قصيدة الشاعر التونسي تنهض من شعرية الموت والفقدان، في حالة بحث عن خلاص الشاعر مما يمور في وجدانه وبحث متواصل عما يجعل من القصيدة منتهى لتتمكن الذات وهي في أكثر اللحظات ألما وانكسارا من أن تستنهض حياتها الجديدة في اللغة وفي أفق الكتابة وجدواها..

خسارات أنيقة

منذر العيني

نعود إذن من بعيدٍ إلى نفسٍ غائرٍ في ملكوت البداية. نقتاتُ ما طاب  من همسات العدول. فلا شيءَ ينبئنا بفتوحات هذا الإيابِ. فقط سنعدّلُ أوتار غربتنا نحو ريحٍ ستحملنا حيّةً خلفَ معنى الهزيمةِ. كم هو صعبٌ تنفسّنا في مخيّلةٍ لا ترى الفرقَ  بينَ الصّحيح و بين الخطأْ. ستقتاتُ من سعيها في آحتدامِ السّؤالِ وتقتادني نحو معنى الأفولِ.

 

نعودُ إذن من بعيدٍ إلى عينِ هذا المكانِ. لنشربَ من واقعيّةِ ماءِ الخيالِ على صدإٍ كامن في الحياةِ.

هو الموتُ ينزاحُ من دفترِ الذّكرياتِ يعيدُ لنا نشوةَ الخلقِ في طينِ هذا الغيابِ. أما آنَ لي أن أرجّعَ وقعَ أناملهِ؟ أما آنَ لي أن أحيّنَ حسَّ براكينهِ في خضمِّ النزالِ؟

سنشربُ دفقَ دلالاتهِ في مرايا الجمادِ. سنكسرُ حدّةَ هذا الشّرودِ بعودتنا كعادتنا في جحيم آنتظاراتنا. فكم كانَ صعبا تناثرنا مثلَ أوراقِ هذا الخريفِ على الطرقات.

 

نعودُ أخيرا إلى ماء جدولنا. ستقتادنا الرّيحُ طيّعةً نحو بارِ المدينةِ نرجمُ عنفَ الضياعِ بكأسينِ أو أكثر.فلنا ما أضاعَ الأوائلُ من دفءِ ليلتهم و لنا ما لنا من نماءِ العزيمةِ في ليلِ نكستنا و لنا ما لنا من هيامِ القصيدةِ نحو شرودِ الأيائلِ في الرّيحِ. لا شيءَ ينبئنا بفتوحاتنا غيرُ ماءِ الغوايةِ في جدولِ الخطوِ نحو عين الخليّةِ نحوَ بارِ المدينةِ نحو صدى آمرأةٍ لا تحبَّ الكثيرَ وتقنع بالماءِ و الخبزِ مأدبةً لعشاءِ الفقـير.

 

عمر الكلب

دخلنا إلى عُمرِ الكلب، دون مراءٍ تركنا الهزائم حذو البطولاتِ تقتات من غلّةِ الموت ، لا شيءَ يفصح عن فارقٍ واضحٍ غير شدو الفراغِ على مسمعِ الجنِّ غيْرَ مجرى الظلالِ على صفحةِ التيهِ ، نهمسُ للصوتِ أن يستمرَّ البكاءَ على عتباتِ الوقوفِ.

دخلناهُ نلهثُ مثلهُ نحملُ لوثتنا البربريّةَ ، نأكلُ وقتا حراما و قد نستزيدُ التلذّذَ بالرّيح في فلواتِ الحرائقِ. نلهثُ مثلهُ نستسيغُ التشمّمَ فوقَ مزابلنا. قد نفيقُ على ذهبٍ داكن من كلامِ الذّبابِ إلى بعضهِ البعض.

قد نحدس الوقتَ يمضي وئيدا بلا عنفوانٍ أمامَ كتائبهِ.

 قد يصافنا اللّهُ في بحثنا عن دقائقنا الضّائعهْ.....

لكأنّ الكتابةَ نبش الكلابِ على دفترٍ هامشٍ .كأنّ الكتابةَ تأليفُ منفى لعينٍ تخطُّ مجرّتها في عناقيدِ ضوءٍ بلا تسميهْ ..............

دخلناهُ من بابها مثلهُ عندما يتهرّبُ من ظلّهِ ليعاودَ نسجَ خيالاتهِ في مياهِ الطّريقِ ويمضي بلا حاجةٍ لضياعٍ جديدْ .........

 

العشبة

رّبما ننتهي في مزالقها مُتعبين من البحثِ عن نكهةِ الموتِ في صمتِ هذي الحياة.نحاولُ أن نستدلَّ بأسماءِ وجعتها وهيَ تبصمُ روحَ التحيّةِ للضّائعينَ وهم يمسحونَ عن الغرباءِ وميضَ العبارةِ بالصّمتِ

من حاجةِ الموتِ للموتِ يطلعُ عشبُ الحياة............

و قد ننتهي واقفينَ على شمعدانِ الجنائزِ يزهرُ نيرانهُ في مواقدِ فجأتنا ليرمقنا من قريبٍ و نحنُ نحفّزُ أقدارَ لحظتنا لنعيشَ هناكَ قريبينَ منها صعودا نزولاً كإيقاعِ ضحكتها في مزالقنا ......

قد يزهرُ العشبُ في كفِّ موتتهِ مثلما يزهرُ وجهي أمامَ بياناتها في الطّريق الطّويلِ .....

فمن حاجةِ الصّوتِ للصّمتِ يطلعُ عشبُ الحياة.......

كأنّ بها غرّةً من بياضِ المعاني ...كأنثى بلا صاحبٍ تستعيدُ وقارَ الغيابِ من المتعبينَ و تشربُ نخبَ الّذينَ يغيبونَ دوما عن الحفلِ و المسرحيّةِ تمشي الهوينا   وتبتزُّ من ليسَ يُؤنسها لتريقَ من العينِ دمعتها للّذي باتَ يهذي يريدُ الوصالَ مع الظلِّ ساعةَ فجرِ الفجائعِ

إثنينِ ندخلُ بارَ المدينةِ. كانَ على الحائطِ المتهالكِ صورةُ أفعى تلاعبُ ساحرها.دميةٌ بيدِ آمرأةٍ تتلوّنُ حرباءَ سحنتها. رجلٌ يرسمُ الماءَ في دفترٍ أزرق الوجهِ غيرَ أنَّ الإضاءةَ كانت معتّمةً قد تشي إلى زمنٍ غابرٍ من حكاياتِ جدّاتنا عن بطولاتِ عنترَ والغولِ.

كنّا قريبينَ منها و كانَ الضّياءُ ينازعُ أشباحَ أدخنةٍ من غبارِ السّجائرِ يرسمُ عشبتنا في سماءِ المكانِ وقدْ أورقتْ في مساربِ لحظتها. وهناكَ قريبا من الإستعارةِ. الشّمعدانُ على بعدِ مترٍ من الكُنتوارِ يُحفّزنا لمزيدِ الحديثِ عن الموتِ و الصّوتِ عن أصدقاءِ الطّفولةِ عن وردةٍ في حديقةِ جارتنا عن صغارِ العصافيرِ في سقفِ دارتنا عن غرامِ الصّبيّةِ بالسّاحرِ الفذّ عن أَ ،بَ ،جدْ،هَ وَ زُنْ عن إلخْ....

و كانَ على الحائطِ المتهالكِ صورةُ أفعى تلاعبُ ساحرها. قد تدوّي الخطيئةُ في الصّمتِ بينهما. ننتهي في مزالقها متعبينَ من البحثِ عنها.

قليل من الضّوءِ يكفي لِنكشفَ أنَّ الحياةَ مراودةٌ حيّةٌ بين موتٍ و موتٍ و أنّ القصيدةَ رقصُ أفعى يلاعبها ساحرٌ ماكرٌ فاجرٌ يشربُ الصّوتَ من صمتها

......ننتهي في مزالقها واقفينَ أمامَ عبورِ الدّقائقِ وهيَ تسجّلُ هامشها لننامَ قليلاً على متنها وهيَ تؤلّفُ بينَ نقيضيْنِ عُشبتنا في ممرِّ الغيابْ ..................