يقدم لنا الباحث المغربي هنا كتاب الشذرات الطاوية المهم ويربط في مقدمته التي يعرفنا فيها على الطاوية جوهر هذا الفكر ببعض استقصاءات المتصوفة في الإسلام. فتأمل قولة النفري «كلما اتسعت الفكرة ضاقت العبارة» والشذرة المتضمنة هنا «كلما كثرت المعرفة/ قل الإدراك ... إلخ» لتدرك كم نحن في حاجة إليهما معا.

كتاب الشذرات الطاوية وأشعار الزن

حكم وأقوال في فلسفة الحياة والوجود

الفاهم محمد

 

 مدخل
ينفتح هذا الكتاب على مجموعة من الفلسفات الشرق آسيوية مثل الطاوية والزن والبوذية... إضافة إلى كل الموروث الفلسفي الصوفي الإنساني بما فيه الصوفية الإسلامية. قد يبدو هذا الأمر غريبا خصوصا بالنسبة للقارئ العادي الذي تعود على توابث ثقافية يكررها ويجترها خلال حياته، في حين أن مثل هذه الثقافات غير مألوفة بالنسبة إلينا لا تفصلنا عنها فقط مسافات جغرافية بل أيضا مسافات فكرية وعقائدية. غير أن مثل هذا الموقف المتقوقع حول هوية ثقافية متوهمة، يجد صعوبة في الدفاع عن نفسه خاصة في هذا العصر المعولم، الذي أصبحت الثقافات فيه عابرة للحدود.

 ثم لماذا الامتعاض في الانفتاح على ثقافات إنسانية أبانت عن جدارتها وقوتها النظرية والروحية، أليس التقدم الحضاري مرتبط ضرورة بالقدرة على الانفتاح والاستيعاب والتجدد. ألم تكن الفلسفة الإسلامية قديما هي أول استيعاب تاريخي للفلسفة اليونانية، رغم كل أشكال الرفض والتكفير الذي واجهته من طرف الفكر الديني المتشدد، إلا أنه وبسبب هذا الإنفتاح تقدمت الحضارة العربية الإسلامية في مختلف المجالات الرياضية والطبية والفلكية والفلسفية.

إن التراث الفلسفي الشرقي يتعارض كذلك حتى مع الفكر الغربي الذي ظل لقرون يقدم نفسه باعتباره الفكر المالك لحقيقة الكائن البشري والوجود بصفة عامة. إنه الفكر الذي يمثل الحضور والصوت والمركز كما أبان عن ذلك جاك ديريدا، لذلك فاكتشاف الآخر والثقافات المغايرة والكتابة كلها كانت من أهم إنجازات فلسفة الاختلاف. إن نصوص الفلسفة الطاوية وبودية الزن والنصوص الصوفية... وغيرها من الثراتات الروحية الإنسانية تقدم لنا اليوم جوابا واضحا عن الأزمات وعن الانسداد الحضاري الذي وصلنا إليه اليوم : الانهيار الإيكولوجي، استبداد الأنظمة السياسة، ثقافة الاستهلاك، التصحر الروحي. واختزال التجربة الدينية في أشكال متعددة من التطرف والانغلاق والتبلد الذهني، إن الدين يعبر اليوم عن نفسه داخل إيديولوجيات مغلقة أكثر مما يعبر عن نفسه داخل تجارب روحية عميقة، تبحث عن معنى متجدد للحياة والوجود.

لم يتوقف الدين طوال مراحل تاريخ البشرية عن الإبداع والابتكار، فالرسالة المحمدية مثلا وجدت أناسا شجعانا لا يتوقفون عند الحرفية الظاهرة المميزة لنصوصها، بل هم يعملون على إعادة قراءتها وتأويلها وتفسير رموز مضامينها الداخلية بما يتلاءم مع مستجدات الحضارة والتطور. ولا أدل على ذلك هذا التراث الضخم الذي نسميه التراث الإسلامي والذي يمتد في ثقافات وحضارات مختلفة. نفس الشيء نجده أيضا في البوذية والطاوية إذ أدرك أتباعها أن كلمات المعلم الأول لم تكن إلا إشارات في طريق لا ينتهي. لقد كان كل هؤلاء لهم وعي تام بأن الإيمان ليس تراثا نرثه، وإنما هو تجربة نؤسسها بشكل تفاعلي مع روح العصر ومقتضيات الحياة، فهذا وحده هو الدين الذي لا ينتهي، وهو الدين الذي ينبغي اكتشافه وابتداعه.

 يضاف إلى هذا سبب آخر وهو أن الإنسان اليوم الذي دمرته الحضارة وأفرغته من كيانه الإنساني الروحي، أصبح يجد نفسه يوما بعد يوم مضطرا كي يعتر على منابع أخرى للحياة غير ما توفره له إيديولوجيا الرأسمالية التي تمجد البضاعة والأشياء على حسابه. هذه اللاإنسانية الجديدة كما وصفها إريك فروم1 هي في الحقيقة إنسانية بدون إنسان، ما دام أنها وجهت أنظارها إلى فهم المنطق المتحكم في صيرورة بيع وشراء البضائع أكثر من فهم الإنسان وقواه الحية. إن ديانة السوق تحول الإنسان نفسه إلى نظام مغلق ينبغي توفير مجموعة من الحاجات المباشرة حتى يحقق ذاته.

هكذا فضغط الحياة المادية والسباق المحموم من أجل الاقتناء والتبضع، حول كل ما هو عميق في الذات البشرية إلى أشكال ممسوخة، فما يتغلب اليوم على سلوك الإنسان وقناعاته هو الدهاء وإرادة الخديعة والمكر، والرغبة في النجاح في أقصر مدة وبأية وسيلة، والشهرة التي تصنعها وسائل الإعلام...

 كل هذا جعل الإنسان الحقيقي ذلك الذي يحيط نفسه بمبادئ وقناعات ثابتة , ويفضل الغنى الروحي والفكري على كل ما عداه، يعيش غريبا في هذا الزمان.

من خلال كل هذا يبدو أن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه علينا هو هل ثمة إمكانية لاستعادة هذا الإنسان الذي ضاع؟ وكيف يمكن أن تكون هذه الاستعادة مفيدة ضد تشوهات الحاضر؟ إن الجواب على هذا السؤال هو الذي يستغرق العديد من المشاريع الفكرية المعاصرة سوء عند نيتشه أو هيدغر أو غيرهما فهي كلها منظومات معرفية يتحكم فيها هدف واحد وإن كان ذلك طبعا بمنطلقات مغايرة، وهذا الهدف نستطيع أن نوجزه في العنصرين الآتيين:

 - أولا: تفكيك الميتافيزيقا الغربية والعثور على هذه الفلسفة أو الحكمة التي تقع على هامشها، أي هذا الفكر الذي حاولت إقصاءه معلية من قيمة الخطاب الذي يقوم على أساس القياس والمنطق والحساب، أي على أساس ما تستطيع أن تدركه الذات المفكرة فقط.

 - ثانيا: تفكيك العقائد الإيديولوجية والدينية المغلقة، والعثور على أشكال خلاص روحية جديدة تنبع من تجارب داخلية عميقة أكتر مما هي انتماء إلى زوايا ضيقة محددة.

إن النزعة الاختزالية سواء للوجود أو للموجود واضحة في الميتافيزيقات الغربية، وهي تتجلى في إقصاء كل ما له علاقة بالحب والجمال والإيمان، والإشراقات الفكرية التي تتجاوز الحقيقة الآنية والمعنى الظرفي، والقيمة المنفعية المباشرة. هكذا رسمت الميتافيزيقات بشتى أنواعها صورة نمطية محددة عن الإنسان والوجود والله، فأصبحت هذه الصور تحل محل المواضيع التي تتحدث عنها وتريد معرفتها. فالإنسان لا يعرف اليوم الله في نفسه، ولكن من خلال ما يقدمه له المبشرون والوعاظ، بل هو لا يتعرف حتى على نفسه إلا من خلال النماذج النمطية لتي توفرها الإيديولوجيات أو العلوم الإنسانية الوضعية. فالإيمان اليوم أصبح محض ممارسات شكلية جسدية، لقد غابت التجربة الباطنية من حياة البشر، وحلت محلها التجربة الخارجية القابلة للملاحظة والقياس، ولكن الخالية من الألم والدموع ومعاناة الروح والتناقض.

إن الإنسان اليوم ليس إلا صورة عقلية نمطية مجردة لا علاقة له إطلاقا بالإنسان كما يعيش تجربة وجوده في غناها وعنفوانها، أليس لهذا السبب ارتفعت أصوات كثيرة منادية بموت الفلسفة ونهايتها، فهذا الاختصاص الذي ظهر منذ القرن السادس قبل الميـلاد ـ على ما يقول التاريخ الرسمي ـ لم تعد له القدرة اليوم على ملامسة المشاكل الحقيقة للإنسان، بل لربما هذه الأخيرة يعبر عنها الأدب والرواية والشعر والسينما أكثر مما تعبر عنه الفلسفة. لهذا السبب نجد الكثير من الفلاسفة اليوم ينفتحون على هذه المجالات التي كانت تعتبر إلى حين هامشية بالنسبة للفلسفة.

لكن علينا أن نحذر مع ذلك من أمر مهم، وهو أن ما يسمى بموت الفلسفة هو نهاية لمغامرة محددة خاصة بالمشروع الغربي، أي نهاية للتجربة الميتافيزيقية، ولكن أكيد أنها ليست نهاية للفلسفة كفكر وكانشغال وتساؤل حي بالوجود والإنسان، بل نحن اليوم في حاجة إلى مثل هذا الفكر أكثر مما مضى خاصة أمام الثورات التي تعرفها العلوم البيولوجية والفيزيائية والمعلوماتية، والتي تدفعنا إلى أن نعيد النظر في أغلب المفاهيم والتصورات التي كنا نعرفها عن أنفسنا وعن الحياة. إننا إذن نفهم نهاية الميتافيزيقا بمعنى ولادة إمكانية جديدة للتفكير والتساؤل، هذه الإمكانية التي نجد في الحكمة الشرقية معالمها الأساسية والتي يمكن اختزال أبعادها في العناصر الآتية:

1. تتميز الحكمة الشرقية سواء في الهند أو الصين، أو عند الفرس والمسلمين بكونها موجهة أصلا للحياة، إنها فن للعيش وليست مجرد طريقة في النظر العقلي كما هو الأمر في الميتافيزيقا الغربية التي تفصل بين النظر والعمل.

2. لا تفصل الحكمة الشرقية أيضا بين الفكرة والصورة الجمالية التي تعبر عنها، فهي تتموقع في الحدود التي تجمع بين الاستعارة والمفهوم، بحيث لم تكن هذه الحكمة تعتبر أن تمت تناقضا بينهما، أو أفضلية لأحدهما على الآخر. إن هذا الأمر واضح في الأناشيد الفيدية، وفي الكتابات الصوفية الإسلامية، وفي الزن الفلسفة الطاوية، وحدها الميتافيزيقا الغربية التي أعلت من قيمة المفهوم وحطت من قيمة الاستعارة الشعرية كما هو الأمر مثلا مع أفلاطون، أو مع هيجل الذي كان يعتبر أن الفن ما هو إلا مرحلة من مراحل تطور الفكرة المطلقة التي ستبلغ مرحلة اكتمالها في الفلسفة أي في المفهوم وحده.

3. ينتج عن هذا الأمر شيء آخر وهو أن الحكمة الشرقية لم تهتم أبدا بالنسق، فخطابها مفتوح عكس ما نجده في الفلسفة الغربية التي كانت جل أفكارها عبارة عن بناءات مترابطة تهتم بالصرامة المنطقية أكثر مما تهتم بالبحت عن الحقيقة في ذاتها. أما الحكمة الشرقية فهي تنبني على أفكار ومبادئ عامة كما هو الأمر في البوذية أو الطاوية، غير أن هذه الأفكار هي إشارات وعلامات على الطريق وليست أبدا مفاهيم نهائية. أو بطريقة أخرى نقول إن الحكمة الشرقية تستمد معناها الأساسي من التجربة ومن المعاناة الفردية الداخلية، وليس من التنظيرات الفكرية التي تدعي القبض على ماهية التجربة البشرية ومن تمت التعالي عليها.

4. اهتمت الميتافيزيقا الغربية بدءا من سقراط وإلى غاية الفلسفة الأنوارية برد الوجود إلى الإدراك العقلي، فما أتمثله وأدركه عقليا موجود، أما ما لا يتطابق مع الخطاطات الذهنية المنطقية التي وضعها الفكر فهو غير موجود. كانت هذه هي الفكرة التي افتتح بها ديكارت عصر الأنوار: "العقل هو أعدل قسمة بين الناس" مما ترتب عنه اعتبار أن ثمة عقلا واحدا يشترك فيه الصينيون والغربيون والهنود الحمر، ولا شك أن هذه الفكرة هي التي قادت فيما بعد إلى كل تلك الفظاعات التي عرفها التاريخ من استعمار وإبادة وإقصاء للآخر، بدعوى أن تمت طريقة واحدة للتفكير، وإذن طريقة واحدة في البناء الحضاري. أما الحكمة الشرقية فهي على العكس من ذلك تماما تعتبر أن العقل جزء من مدارك الإنسان، لكن قواه الحية لا يمكن أن تختزل في هذا الجانب وحده، فما يدركه العقل ليس سوى جزء ضئيل مما يتضمنه المحيط اللانهائي للوجود. إن هذا هو جوهر الفرق بين التفكير والتأمل. الأول يحيل إلى الإلمام بالموضوع ودراسته كما هو معطى للإدراك، أما الثاني فهو استغراق في هذا الموضوع ومحاولة للإمساك بحقيقته الباطنية.

5. أولية الذات المفكرة العاقلة قادت الميتافيزيقا الغربية إلى اعتبار هذه الذات هي سيدة الحقيقة، وبالتالي فالعالم عليه أن يتحول إلى موضوع لها. لقد كان هذا الموقف بدوره من المنطلقات الفكرية التي ساهمت في تدهور المشروع الغربي الحضاري لأنه جعل في نهاية المطاف الإنسان سيدا ومالكا للطبيعة كما قال ديكارت في شعاره الشهير.

هكذا انفصم ذلك الرباط الذي كان يوحد الإنسان والطبيعة، فأصبحت هذه الأخيرة عبارة عن عدو ينبغي ترويضه وهزمه والسيطرة عليه، على خلاف هذا الموقف نجد كل الأساطير والفلسفات الشرقية القديمة لا تقيم فارقا كبيرا بين عالم الإنسان وعالم الطبيعة فكلاهما امتداد للآخر. هذا هو السبب الذي جعل الإنسان الشرقي لا ينظر إلى الطبيعة باعتبارها جمادا ينبغي تسخيره للطاقات الأولية بل باعتبارها مجالا ينبض بالحياة وبالتالي مجالا للتفتح الروحي والسمو الذهني وهذا هو ما أغفلته الميتافيزيقا الغربية.

 هذا الكتاب كما أشرنا إذن هو احتفاء بالحكمة الشرقية وهو يركز بالخصوص على ثلاثة مدارس أساسية هي كما يلي :

 الطاوية: وهي المدرسة الصينية التي تنسب لحكيم صيني يدعى لاو تسو يقدر أنه عاش ما بين القرن الخامس والسادس قبل الميلاد وبذلك فقد عاصر كونفوشيوس، كان يشتغل موظفا في مملكة تشاو لكنه أراد مغادرتها في مرحلة ما ساءت فيها أحوال هذه المملكة. فكان الحراس على ما يحكى يجبرونه على كتابة شذراته الحكمية قبل الرحيل. لم يترك لاو تسو سوى بعض الحكم والقصائد المركزة جمعت في كتاب صغير تحت عنوان الطريق إلى الفضيلة، وهو مترجم إلى العربية تحت نفس العنوان. ينظر اليوم إلى لاو تسو كمعلم سماوي حاز الحكمة التي تمكن المرء من العيش في تناغم مع ذاته ومع العالم.

تقوم الطاوية على مبدأ فكري أساسي وهو أن الوجود برمته يقوم على نوع من التجاذب المتوازن بين إمكانيتين هما الين واليانغ، السالب والموجب، الذكورة والأنوثة ... على أنه علينا أن لا نفهم هذا التجاذب كما لو أنه نوع من التناقض على شاكلة المبدأ الذي قامت عليه الميتافيزيقا الغربية وهو مبدأ عدم التناقض، أي المبدأ الذي يقول بأن النقيضين لا يمكن لهما أن يجتمعان. هنا بالعكس رغم وجود النقيضين إلا أنهما يعيشان مع بعضهما البعض في تناغم وانسجام، بحيث يكمل أحدهما الآخر، فالحياة تتضمن الموت والموت يضمن استمرارية الحياة. الخير يتضمن الشر والشر كذلك قد يمهد لقيام الخير، وهكذا الحال بالنسبة لكافة المتناقضات الأخرى السكون والحركة، الذكورة والأنوثة، النور والظلام.

 أما تلميذه تشوانغ تسو الذي يعد المؤسس الثاني للطاوية والذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد فيقول : الطويل ليس طوله زائدا، والقصير لا ينقصه طول. فالبط البري مثلا قصير الرجلين، لكننا إذا زدنا طولهما تألم، وكذلك فإن رجلي الكركي طويلان، لكننا إذا قطعنا منهما شيئا فسيؤدي ذلك إلى أساه. لذلك لا يجوز قطع ما هو طويل في الأصل، ولا زيادة طول ما هو قصير في الأصل، ولا داعي للقلق من ذلك." 2

نستنتج إذن مما سبق أن الطبيعة لا تستمر من خلال الصراع بين القطبين المتجاذبين كما لو أن أحدهما يريد إلغاء الآخر أو السيادة عليه، بل بالعكس تماما كل قوة لا يمكنها أن توجد إلا من خلال وجود القوة المناقضة لها. وهذا هو ما يدفعنا إلى الحديث عن المبدأ الثاني وهو وحدة الطبيعة وثباتها ووجوب إدراك هذه الحكمة من طرف الإنسان حتى يعيش في تلاؤم معها وهذا هو ما يسميه لا تسو بالتاو تي تشينغ أي طريق الفضيلة والحكمة.

 الزن : ولد الزن نتيجة اللقاء الذي حدث بين البوذية الهندية والأفكار الروحية في الصين واليابان، لذلك يمكن أن نقول بأن الزن ما هو إلا بودية طليعية، أو هو التعبير الصيني الياباني عن الأفكار التي جاء بها بودا في الهند، مع ذلك يختلف الزن عن البوذية في نقطة أساسية وهي عدم تركيزه على شخص بودا وإنما هو دعوة إلى أن يعيش الإنسان تجربة الإستنارة أي الساتوري في حد ذاتها دون الإرتباط بشخص بشري. بطلق في الصين على الزن إسم شان وهي كلمة تعني التأمل. للزن علاقة وطيدة بالأفكار العامة الروحية التي جاءت بها الطاوية، حتى أنه يقال أن اختلاط الطاوية بالزن هو كاختلاط الماء بالماء.

 يعتمد الزن في تعليمه على طريقة خاصة تقتضي خلق حالة من اليقظة في ذهن المتعلم عن طريق صدمه بجمل مستفزة ومفارقة تدعى بالكوان Koan. وهي جمل تهدف إلى إفراغ ذهن المتعلم من الأفكار الجاهزة وتهييئه للدخول في التأمل. أو بشكل آخر يهدف الكوان إلى لعب ما نسميه حاليا في علوم التربية بالزوبعة الذهنية. كأن يطلب معلم الزن من تلامذته قائلا : "دعوني أسمع صوت يد واحدة وهي تصفق" أو : "تكلم من دون استخدام لسانك " 3 إلى غيرها من الجمل والأسئلة المفارقة.

كما يدعو كذلك الزن إلى التعمق الروحي والذهني في لحظات الحياة، فالزن بسيط كما قال أحد البطاركة عندما يشعر الإنسان بالنوم عليه أن ينام، وعندما يحس بالجوع عليه أن يأكل، ولكن رغم بساطة هذه العملية إلا أننا لا نقوم بها فعلا بالشكل المطلوب، فالناس عندما يريدون النوم يجافيهم هذا الأخير، وعندما يأكلون لا يشعرون بلذة الطعام وطاقته تسري في أجسادهم. ويضيف راهب آخر شارحا الزن أن الناس تعتقد أن المشي على الماء معجزة في حين أن المشي على الأرض هو الذي يجب أن يعتبر كذلك، نحن كل يوم نعيش معجزات نمر بها دون أن ندري، فالسماء الزرقاء معجزة، والأشجار والطبيعة وضحكات الأطفال كلها تتضمن بعدا عميقا إذا ما توقفنا وتأملناها.

ينتج عن هذا أن الزن ليس دعوة إلى الزهد في الحياة والانسحاب إلى الخلوات، بل بالعكس إنه دعوة إلى الانغماس في الحياة والإيمان بما هو عملي، ومن هنا تميز الزن عن البوذية الكلاسيكية التي تؤمن بالانكفاء على الذات والتوحد 4. وبما أن الزن يدعو الإنسان إلى الاهتمام باليومي فقد تطورت تقاليد كبيرة في اليابان تحاول تلمس حضور الزن في مجموعة من الطقوس مثل إعداد الشاي والعناية بالحدائق وترتيب الزهور وفي الطبخ والملابس وكتابة الشعر وفي فنون الرسم والتخطيط وغيرها 5. إن كل ممارسة من هذه الأنشطة ينبغي أن تتم تبعا لطقوس محددة وجد محترمة لأنها في نهاية المطاف عبارة عن طريق أي طاو مفضي إلى الساتوري.

الصوفية الإسلامية : ما يثير في التجربة الصوفية بحثها عن ذلك الجانب العميق من الدين والذي يتجاوز المظاهر التعبدية التي تكون في متناول الجميع. يقول روني غينون أن العقيدة الإسلامية ربما هي من بين كل العقائد التي يظهر فيها بكل وضوح هذا التمييز بين ما هو خارجي / القشرة L’exotérisme وما هو داخلي / اللب l'ésotérisme 6. لكن في الآن ذاته علينا أن لا نفهم أن الأمر يتعلق بحقيقتين متناقضتين بل بالعكس الأمر يتعلق بحقيقة واحدة، وهناك منهجية أو طريقة يمكن أن تقودنا من الشريعة إلى الحقيقة. بل أكثر من ذلك إذا كانت الحقيقة هي مركز الدائرة فإن الشعاع هو هذا المسلك أو الطريق المؤدي إلى المركز، ومادام أن الأمر يتعلق بدائرة فهذا معناه أننا يمكن أن نخط عدة شعاعات. من هنا قيل إن الطرق المؤدية إلى الله هي بعدد البشر أنفسهم. بمعنى آخر يطمح علم الباطن إلى إدراك الأسرار الخفية للدين وعدم التوقف عند ما هو ظاهر. ولكن ما هي هذه الحقيقة الخفية؟ في نظر الصوفية الباطنية هي مطلق الوجود وفي نظر الطاوية والزن هي المبدأ الذي تقوم عليه كل الأشياء، إذ أن التعدد الظاهر في الوجود لابد أن يعود إلى حقيقة واحدة هي الطاو ذاته الذي مهما حاولنا تمثله عقليا فلن نتمكن من ذلك يقول لا تسو 7 :

 التاو الذي يمكن التحدث عنه

ليس هو التاو السرمدي

الاسم الذي يمكن اطلاقه

ليس الاسم السرمدي

لقد أدركت الصوفية الإسلامية وحدة الوجود وكذلك الطاوية التي رأت أن الألوهية تتجلى في كل شيء موجود، كما يلتقيان معا في إيمانهما بوجود قانون سماوي واحد ينظم الوجود برمته. يبدو كما لو أن التوحيد لم يبدأ مع الديانات الثلاثة المعروفة بل له جذور تاريخية بعيدة تعود لآلاف السنين قبل ظهور المسيح. وربما هذه الديانات نفسها لم تقم سوى بتثبيت وترسيخ ما كان موجودا من قبل.

 كانت هذه مجرد إشارات تعريفية بسيطة للتيارات الأساسية التي تم الاهتداء بها في كتابة هذه الشذرات، والأمر بطبيعة الحال يتطلب المزيد من الدراسات من أجل إبراز طبيعة هذه المذاهب وأشكال التداخل الحاصلة بينها. وعلى العموم نحن نلاحظ أن مثل هذه التراثات الإنسانية تزداد أهمية يوما عن يوم، كما أن هناك العديد من التجارب سواء في العالم العربي أو العالم الغربي التي تستلهم بالفعل الإمكانات التعبيرية الهائلة التي تتضمنها نصوص الزن والطاو والصوفية الإسلامية. لقد أضحت هذه الفلسفات تلقى اليوم اهتماما متزايدا في مختلف بقاع العالم وما هذا الكتاب إلا محاولة للسير في هذا الاتجاه. إنه محاولة للبحث عن إمكانات جديدة في التعبير وفي التفكير معا. والله ولي التوفيق.

 

القصر الكبير / المغرب

 

1

أيتها البرية

من قلوبنا

 يشع النور الأول

ذلك النور الذي تشكل

 من عمق التراب والنار

ومن المطر وأعشاش الحمام

معطيا إيانا دفعة عظيمة للمسير

للقفز والتلون كعظايا البحر

للكتابة عن معنى الثلوج العارية

معنى المطر الذي يدفئ المداخن

معنى الريح التي لا دليل لها

ذلك النور الذي يعبر السماوات

خارجا من الأرض