من سوريا الجريحة يقترب نص الشاعر السوري من حالة التشظي والتمزق التي تعيشها ذوات منكسرة تحلم بأفق آخر، حالة الحزن التي أمست سماء وحيدة لشعب تجرب عليه أبشع الجرائم. وفي حالات الحزن التي يشكلها الشاعر هنا توصيف دقيق لاستعاراته وتواشجه مع لحظة انجلاء قد تنبعث في أي لحظة..

قصيدة الحزن

عبد الكريم بدرخان

هنالك حزنٌ

يفتّـشُ عن وجههِ المتكسِّرِ

في طرقاتِ الضبابِ

وفي أوجهِ العابرينْ

هنالك حزنٌ حزينْ

يمرُّ بنا مثلَ عودةِ أيلولَ

ينثرُ أوراقَهُ الصُفرَ فوقَ الوجوهِ

ويشعلُ في موقدِ الذكرياتِ.. رمادَ الحنينْ

 

هنالك حزنٌ

يمشّطُ شَعر الرياحْ

ويغسلُ بالرعشةِ المطريّةِ خدَّ الصباحْ

فنجثو أمامَ الوجودِ الحزينْ

ويصفُرُ في القلبِ صوتُ الأنينْ

 

هنالك حزنٌ

يشرِّدُنا في الشوارعِ

يعبرُ عبْرَ خُطانا

ويطلقُ أشباحَهُ السُودَ حول رؤانا

ويكسِرُ أوهامَنا باليقينْ

 

هنالك حزنٌ

يلامسُ قلبَ الجميلةِ

حين تهزُّ الرياحُ ستائرَها

ويُطِلُّ من الغيبِ فارسُها

فتضمُّ الوسادةَ حزناً

وتلتفُّ حولَ أنوثتها كالجنينْ

 

هنالك حزنٌ

يعمّدُ أفراحَنا بالدموعْ

ويوقدُ في ليلنا العبثيِّ

صلاةَ الشموعْ

هنالك حزنٌ

يلُوحُ بمنديلهِ للمسافرِ

من شُرفاتِ الرجوعْ

ويدعوهُ للزمنِ الياسمينْ

 

هنالك حزنٌ بطعمِ الفرحْ

كغيمٍ تلبّدَ في قلبنا

ليشرقَ بعد العواصفِ قوسُ قُزحْ

كشوكٍ يزيّنُ ساقَ الورودِ

ليجرحَ مَنْ بالشذا ما انْجَرحْ

هنالك حزنٌ أمينْ

يذكّرُنا برذاذِ الفرحْ

في صحارى السنينْ

 

هنالك حزنٌ

يجدّدُ ماءَ الحياةْ

فنولدُ من موتنا

ونفتّحُ من يأسِـنا زنبقاتْ

هنالك حزنٌ

سخيٌّ بدمعاتهِ.. في الزمانِ الضنينْ

هنالك حزنٌ حزينْ

*   *   *