أن يتوغل الليل.. قال خالي إن مولدنا كان في العام الذي شهد قدوم حملة فريزر الإنجليزية على مصر وتمكن المصريون من صد الهجوم قبل أن ينتشر الأعداء في كل البلاد.

 كنت سعيدة بوجودهم خاصة عندما تحكى لي البنتان عن حياتهم في القاهرة فأشعر أنها تتحدث عن بلاد غير موجودة إلا في الأحلام. وفي ليلة من الليالي القليلة التي نمتها في بيتنا حلمت أني معهم في القاهرة.. وفي الصباح طلبت من أبي أن يسمح لي بمرافقة خالي.. فتح أبي عينيه وفمه وتأهب ليقول كلاما أظنه سيصدمني، ثم هدأ وابتسم وقال:

-                                                     هل يمكن أن تغيبي عنى يوما واحدا؟

قلت له وأنا أجهز نفسي للاستعانة بكل الوسائل كي أقنعه:

-                                                     أرجوك يا أبي.. أشعر أني هنا بلا صديقات وأنا أحب بنات خالي

-                                                     لكن يا جزيرة البيت في حاجة إليك ,,أنت الآن في الخامسة عشرة ووالدتك تعتمد عليك

-                                                     أنا يا أبي لا أقوم بأي شيء.. هناك أمي وهنومة ورقية زوجة سلام المزارع وهناك زوجات الخفراء.

-                                                     نسأل أمك وأخاك الكبير مدثر

-                                                     المهم رأيك

-                                                     المهم رأيهما

-                                                     وافق أولا

-                                                     لا تستعجلي.. خالك أمامه شهر

-                                                     المهم أن توافق

-                                                     أنا يا ستى موافق

هجمت عليه وقبلته في وجنتيه ورأسه وعانقني بشدة وقبلني، فقلت له:

-                                                     أنت من ستقول لأمي وأخي مدثر، لكنك صاحب الكلمة الأولى والأخيرة

ضحك حتى ارتجت بطنه الكبيرة، وقال:

-                                                     آه منك يا عفريتة

أسرعت إلى بيت خالي ولا تزال ضحكاته تركض خلفي.. أنبأت خديجة وعائشة فصرختا حتى جاءت أمهما فزعة فأنبآها بالخبر.. تجلت فرحتها على وجهها وعانقتني، وقالت:

-                                                     أحسن خبر سمعته منذ جئت.. الشهر الذي انقضي ضاع معظمه في أداء واجبات مؤسفة.. تعزية فيمن رحلوا خلال السنة وتعزية في أموات جدد..

زوجة خالي هي أيضا من العائلة فهي ابنة خالته وطبعا ابنة خالة أمي.. هي إذن في مقام أمي. رفضت أمي ومدثر فلزمت غرفتي وامتنعت عن الطعام حتى علم بذلك خالي فتدخل وسافرت معهم. في هذا اليوم بدأت أنفر من عمي زهران فقد أوقف مدثر وقال له:

- كيف توافقون على سفر أختك وهي في سن الزواج إلى القاهرة لتبقى هناك ستة أشهر على الأقل وتخرج هناك على حل شعرها وسوف تعود في المركب طبعا وحدها؟

قال أخي:

-                                                     هذا لا يكون أبدا.. من قال هذا الكلام؟

-                                                     ليس مهما من قال.. المهم أن هذا هو حال بيت العمدة

أنا غبية. ما كان يجب أن أقول لابنته التي لا تحتفظ بسر.. لعلها الغيرة فقد أسرعت إلى أمها وقالت لها: كيف تذهب جزيرة إلى القاهرة ولا أذهب مثلها؟ وحسب علمي بدأت الغيرة منذ ولدت وهي تصغرني بستة أشهر فقد تمنت أمها أن تسميها على اسمي فرفض أبي، وقد حاول في البلد آخرون ومنعهم أبي وتمنى آخرون وامتنعوا من أنفسهم احتراما للعمدة.

 سافرنا بالباخرة التي تنقل الناس والبضائع بين الأقصر والقاهرة ورست بنا في بولاق وحملتنا الحمير إلى سكن خالي في بيت صغير مؤجر بحارة الدرب الأصفر بالجمالية. أغلب الشوارع نظيفة ومرصوفة بالحجر.. المحلات كثيرة والحركة لا تتوقف في أي شارع أو حارة والستات يلبسن البراقع والملاءات السوداء ويمضغن اللبان و سواعد الكثيرات مغطاة بالأساور الذهبية، ولم تقع عيني على سيدة أو بنت حافية.

 بالليل سهرنا فوق السطوح حيث كانت عشش الدجاج والأرانب والبط الذي تربيه زوجة خالي.. القمر يقف طويلا فوق بيت خالي.. ينظر إلىّ ويبتسم أحيانا.. نظرت إليه طويلا.. سمعته يسألني عن اسمي..أجبته فقال:

-                                                     أول مرة أشوفك

قلت:

-                                                      أنا من بعيد.. بلد ربما لا تعرفها..اسمها الأقصر

قال: أعرفها.. أنا أراها الآن

رقص قلبي.. سألت متعجبة:

- صحيح؟

قال بوداعة ورقة:

- صحيح

- هل يمكنك أن تري أي بيت فيها؟

- أري معبد الأقصر والكرنك

- بيتنا جنب معبد الأقصر.. سَلم لي على أبي لو تقدر

- من عيني يا عروسة

تنهدت وشعرت أن الدنيا جميلة لأن فيها هذا القمر الحنون

شعرت أنني أحسنت بقدومي إلى القاهرة لأقابله ونتكلم.. لحظات قليلة وأحسست به يتحرك من حولي ولا أراه.. رفعت رأسي إلى السماء فوجدته يبتعد وبعض الغيوم تجري أمامه.. لكن أنفاسه كانت قريبة منى.. هل يمكن أن يكون ملاكي الحارس؟..لابد أنه هو.. لمحت وجهه وهو يطل من فوق السور وأنا على السطح بينما كنت وحدي بعد أن نزلت خديجة وعائشة مع أمهما.. ملاكي الحارس صاحب الوجه الأبيض و ذو الشعر المائل للحمرة والابتسامة الدائمة.. لا زلت حتى الآن لا أستطيع تحديد طبيعته.. هل هو بشر مثلنا؟.. هل هو ملاك غير منظور؟ هل يحرس غيري أم هو لي وحدي؟.. هل هو وهم أم حقيقة؟..أنا سعيدة أنه موجود وكلما وجدني وحدي عبر أمامي ليؤنس وحشتي ويبعث الطمأنينة في نفسي. طلعت خديجة وعائشة بأطباق الطعام.

 بلغت أسماعنا أصوات المنشدين والمداحين في صالات الوكالات..

هل علينا رمضان فإذا القاهرة خيمة كبيرة من النور الملون بالفوانيس والزينات والمساجد جميعها تتدلي علي قبابها ومآذنها عناقيد من الفوانيس

وساحاتها بالداخل والخارج ممتلئة بالمصلين وقارئي القرآن والتواشيح بينما الصدقات تنهمر على الفقراء والمساكين.. رمضان في القاهرة غني جدا وحنون جدا وعطوف.. أشعر أنه جدي وقد جاء لزيارتنا محملا بالهدايا.. لا يود أحد أن ينام في أيامه أبدا.. كل شيء يستحق المشاهدة والتأمل.. أشياء كثيرة فيه أدهشت عقلي وروحي حتى تعلقت به وكان إعجابي شديدا بحلواه من القطايف والكنافة والزلابية وقمر الدين والبندق والجوز واللوز.

 في ثالث يوم لي في القاهرة المعجبانية عاد عند الظهيرة خالي وعلى وجهه بشر وابتسام وقال لزوجته وأولاده:

-                                                     عندي خبر جميل جاءنا مع مجيء جزيرة

قالت زوجة خالي:

-                                                     هيا قل وفرّحنا

ابتلع ريقه وأخّر نطقه ربما قاصدا..تململت خديجة وعائشة.. أما أنا فقد كتمت فضولي.. قالت البنات باشتياق:

-                                                     هيا يا أبي قل

قال خالي:

-                                                     لقد رشحني بعض المسئولين لأكون معلم الباشا وأولاده اللغة العربية

صرخت ابنتاه وهجمتا على أبيهما يقبلانه ويعانقانه

تقدمت من خالي وعانقته وقبلته ولا أدري لماذا سالت دموعي فعانقني أكثر، وربّت على ظهري..اندهشت زوجة خالي وقالت بفرح رصين:

-                                                     معقول يا رمضان؟!

-                                                     كرم ربك

-                                                     ألف مبروك

-                                                     الله يبارك فيك

-                                                     أول خير يأتي من القلعة

-                                                     قولي الحمد لله

قامت زوجة خالي وعانقتني وقالت:

-                                                     وجهك حلو علينا يا جزيرة

عدت مرة ثانية للبكاء

تقدمت منى خديجة وعائشة فعانقتاني وقبلتاني ومضينا إلى حجرتنا

عندما كبرت تذكرت هذا البكاء الكثير.. أظننى عرفت سببه أو تصورت أنني عرفت.. ربما كان ذلك مرجعه رغبتي الدفينة في أن تكبر عائلتنا من حيث المكانة بحيث تحتل وضعا أهم مما هي عليه. بعد أن اقتربت من العشرين أصبح هذا الأمر يشغل مساحة كبيرة من تفكيري.

 في محاولته لزيادة بهجتي أخذني خالي إلى جبل المقطم لنرى بأعيننا القاهرة ساعة الغروب.. مشهد رائع.. القاهرة تحتشد بالمآذن والقباب والمباني.. رأينا الأهرامات من موقعنا هنا فوق الجبل ورأينا مرسى بولاق والنيل المتجه جنوبا إلى الأقصر وقد بدا عريضا.. المدينة عامرة بالمباني والوكالات والمدارس.. بدأ العمال يشعلون القناديل ومن فوق المآذن العالية رائعة العمارة وقف المؤذنون يؤذنون لصلاة المغرب بأصوات رقيقة خلابة كأنها قادمة من السماء.. هاهنا تبدو الشمس وهي تكاد تسقط وراء الأهرامات وقد اكتست لونا برتقاليا لا ينسى.. وزع خالي علينا التمر وصلينا المغرب في مسجد السيدة عائشة ثم عدنا إلى البيت لنصلي العشاء والتراويح وننام إلى أن نصحو على طبلة المسحراتي.. كان وقعها جميلا في نفسي جدا.. أسرعت إلى النافذة لرؤيته.. رجل قصير أسمر اللون بكرش كبير لا أدري كيف يحمل عليه طبلة بحجم فرن الخبيز. قلت لخديجة وعائشة:

-                                                     المسحراتي له كرشان بطنه والطبلة

ضحكتا، وقالت خديجة:
- تصوري يا جزيرة أنا أستطيع أن أصوم بدون سحور، لكنى أغضب جدا لو لم توقظني أمي أو تكون قد راحت علينا كلنا نومة، لأني أريد أن أشاهد الشيخ رجب وطبلته، وأنصت إليه وهو ينادي على الصائمين بالاسم، وبالنسبة لنا فهو ينادي على علىّ:

-                                                     اصحي يا صايم وحد الدايم.. اصحي يا ابراهيم. يا جار النبي.. اصحي يا على. يا خميس.. اصحي يا جرجس

ضحكت واندهشت وقلت:

-                                                     جرجس!.. ماذا تقولين يا خديجة؟

-                                                     الشيخ رجب صديق المقدس جرجس، وجرجس يحب الشيخ رجب جدا

لذلك يحب أن يذكر اسمه

تقول عائشة وهي قليلة الكلام:

-                                                     مرة لم يسمع جرجس اسمه فسأله في اليوم التالي عن السر في عدم ذكر اسمه، قال له الشيخ رجب وكان أبي يقف مع المقدس:

-                                                     لاحظت أنك بالأمس كنت مرهقا جدا من محاولتك التوفيق بين المتشاجرين في حي الفحامين.. كنت كبندول الساعة تروح لهذا الفريق ثم للفريق الآخر من أجل المصالحة حتى وفقك الله..

-                                                     كنا في هذا الجدال حتى انتهي المصلون من صلاة التراويح في مسجد قايتباي

-                                                     أشفقت عليك

-                                                     المهم ألا تنساني

-                                                     لن أنساك

-                                                     هل تعلم أني أتسحر فعلا؟

-                                                     حقا؟!

-                                                     لقيمات قليلة وشربة ماء تعينني على أن أتحمل حتى يحين المغرب

-                                                     إذن تصوم

-                                                     أجمل ما في الدنيا الصيام

-                                                     يكفي صيامكم الطويل

-                                                     كل الصيام جميل

 كان خالي قد اصطحبنا لزيارة مسجد السلطان حسن وهو مبنى هائل ذو هندسة معمارية بديعة و يضم مع المسجد أربعة مدارس دينية.. كل مدرسة متخصصة في تعليم أصول وقواعد وأعلام مذهب من المذاهب الأربعة الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي.. كانت فرصة أن نصلي فيه حيث شعرت براحة غريبة لم أجدها في جامع البلد.. قال خالي:

- المسجد تم إنشاؤه منذ خمسمائة عام وأمر ببنائه السلطان حسن ابن الناصر ابن قلاوون أيام المماليك

كلما قال لي خالي معلومة أفرح بها وأتحمس للعودة إلى كتب خديجة وعائشة أبحث فيها عن المعلومة نفسها أو غيرها وكنت أقضي معظم الفترة الصباحية في قراءة الموجود من كتبهما.. الكتب شيء مدهش.. كيف لا توجد مدارس بالأقصر.. كل شيء هنا غير موجود هناك..هذا ظلم.. ظلم.

زرنا الجامع الأزهر وقلعة صلاح الدين، وزرنا عشرات الأسبلة والمدارس والمستشفيات في شارع المعز لدين الله الفاطمي ولما عبّرت عن انبهاري، قال خالي: كلها وعشرة أضعافها بنيت في العصر المملوكي أي منذ نحو ستمائة سنة.. العصر المملوكي أزهي عصور التاريخ المصري من الناحية العمرانية حسب المعلومات التي وصلتنا.

 زرنا باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة.. شيء مهيب وضخم ومتين جدا يعيش مئات السنين بعدنا.. كل يوم كان يأخذنا خالي إلى مكان ويتحدث عنه، كما كان حريصا على أن يطعمني مأكولات جديدة علىّ مثل الشيكولاتة والفشار والحمص المتبل والترمس وبلح الشام والهريسة.

 مررنا بأحياء السروجية والخيامية والغورية والنحاسين والصاغة ودخلنا الوكالات التجارية العامرة بكل شيء مثل وكالة نفيسة البيضا ووكالة بازرعة ووكالة البقلي ووكالة محمد أبو الذهب.. أعجبني جدا منظر العمال وهم يكنسون الشوارع ويغسلونها، ورأيت بعضهم يهدم المساكن القديمة الآيلة للسقوط وبدلا من أن تشغل حيزا بلا فائدة يمكن أن يقام مكانها مبني سكنى أو تجاري أو يؤدى أية منفعة للناس. لاحظت عمالا يردمون البرك ويهدمون المصاطب التي تشغل نصف عرض الشارع وتعوق الحركة، وأعجبتني جدا العربات التي تجرها الخيول وتمنيت أن يكون مثلها في الأقصر سوف تكون مفيدة في نقل البضائع وانتقال الناس من مكان إلى مكان لمسافة قد تصل إلى عشرة كيلومترات أو يزيد وتربط القرى المجاورة بعضها ببعض.كما رأينا العمال يزيلون التلال المطلة على النيل ويزرعون مكانها أشجارا لها أسماء عجيبة معظمها وارد من الخارج. قال خالي:

-                                                     محمد على باشا رجل نادر المثال فرغم أنه عنيف ويبطش بالمعارضين إلا أنه دائم الحركة ولا تشرق شمس أي يوم دون بناء مشروعات سواء مدرسة أو مركز تعليمي أو مصنع أو ترعة أو كوبري أو قنطرة أو سوق أو مستشفي أو حديقة أو توسعة للشوارع والميادين أو خدمات للناس لتسهيل حياتهم.. خذي مثلا تنظيف الشوارع وإنارتها بالقناديل.. مؤخرا أمر أصحاب المحلات التجارية والبيوت بطلاء جدرانها باللون الأبيض ووضع سلة للقمامة أمام كل محل.. المحتسب أي المراقب يمر ومن يخالف يدفع غرامة فورية.. من يكرر المخالفة يسحب منه الترخيص.. أما المحتسب الذي يسامح المخالف ولا يطلب منه الغرامة أو يسحب ترخيصه يجلد.

قلت لخالى:

-                                                     رأيت السقائين وتمنيت أن يكون في الأقصر سقائون كهؤلاء الذين يحملون الماء في قرب جلدية سوداء من الأسبلة وحيث المياه عذبة ويوزعونها على البيوت ويصبونها بأنفسهم في الأزيار.

ابتسم خالي وقال:

-                                                      وضع الباشا الوالي نظاما للسقائين ويا ويله من يرتكب مخالفة أو يتأخر في إمداد البيوت الموكولة إليه بالماء..كما كلف عمالا للقيام على خدمة الأسبلة حتى تحافظ على الماء الذي يخرج من الينابيع الأرضية وحماية الصنابير الخارجية من العبث والأحواض من الانسداد.. كما خصص الوالي عربات تجر خزانات مهمتها سحب مياه الصرف المخزنة في غرف تحت البيوت وتفريغها بعيدا على أطراف المدينة حيث يفيد بها الزراع في تحسين التربة، وأقام مصانع للأسلحة والبارود والذخيرة ومصانع للغزل والنسيج ومسبك للمعادن في منطقة اسمها السبتية. هذا الألباني القاسي نقل العاصمة من حال إلى حال بأفضل مما لو كان الحاكم مصريا.. الحكم النافع يقتضي أن يفكر المسئول في مصلحة البلد ثم العمل على تنفيذ الأوامر بمنتهى الدقة وإلا نزل العقاب.

-                                                     لكن بلدنا وربما مثلها كثير من القرى محرومة تماما من كل شيء

تنهد خالي وقال:

-                                                      الحروب الكثيرة هي السبب

 في يوم سفري عائدة إلى الأقصر اصطحبني خالي. استأجر حمارين

حملانا إلى المركب حيث تنتظر موعدها وركابها في مرساها ببولاق.. تحدث خالي إلى رجل طويل بجلباب وعمامة كبيرة بيضاء يحك بدنه بصورة دائمة أرجعت هذا إلى قلة الاستحمام واعترضت على تفسيري. كيف لا يستحم وهو لا يخرج من النيل..إذن فهو المرض.. كان جالسا على جنب يدخن الجوزة.. تبادلا بضع كلمات. سمعت منها:

-                     هذه ابنة أختي. أبوها الحاج حكيم الحجاجي.. تعرفه؟

-                     لا يوجد في بر مصر واحد لا يعرفه.. زينة الصعيد كله

-                     توصلها داخل بيتها

-                     اسمها

-                     جزيرة

-                     جزيرة!!

-                     تمام

-                     جزيرة.. جزيرة!!؟

-                     ما بك يا عبده؟

-                     لماذا لم يسموها اسم من أسامي البنات؟

-                     الاسم له حكاية

-                     أحب أعرفها

-                     طويلة، وليس هذا وقته

 نادي الرجل فتى حمل عنى الحقيبة القماش وأجلسني في ركن بعيد.. مضي خالي يتكلم مع الرجل إلى أن حان موعد المغادرة.. تقدم خالي وعانقني وقبل رأسي فانهمرت دموعي..أسباب كثيرة تدعوني للبكاء تلك اللحظة، أهمها حنان خالي وابتعادي عن أولاده وزوجته وعن القاهرة..غادر خالي بعد أن قال لي:

-                     عمك عبد الشهيد صاحب المركب من البياضية القريبة من الأقصر. بلدياتنا يعنى. كل ما تحتاجينه اطلبيه منه بقلب جامد.. وهو المسئول عن توصيلك إلى الدار بذات نفسه.. لا تنسي السلام على كل أهالينا.

تركني خالي وظلت نظراتي عليه وهو يخرج من المركب ويكاد المتدافعون يوقعونه ليلحقوا بالمركب التي بدأت في التحرك..

عادت الدموع لعيني من جديد لأن خالي ذهب ولأنني ابتعدت عن حياة الناس في هذه المدينة التي نفذت إلى قلبي و حاولت أن أغوص فيها قدر الإمكان.. كان بكائي أيضا من أجل الأقصر.. تنهدت فقد شعرت فجأة أني كبرت.. هل تغيرت قليلا ابنة الخامسة عشرة؟.. أظننى تغيرت كثيرا.

تحركت المركب الكبيرة بحمولتها المكتظة..أوصاني خالي أن أقرأ الفاتحة.

 بعد نصف يوم في البحر أخرجت بعضا من الطعام الذي أعدته لي زوجة خالي.. كان كيسا به كعك بالتمر وكيسا آخر به رقاق باللحم المفروم وربع دجاجة وكيسا ثالثا به محشي باذنجان وكرنب وفلفل وكيسا رابعا به زجاجتان ممتلئتان بعصير الجوافة وعصير المانجو، وكيسا به الكثير من اللب والفول السوداني.

 جاء عبد الشهيد بعد صلاة العشاء وحمل جوال القماش الذي به حاجياتي وأنزله إلى الأرض وجلس مكانه..أدرك ولابد أنني يمكن أن أخاف من الليل والوحدة والغرباء.. حك جسده كثيرا وهو يحدثني عن أبي وجدي.. حكى لي عن العربان وما تسببوا فيه من المشاكل وتعرض على أيديهم للخسارة في عدة مناسبات.. لا أدري ما الذي دعاه لهذا.. لابد كان هناك سبب..قال:

-                      أنا على هذه المركب منذ ثلاثين عاما.. ضاع عمري تقريبا معها، لكنها بنت حلال.. صبرت علىّ..في حين غيرها لم يصبر على.

.. نادي مساعده " جامع ". لما رد عليه طلب الجوزة.. دس فمها بسرعة في فمه وسحب عدة أنفاس من الجوزة وأطلق سحابات كثيفة من الدخان. خفت أن يهاجمني الدخان إلا أن النسيم النيلي الجميل تكفل بالأمر..وعزمت على ترك المكان بسبب كراهيتي لعادته السخيفة بحك جسمه، لكنه قال:

-                     صَبَرت على العشرة معي ثلاث سنين فقط ثم هربت.. لم ننجب.. قال الأطباء أنا السبب..هَربَت ولا أعرف لها حتى الآن مكان أو مثوى.. بحثت عنها في بر مصر كله فلم أجدها..مازلت أحبها.. راقصة جميلة وفي الوقت ذاته رجل.. هي أصلا من مصر ولما الوالي طرد الغوازي والراقصات من مصر نواحي قبلي قابلتها في قنا وتعلقنا ببعض. أخذت كل ما أملك. أنا زوجتي الآن بهية

سألته:

-                     وهل أنجبت من بهية؟

ابتسم بمرارة وقال:

-                     بهية هي المركب

قلت في نفسي: طبيعي تهرب من وساختك

فوجئت به يضع يده على صدغه ويسمعني موالا بصوت شجي وحنون..

سايق عليك النبي إن كنت باقينى

تضحك بسن الرضا ساعة تلاقينى

دا انا الورد وانت المية تروينى

إن غبت دبلت أنا وان جيت بتحيينى

والله لو كان غيرك قمر لم تنظره عينى

 كان صوته في أذني له طعم القهوة.. دهشت كيف استطاع بحنجرته الخشنة أن يصدره.. طالبه الركاب بإعادته فأعاده

طلبوا غيره..قال:

-                     إذا كان صوتي ومواويلي تعجبكم لكم منى موال كل ليلة مجانا

تمدد وتهاوي..أغمض عينيه بسرعة ونام، وبقيت أفكر في ظروفه ثم نمت

في الليلة التالية دنا منى وأبعد حقيبتي القماش و جلس مكانها وطلب من جامع أن يعد الجوزة ويحملها إليه.. دخن وظل صامتا ثم سألني:

-                     لماذا سمّاك أبوك بهذا الاسم الغريب؟

-                     هل تعرفه؟

-                     جزيرة

-                     أكيد تتذكر الجزيرة التي تحركت من أمام البياضية منذ خمس عشرة سنة

-                     طبعا.. كانت في عز الفيضان

-                     ولدتني أمي فيها وبعدها بساعة تحركت الجزيرة وأنت تعرف الباقي

حط يده على رأسه وفتح فمه وعينيه وكل حواسه ثم ضرب جبهته بكفه، وقال:

-                     يا دين النبي.. حضرت الواقعة بنفسي..كان عمري تسع عشرة سنة..كنت راجع من مصر ببهية مثل الآن. تصوري أنا مثلك.

-                     كيف؟

-                     ولدتني أمي بهذه المركب

ابتسمت ومضيت أتخيل الحالة.. تسللت نسمات الرضا إلى روحي. اندهشت.. شردت. قالت لي نفسي:

-                     واعية للدنيا؟..ليست إلا حكاية تلد حكايات.

تنهد عبد الشهيد ومضي يدخن الجوزة ثم أطلق من حلقه موالا جميلا
 جمل النقا عضني في كتفي وانشبك نابه
 والحلو بلاده بعيده اللي انشبكنا به
 ياعمي بيع الجمل واسكر على نابه
 وإن جاك صاحب الجمل قله سكرنا به

 في الليلة الأخيرة أنشد

سلطان جمالك على أهل الغرام حاكم
وحارس الخال فوق ورد الخدود حاكم
شفتك عشقتك يا ريتك تراقب ربنا الحاكم
يا باهر الحسن إسمح لى بوصلك يوم
دا الصبر عنى رحل والشوق..أهو حاكم

 

(10)

 دعاني أبي لحضور جلسة مع بعض الفلاحين الذين طلبوا التحدث إليه وأخذ رأيه في رغبة الفرنسيين في هدم اثنين وثلاثين منزلا تفصل المسلة المراد نقلها عن النيل كى يستطيعوا إسقاطها وجرها حتى الباخرة.. أبي يستمع وهو جالس على كرسيه.. سألتهم:

-                     هل يتعذر أن يتم إنزالها أولا على وجهها؟

تبادل الرجال النظرات ثم قال أحدهم:

-                     أكد المهندس الفرنساوي أنه يتعذر

قلت:

-                      لو أسقطوها على وجهها لا حاجة لهدم البيوت

فهمنا من المهندس أنها ستحتاج إلى عمل كثير والنتيجة غير مضمونة

قال أبي في بطء شديد.. المسكين لسانه مربوط:

-                     المُش..كلة.. ليست في ال..هدم لكن..في التعويض

كان الأهالي وكلهم من أصحاب البيوت المجاورة للمسلة التي من المقرر أن تهدم.. قالوا:

-                     الحق أن الفرنساوية عرضوا استعدادهم لدفع تعويضات مناسبة

ساد صمت..قال أبي:

-                     لابد من تعوي..ضات عن البيوت الق..ديمة وثمن الأر..ض الجديدة

أشفقت على أبي من الحوار ومن المجهود.. كنت ضد الجلسة.. من طلب الحوار مع أبي يبدو أنه حاول أن يتجنبني فكل من يريد التحدث إليه كان عليه أن يمر بي أولا ويشرح لي ما يريد وأنا أسمح له أو لا أسمح.. طوال السنوات الخمس الماضية منذ علم بوفاة مدثر في اليونان وهو صامت.. شارد.. عاجز.. أقصى ما يفعله أن يتمتم بكلمات لا نكاد نسمعها وإذا سمعناها لا نفهمها فهي كالرموز، أو خطرفة نائم يحلم حلما غامضا. ها هو الآن يقول كلاما كبيرا لم أفهم إلا ثلثه وهو حق أصحاب البيوت.. بدا من تعليق الأهالي أنهم لم يفهموا أيضا غير الثلث.. الخلاصة أني فرحت.. الدماغ أهم من الجسم..صحيح الجسم هو الآلة، لكن الرأس هي القيادة.. الفكر و الرأي... بدونها يصبح أقوي البشر حمارا أو بغلا ولا يبلغ مقام الحصان.

طلعت الأفكار السليمة المشرقة احمرارا وبهاء على وجه أبي الذي كان شاحبا دائما.. سألوه مجددا:

-                     ماذا تقصد؟

قال أبي:

-                     تعويض للبيوت التي ستهدم

-                     مفهوم

استطرد وهو ينطق عبارته كلمة كلمة:

-                     تعويض.. للأرض التي..ستنكشف.. بعد رفع البيوت

-                     فهمنا يا حاج

تدخلت قائلة:

-                     الطريق بعد الهدم سينكشف كأرض عارية مهدمة ولا تصلح لسير الناس أو الماشية ويجب أن يتم تسويتها بشكل يجعلها صالحة تماما مثل المسلة

هز أبي رأسه وقال:

-                     وحق الأرض.. الجديدة

سألوه:

-                      أي أرض؟

ابتلع ريقه وهدأ قليلا ثم قال:

-                      عليكم شراء أرض تبنون عليها بيوتكم.. لابد يد..خل في التع..ويضات.

قال الأهالي:
- لقد حسبوا وانتهي الأمر

 سألتهم:

-                     من قال هذا ومع من اتفقوا وعلى أي أساس؟

-                     مع العمدة

-                     ما التعويض لكل منزل؟

-                     سبعة جنيهات

سكتُّ لحظات لأفكر.. قال أبي وهو ينتزع الكلام من كل جسمه تقريبا:

-                     قليل..

فتح كفيه وكف ثالثة أي 15.. قلت:

-                     التعويض يكون خمسة عشر جنيها.. عشرة للبيت وخمسة للأرض

-                     والعمل؟

-                     العمدة

قلت:

-                     انقلوا هذا الكلام لحضرة العمدة واطلبوا منه التحرك لطلب الزيادة كما أوضح أبي لكم

نظر الحاضرون لبعضهم البعض وبدا أنهم لا يستطيعون..

لم تسقط عيني عن وجه أبي وذراعه الأيمن المتهدل الذي بدأ في التوتر والاهتزاز بصورة زائدة، فقلت للأهالي:

-                     أظن الصورة وضحت لكم.. رجاء استكمال الحديث مع عمى زهران، وربنا يهيئ الخير

 استأذن الضيوف وساعدت أبي على الانتقال إلى السرير.. طلب كوبا من الليمون.. أعددت لي وله كوبين.. شربنا.. لا أدري السر في أني استشعرت أن هناك منطقة غامضة أو معلومة غائبة.. انطلقت مباشرة إلى منطقة العمل الفرنسية.. سألت أول من لقيته من الفلاحين.. كان مهران الحداد صاحب قصة العلم يقف قريبا من المسلة الشرقية التي لن ينقلوها:

-                     أين الفرنسي الذي يتحدث العربية؟

أشار لي على المترجم الذي كان ظهره تجاهنا ثم ناداه:

-                     يا ريمون

كان يتحدث مع شخص آخر.. التفت إلينا. عندما رآني أسرع بالحضور

قلت للحداد:

-                     لا.. ليس هذا.. هناك مترجم آخر

-                     آه تقصدين جوزيف

وصل ريمون، فقال له مهران:

-                     باردون.. نريد جوزيف

حياني الرجل ومضي.. سألت مهران:

-                     هل اسمه ريمون أو باردون؟

ضحك وقال:

-                     اسمه ريمون، لكن باردون يعنى آسف بالفرنسية يا ست البنات

شعرت بالخجل الشديد.. هذا العامل البسيط يعرف ولو كلمات قليلة من الفرنسية وأنا لا أعرف.. مصيبة.. أنقذني من تقريع نفسي وصول جوزيف.

قال على الفور وهو يخلع قبعته:

-                     أهلا يا هانم

-                     هل يمكن أن أسألك بعض الأسئلة؟

-                     تحت أمرك يا فندم

قلت في سري:

-                     يخرب بيت أدبك

قال للحداد:

-                     هات كرسيين بسرعة

أسرع مهران يحضر كرسيين، وضعهما بجوار المسلة بعد أن مهد الأرض حتى لا يوقعني الكرسي. أشار لي جوزيف حتى أجلس ولم يجلس إلا بعد أن جلست. بادرني:

-                     هل تحبين أن تشربي شيئا؟

لم أكن أعرف من الفرنسية إلا ثلاث كلمات، قلت له:

-                     مرسيه

فتح عينه وابتسم ثم سأل:

-                     هل تعرفين الفرنسية؟

عاد الخجل يحاصرني.. قلت:

-                     كلمات قليلة فقط

-                     لم أكن أعرف أنك ابنة العمدة السابق الحاج حكيم

-                     أومأت برأسي.. قال:

-                     لم ألتق بشخص إلا وامتدحه.. ربنا يمتعه بالصحة

برق في ذهني سؤال كان يجب أن أسأله قبل شهر:

-                     أنت لست فرنسيا

-                     بل فرنسي

-                     لكنك تنطق اللغة العربية أفضل من المصريين

-                     أنا مصري

ابتسمت.. قلت لنفسي:

-                     واضح أنه خفيف الظل، لكن مهمتي اليوم لا تسمح بهذا ويبدو أنها لن تسمح مستقبلا.. سألته:

-                     مصري أم فرنسي؟

-                     الاثنان

سألت نفسي:

-                     هل جئت لأجل أن يحكى لي تاريخ حياته؟.. ربما في فرصة أخري.. لا يجب أن أفسح المجال لكي يتقول علىّ الناس.. سألته:

-                     هل عوضتم الفلاحين مقابل هدم منازلهم؟

-                     نعم

-                     هل لي أن أسألك عن قيمة تعويض كل فرد؟

-                     بالطبع.. عشرة جنيهات عن كل منزل

-                     هل سلمتم التعويض مباشرة لكل صاحب بيت؟

-                     دفعنا المبلغ كله للعمدة وعاد إلينا بالإيصالات الموقعة منهم.

شعرت بالدوار للحظات.. هل يمكن للعمدة أن يرتكب هذه الجريمة؟.. هل يمكن أن يكذب على الناس ويسرقهم؟.. لا أظن أن الفرنسي يكذب.

قلت للمترجم:

-                     هل في خطتكم إصلاح الأرض بعد الهدم؟

-                     بالطبع إلا إذا طلب أصحابها إعادة بناء بيوتهم في المكان نفسه كما كانت

-                     في الأغلب لن يحدث هذا

-                     إذن تأكدي أننا سنسوي الطريق ونجعله صالحا تماما للسير ليساعد حاملات الجرار أو أوعية الماء حتى لا تسقط من أوعيتهم نقطة واحدة.

-                     هذا يعنى أنهم سيضطرون إلى شراء أرض للبناء عليها

-                     والمطلوب

-                     أن يُعوضوا بما يعادل نصف تعويض البيت لشراء الأرض

-                     أعدك أن أتحدث مع المسئولين وأتمنى أن أنجح

سرتني وعوده وحديثه اللبق الذي يصدر عن شخص ملتزم يمكن أن يحترم كلمته ووعده.. قلت:

-                     لكنك لست موظفا كبيرا ضمن المسئولين

-                     نعم أنا لست إلا موظفا بسيطا ولكنني أحدثك عن خطة البعثة وأنقل إليك بعض مبادئ المشروع والتزاماته.

أحسست في أعماقي أنني أود التحدث إلى هذا الشاب طويلا.. لكن المكان غير مناسب والمسافة الفاصلة بيني وبينه كبيرة جدا ولا تسمح بتجاوز الحدود، لكنه لطيف وجميل.. إنه.. إنه يكاد يشبه ملاكي الحارس الذي لم يظهر منذ مدة وكأنه هجرني.. هل يكون هذا الشاب هو تجسيد حي لملاكي الحارس؟.. أفيقي يا جزيرة

وقفت وقلت:

-                     شكرا لوقتك.. عن إذنك

-                     أنت من تستحقين الشكر

استدرت عائدة وأمسكت بلجام الحصان فبلغني صوته:

-                     لو سمحت.. لا أريد أن أتجاوز حدودي..

-                     تفضل

-                     أود أن تتاح الفرصة للقاء والدك

-                     سوف أستأذنه أولا

-                     طبعا

غادرت المكان وأنا أشعر أن الفضاء أرحب والنسيم عليل وكأن غدا يوم عيد.. هناك رائحة فرح في الجو، وهناك ابتسامات. لماذا لا تسير الحياة بنعومة أكثر؟!.. فكرت فجأة فيما قاله جوزيف المصري الفرنسي.. كيف أخذ عمي عشرة جنيهات وسلم لكل شخص سبعة؟.. صحيح أنا لا أميل كثيرا لعمى، لكن هذه الحادثة تحتاج إلى تحقيق أو إلى سؤاله شخصيا.. ربما كان جوزيف صادقا وربما حدثت تعديلات في التفاوض ومعلوماته قديمة.. لابد في كل الأحوال من السؤال..

هل يمكن أن يقبل عمى مواجهته؟.. وهل يمكن أن يرضي أبي عن إحراج عمي إذا كان الكلام صحيحا؟.. يجب ألا أرتكب حماقة.. يتعين علىّ أخذ رأي أبي.التقيت في طريق عودتي بأحد أصحاب البيوت.. تراجعت في آخر لحظة عن البوح له بما جري.. سألت أبي.. قال:

-                     لا تقدمي على شيء الآن.. سوف أخبرك غدا.

في الغد قال:

-                     أرسلي من يناديني بالشيخ يونس

أرسلت سلام المزارع لينادي الشيخ يونس وهو أحد أصحاب البيوت التي ستهدم

حضر الشيخ وسأله أبي عما نال، فقال: سبعة جنيهات

تنهد أبي وابتلع ريقه ولم يستطع أن يقول له شيئا.. حتى قال الشيخ:

-                      تود أن تقول شيئا

-                     لا

لم أستطع السكوت.. قلت:

-                     يا شيخ يونس

زعق فيّ أبي

- بنت

قلت له:

-                     سوف يعرفون منا أو من غيرنا.. أنت عَوّدتهم على الصدق والوضوح

انحنت رأس أبي قليلا، فشعرت بالخطأ والاندفاع، لكنى قلت للشيخ يونس:

-                     الفرنساوية دفعوا لعمى العمدة عشرة جنيهات عن كل بيت

اصفر وجه الشيخ وتطلع إلى أبي.. سأله في صيغة عتاب:

-                     حقا يا حاج حكيم

أومأ أبي برأسه مؤكدا ما قلته.

قلت:

-                     أبي يا شيخ يونس هو من طلب منى أن أخبرك أنت بالذات بما حدث

ولا أحد غيرك.. أنتم الآن أحرار في التصرف.. إما أن تطلبوا الفرق من العمدة أو تسكتوا.. ليس علينا أن نحارب لكم معركتكم.. هل أخطأنا

-                     لا يا ابنتي لم تخطئوا.. أنتم أكثر من يحرص على الأصول في البلد. لكن هل أنت مستعدة لمرافقتنا إلى العمدة؟

-                     مستعدة

قفزت إلى خاطري صورة جوزيف. لماذا يريد مقابلة أبي؟.. ليس بينهما أية صلة أو موضوعات مشتركة أو مصالح ولا يعرف أي منهما الآخر..

في اليوم التالي نقلت إلى أبي رغبة الفرنسي.. سألني:

-                     ماذا يريد؟

-                     لا أعرف ولم يكشف عن الغرض من الزيارة

-                     قلت أنه يتكلم العربية

-                     نعم ربما أفضل منا

-                     هل يعيش في مصر؟

-                     لا أعرف

-                     قلت أنه فرنسي

-                     جاء معهم ويتكلم مثلهم

-                     غريبة

-                     هل أنت متأكدة أنك لا تعرفين السر في طلبه؟

-                     أقسم أني لا أعرف

-                     تجاهلي طلبه أو ردي عليه بحيث يفهم أنني لست هذه الأيام على ما يرام

طرق الباب الشيخ يونس وقال: هيا بنا إلى العمدة.. خرجت معه.. كان بالخارج عشرة من الرجال.. مضينا إلى عمى زهران. رحب بوفد الفلاحين وإن بدا واضحا اضطرابه وزيغان عينيه.. تبادل الجميع التحية وطلب العمدة الشاي بسرعة.. قال الشيخ:

-                     لا عيب في أن يتعاتب الأقارب

-                     ابتلع ريقه وهز رأسه قائلا بصوت متحشرج:

-                     - طبعا

قال الشيخ:

-                     يقول المثل: إن كنتم أخوات تحاسبوا

قال العمدة:

-                     ليس بين الخيرين حساب

قال الشيخ يونس:

-                     ندخل في الموضوع ولك الكلمة فأنت كبيرنا

-                     حتى الآن لا يبدو أني كبيركم

تبادل الفلاحون النظرات، وساد صمت أنهاه مهران وهو شاب من أصحاب البيوت التي ستهدم، يعيش مع أمه وأخوته وحدهم بعد وفاة أبوهم:

-                     وصلنا منك يا حضرة العمدة سبعة جنيهات وعلمنا أن الفرنساوية سلموك عشرة لكل واحد

اهتز كوب الشاي في يد العمدة، وقال:

-                     تفضل يا شيخ

احتد مهران وقال:

-                     لم ترد يا عمدة..الحكاية كلها قلتها لك في جملة واحدة

قال العمدة:

-                     الكبار يتكلمون أولا يا بن نفيسة

ركبت الشياطين وهدان وفتح فمه ليصب جام غضبه على العمدة، لولا يد الشيخ يونس التي ضغطت على فخذه، وأسرع يقول كي يردم على النار التي توشك مبكرا أن تندلع

-                     يا حضرة العمدة.. غير معقول أن نصدق الأغراب ونكذبك.. فما هي الحقيقة؟

لاحظ الجميع أن العمدة مرتبك وحلقه جاف.. ارتشف من الكوب وابتلع ريقه، ثم قال:

-                     الأغراب كلامهم صدق.. لكن أنا قلت أجمع الجنيهات الثلاثة من الكل وأسدد الضرائب المطلوبة من الفلاحين الذين سجنوا كي نفك أسرهم

ضحك مهران باستهزاء وهز رأسه.. سأل هندي الأحول:

-                     واضح أنك لم تشرك أحدا معك في الفكرة

-                     أنا العمدة يا أحول

سأل الشيخ:

-                     كم فلاح خرج؟

-                      لم أدفع بعد

-                     ممكن نعرف الحسبة.. كم فلاح وكم المطلوب منهم وهل هناك أوراق؟

-                     إذن أنا أكذب يا يونس

اندفع مهران يقول:

-                     لم يقل أحد أنك تكذب، لكن لازم نساعدك.. نذهب معك للمديرية. نستعجل الإجراءات.

 لم يرد العمدة ولم يعلق.. ساد القليل من الصمت الملتهب إلى أن قال العمدة فجأة:

-                     شكرا يا بنت أخي.. أنت مديرة المشروع

-                     لا أفهم قصدك يا عمي

-                     كل هذا الذي يجري تحت سمعك وبصرك ولا تفهمين ما أقصد.. جمعت من يعيب في عمك بهذه الطريقة

-                     مستحيل يا عمي.. أنا موجودة من الأول ولم أسمع شخصا واحدا أخطأ في حقك.. الحقيقة أنك أنت من أهنت ضيوفك

-                      هكذا يا بنت حكيم

-                     ألا ترضى بالحقيقة؟

-                     وهل ما قلتيه هو الحقيقة؟

-                     لم تجب يا عمي على من سألك عن الفلاحين المحبوسين، وبالمناسبة لم نسمع عن أن هناك حبس لمن يعجز عن السداد

-                     أنا من سعى لذلك.. لعل أهل هذه القرية يعرفون قيمتي وفضلي

توترت قليلا وسألته:

-                     إلى ماذا سعيت؟

-                     هذا نظام جديد بدأ تنفيذه هذا العام استجابة من الحكمدارية للاقتراح الذي تقدمت به

قال الشيخ يونس:

-                     ربنا يخليك للبلد وأهلها يا حضرة العمدة

قال مهران موجها حديثه للشيخ:

-                     هل العمدة أخذ رأي أصحاب الشأن فيما فعل أو سيفعل؟

اندفع العمدة:

-                     رأي من يا ولد؟.. هذه والله عجيبة العجائب.. أفكر في مصلحة العباد ويقيمون لي محاكمة..

قال مهران:

-                     ليس من حقك التصرف فيما لا يخصك

وقف العمدة فجأة رغم كرشه وجسمه السمين وقال:

-                     الكلام انتهى.. ولد يا سباعي.. وصّلهم

قال رجب وآخرون:

-                     مسكين

قال الشيخ:

-                     واضح يا حضرة العمدة أن الكل لا يريد أن يتنازل عن حقه، و قالوا لي قبل حضورهم: سوف نسأل الفرنساوية ولن نسمح لهم بالهدم ونرد لهم ما تسلمناه من العمدة. ساعتها كما تعرف ستتصل البعثة بالقنصل والقنصل سيتصل بالباشا وتعرف الباشا لا يؤمن بالحوار والمناقشة ولا بالتحقيق.,. لا يعرف إلا الرصاص...

عاد العمدة يجلس ليس رغبة في الجلوس ولكن عجزا عن الوقوف والمشي.. وحدّق بحقد في وجهى وقال:

-                     كله منك يا جلابة الخير.. ربنا يخلي أبوك الذي أحسن التربية

تحملته كثيرا وكنت أغلي منذ دخلت..قلت له كلمة واحدة:

-                     حاسب يا عمدة

أخذ يضرب كفا بكف ويشير للحضور جميعا كي يخرجوا بسرعة من الدوار قائلا:

-                     ناس خسارة فيها المعروف

غادرنا بيت الرجل الذي لا أشعر بميل إليه وأتجنب لقاءه والسلام عليه حتى في المناسبات العائلية، منذ أشعل غضب أخي ضدي وحاول منع سفري مع خالي قبل عشر سنوات.. لم يمر يومان حتى أعاد الأموال إلى أصحابها ولزم بيته بعدها لمدة أسبوع وأشاع أنه معتكف لأن الرسول زاره في المنام وطلب منه الاعتكاف.. شخص دجال وأناني.. ابنه نصر أفضل منه.. فيه شهامة وكرم ورجولة وصدق لكنى لا أوافق على الزواج منه. أخشي أن يصبح يوما مثل أبيه، كما أنه عصبي ويندفع بسرعة ولا يستطيع التحكم في لسانه، وأنا لا أحتمل شخصا فيه هذا العيب.

اضطررت للذهاب إليه في الجبل الشرقي مع المطاريد حتى يعلمني ضرب النار.. سرقت فرد والدي وحملت بعض الذخيرة.. ناديت عليه. رد على ذراعه اليمين مجاهد.. قلت له:

-                     أرسل لي نصر الآن

جاءني نصر فطلبت منه أن يعلمني.. رفض وقال:

-                     لا يقبل أحد في العائلة ذلك أبدا

-                     إذن سأذهب إلى بيبرس

تغير وجهه فجأة واحمرت عيناه وقال وهو يأكل أسنانه:

-                     سيكون آخر يوم في عمرك

قلت له ما قلته لأستفزه وكنت أعرف أنه سيتوتر.. قلت:

-                     هذا هو الفرد وها هو الرصاص.. مد يده وأخذه وحشي الفرد بالطلقات

وابتعدنا عن الغيطان والناس.. لم أضيع من الوقت الكثير فقد أخطأت ثلاث مرات وفي الرابعة أحسنت وأصبت، وفي الخامسة كذلك والسادسة

قال نصر:

-                     ألم يحن الوقت كي نستقر؟

-                     هل تركت الحشيش إلى الخمر؟

-                     لماذا تقولين هذا؟

-                     كيف تبحث عن الاستقرار وأنت مطلوب للمحاكمة لقتلك جنديين؟

-                     بلغني أن الحكومة مستعدة للتنازل عن قضايا الإعدام والحبس إذا دفعت الدية

قلت:

-                     الباشا لم يعد يفكر إلا في جمع المال بأية وسيلة.

قال:

- ربما يمنح صكوكا للأغنياء تسمح لهم بدخول الجنة إذا دفعوا مبالغ مغرية.. الجيوش تأتي من الحرب لتستعد للحرب التالية.

-                     على فرض أنك ستسوى أمورك مع الحكومة لن يسمح أبوك لك بالزواج منى فهو يكرهني.

-                     ماذا تقولين؟.. أنت ابنته

-                     أخذ من الناس جزءا من تعويضات منازلهم التي ستهدم ولما ذهبوا لمطالبته بما استولي عليه وكنت معهم اعتبرني أنا المهيجة لهم

-                     أبي طيب وقلبه أبيض وينسي بسرعة والأهم أنه لا يرفض لي طلبا أبدا

كان نصر يحاصرني من كل جانب ويحاول أن يزيل كل عقبة..قلت له:

-                     المشكلة ليست عندك

-                     عند من؟

-                     عندي

-                     كيف؟

-                     لا أريد أن أتزوج

-                     سنة الحياة

-                     لا تصدق هذا

-                     يا جزيرة.. أرجوك.. سنكون أسعد زوجين

-                     الظروف ضدنا على طول الخط

-                     فكري

-                     انس مؤقتا وسوف تتغير الأحوال

-                     أفكر فيك بالليل والنهار.. مجاهد والرجال يقولون لي: ركز معنا وانس ابنة عمك..كلما عرضنا عليك فكرة تقول:

-                      ليس الآن

-                     أنا شخصيا أريدك أن تحافظ على نفسك.. الحكومة أصبحت عنيفة جدا وليس لديها عزيز

لويت عنق الحصان وقلت له:

-                     سلام يا نصر..

-                     أريد وعدا ولو بعد سنة

-                     كل الأمور في يد من خلقك فاصبر وثق به

-                     ونعم بالله

بيبرس ترك بيته وقرر العيش في معبد الكرنك بصحبة كلبه. يقضي معظم وقته في صيد الأرانب والعصافير. يجيد التصويب بدرجة مذهلة. رفض الانضمام إلى نصر وجماعته. أحب هنية أخت مهران الحداد ولم تعره اهتماما.. آثر أن يهجر الناس ويعيش وحيدا ينشد المواويل.. يربي عددا من الماعز والخراف ويزرع خمسة قراريط يملكها وراء المعبد بالخضروات والبرسيم وبعض أشجار الفاكهة..

 منذ أن سافرت إلى القاهرة مع خالي وأولاده لم أعد أنا جزيرة التي يعرفها الناس كطفلة.. زادت درجة تغيري بعد وفاة أخي مدثر.. الأخ الجميل الرائع زين الشباب.. لمّا تلقينا الخبر تحطم أبي جسدا وروحا وفكرا. اختفي تماما من الحياة مع أنه لا يزال حيا.. كان سبعا بمعنى الكلمة.. كان الحنان والتسامح والقوة والشخصية والمهابة والحكمة.. في لحظات قليلة ضاع كل شيء ولم يستطع الأطباء فعل أي شيء وقد ذهبنا به إلى كل طبيب سمعنا عنه سواء في القاهرة أو طنطا أو المنصورة والإسكندرية دون جدوى، كما ذهبنا به إلى الدجالين والمشايخ والعرافين وقراء الكف ونفذنا كل ما أمروا به ولا نتيجة، وبعد سنتين أقسم أنه لن يتحرك من بيته لأي سبب إلا إذا منّ الله عليه بالشفاء. لماذا يريد جوزيف أن يزوره. ذهبت إلي الموقع.. تسمرت في مكاني.. هل استطاع الفلاحون أيا كان عددهم أن يزيلوا اثنين وثلاثين بيتا في يومين، وليس معهم غير الفؤوس والمقاطف.. جدران المعبد وأعمدته ظهرت للعيون.. اختفت البيوت.. كيف أزالوها تماما بهذه السرعة؟.. دنا جوزيف ورحب.. سألته عن البيوت.. قال:

-                     نسفها الفلاحون

-                     كم فلاح عملوا عليها؟

-                     أربعون.. عشرون للهدم وعشرون لنقل الأتربة والحجارة والأخشاب

-                     حجارة!

-                     نعم.. حجارة معابد وعليها نقوش رصّوها كأساس قبل البناء

-                     خطوة مهمة انتهيتم منها ستساعد في تحديد الطريق لنقل المسلة

-                     الطريق مرسوم في باريس

-                     أقصد أنكم الآن تقفون على أرض الواقع وليس على الورق.. الورق مهما كان دقيقا فهو خيال ولكن ما تم سلمكم الحقيقة

-                     حقا.. دعينا من هذا الآن..هل طلبت من السيد الوالد أن يسمح لي بالزيارة؟

-                     أبي ليس بحالة جيدة هذه الأيام

-                     عرفت من بعض الفلاحين أنه مريض منذ أن فقد ولده في حرب اليونان.

نظرت إليه بقدر غير قليل من القلق.. إنه فيما يبدو فضولي وإن لم يتجاوز حدوده.. ما الذي دعاه للسؤال؟.. قلت له:

-                     أبلغت أبي طلبك فقال: لا يعرفني و لا أعرفه وهو كذلك غريب، كما أني لم أعد العمدة.. بالإضافة إلى أني مريض ولا فائدة تنتظر من شخص في وضعي.. فماذا يريد؟

-                     هل تصدقينني لو قلت لك أنني لا أريد منه أي شيء

-                     لا يهم أن أصدقك أو لا أصدقك..

 ليس هناك ما يشجع على مواصلة الحوار.. ربما يسيئه ردي لكنه يكشف الحقيقة.. الطرفان بينهما كل الأسباب التي تفرق وليس بينهما ما يجمع أو يقرب.

-                     كلام الناس الطيب عن والدك يدفعنى للتعرف عليه.

شرد ونظر إلى الأرض.. تنهد، ثم قال بصوت به مسحة من الشجن:

-                      لم أر والدي فقد مات قبل أن أولد، وزوج أمي مات وأنا في الحادية عشرة.. هل تصدقيني لو قلت لك أنني أود أن يكون لي والد ولو بضعة أيام..

لم تعجبني أفكاره ولا كلامه.. أحسست أني أتكلم مع نصاب.. قلت:

-                     لا أصدقك

ضحك كثيرا ومضي يضحك بشكل هستيري، فنهضت.. أسرع يمسك يدي.. نظرت إليه بحدة فتركها.. قال:

-                     لم تأخذي وقتك لتفكري فيما قلته

-                     لا يحتاج

-                     أظنك إذا أعدت فيه النظر وتأملته بصورة موضوعية أي بعيدا عن العواطف سواء الرضا أو النفور ربما تجدينه مقبولا

امتطيت الحصان فاستوقفني قائلا: دقيقة من فضلك

وقفت.. فقال:

-                     تحدثت إلى رئاسة البعثة عن الطريق فقالوا أنهم سيجعلونه صالحا للسير بشكل جيد وآمن، وعرضت عليهم منح أصحاب المنازل خمسة جنيهات لكل فرد كي يشتروا أرضا يبنون عليها إذا تركوا أرضهم للطريق فوافقوا على أن يبعثوا برسالة إلى القنصل الذي سيبعث برسالة إلى الحكومة الفرنسية وقد يحتاج الأمر شهرا، وفي كل الأحوال مادامت البعثة وافقت فقد انتهى الموضوع والباقي مجرد مكاتبات.

 هذا أجمل ما سمعت اليوم.. أيقنت أن هذا الشاب صاحب كلمة وقد أوفي بالوعد.. ربما كانت له مكانة بين رجال البعثة، وإن كنت لا زلت لا أعرف ما علاقته بمصر.. أنا واثقة أن علاقته بها ليست بسيطة أو عابرة.. قلت له من قلبي:

-                     شكرا لك.

-                     الأمر لا يستحق الشكر

-                     لي رجاء

-                     أمر وليس رجاء

-                     أن تنقل إلى إدارة البعثة رغبة الأهالي أن تدفع التعويضات الجديدة لهم يدا بيد وليس عن طريق وسطاء

-                     ما تقترحينه هو الأفضل في اعتقادي

-                     أشكرك من جديد

-                     لا تنسي أني سأظل أنتظر الموافقة على لقاء الوالد

-                     إن شاء الله.. سلام

عندما وصلت البيت كانت هديتهم الجميلة في انتظاري.. خالي كان يحضر إلى الأقصر كل عام وقد اتفقنا على أن يحمل معه كتب المدرسة التي لا تحتاجها خديجة أوعائشة.. لن يحضر هذا الصيف لكنه أرسل مع عبد الشهيد كتب السنة الفائتة. اعتدت قراءة كتبهما في اللغة العربية والرياضيات وتفسير القرآن والفقه والتوحيد وكذلك التاريخ والجغرافيا.لكن كتاب النصوص الذي يتضمن كتابات الجاحظ والتوحيدى وأشعار المتنبي والمعري وامرؤ القيس وغيرهم صعبة.

 

(11)

 زارني طيفها. كان العمل يجري على قدم وساق.. حملت طيفها في أعماقي ومضيت إلى الباخرة..اجتذبني النيل البديع رغم الماء الذي يغلب عليه اللون البني المحمر بسبب الطمى المتعلق به أبدا..إذا الماء غذ سيره تعلق به الطمى وإذا حط الماء وتمهل ارتبط الطمى به وتمهل ثم حط وانتظر الحركة التالية للماء.. أنا الطمى وهي الماء.. سوف يأتي قريبا ذلك اليوم.. حتى الآن أعيشه فكرا، وهي لا تأبه.

 بدأت ألاحظ حالتي بعد أن تعرفت أكثر على " جزيرة ".. تلك الجميلة ابنة العمدة السابق حكيم. الفتاة صاحبة الوجه المضيء رغم سماره النسبي.هي ليست بالتحديد سمراء. لون بشرتها ليس من بين الألوان السائدة. لون بشرتها خلطة عجيبة من لون الكبريت والليل والتفاح والطمي المغمس بالخمر والعسل والقشدة.. المهروس مع البلح الأمهات والتوت الأبيض والتين والزيتون وقليل من القرنفل..الجميع محمص على جمر الوجد والمسك والعنبر ونفحات من أحلام سعيدة لملاك ضل طريقه وكان عائدا في آخر الليل إلى الجنة.

 عيناها الخضراوان ساحرتان. شفتاها القرمزيتان الدسمتان دعوتان حاراتان للعناق والفناء في العشق.. نظراتها ذات الإشعاع والشخصية.. شعرها الطويل الذي يظهر تحت غطاء الرأس الشفاف دائما بغض النظر عن لونه.. تلك الفتاة ذات العود الممشوق والقامة السامقة المطلة بشموخ راق وناعم وأصيل.

 كنت قد حزمت حقائبي للمغادرة عائدا إلى فرنسا بعد أن رحلت أمي الغالية، وها أنا أتحول عن وجهتي بجملة واحدة من الكولونيل وأنتقل للعمل في بلد لم تخطر ببالي وأبقي فيها عدة أشهر لألتقي خلالها بالجميلة التي توشك أن تربطني بمصر في عكس اتجاه ترتيباتي التي عملت عليها شهورا.

 تعددت تلك المناسبات التي أمسك بنفسي متلبسا بالتفكير فيها حتى أثناء العمل وبالليل وإبان ساعة الغداء وكلما كنت وحدي.. تتوارى قليلا صورة أمي.. تبتعد عنى صورة عمى وبناته.. تتراجع صورة الكولونيل سيف الذي كان قريبا منى جدا وحاضرا بقوة..يتعذر أن أنظر إلى شيء آخر غير عينيها.. بحيرتان من العذوبة والجمال.. من الشعر والخيال.. اللؤلؤ الأخضر يغطى سطح البحيرة ويتراقص ويعكس عمق السماء وأسئلتها.. لم أعد أريد شيئا من الدنيا إلا أن أجلس أمامها وأحدق في ملامحها وأرتوي وأنتشي.. الجمال قادر على أن يحول الكون إلى جنة.

 لاحظت أن فكري بدأ يبحث عن طيفها وإذا التقطه لا يفلته.. يستبقيه بكل السبل ويسألها من خلاله عن أحوالها.

-                     هل حلمت أثناء نومك في الليلة الفائتة وبماذا حلمت؟.. هل مررت ولو عابرا بحلم من أحلامك؟.. كيف ترينني؟.. ما لذي تشعرين أنه ينقصك؟.. ما لذي يشغلك ويمكن أن يمنعك من النوم ساعة أو بعض ساعة، وهل هو مهم إلى هذه الدرجة؟.. ماذا تتمنين لنفسك؟ وهل يخطر أحد غير أسرتك الصغيرة ببالك؟ كيف تقضين وقت فراغك؟.. هل تحبين الأعمال المنزلية كهواية؟ وما الأكلات التي تحبين؟ أعرف أنك تحبين ركوب الخيل فهل راودتك الرغبة في التجول بالحصان في أماكن بعيدة في الأقصر للتسلية والمشاهدة وتغيير الجو ومغادرة سجن البيت وثبات الوجوه والمناظر؟.. هل تميلين للقراءة وماذا تقرأين؟.. هل خطر الحب على بالك؟..هل هو مهم جدا أم أنه شيء عادي أم ليس له وجود أصلا والموجود فقط هو الزواج وإنجاب الأبناء؟.. ما رأيك في طباعك؟.. هل تعتبرين نفسك مادية أو عاطفية أم عملية؟ ما رأيك في الرجل عموما وما السمات التي تتمنين أن تتوفر في زوج المستقبل؟ والسؤال الأهم.. لقد أكملت تقريبا الخامسة والعشرين فلماذا لم تتزوجي رغم جمالك وغناك والسمعة الطيبة لأسرتك؟

مما يؤسف له أن عدم حصولي على أية إجابة كشف جهلي التام بشخصيتها وحتمية الحصول على إجابات لا مفر منها إذا كنت أود أن أقيم معها علاقة أو على الأقل إذا كنت أريد التعرف إليها تمهيدا لإقامة علاقة ما..لابد من لقائها كثيرا والحوار معها في شئون شتى وهذا بالطبع متعذر في الأقصر.

 أظن مجرد ظن أنها ربما تميل للقراءة بعض الوقت، أو لها رغبة في ذلك لولا نقص الكتب لأن المطبعة لا تزال ناشئة في مصر ولم تطبع إلا القرآن والمكاتبات الرسمية. ليس أمامي من سبيل إلا أن أعمل على فتح باب تبادل الرسائل إذا أبدت بعض الاستعداد لذلك.. لابد أن أبدأ بكلمات عامة وأقوال مأثورة لا تدفع بي إلى بحر المشكلات فتكون الطامة مع أهل البلد وهم بالقطع على درجة كبيرة من الانغلاق والتزمت، والشيخ أبو الحجاج على بعد خطوات.

أحضرت ورقة وسحبت قلما وكتبت رسالة، لا يضرني أي حرف فيها إذا وقعت في يد أي شخص مهما كان سيء الظن.

 كتبت مقدمة:

"أنا جوزيف الفرنسي المصري.. أرجو أن تسامحيني إذ أكتب إليك فلم أعد أحتمل ألا يدور بيننا حوار.. أتابعك منذ رأيتك في الطاحونة وفي كل مرة كان إعجابي بك يزيد.. جذبتني إليك بجمالك وشخصيتك وأتمنى أن يكون بيننا كلام أحس أنه أصبح لازما..إنني أشعر أن ذلك سيحدث يوما ما لكن طبيعة البلد ربما لا تسمح بلقاء يجمع شابة وشابا خاصة إذا كان مثلي غريبا، لذلك ليس أمامنا إلا أن نكون صديقين نتبادل الأفكار حتى تعطف إرادة الله علينا فتشملنا بمد حبل الود الصادق.. دمت في سعادة "

قرأت المقدمة مرات، ورأيتها مناسبة.. تنبهت فجأة لخطورة ما ورد بها.. أسرعت بتمزيقها.

 بدأت في كتابة رسالة جديدة.. جاء فيها:

 " أنا على ثقة أنك تحبين القراءة حسب ما تتيسر الكتب، ويسعدني أن أبعث إليك ببعض ما تبقي لديّ من أفكار وأقوال، فقد تحوز رضاك، أو تستحق المناقشة. من المفيد للإنسان أن يطالع كثيرا قدر ما يتاح له مثل هذه الحكم وخلاصة التجارب ربما تلقي الضوء على طريقه وتنير فكره إذا واجه موقفا يصعب التصرف فيه.. أكثرنا يقابل هذه المواقف وقد تحاصره الحيرة ويتمنى عندئذ أن يعثر على رأي يساعده كى يخرج من أزمته.. من هذه الأقوال:

·                    إذا أردت أن تصمد للحياة فلا تتعامل معها على أنها مأساة

·                    كن إنسانا أو مُت وأنت تحاول

·                    قال أحد كبار الموسيقيين: من يريد أن يقود الأوركسترا يجب أن يدير ظهره للآخرين

·                    كثيرون على قيد الحياة.. قليلون على قيد الإنسانية

·                    السعيد لا يملك كل شيء، لكنه يسعد بأي شيء يملكه

·                    لا تعتمدي كثيرا على أحد في هذه الحياة فحتى ظلك يتخلى عنك في الأماكن المظلمة

·                    الفشل ليس دائما سيئا، يكفى أنه يدفعك للبدء من جديد بعد أن تكوني قد تعلمت أكثر

·                    الموت ليس هو الخسارة الكبرى. الخسارة الكبرى هي أن يموت فينا الجمال والقدرة على الحب ونحن أحياء

·                    إذا كنت لا تملكين شخصا مميزا في حياتك، فلا تحزني فقد تكونين أنت الشخص المميز في حياة الكثيرين وأنت لا تعلمين

·                    الوضوح والصراحة تجعل العلاقات تستمر رغم الخلافات.

·                    كوني قريبة من الشخص الذي يجعلك سعيدة، وأكثر قربا من الشخص الذي لا يكون سعيدا إلا بك

·                    لا تتم الأعمال العظيمة بالقوة ولكن بالصبر

·                    من يأبى اليوم قبول النصيحة التي لا تكلفه شيئا فسوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى الأسعار

·                    ما أظلم الإنسان الذي ينفق مالا كثيرا لتعبئة الجيوش ودفعها للحروب لتقتل الناس في الوقت الذي يضن فيه بالمال لينقذ الناس من الموت

·                    إذا فقدت مالك فقد ضاع منك شيء ذو قيمة، وإذا فقدت شرفك فقد ضاع منك شيء لا يقدر بقيمة، أما إذا فقدت الأمل فقد ضاع منك كل شيء.

 أتمنى لك موفور السعادة.

راحت السكرة وجاءت الفكرة..كيف أضع الرسالة بين يديها؟.. لا أحد يؤتمن عليها. يبدو أن قلبي سيفتح بوابة المشاكل..أنا لم أحبها بعد لكنى سأشعر بالخسارة إذا فقدتها لأي سبب..من يحمل الرسالة إليها دون أن يوقعنا في القيل والقال؟..؟..من؟..من؟.. أخوها بركة..لا. بنت من البنات؟.لا.. البنات فضوليات أكثر من الأولاد.. الحل تكليف صبي ومكافأته..أين هذا الولد؟.. جارها أو يعمل عندها؟.. فكرت كثيرا حتى ضقت بنفسي..نهضت. مضيت إلى الموقع.

 كان كبير المهندسين ومعه العمال قد بدأوا يعدون قواعد حجرية في قاع النهر ملاصقة للشاطئ موزعة على مساحة يبلغ طولها نحو العشرين مترا في عرض عشرة أمتار وهي مكونة من القطع الحجرية الضخمة التي جلبوها من طريق الكباش.. اضطر المهندسون لاستخدامها لأنها تتمتع بمتانة كبيرة بحيث يمكنها أن ترفع ثقلا بوزن المسلة ويزيد.. كانت الخطة حسب ما رأيتها في أوراق ريشار تقتضي أن يثبت على القواعد اثني عشر عمودا غليظا من الحديد يمتد فوقها سقف من ألواح الخشب وتحفر في الألواح فتحة يبيت فيها طرف كل عمود بحيث يصبح هناك مرسي جديد يصل ما بين الضفة والباخرة " الأقصر " وغيرها من البواخر ويكاد يحتضنها حتى لتبدو الباخرة كأنها جزء من المرسى.

 عمل دقيق ومهم يحتاج إلى إتقان شديد وإلى إحكام غير عادي لتوثيق عناصره لأن تخلخل أي جزء فيه سيفضى إلى كارثة أو على الأقل خسارة كبيرة.. لمحت ولدا في نحو الثانية عشرة نحيلا وضئيلا لكنه ذو همة ويعمل في صمت.. رأيته من قبل وهو يتناول غداءه من الخبز والجبن مع زملائه.. كانوا يضحكون ويثرثرون وهو بالكاد يبتسم.. نظراته إليهم نظرات رجل كبير خبر الحياة.. أظن أنه يصلح للمهمة.. في نهاية اليوم سأكلفه بها وسأمنحه قرشا. وأحذره من أن يسلم الرسالة لغيرها، وإذا لم يجدها أو إذا تعذر أن ينفرد بها فعليه أن يعيدها إلىّ.

 قبل نهاية العمل سمعت ضجة فأسرعت إلى مصدرها.. كان الولد الذي اخترته ليحمل الرسالة يتلوى ويتقيأ ثم وقع على الأرض.. صرخت النسوة.. تبين لي أن أمه كانت موجودة.. سمعت زملاءه ينادونه:

- محسب.. مابك؟.. رد يا محسب..

 ارتفع صوت روجيه وهو يدفع الجميع:

-                     ابتعدوا.. دعوه يلتقط أنفاسه.. ماذا أكل؟.. تكلموا..

كان المترجم يعيد كلام روجيه بالعربية.. قالت أمه المصفر وجهها:

-                     مثل كل يوم.. خبزا وجبنا وقشر برتقال مخللا في المش

حزنت على الولد حزنا مضاعفا..أرسل روجيه مساعده لإحضار قياس ضغط الدم ومضاد حيوي ضد البكتيريا

-                     في صندوق العلاج سوف تجد كلوروامفنيكول

 قاس ضغط محسب..مط شفتيه.. أعطاه المضاد الحيوي بالفم

سألته:

                    لماذا بالفم؟

                    أسْرَع

استطرد موجها كلامه للعمال

-                     يُحمل إلى البيت ولا يأتي غدا..سنزوره في الصباح..أين أمه؟

أجابته بلهفة

-                     موجودة يا دكتور

-                     تابعي البراز

نقلت إليها ما قاله الطبيب

-                     لا يأكل شيئا وإذا ارتفعت درجة حرارته استعملي الكمادات.. اسقه ماء مغليا بعد تبريده طبعا

التفت الطبيب إلى جميع العمال وقال:

-                     أي شخص.. رجل أو امرأة أو طفل يشكو من مغص أو إسهال أو جفاف أو ارتفاع في درجة الحرارة يتصل بنا فورا في أي وقت من النهار أو الليل.. لا تنسوا..فورا.. المرض ليس فيه خجل..

بعد ساعتين جاء ثلاثة يشكون من مغص شديد وإسهال مخاطي خفيف

أعطاهم الطبيب مضادا حيويا.. كانت الحرارة مرتفعة ارتفاعا طفيفا..

-                     لا تشربوا إلا الماء المغلي ولا تقتربوا ممن يعيشون معكم.. لابد من العزل

اتجه الطبيب مباشرة إلى غرفته وكتب رسالة إلى دروفيتى ومعها قائمة من الأدوية..خرج الطبيب وقال لمساعده:

-                     عليك الآن أن تنطلق إلى قنا فورا و تطلب من الحكمدار سرعة إرسالها إلى مسئول الصحة المصري والقنصل الفرنسي.

شرد لحظات ثم استطرد:

-                     ابحث لي عن رئيس الحراسة التركية، واطلب منه جوادا ويفضل جوادين واحد لك وواحد لمرافق منهم معك.. هيا أسرع الآن إلى قنا

انطلق مساعده..أشار لي روجيه أن أتبعه وسبقنى إلى المهندس وأرسل في طلب القبطان والبحارة.. قال:

-                     ما كنت أخشاه حدث

سأله ريشار:

-                     ما الذي كنت تخشاه

-                     الكوليرا

-                     وما الذي جعلها تخطر ببالك؟

-                     علمت أنها انتشرت في الإسكندرية والقاهرة بسبب الوافدين من الحجاز أو من بلاد هاجمتها الكوليرا

تلفت الجميع نحو الجميع، بسرعة اصفرت بعض الوجوه

بعد لحظات سأل المهندس:

-                     بماذا تنصح؟

-                     أولا.. أحب أن أوضح أنها ليست مرضا قاتلا إلا في حالة البيئة الملوثة والمطلوب الآن.. تخفيف العمل قليلا..التأكيد على ضرورة غلي الماء والحذر من التلوث.. عدم الاقتراب من النيل مطلقا..متابعة البراز.. الإسهال يعنى الكوليرا..ضرورة الإبلاغ عن الجفاف أو الحرارة المرتفعة..

التفت إلىّ فجأة وقال:

-                     أما أنت يا جوزيف فمطلوب حملة توعية للفلاحين، وإلا مات الجميع

سهرت أجهز الأقلام الغاب و أصنع من بودرة "زهرة الغسيل " حبرا ولم أجد ورقا فكتبت على قماش الأجولة والشكاير الخيش

" أهالي الأقصر الكرام

بدأ في الظهور مرض ينتقل بالعدوى ومن المواد الملوثة

لذلك ندعوكم إلى 1 – عدم الاقتراب من النيل لأي سبب

2 – الاعتماد على المياه المغلية للشرب والطبخ

3 – في حالة ظهور إسهال نرجو سرعة التوجه للوحدة الصحية أو البعثة الفرنسية

4 – مراقبة الأطفال وإبعادهم عن أي تلوث

5 – عدم تناول أي خضروات أو فاكهة من الحقول إلا بعد غسلها بماء مغلي وليس بماء النهر

6 – كل من يشكو من أي شيء يتجه فورا للوحدة الصحية

قمت بتعليق الأقمشة الدعائية عند المسجد وفي أماكن بارزة على حوائط البيوت التي في الميادين وإلى جوار المحلات والورش.. أبلغت العمدة وشيخ البلد..أكدت على الشيخ يونس أن ينبه الأولاد في الكتاب والكبار في خطبة الجمعة في الجامع وقبل كل الأحاديث التي يلقيها.

في اليوم التالي تعالت الولولة والعديد.. علمنا بوفاة محسب وامرأة وطفل آخر.. طلبت من روجيه أن يلقى علينا محاضرة مختصرة حول الوباء.. لابد أن نعرف كل شيء عنه كي نساعد في مقاومته ومساعدة الأهالي.

أعجبت الجميع الفكرة خاصة أن الغد هو الجمعة وهو يوم أجازة.

فوجئنا بحضور الدكتور قرشي الذي لا يحضر في أيام عمله.. سألته عن سر حضوره.. قال:

-                     أتابع الحالة وعلمت أنها في الطريق إلي الأقصر وربما تصل اليوم.. قلت لابد أن أكون في استقبالها ولن أعود إلى بلدي إلا بعد أن تنزاح، وندعو الله أن يعيننا عليها وأن يلطف بالناس.

قال روجيه وكنا نجتمع بعد الغداء في معبد الأقصر تحت الخيمة الكبيرة والجو لطيف والنسمات تهل علينا من بحري

-                     الكوليرا من الأمراض المعوية والمعدية تسببها سلالات من بكتيريا اسمها " ضمة الكوليرا "، ويصاب المريض إذا تناول طعاما أو شرب سوائل ملوثة حاملة للبكتيريا أو تعامل مع شخص مصاب بها..وأكثر ما يهدد المريض المصاب بضمة الكوليرا ارتفاع ضغط الدم خاصة إذا لم يعالج بمضاد حيوي خاص بالكوليرا عن طريق الفم خلال ساعات قليلة من 4 إلى 10 ساعات، وفي الحالات الحادة يمكن أن يتوفي المريض خلال ثلاث ساعات.. ولابد من مراقبة البراز الذي يسمى عادة براز ماء الأرز لأن حدوثه بكثافة يمكن أن يؤدي إلى وفاة المريض.

سأل القبطان:

-                     ما أفضل علاج؟

-                     أولا الوقاية خير من العلاج، وعلى فرض أن المريض قد أصيب بالفعل فنجاح العلاج يتوقف على السرعة والطريقة، وأفضل الأدوية هي المضادات الحيوية مثل التتراسيكلين والكلورومفينيكول عن طريق الفم.

ولا يزال الطب عاجزا عن إنتاج مضادات قوية تقضي على المرض، كما أن وسائل الوقاية محدودة حتى وسائل التعقيم والتنظيف بالمطهرات ليست بالكفاءة المطلوبة، والأخطر لا يزال حتى الآن يكمن في سلوكيات الأفراد خاصة في المناطق الفقيرة حيث التلوث وغياب الوعي الصحي.. مريض واحد يمكن أن يعدي مائة خلال ساعات قليلة.. المرض وحده ليس هو الذي يحصد الأرواح ولكن غياب الثقافة الصحية، ولمس أشياء المرضى والعكس هو ما يجعل من الأوبئة ومنها الكوليرا آلة حصد للأرواح.

سألت روجيه:

-                     هل لديك فكرة عن ضحايا المرض في مصر حتى الآن؟

-                     بلغت الضحايا حتى الأسبوع الماضي نحو خمسين ألف متوفي والمصابون تقريبا ضعفهم وهناك محاولات جادة للمقاومة والعلاج.

ساد صمت ثقيل وأليم، وانحنت رؤوس واهتزت أرواح.

زعق بحار كان على الشاطئ يهتف بنا كي نسرع لمشاهدة قافلة من السفن.. تركنا المحاضرة وقفزنا إلى باخرتنا.. اندهشنا جميعا وتساءلنا عن السر

.. كانت هناك سبع سفن كبيرة وجديدة....تبدو جيدة التجهيز.. ممتلئة بالمئات من غير المصريين هم في الأغلب أوروبيون.. أطلقت السفينة الأولي عندما رأتنا نلوح لها بالتحية سارينتها عالية الصوت، وتبعتها الثانية والثالثة.. تساءل الجميع عن سر سفر هذا العدد.. هل هي رحلة جماعية؟.. أمر مستبعد.. صحيح أن أكثرهم يغنون ويرقصون وأصوات الموسيقى تملأ الجو بالفرح، لكن أحدا لم يسمع عن رحلة بهذا العدد الذي يمكن أن يتجاوز الألف ونصف الألف.. هل هناك مشروع كبير سيجري تنفيذه؟.. مسألة غير منطقية.. لماذا كل هذا العدد وما المشروع الذي يتطلب سبع سفن لخدمة متطلباته من العتاد والبشر؟!!..

بعد مرور السفينة الرابعة قال روجيه فجأة:

-                     ولماذا لا يكونون هاربين من الكوليرا؟

قال المهندس ريشار:

-                     تقصد أنهم يعملون في القاهرة وقد قرروا الابتعاد عن العدوى؟

-                     نعم

-                     وكيف أمكنهم التجمع بهذا الشكل؟

-                     بسيطة.. السفارات اتفقت مع الشركات صاحبة السفن على استئجارها لمدة أسبوع مثلا أو توصيلهم والعودة، ثم جمعت أسماء الراغبين في الابتعاد والسفر إلى منطقة آمنة ولتكن أسوان، وتحدد عدد السفن حسب عدد الأفراد الراغبين في المغادرة.

 بعد العشاء فوجئنا بمن ينادينا من البحارة كي نشهد المنظر الجميل.. أسرعنا لنري الفرح الأسطوري.. ماذا يجري اليوم في نيل مصر؟..

كان المشهد بديعا بالفعل.. سبع سفن تشكل عقدا من النور. بينها مسافات متساوية تماما.. كل منها مضاءة بالكامل.. دنت السفينة الأولي من مرسي الأقصر ورست السفن السبع بالقرب من باخرتنا.. كنا جميعا وقوفا في شبه عتمة قبل وصولهم.. امتلأ المكان بالضوء الذي سطع على معبد الأقصر وأعمدته.

طلب الركاب أن يهبطوا لمشاهدة المعبد..قال هنري القبطان لهم:

-                     أولا لا توجد أية إضاءة ولا حتى بالشموع، ثانيا المرسى ما زال تحت الإنشاء ويتعذر الطلوع والنزول عليه أو بدونه.

قال عدد كبير منهم بصوت حزين:

-                     يا خسارة

سأل القبطان:

-                     لماذا رجعتم بسرعة هكذا؟..

قال القبطان الآخر:

-                     أتحدث الإيطالية والإنجليزية

أعاد هنرى قبطان " الأقصر" سؤاله بالإنجليزية.... قال القبطان الإيطالي:

-                     وصلنا حتى إسنا فطلبت السلطات منا التوقف والعودة ولم يسمحوا لنا باستكمال الرحلة إلى أسوان

سأله روجيه:

-                     هل هي رحلة ترفيهية؟

ضحك القبطان وقال:

-                     نحن هاربون من الكوليرا

نظر روجيه إلى زملائه.. باسطا كفيه على الأجناب وماطا شفتيه

سأل هنرى:

-                     ولماذا أوقفوكم؟

-                     قيل لنا إن إبراهيم باشا أقام كردونا صحيا ليحمى رجال أسطوله الذين يتدربون في النيل من إسنا إلى ما بعد أسوان

قال قبطان إنجليزى:

-                     أعرف أنه يخاف على صحته جدا إلى درجة أنه يحاول دائما خدمة نفسه بنفسه والاطمئنان الدائم على نظافة من يخدمونه

قال الإيطالي:

-                     هذا يعنى أنه يدرك بالفعل أن الوضع في منتهى السوء

قال الإنجليزى:

-                     طبيعي أن يكون نسخة من أبيه، لأن الباشا الكبير ترك القاهرة والإسكندرية واتخذ من سفينة في عرض البحر مكتبا وسكنا، والأعجب أنه ترك السفينة بعد يومين واستقل يختا لأنه تشكك في أحد العاملين في السفينة الأولي.

 كنت أتمنى لو كانت الظروف تسمح باستضافة هذه الآلاف من الأوروبيين.. لم نستطع خاصة مع الظلام أن نقدم لهم الفاكهة أو الخمر أو حتى الشاي أو القهوة.. لم نستطع أن نأخذهم في جولة بسيطة لزيارة معبد الكرنك ومعبد الأقصر.. أنا الآن أشعر بمصريتي المستنفرة والتي كان يجب أن يكون لها دور في الترحيب بالغرباء.الكوليرا مع الظلام والعدد الكبير من الركاب والإمكانيات المحدودة حال دون إقامة سهرة جميلة تجمع أشخاصا من كل جنسيات العالم تقريبا

قال كل قبطان من السفن السبع:

-                     معي مواطنون من استراليا وأمريكا و فرنسا وإيطاليا والهند وألمانيا وجنوب أفريقيا وإيران و روسيا واليونان وتركيا

وقال ثان:

-                     معنا في الباخرة مواطنون من المجر وانجلترا وايرلندا ونيوزيلندا وهولندا وسويسرا والنمسا وفنلندا والسويد والدنمرك وكندا وغيرها من الدول..

 تجمع دولي غير عادي.. ربما لم يحدث طوال التاريخ. أشعر أن مناسبة مثل هذه ما كان يجب أن تمر، لكن الصدفة هي التي شكلت هذا التجمع وصنعته بعبقرية نادرة تحت راية الكوليرا. الحياة حقا تستحق التأمل.. أهم ما يجعل لها قيمة أن نلتقط أحداثها الغريبة التي تبدو كأن الصدفة صنعتها.. لابد أن يتاح الوقت خاصة لمحبي وممارسي اليوجا أن يتركوا لعقولهم الفرصة كي تتأمل لغة الرب، وتحدق في فرشاة الرسام الأعظم..لا شيء في الوجود اسمه الصدفة.

 بقيت الليل بطوله تقريبا لا أستطيع النوم ليس بسبب الحر أو الناموس أو رعبا من صرخات المصابين أو المتوفين من جراء هجوم الكوليرا الضاري ولكن بسبب تفكيري في لعبة الحياة وحركة الناس والعجائب التي تنتج من لقاءاتهم وطموحاتهم وأمانيهم.

 في الصباح هجمت علينا الأخبار التعسة.. الضحايا يتساقطون.. كانوا بالآحاد، ثم ساءت الحالة بشكل مفاجئ ومرعب فوصل عدد المتوفين من الأهالي إلى خمسة وثلاثين خلال أسبوعين.. سقط من الفرنسيين أربعة..الوتيرة تسارعت والمدة الزمنية التي كانت تفصل في البداية بين الميت والميت ضاقت جدا رغم الأدوية الكثيرة التي بعث بها القنصل الفرنسي العام..الأعراض تعددت وتفاقمت.. مع المغص والإسهال ظهرت التشنجات والآلام الشديدة، كما توالت الألوان على الوجوه المصابة.

عند الظهيرة وصل إيطاليان، طبيب اسمه باولو وعالم آثار اسمه روسي تحدث باولو عن الحال السيئة في القاهرة، وقال:

-                     من المتوقع أن تصلكم الكوليرا في الأقصر خلال أيام

قال له روجيه:

-                     سبقتك

ابتسم في ألم ودهشة:

-                     تصورت أني أهرب منها

قال له روجيه:

-                     ما كان يجب أن تهرب منها، فالهارب منها يلقي بنفسه في أحضانها

قال فيما يشبه الاستسلام:

-                     سوف أكون معكم

-                     يسعدنا أن تكون معنا حتى لو مرغما

ضحك باولو كثيرا من نفسه بأكثر مما ضحك من عبارة روجيه

تدخلت في الحديث وقلت:

-                     هناك مثل شعبي في مصر يقول: اللى يخاف من العفريت يطلع له

يبدو أن روسي عالم الآثار قرر أن يختفي بعيدا عن الكوليرا والكلام عنها بحكم أنها هي التي تسيطر على كل شيء وتتحكم فيمن يقيمون بالموقع، فانطلق منذ الصباح الباكر إلى الكرنك أولا للبحث والدراسة واحتمال أن تكون أكثر أمنا، ولم يظهر إلا قبل حلول المساء.

اقترح قرشي على روجيه إقامة حجر صحي في الوحدة الصحية والتعاون لعلاج الفلاحين منذ أول يوم وصل فيه. رحب روجيه ووضع كل الأدوية تحت تصرف الأطباء الذين يمارسون العلاج ومتابعة حالة المرضي، وكان أكثر الأطباء عملا في صمت باولو الإيطالي الذي كان يطيل تأمل المريض ويكشف على كل سنتيمتر في جسمه ويكثر من قياس النبض والضغط وينصت لصوت التنفس، ويتأمل البراز أو القيء، وكتب قائمة بأدوية معينة لم تتوفر في أية مدينة ولم تصل حتى رحيله في حين وصلت بعض الأدوية من حكمدارية قنا، ويبدو أنها كانت مركونة في المخازن لأن تاريخ الصلاحية قد انتهى..ومع ذلك أقدم بعض الأطباء على استخدامها في حالة انتهاء الرصيد وكان لها أثر طيب حتى حازت إعجاب روجيه ودهشته.

 كانت البعثة قد أعلنت عن رغبتها في الاستعانة بشباب وسيدات للعمل كممرضين، فوافق أحد عشر شابا، وقد وافقت من الإناث خمس.. تعلم الجميع بسرعة وكشفت الممرضات الجديدات عن همة وحماسة في العمل مع قدرة غير عادية على الاحتمال.. كانت لهن أدوارا مهمة للغاية خاصة في متابعة الحالات، و القيام بعمليات التنظيف وغسل الملاءات والملابس والأواني التي قد يتأفف منها الذكور، كما شجع وجودهن الأهالي على السماح بعرض المصابات من النساء على الأطباء.. أصبح مشهد الذين يقعون في الشوارع مألوفا بعد أن تهاجمهم أزمة قيء بشعة، ومع ذلك كان هناك ما يكفي من كلور الجير كي يُرش في كل مكان سواء في الموقع أو أي مكان يشتبه أن يكون المرض قد وصل إليه، ولم يتوقف رش العطور في الوحدة الصحية وحول الأسرة وفي أماكن كثيرة، وحرص الأطباء والممرضات على المسح به كلما لمسوا مصابا.

 لفتت أنظار الأطباء كثرة البرودة في عدد كبير من المصابين كما لاحظوا انخفاض النبض بما يعنى سوء الحالة، ولاحظوا أيضا الإسهال المتضمن مواد خضراء لها رائحة كريهة. أما المصابون الذين لا يعانون من الإسهال فقد اضطر الأطباء لاستعمال الحقن الشرجية للمساعدة في تفريغ البطون من المواد الملوثة التي كانت في الأغلب السبب في تمكن المرض.

كان العمل الذي طلب كبير الأطباء في أول يوم للوباء تخفيفه قد توقف تماما بعد أسبوع بسبب التطور السريع لهجوم الكوليرا علي الأرواح، وهكذا انتقل العمل من تجهيز المرسى إلى الوحدة الصحية التي شهدت جهودا مضنية من الجميع في سباق محموم مع المرض الذي لم ينحسر إلا مع نهاية أكتوبر، وكان قد هيمن على المنطقة بكل من يتنفس فيها على مدي يزيد قليلا عن شهر ونصف الشهر، وأخذ من الفرنسيين سبع ضحايا ومن الأقصريين مائة وتسعة عشر فيما بلغ المصابون الفرنسيون عشرين مصابا تم شفاؤهم، أما المصريون فقد تجاوز مصابوهم المائتين بقليل وقد تماثلوا جميعا للشفاء.

الدرس كان مهما جدا ومطلوبا حتى يحصل الفلاحون على بعض المعرفة الصحية اللازمة، ويكونوا أكثر حرصا وإن كان الفقر هو العدو الرئيسي مع الحكومة المهملة في حقوقهم.

 شهر واحد من المعاناة المرعبة والآلام يمكن أن يفيد الأقصريين على مدي عشر سنوات قادمة وكفيل أن ينقذ عدة آلاف من الأهالي، ولابد أن بعضهم أدرك هذا، وقد أوعزت إلى الشيخ يونس أن يكون هذا مضمون خطبته للجمعة القادمة... مضي باولو يحيى الأطباء بعاطفة جياشة وكذلك بعض من تعامل معهم من الفرنسيين، وقال فيما قال:

-                     أتمنى دائما أن نلتقي في فرص قادمة بدون كوليرا -

-                     ظهر روسي عالم الآثار ليسلم على صديقه باولو واعتذر عن عدم قدرته على مرافقته فعنده عمل كثير مع الآثار المصرية المرعبة كما وصفها، ثم اختفي الاثنان. المهم أن " جزيرة " بخير فلم أكن لأحتمل أن تتألم ساعة واحدة. أدرك هذا أ

 

(12)

 غارت من سمائنا نكبة الوباء اللعين الذي حصد من ربوع مصر كلها ما يقرب من مائة وخمسين ألف روح غير مئات الآلاف من المصابين الذين أكرمهم الله بالشفاء.. سمعنا أن بلادا كثيرة تعرض أهلها لفقدان أرواح لا حصر لها.. المهم أن الوباء انزاح وربنا قدر ولطف.. عادت الحياة الطبيعية تجري في مجاريها، وأول ما اهتم الفلاحون بعمله في الغيطان العامرة جنى التمر الذي استوي على النخيل وطلب الأكال.. طلبت من ثلاثة مزارعين أن يحملوا على الحميرعشر صوبات بلح أحمر من أجود ما جمعناه ويتبعوني إلى المعبد.. أرسلت ولدا من العمال لينادي جوزيف أو المترجم الأخر.. حضر جوزيف.. قلت له:

-                     ساعدنا كي نسلم هذا التمر للبعثة

-                     سأدعو لك القبطان وكبير المهندسين وكبير الأطباء

-                     كما تري

غاب لحظات ثم عاد يتبعه الثلاثة.. رحبوا بي فقلت:

-                     هذا موعد جمع البلح وقد رأي والدي الحاج حكيم العمدة السابق أن يكون أول من يأكل من البلح هذا العام رجال البعثة

قال كبير المهندسين:

-                     لا نرى داع لهذا

-                     يكفي ما بذلتموه من جهد أثناء الكوليرا لا أعادها الله

-                     هذا حقكم علينا

-                     ومن حقكم علينا أن تذوقوا البلح

-                     شكرا جزيلا ونتمنى لكم كل خير

أشار للبحارة بالقدوم واستلام السباطات من المزارعين وتعليقها تحت الخيمة داخل المعبد

كرروا الشكر لي واستداروا للعودة إلى أعمالهم.. قلت للمزارعين الثلاثة:

-                     هيا أكملوا الجمع مع بقية المزارعين

ما أن انصرفوا حتى قال جوزيف: بنت حلال

-                     لماذا؟

-                     كنت سأمر عليك لأسلمك أمانة

-                     الحمد لله أنك لم تمر

-                     لماذا؟

-                     لا يصح.. ماذا تريد؟

أخرج من جيبه ورقة ومد يده بها إلىّ

-                     ما هذا؟

-                     ورقة بها بعض الكلمات اقرئيها في البيت وحدك

-                     ماذا بها؟

-                     اقرئيها لو سمحت

مددت أصابعي بلا اهتمام والتقطت الورقة المطوية.. سحبت عقال الجواد ومضيت وأنا أفكر فيما كتبه جوزيف في الورق.. لا أخفي إعجابي بالشاب المهذب فهو قريب جدا من ملاكي الحارس حسب ما تخيلته.. قد أكون فعلا قد لمحته بصورة عابرة وغير دقيقة لكنهما متماثلان جدا.. على أية حال أنا لا أريد مشاكل ولا أريده أو غيره الاقتراب منى أكثر من اللازم.. أنا مشغولة بأمور كثيرة مختلطة.. رأسي ساحة فيها أكوام من سنابل القمح والنورج يمر عليها ويهشمها والمدرات تقلب الهشيم وتلقيه في وجه الريح.

 في البيت خلوت إلى نفسي وقرأت الكلمات.. ِحِكَم لطيفة ونصائح للتعامل مع الناس والأحداث.. كنت أتوقع أن يكتب كلاما مختلفا.. هل كان الذي كنت أتوقعه أن يكون كلاما في الحب؟.. وماذا يحدث إن كانت كلماته في الحب والإعجاب الشخصي فهل كنت أتقبله أم أرفضه أم أسكت في انتظار المزيد؟.. هل كنت أرد عليه؟..هل؟.. هل؟.. هذا الشاب ذكي.. لم يرد أن يتسبب في المشاكل لي وله.. لا يعلم رد الفعل ولا يضمن النتائج.. تحسس طريقه بحذر.. من كل الكلمات توقفت طويلا عند بعض العبارات التي أظنه يقصد من ورائها أكثر مما توحي به.

·                    الموت ليس هو الخسارة الكبرى. الخسارة الكبرى هي أن يموت فينا عشق الجمال والقدرة على الحب ونحن أحياء

لابد أنه يؤكد على معنى الجملة الأخيرة " الخسارة الكبرى أن يموت فينا عشق الجمال والقدرة على الحب ونحن أحياء.. أي أن الأحياء بدون حب أموات

·                    إذا كنت لا تملكين شخصا مميزا في حياتك، فلا تحزني فقد تكونين أنت الشخص المميز في حياة الكثيرين وأنت لا تعلمين.

 يلفت نظري إلى أنني ربما أكون الشخص المميز في حياة الآخرين وأنا لا أعلم

·                    كوني قريبة من الشخص الذي يجعلك سعيدة، وأكثر قربا من الشخص الذي لا يكون سعيدا إلا بك

هذه العبارة من المؤكد أنه يقصدها كاملة ويوجهها إليّ. الشخص الذي لا يكون سعيدا إلا بي. مستعد جدا للتضحية على الأقل من أجل سعادته.. أعدت قراءة الحكم والعبارات الناصحة.. وقرأت العبارات التي أشرت إليها عدة مرات وقلبتها في رأسي.. تكشفت لي بعض الأمور الناقصة في شخصيتي.. ليس في الكتب التي قرأتها شيء من هذه الإرشادات.. كل إنسان بحاجة ماسة أن يقضى وقتا طويلا في تأمل تلك الكلمات التي كتبها مفكرون وفلاسفة وأصحاب تجارب إنسانية عميقة وخصبة.. يتألق الآن في نفسي بهاء يشيع النور في عقلي وروحي..

أعدت قراءة " كثيرون على قيد الحياة.. قليلون على قيد الإنسانية".. من يدقق النظر في الدنيا سيلحظ هذا بكل تأكيد.. يجب أن نواجه أنفسنا.. أعدت قراءة عبارة أخري لفتت نظري.. الفشل ليس دائما سيئا ولكنه قد يكون مفيدا إذا تعلم الإنسان الدرس منه لأنه سيتجنبه ويعرف المزيد عن الحياة... أخيرا وبعد نهار طويل ومجهد تنهدت وابتسمت. كانت هناك طيور صغيرة للسعادة تنقر الحب في صدري.. سلمت نفسي راضية للنوم قبل الفجر بقليل.

 صحوت مع الصباح الجديد على أصوات كثيرة عالية بلهجة غير مفهومة.. هناك ركض لرجال وخبط على باب العمدة وشيخ الخفراء والخفراء وبعض من لهم بهم صلة من العاملين معهم وأصحاب الورش.. صعدت إلى السطح لأفهم ما يجري... بلغتني أصوات كثيرة لشباب يصرون على فتح المسجد والتفتيش فيه.. أغلب من كان يركض ويزعق ويضرب كفا بكف كان الفرنسيون الذين يقيمون بالمعبد وبعضهم كان يقيم في قاع الباخرة الرطب.

 اهتزت البلد والبعثة الفرنسية على حادث كبير أثار الدهشة أكثر مما أصاب أصحابه بالخسارة.. فهم أهالي الأقصر من المترجم الفرنسي ومن جوزيف أن كل السلاح الذي تملكه البعثة قد تمت سرقته.. البنادق وكراتين الذخائر والمسدسات والسناكي.. القبطان وكبير المهندسين وكبير الأطباء وكل المساعدين في دهشة يكشفها مقدار الذعر الذي تبثه العيون.. سمعتهم يصرخون في وجوه الجنود الستة الأتراك الذين يشكلون أورطة الحراسة، والجنود فعلا مذهولون فلم يكونوا يتوقعون أن يسرق اللصوص السلاح وهو بجوارهم في المخزن داخل المعبد وهو المكان الوحيد المغلق..

طلب القبطان من الجنود سرعة السفر بالخيول إلى حكمدارية قنا وإبلاغهم والبحث عن وسيلة لإبلاغ القنصل العام..

 كان أحد العمال المصريين قد أبلغني لا أدري ما المناسبة أن جميع الفرنسيين في بداية التسكين رأوا الإبقاء على السلاح بالباخرة إلا أن القبطان وكبير المهندسين ورئيس الحرس الفرنسي طلبوا نقلها لتكون معهم ومن يفكر في سرقتها لابد أن يمر على جثثهم.

لم أكن أتوقع أن يأتي أحد إلى بيتنا ليدق بابنا.. كان المترجم الفرنسي ومعه بحاران وجنديان من جنود الحراسة الفرنسيين، سألوا عن بركة أخي.. فتح مهدي خادم أبي المباشر ورد عليهم:

-                     بركة نائم ولا يستيقظ إلا عند الظهر

-                     لقد حدثت سرقة كبيرة من المعبد ولابد من سؤاله

-                     هل سألتم كل أهل البلد ولم يبق إلا بركة؟

-                     أحد الأهالي ذكر أنه رأي بركة أمام المعبد يمص عود قصب

-                     يبدو أنكم لا تعرفون بركة

-                     بل نعرفه

أخفض مهدي صوته إلى درجة الهمس وقال:

-                     بركة عبيط

-                     نعرف

لففت رأسي بمنديل كبير أبيض كان قريبا منى و نزلت بسرعة وقد بدا علىّ الغضب الذي حاولت كبحه ففشلت:

-                     نعم

-                     صباح الخير.. آسفين للإزعاج

-                     تفضل

-                     نريد بركة

-                     لماذا؟

-                     حدثت سرقة ونريد سؤاله عن الجاني

-                     وما دخل بركة؟

أعاد علىّ ما قاله لمهدي مضيفا:

-                     سرقة أي شيء مسألة عادية ويمكن التصرف معها بهدوء لكن سرقة السلاح مسئولية كبيرة وخطيرة وحضرتك تعرفين.

طلبت من مهدي أن يوقظ بركة.... بعد عشر دقائق قلت لهم:

-                     سوف أحضره بنفسي بعد نصف ساعة فهو لا يستيقظ بسهولة

غادر الفرنسيون بعد أن تأكدوا من وعدي الجاد لهم بالحضور

احتاج إيقاظه نصف ساعة فعلا.. سألته عن السلاح.. لم يجبني بحرف

كان يهرش جسمه من شعره إلى أصابع قدميه.. ما يزال هذا الولد رغم أن عمره اقترب من العشرين يرفض الاستحمام إلا بالضرب.

في المعبد تقدم منه القبطان ليسأله ثم ابتعد..سأله رئيس الحرس في حضور جوزيف:

-                     هل كنت هنا يا بركة في الصباح؟

-                     قلت له أريد عود قصب

-                     من؟

-                     الصباح

-                     ركز معنا يا بركة سوف أحضر لك الشيكولاتة

-                     يا خيبتك..لا أحبها

التفت إليّ المحقق وسأل:

-                     هل هو في العادة يستيقظ مبكرا؟

-                     لا يستيقظ قبل الظهر.. أنا لو سمحت أريد أن أعرف أولا ماذا جري وما علاقة أخي بما جري؟

-                     قام البعض بسرقة سلاح البعثة كله، وقال شخص أنه رأي بركة هنا وحده أمام المعبد جالسا يمص القصب

-                     أين الشخص الذي قال أنه رأي بركة؟

-                     محتجز في المعبد ومعه حارس

توترت فجأة

-                     لماذا تحتجز شخصا بدون وجه حق؟

-                     لديه معلومات مهمة ونخشى أن يهرب

زاد توتري وقلت:

-                     أولا من أدراك أنها معلومات مهمة وثانيا إلى أين سيهرب؟. البلد صغيرة واستدعاء شخص لا يحتاج أكثر من نصف ساعة حتى لو كان في الجبل أو في البر الغربي

-                     سأطلق سراحه بعد أن أسأل بركة فساعدينا بدلا من تضييع الوقت وتشتيت الأفكار

لاحظت أني فعلا أمنعه من أداء عمله.. المسألة ليست سهلة

-                     تفضل اسأله

التفت المحقق إلى جندي وطلب منه إحضار الشاهد المحتجز فذهب وأحضره.. سأل المحقق بركة:

-                     هل تحب القصب يا بركة؟

ضحك بركة وقال:

-                     القصب حبيبي

-                     هل تعرف هذا الرجل؟

نظر بركه إلى الرجل وقال:

-                     أعرفه.. حمار

ضحك بعض الواقفين.. وضحكت بداخلي.. سأل المحقق الرجل:

-                     هل رأيت بركة في الصباح؟

-                     قلت لكم رأيته وكان يمص عود قصب

سأل الرجل بركة:

-                     تذكر يا بركة.. كنت تجلس على الحجر جنب التمثال أمام المعبد وطلبت منك عقلة من القصب.. صح؟

-                     صح

-                     هل أعطيتنى؟

-                     لا.. أنت حمار تريد أن تأخذ العود كله

قال المحقق للرجل:

-                     اذهب الآن إلى بيتك أو عملك ولا تغادر الأقصر فربما نطلبك مرة أخري

-                     تحت أمرك

عاد إلى بركة وسأله:

-                     من قدّم لك القصب؟

-                     نصر

-                     من نصر؟

-                     نصر.. الجبل

سألنى المحقق:

-                     من نصر الجبل؟

-                     ربما يقصد ابن عمى نصر

-                     اسمه نصر الجبل؟

-                     لا ولكنه يقيم في الجبل

سأل بركة:

-                     هل نصر كان وحده؟

هز بركة رأسه عدة مرات وهو يقول:

-                     كان فيه درجن.. درجن

سألني جوزيف عن معنى ما قاله بركة

-                     ربما يقصد أن نصر كانت معه أحصنة

أوضح أولان المترجم للمحقق معنى ما قاله بركة.. سألني المحقق:

-                     أين نصر؟

-                     قلت لك يقيم في الجبل

-                     بعض الوقت أم بشكل دائم

-                     تقريبا بشكل دائم

-                     لماذا يقيم هناك؟

-                     يكره الحكومة ويقاومها وبينهما حرب

سأل المحقق الكاتب الفرنسي الجالس إلى يمينه:

-                     هل سجلت كل كلمة؟

-                     سجلت

التفت إلى بركة وقال:

-                     شكرا يا بركة.. يمكنك أن تعود إلى البيت لتكمل نومك وربما نستدعيك مرة أخري

وقف المحقق وتحدث إلى القبطان بما معناه أن المرحلة الأولي من التحقيق انتهت، ومطلوب الآن استدعاء نصر وبعض مساعديه للسؤال. قال القبطان:

-                     أعد خطابا لإرساله إلى الحكمدارية والقنصلية بنتيجة التحقيق بعد ترجمة التحقيق إلى العربية

 جاء مع الصباح التالي ثلاثة من المحققين.. اتجهوا مباشرة إلى المعبد، وكانت قد سبقتهم مع الشروق قوة عسكرية.. هاجمت الجبل وطاردت نصر ورجاله، وسقط اثنان من الجنود واثنان من رجال نصر واستطاعت القوة العسكرية أسر اثنين من المطاريد كان من بينهما رجل يعرج بطبيعته من قبل الحملة وفشل في القفز بسرعة إلى حصانه وتأخر الثاني الذي حاول أن يسحب أحد المصابين إلى مكان آمن لمعالجته وعندما دنا جندى من المصاب وجده قد فارق الحياة.

 اعترف الأسيران بالهجوم الذي شنه نصر ومجاهد وحوالي عشرين من المطاريد على معبد الأقصر في فجر اليوم السابق.. تركوا خيولهم خارج المعبد وتسللوا إلى مخزن السلاح ونقلوا كل ما فيه، وقد أصر نصر على اصطحاب بركة رغم معارضتنا، لكن يبدو أن حضوره كان مهما جدا فقد كان الجميع مستغرقين في نوم عميق بفضل هذا الولد المبروك.

 أكثر من ثلاثين جنديا هاجموا الجبل الشرقي وأمطروا رجاله بالرصاص.. رد المطاريد عليهم بأسلحة الفرنسيين وقتلوا من الجنود خمسة وأصابوا عشرة، وجرح خمسة وقتل واحد من المطاريد، وبعد أسبوع عادوا من جديد وبقوة أكبر وجنود أكثر خبرة وتدريبا.. مات منهم ثلاثة ومثلهم من رجال نصر.. وأصيب أربعة من جنود الباشا وثلاثة من خيوله وخمسة من المطاريد ولم يتمخض الهجوم عن أية نتيجة ملموسة.

 وصل وفد من الحكمدارية إلى عمي زهران وجلسوا معه جلسة طويلة أوضحوا له فيها أهمية أن يأمر ولده بالتوقف عن حرب الدولة وقتل جنود الباشا.. أبدي العمدة تأييده للباشا وكشف لهم بصريح العبارة عن عجزه عن إقناع ولده حتى قال له عدة مرات:

-                     لن تكسب طالما لا تسمع كلامي.. اللي ما يسمع لكبيره تكتر تعاتيره

وقلت له:

-                     ما يفعله سيضره غاية الضرر كما سيضرني ولا يحقق أي مكسب

و قال لهم:

-                     لقد أفهمته أنه سيظل طوال عمره هاربا وطريدا.. ولن يستطيع أبدا أن يُكون أسرة أو يفتح بيتا أو تكون له ذرية.

قال أيضا:

-                     لقد حدثته عدة مرات عن أنه لن يستطيع تولي العمدية من بعدي ولا أن يرعي أخوته ولا أن يعيش حياة طبيعة ككل الناس، وبهذا يكون قد حكم على نفسه بالموت.. قلت الكثير الذي لم يستوعب منه شيئا، حتى فقدت قدرتي على التأثير عليه.. قلت له:
- إذا ظللت في طريق المطاريد الخارجين على القانون والمحاربين للحكومة، وتستمر في العيش على مسروقاتك من هذا وذاك وقطع الطريق فلن تكون ولدي بالمرة.. لأنني لم أخسرك فقط بل لقد خلقت لي أعداء من الأهالي والمسئولين.

سألوه عن الحل..قال:

-                      سألته عن نهاية الطريق الأسود رد عليّ بكلماته المكررة.. " قتلت الحكومة أعز أصدقائي وطاردت أهالي الأقصر وجلدت المئات من الفقراء من أجل ملاليم، كما أنها قتلت خالي وسوف آخذ بثأره ولو طال الزمن ولن يكفيني فيه إلا مسئول حكومي كبير.

 

(13)

 منذ وعيت للدنيا وأنا أحب الأقصر وناسها وحقولها وجبالها وبيوتها ومعالمها القديمة مثل المعابد، وأحب نيلها وعيالها وأمهاتهم ورجالها وشبابها.. أحب جوها حتى لو ارتفعت الحرارة في الصيف.. أحب سيدي "أبو الحجاج " وأحب الاحتفال بمولده.. لذلك بعد أن مرض والدي وأصيب بعجز واضح منعه من ممارسة عمله وهواياته وأصبح ينسي كثيرا، حرصت على أن أذكره بما كان يفعل، ومن ذلك أهمية ذبح عجلين سمينين كل سنة، عجل بمناسبة مولد سيدي أبو الحجاج في شعبان، وعجل في العيد الكبير(عيد الأضحى).. الأقصر بها نحو ثلاثمائة أسرة والعجل السمين يحمل نحو ثلاثمائة كيلوجرام من اللحم. بالهناء والشفاء يا أهلنا في الأقصر.

 لم تمر بي ليلة منذ عدت من القاهرة قبل عشر سنوات إلا وأحلم حلمين وثلاثة.. أحلام معظمها غريب ومرعب وعجيب.. قبل زيارتي للقاهرة لم أكن أحلم إلا نادرا ربما بسبب النوم الثقيل وامتلاء المثانة وحتمية النهوض لتفريغها فأحلم أني أغرق أو أن شخصا يحاول أن يدفعني من فوق السطح. تهاجمني الثعابين في بعض الأحلام، وأحيانا الخفافيش. في حلم ركبت حصانا ودفعته للركض بسرعة شديدة، فاستجاب وبالغ في السرعة حتى طار وأنا أمتطيه وألمس السحاب وألوح للنجوم.. في حلم تزوجت من شخص وسيم جدا وكنت فخورة أن هذا حظي، ثم لاحظت أنه يتغير كل يوم بحيث يفقد لمحة من لمحات وسامته حتى أصبح قردا، وقد وضعت بعد تسعة أشهر قردا يشبه أباه الذي اختفي منذ شهر ولم يعد، ولم أهتم بالبحث عنه وبقي القرد الذي لم أكن أنفر منه.. كنت أراه إنسانا عاديا لولا كثرة الشعر وسعيت لإزالة شعره.. حاولت كثيرا ولجأت إلى العرافين ومدعي الطب حتى مسحت جسمه بمادة دلنى عليها طبيب مجهول أخذني إليه شخص مجهول فاختفي ابنى تماما بعد السائل اللزج الذي أغرقته فيه.

.. في مرة استيقظت من النوم فلم أجد بيتنا ولا أهلي ولا المعابد ولا الأقصر جميعها فانطلقت أبحث في الخلاء فلا أجد إلا الخلاء.... لما كثرت الأحلام طلبت من أختيّ أن يناما معي فتراجعت الأحلام تدريجيا. عندما قلت ذلك لأمي قالت:

-                     أهلك لتهلك

 من نتائج زياتي للقاهرة كثرة تفكيري فيها ومقارنة الأقصر بها وتمنياتي لبلدي أن تكون كالعاصمة.. أصبحت تطاردني وتشغل بالي مشروعات للناس مثل مستشفي كبير يعالج كل الأمراض التي يعاني منها أبناؤهم..أتمنى أن تكون هناك مدرسة ابتدائية.. أتمنى أن تكون هناك ورش ومصانع صغيرة.. أتمنى أن تكون هناك شوارع نظيفة وأن يكون هناك سقاءون. أتمنى أن تكون هناك معديات للبر الغربي..أتمنى أن تجد المعابد ما يليق بها من التنظيم ورفع الردم الكثير المحيط بالأعمدة، وأن تري النور كل الكباش التي تصطف على الطريق الطويل بين معبد الأقصر ومعبد الكرنك.. أتمنى أن يُعبّد الطريق المطل على النيل ويكون صالحا للحركة والتنقل وأن تكون هناك مقاه على النيل..أتمنى أن تعلق القناديل في كل شوارع الأقصر.. أتمنى أن يكون هناك عدد كاف من الخفراء يسهرون الليل لحراسة الممتلكات والناس والمزارع ضد هجمات العربان وغيرهم من الطامعين.

 عندما كبرت عادت الأماني تلح وتطارد..قررت بناء مدرسة ابتدائية من فصلين ودورة مياه وفناء على قطعة أرض نملكها خلف الكرنك.. ما أن انتهت تماما كل آثار الكوليرا اللعينة حتى كلفت البناءين بالعمل.. يعجنوا الطمى والماء ويخلطونه بالتبن ثم يصبونه في قوالب ويتركونه يجف..عكف النجارون على صناعة النوافذ الخشبية ولما ارتفعت الجدران ورُكبت الشبابيك والأبواب تعاون عدد من العمال على وضع السقف بجذوع النخيل والسعف، ثم قام العمال بدهان الطوب بملاط مصنوع من الجير الأبيض. طلبت من الحكمدارية أن يزودوا مدرسة حكيم أبو الحجاج الابتدائية المشتركة أول مدرسة بالأقصر بالمقاعد.. لكن المدرسة لم تنتظر معونات الحكومة وبدأنا بالعمل مؤقتا بالمتاح.. فرشت الأرضية بالحصر وتلقى التلاميذ العلم جلوسا على الأرض، وكان النجارون قد أعدوا سبورتين واشترينا الطباشير والكراسات والمحابر من قنا.. سلمنا لكل تلميذ قلم بوص، وقامت الأمهات حسب ما طلبنا منهن بعمل حقائب من القماش لأولادهن.. كان الشرط الوحيد أن يكون التلميذ قد حفظ جزء عم ويعرف القراءة والكتابة وهي التي يتعلمها في الكتاب.

 دعوت محسوب أفندي المعلم الأقصري الشاب الذي يقيم في إسنا ويعلم تلاميذها كي يعود للإقامة في بلده ويعلم أبناءها الحساب والهندسة، واتفقت مع شاب من أرمنت كان قد درس في معهد قنا الديني كي يدرس لهم القرآن والتفسير واللغة العربية، وفوجئت بأن جوزيف الفرنسي المصري يريد أن يدرس لهم الجغرافيا والعلوم بما فيها الصحة دون أجر واقترح أن يتلقى التلاميذ حصة نجارة وحصة حدادة وحصة زراعة كل أسبوع، وكلفت محسوب أفندي بأن يتولى الإدارة، وكتبت إلى مصلحة التعليم في قنا كي يسجلوا لديهم المدرسة رسميا بحيث تخضع للتفتيش مع تزويدها بما يلزم..وعدوا بذلك على أن يتم كل المطلوب بدءا من العام الجديد الذي يبدأ منتصف سبتمبر 1832.. أشعر بالسعادة لأننا خلال شهرين فقط نوفمبر وديسمبر جهزنا المدرسة بنسبة 80 في المائة وأوجدنا شيئا مهما للغاية وقام أبي وعمي العمدة وكل أهل البلد وعدد من الفرنسيين الضيوف بحضور حفل افتتاحها ووزعنا الملبس والفوندام على المدعوين والتلاميذ.. المدرسة رغم حجمها الصغير استوعبت كل الأولاد والبنات وعددهم واحد وثلاثون تلميذا واثنان وعشرون تلميذة.سعادتي غامرة فهذه أول مدرسة في الأقصر.

 رفض عمى رفضا قاطعا أن يساهم معنا في تكلفة تركيب طلمبة ماء أمام المدرسة وطلمبة أخري أمام المسجد وحول كل منها حوض من الحجارة جلبه العمال من طريق الكباش وهو في الأغلب من حجارة الأعمدة. لكنني كنت من الخبث بحيث بعثت إلى نصر ابن عمى الملازم للمطاريد فجاء بليل ودفع المساهمة وغضب منه والده فلم يحفل، وتركه يسبه كما شاء له الغضب..طلبنا من كل الأهالي ألا يستخدموا مياه النيل مطلقا في الشرب أو الاستحمام أو الطبخ أو الخبز.. لابد من استعمال مياه الطلمبة وإلا ستعود الكوليرا وأوبئة أخري لا نعلمها.

 نويت أن أتوقف لكنني رأيت أن ألد أعدائي هو الظلام ولابد أن أنقذ الأقصر منه.. اشتريت مائة فانوس ووزعتها على الشوارع والحارات.. كل شارع ثلاثة فوانيس وفي كل حارة واحد.. وضعنا عشرة أمام المعبد من ناحية النيل، وعشرة بدءا من بوابة المعبد وحتى معبد الكرنك.. كل الفوانيس على ارتفاع واحد تقريبا، معلقة في البيوت على ارتفاع أربعة أمتار.. اخترنا شابين من كل شارع ليتولوا بالتبادل إنارة الفوانيس كل ليلة من بعد المغرب.. أصر جوزيف على تحمل ثمن عشرين فانوسا، وأرسل خالي رمضان ثمن ثلاثين.. أدركت ربما للمرة الأولي أن أية مشكلة في الدنيا مهما عظمت تصبح لعبة إذا اشترك في حلها عدد من المُحبين.

 واجهتنا منذ البداية أهم مشكلة في الإنارة وهي الوقود.. كيف سيشتعل المصباح؟.. لم يكن هناك في المدن الكبرى غير الإنارة بالزيت أو الشمع أو الشحم وكنت قد سمعت عن بدْء استعمال الغاز في أوروبا لكنه لم يستعمل بعد في مصر.. مع بدء الإنارة جربنا المواد الثلاثة ولم نستطع تفضيل واحد على آخر ومن ثم اتفقنا على البدء وتجربة كل الوسائل وتقييم التجربة ثم الاستقرار على أحدها.

 لمّا علم الجميع أن الفوانيس ستضاء الليلة حضر الرجال والنساء والأطفال وكبار السن وكل من يسكن في البلد وعدد كبير من الجالية الفرنسية حتى أبي الذي ساعدناه على الخروج والجلوس على مقعد مريح.. طلبت من أحمد النجار أن يعده له وصنع له المنجد شلتة وراء ظهره وشلتة تحته وجلس أمام الدوار و تفجر وجهه بالبهجة لما أضاء الشباب الفوانيس فور انتهائهم من صلاة المغرب.. كان المشهد بديعا..لأول مرة يستطيع أي شخص أن يمشي بالليل في النور..بلغت سمعي تعليقات الأهالي المشجعة.. تغيير كامل حدث في الأقصر.. ما أعظم النور!!.. زغردت النساء والبنات ورقص الأولاد فانتقلت العدوى للفتيان والشباب.. مضي الكل يبارك للكل ويمتدح الحاج حكيم وابنته ويدعون لهما.. لم يحضر الحاج زهران عمدة البلد بحجة المرض. لم يعد الكثيرون إلى بيوتهم وظلوا في الميادين والشوارع سهاري يتحدثون ويرقص الشباب رقصة التحطيب ويلعبون ألعابا كثيرة، وظلت البنات حتى الخامسة عشرة ساهرات ومكتفيات

 بالفرجة.

 أصبحت الأقصر الآن كلها مضاءة بعد أن كانت الأضواء القليلة موجودة فقط في المعبد وأمام الباخرة الفرنسية لزوم العمل. هنأني الجميع وشكروا جهدي الذي نقل الأقصر نقلة كبيرة سيكون لها ما بعدها من النقلات وأشكال التجديد والتطوير.. هنأني جوزيف بعد الجميع..أراد أن يأخذ وقتا. تحدث عن أهمية ما فعلت.. أبقى يدي في يده طويلا.. لم أنزعج.. كنت مشدودة إلى عينيه وكان يحدق بهما في عينيّ.. انتقلت إلى روحي مشاعره الحميمة الدافئة. سحبت يدي بعد وقت.قال:

-                     سأذهب لتهنئة عمى الحاج حكيم

-                     تفضل

-                     كوني معي

أشرت له أن يتقدم.. مضينا معا إلى أبي وهنأه ودعا له بموفور الصحة.

استأذنه أن يجلس معه بعض الوقت.. رحب أبي وقال له:

-                     أهلا بك في أي وقت

-                     حدد لي موعدا يناسبك

-                     المهم أن يناسب عملك

-                     بعد عصر الغد.. هل يناسب؟

-                     يناسب إن شاء الله

 ما أسعدني!!.. خلال ثلاثة أشهر تحقق هذا الإنجاز، وتقدمت الأقصر على القرى المجاورة.. مازالت هناك مشروعات كثيرة.. أبي يشجعني ويستجيب لكل أفكاري ليس فقط لتيسر الحال بحكم أن لدينا مائة فدان لكن لأن روحه منذ البداية كريمة ومتسامحة ومحبة للبشر وللأقصر بالذات.. لكن حدثا سيئا أوقعنى في مشكلة مع نفسي فقد كانت أول مرة أقتل فيها شخصا.. كنت أسهر كثيرا وأتحرك ليلا وأطمئن على بعض الأمور بنفسي إلى أن لاحظت شخصا يسحب جاموستين من حظيرتنا فتبعته وكان معى الفرد حتى تمكنت منه وأطلقت عليه النار.. يبدو أنني أخطأت في التصويب فقد كنت أريد أن أضربه في كتفه فانحرفت إلى رأسه..سقط وأخذ ينزف بسرعة، ولم يبق على قيد الحياة غير عشرين دقيقة.. عرفت أنه من العربان فسحبته بعيدا عن أرضنا وكان من حسن حظي ضئيلا نسبيا.. سويت التراب الذي أغرقه بدمه ونقشته آثاره وأعدت الجاموستين ثم عدت إلى الطريق.. وقفت تحت شجرة الجوافة أتأمل ما جري فاكتشفت أن جسمى ينتفض ويديّ ترتعشان وأنفاسي لها صوت مسموع.. عاتبت نفسي على الحماقة والعنف.. دفع الرجل حياته ثمنا للا شيء.. تنهدت ومضيت إلى سريري لكنى لم أستطع النوم حتى الصباح.. بلغتني أصوات من اكتشف القتيل وتبادله الخبر مع من يقابله قريبا من بيتنا.. قمت فصعدت مع الشروق كعادتي إلى السطح وأطلقت أذني لتلتقط ما يقال وما نوع التكهنات والظنون. وأخيرا سالت دموعي وعلا صوتي بالنشيج وتزلزل بدني أسفا وندما حتى شعرت بالإجهاد.. نزلت فنمت نوما طويلا وصحوت على صوت أمي تقول لي:

-                     لا أظنك علمت بما جري.

فتحت عيني على الفور فقد تذكرت.. ادعيت جهلي.. قالت:

-                     تصوري أنك كنت تغطين في نوم عميق

-                     ماذا جري..هل أرسلت قنا المقاعد؟

-                     النائم يحلم بسوق العيش

-                     أمي.. رحمة بي

-                     قتل واحد من العربان بالقرب من حظيرتنا

نهضت بجذعي وسلكت صوتي:

-                     احفظنا يا رب.. هل تعرفونه؟

-                     لا

-                     هل علم أبي؟

-                     نعم

-                     من أخبره؟

-                     عبد السلام المزارع

-                     أحتاج فنجان قهوة

-                     على لحم بطنك؟

-                     نعم

-                     هل وصل أحد من أهله؟

-                     حضروا لكنهم ينتظرون جنود المركز

-                     وعمى

-                     سب ولعن كعادته

-                     سب ولعن من؟

-                     كل الخلق.. العربان وأهل البلد والمركز ومعدومي الضمير الذين قتلوا المجنى عليه ثم حملوه إلى زمامنا

-                     ماذا قال أيضا؟

-                     الرجل لم يسرق شيئا فلماذا يقتلونه؟ ولا أحد من أهل البلد اشتكى من غياب دجاجة فليس لديهم دافع القتل

-                     عمي إذن يصلح ليكون رئيس مركز

أسمع أصوات بالخارج ربما حضر محققو المركز

-                     القهوة حالا يا أم مدثر

-                     ناموسيتك اليوم كحلي.. هيا انهضي وتعالي صبّحي على أبيك..يسأل عنك كل ساعة.

 

(14)

 كنت أود أن أتركهما وحدهما، لكن أبي طلب منى البقاء..لا أدري لماذا.. ربما أملا أن أخفف عنه أعباء الحديث، والمشاركة في الترحيب، خاصة أنه لم يعد بالقدرة القديمة على الكلام والترحيب وفتح الموضوعات.

 قال لأبي بعد أن شرب الليمون:

-                     أنا أمي مصرية وأبي فرنسي. حضر كجندي ضمن جنود الحملة الفرنسية على مصر قبل أربعة وثلاثين عاما وأعجب بأمي وسعى للزواج منها حتى تحقق له ما أراد. حملت أمي بي وبعد ستة أشهر مات والدي على يد أحد الثوار الشباب.. ربتني أمي عديلة البقلي وأخوها عسكر البقلي.. جدي صاحب وكالة تجارية كبيرة وسط القاهرة.. بعد سنوات قليلة تزوجت أمي من أحد كبار المماليك اسمه رشيد البري وقتل وأنا عمري أحد عشر عاما في مذبحة القلعة..مات جدي بعده ثم ماتت أمي منذ ستة أشهر.. ليس لي في مصر غير خالي عسكر.. لذلك فكرت في العودة إلى بلد أبي.. فرنسا حيث يعيش أهل أبي وأولهم عمي.. أعددت كل شيء للسفر لولا أن قائد الجيش المصري الكولونيل سيف طلب منى مصاحبة البعثة الفرنسية التي تنوي نقل المسلة الغربية إلى فرنسا.. ستقول لي الآن:

-                     لماذا تحكى لي قصة حياتك؟.. إنها لا تعنيني في شيء

ابتلع أبي ريقه ونظر إلىّ وتنهد.. ولاذ بالصمت قليلا كأنه يوافقه على كلامه.. كسرْت الصمت بقولي:

-                     حقا لماذا تحكى لنا شيئا يخصك وحدك؟

مط جوزيف شفتيه وبدا حائرا، ثم قال:

-                     أنا فعلا لا أجد إجابة على سؤالك وسؤال الوالد

ضحك وقال:

-                     إذا كان قد سأل..لكن شيئا في نفسي دفعني أن أفعل هذا.. ربما شعور بالراحة النفسية كلما ورد ذكركم

عاد إلى الصمت وتقليب الكفين، ثم قال:

-                     بصراحة أنا عندي ما أقوله.. لكن ما قلته كان مقدمة لعل لها فائدة ولو في المستقبل فسامحوني عليها

ضحكت وقلت لأبي:

-                     سامحه يا أبي لو سمحت

ابتسم جوزيف وابتسم أبي وقال بصعوبة نسبية:

-                     أنت إنسان لطيف وبسيط

-                     هل تجاملني يا والدي؟

ارتعشت قليلا يد أبي المشلولة التي أسكنها على فخذه وقال كأنه يأسف لعجزه:

-                     لم أعد أستطيع أن أجامل أحدا أو أكشف عيوبه.. أصبحت مرتبطا فقط بكل ما هو حقيقي وأصيل ولا تعنيني النتائج

بعد أن شعر بابتعاد التكلف أحس أن باستطاعته البوح بما يريد وقد أيقن بدرجة ما أنه أقل غربة عنا من ذي قبل.. قال:

-                     الحقيقة أن عندي ما يجب أن تعرفوه لأنه يخصكم أكثر مما يخصني.

تبادلنا النظرات أنا وأبي.. هذا كلام يعتبر من المفاجآت.. هل هذا الغريب قريبنا أو يعرف عنا ما لا نعرف؟.. سألته:

-                     هل تحب أن تشرب قهوة؟

-                     شكرا

-                     شوقتنا

لا أدري لماذا شعرت بقدر من الترحيب أو الرضا بأن أسمع منه ما يخصنا حتى لو كان سيئا.. حالة من الفضول وتوقع أن يفيد ما يقوله في إحداث تغيير ما في حياتنا. التغيير فيما أظن مطلب الإنسان الأول..قال:

-                     الكولونيل سيف قائد الجيش صديق لخالي وقد ألحقني في الكلية الحربية بأسوان وتدربت على استخدام معظم الأسلحة ودرست الخطط العسكرية ومن ثم دعاني للاشتراك في الحرب المصرية اليونانية التي جرت بعنف شديد على مدي ست سنوات شاركت في مرحلتها الأخطر عامي 26،27

 سكت جوزيف طويلا، في حين اعتدل أبي في جلسته وازداد ارتعاش ذراعه واهتزاز رأسه وابتلع ريقه عدة مرات خلال لحظات ولم يرفع عينيه عن جوزيف.. أما أنا فقد شعرت بسخونة في جسدي..، وتحركت أصابعي كأنني أعاني من التوتر..قلت:

-                     قل يا جوزيف

رفع رأسه إلىّ وقال:

-                     هل تسمحين بمناداتي يوسف فهذا اسمي المصري؟

-                      تفضل يا يوسف

ابتسم ابتسامة باهتة ثم قال:

-                     أعتذر.. يبدو أن وقت القهوة قد حان

-                     سكرك

-                     مضبوط

أسرعت إلى باب الدار الداخلي وأبلغت هنومة بسرعة إعداد فنجان من القهوة

ما إن عدت حتى قال:

-                     ألن يشرب عمى القهوة؟

-                     ممنوع

-                     عينني الكولونيل نائبا لقائد آلاي ضمن أربعة نواب،وكان معي في الآلاي ثلاثمائة جندي كان أقربهم إلىّ بحكم صفاته شاب في مثل سني.. طويل له شارب كث وشعر بنى ناعم.. عيناه عسليتان بهما اخضرار خفيف.. هذا الشاب ذكي وقوي البنيان وشجاع.. يعرض نفسه للخطر من أجل تنفيذ المهام الموكلة إليه بمنتهى الدقة.. لا ينام إلا قليلا ودائما حتى أثناء الراحة يقبل على التعلم والتفكير في الخطط والتدريب على الأسلحة.. رغم قلة كلامه فهو يسأل كثيرا عن العسكرية ومفاجأتها وعن الأسلحة والألغام والمعارك الشهيرة.

سكت يوسف فجأة وقد لاحظت أن عينيه ترقرقتا بالدمع ولكنه فيما أظن يكبحه ويمنعه من أن يغادر مآقيه.

سألته:

-                     ماذا بشأنه هذا الشاب؟

جاءت القهوة.. أشار لي أن أتمهل..التفت إلىّ أبي فوجدت كفيه الاثنتين ترتعدان.. جسده كله يرتعد ويتنهد وصدره يعلو ويهبط كأن قلبه يريد أن يخرج من الصدر ويزأر.. تناول يوسف القهوة رشفة بعد أخري

اندفع أبي بصوت واضح وقوي لم يصدر عنه مذ مرض وسأل:

-                     ما اسم الشاب؟

سكت يوسف قليلا ثم قال بصوت متحشرج مبطن بالدموع: