يوضح الكاتب أن هذا الكتاب يسلط الضوء على الدولة الصفوية، وظروف نشأتها وعلاقتها التاريخية من حروب وصراع مع الدولة العثمانية. وقد عرض الباحثون المشاركون فيه بحوثهم بشكل علمي ودقيق بعيدا عن أي مبالغات أو أحكام لا تستند لأدلة علمية وتاريخية رصينة. وكان من مميزات الكتاب الرئيسية أنه قد عرض الآراء بدون تعصب أو تطرف مذهبي، وأتاح مساحة من الحرية للباحثين بطرح آرائهم.

إضاءة على التاريخ

قراءة في كتاب: الصفوية؛ التاريخ والصراع والرواسب

زياد الوهـر

يسلط الكتاب الضوء على الدولة الصفوية؛ ظروف نشأتها وعلاقتها التاريخية من حروب وصراع مع الدولة العثمانية، ويقول مقدما الكتاب؛ تركي الدخيل وعبدالله بن بجاد في المقدمة: "لكن المتابع لما يجري من خلاف مذهبي بين السُنّة والشيعة، سيجد أن له صلةٌ ما بتركة الدولتين وممارساتهما المذهبية السابقة، من أجل صفّ الأتباع خلف الشاهات والسلاطين.

وتجدر الإشارة إلى أن الصوفية تختلف عن الصفوية رغم التشابه الشديد في الحروف واللفظ، إلا أن الحقيقة كما يقول مقدما الكتاب "أن الصفوية نشأت من رحم صوفي، وتحول لقب الصّفي جدّ الأسرة الصفوية إلى طريقة عُرفت بالطريقة الصفوية ثم إلى الدولة الصفوية". "وبعد قراءة الكتاب سيندهش القارئ من حدة الغلو المذهبي التي وصمت تلك الفترة التاريخية، بحيث يأمر السلطان سليم الأول العثماني بإحصاء عدد الشيعة لقتلهم من أجل أن يصبح المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة، في حين قام الشاه عباس الأول بتصفية أهل السنّة عند احتلاله لبغداد في القرن السادس عشر الميلادي وهدم أضرحة أئمتهم وابتدع الكثير مما لم يكن في المذهب الشيعي من ممارسات".

طرح الكُتّاب السبعة وجهات نظرهم كلٌ من زاوية مختلفة، البعض تطابقت أرائهم نوعا ما، والبعض الآخر كان الفارق في آرائهم كبيرا جدا ومتناقضا. وواحد من أهم هذه الأطروحات ما قاله د. علي الوردي أن الدولة الصفوية قامت من خلال فرض التشيع الإثنى عشري على الإيرانيين قسرا وذلك من خلال مؤسس الدولة الصفوية الشاه إسماعيل، في حين يقول علي أحمد رشيد: "لم يكن انتشار المدّ الشيعي في إيران، بسبب قيام الدولة الصفوية كما هو معروف عند بعض الكتّاب، بل على عكس ذلك، يعتبر قيام الدولة الصفوية نتيجة لظهور التشيع في إيران".

وبالرغم من هذا التباين الكبير في الآراء، إلا أن الكتاب يمتاز بطرح فريد جدا لتاريخ الدولة الصفوية ومبررات قيامها.وكان من مميزات الكتاب الرئيسية أنه قد عرض الآراء بدون تعصب أو تطرف مذهبي، وأتاح مساحة من الحرية للباحثين بطرح آرائهم بكل شفافية رغم حساسية الموضوع.

كان الشاه إسماعيل المؤسس أحد أكثر الشخصيات التي نالت قدرا كبيرا من التحليل في الكتاب. لقد كان يؤمن بأنه مكلّف بفرض التشيع من قوة روحية عليا، وأنه لا يتحرك إلا بمقتضى أوامر الأئمة الإثنى عشر، وأنه معصوم وليس بينه وبين المهدي فاصل.

يقول د. علي الراوي: "اتخذ الشاه إسماعيل سبّ الخلفاء الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، فمن يسمع عليه أن يوافق ومن يمتنع قُطعت رقبته حالا. وذلك ما فعله في مدينة تبريز والتي كان أكثر من ثلثي سكانها من السنّة ولا يقبلون بسبّ الخلفاء على المنابر فما كان منه إلا أن قال: "أنا مكلّف بذلك، وإن الله والأئمة المعصومين معي... فإذا وجدت من الناس كلمة اعتراض شهرت سيفي بعون الله فيهم، فلا أبقي منهم أحدا حيا". ولم يكتف الشاه إسماعيل بالإرهاب وحده في سبيل التشيع، بل عمد إلى وسيلة الدعاية والإقناع النفسي، فقد أمر بتنظيم الاحتفال بذكرى مقتل الحسين على النحو الذي يُتبّع الآن، وأمر كذلك بإدخال الشهادة الثالثة في الأذان وهي عبارة (أشهد أن علياً ولي الله). وبعد وفاته خلفه ابنه طهماسب والذي استعان بالفقيه اللبناني علي الكركي من أجل بث التشيع. استطاع الكركي أن يثبّت أركان المذهب الجعفري، ومنع الفجرة والفسقة وزجْرهم، وإزالة الفجور والمنكرات، وتطبيق الحدود والتعزيرات، والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات.

وصلت الدولة الصفوية قمة مجدها في عهد الشاه عباس الكبير والذي تولى الحكم في عام 1588 عن عمر 17 عاما والذي حارب الأوزبك والعثمانيين في نفس الوقت،وقد تميز عهده بالعديد من الصفات ومنها:

·        نقل العاصمة من قزوين إلى أصفهان والتي بنى فيها العمارت الفخمة والمساجد الرائعة وأصبحت مقصدا للسياح حتى يومنا هذا.

·        تعمير مرقد الرضا في طوس وطلاء قبته بالذهب، وقد مشى الشاه على قدميه من أصفهان حتى طوس لمسافة ثمانمائة ميل بغية التبرك بزيارة المرقد، ثم بعد ذلك أخذ يشجع الإيرانيين على زيارة المرقد وبنى لهم القناطر والخانات وعبّد الطرق بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ إيران. وقد كان مقصده من تعمير المرقد هو تحويل زيارة الإيرانيين للعتبات المقدسة في العراق إلى إيران نظرا لما كان يلاقيه الزوار للعراق من أذى ومهانة من العثمانيين.

تمكن الشاه عباس الكبير من فتح بغداد بمساعدة البريطانيين الذي أعانوه على صناعة المدافع بعد أن حاصرها 3 شهور أكل فيها الناس الأطفال من شدة الجوع. وقام أيضا بهدم مرقدي أبي حنيفة والشيخ عبد القادر وأمر بحصر الأسر السنّية لقتلهم لولا تدخل السيد دراج كليدار الحسين والذي كان مقربا من الشاه.

وختم د. علي الراوي بحثه بعرض تاريخ عدد من فطاحل العلماء والمفكرين ومنهم الشيخ البهائي والمجلسي ودورهما في رفد الحياة الدينية أثناء مجد الدولة الصفوية. ومن ضمن هذه الجوانب مؤلفاتهما الشهيرة "الكشكول" للبهائي و "بحار الأنوار" للمجلسي والذي يعتبر أضخم موسوعة لدى الشيعة والذي جمع فيه معظم أحاديث الشيعة وأخبارهم وعلومهم.

وتناول علي أحمد رشيد؛ الباحث والمدرس في الألسنيات في إيران، الخلفية الشيعية قُبيل الصفوية حيث برز التشيع في بلاد فارس بعد أن هرب العلويين من قبضة الحكم الأموي واحتضنهم الفرس الذين كانوا يكنون الحقد الدفين ضد الأمويين. ولقد انتشر التشيع في إيران للأسباب التي ذكرها الكاتب، ومنها:

·        رد الفعل على سقوط الإمبراطورية الفارسية وسيطرة العرب عليها.

·        تقارب الروح الباطنية في التشيع مع الروح العرفانية في الزرداشتية.

·        سوء معاملة الحكام العرب والذين يمثلون السلطة الرسمية لأهل السنّة.

ولقد ساعد دخول المغول لبلاد فارس على انتشار التشيع بسبب سياستهم المتسامحة تجاه الأديان والمذاهب. كما وعرض الكاتب الأسباب الإجتماعية والإقتصادية والسياسية لانتشار التشيع. حيث تمكن الشاه إسماعيل من السيطرة على مناطق شاسعة في إيران لولا هزيمته القاسية في معركة "شالدران" ضد العثمانيين. ولكن العثمانيين وبسبب انشغالهم بالجبهة الأوروبية لم يستثمروا هذا النصر في القضاء على الدولة الصفوية، مما سمح للصفويين باسترداد أنفاسهم وقوتهم، إلا أن الشاه إسماعيل نفسه لم يحتمل صدمة الهزيمة وخاصة أن زوجته قد تم أسرها، فأدمن معاقرة الخمر حتى مات.

أما الباحث العراقي د. مشتاق عبد مناف الحلو فلقد ركز في بحثه على تاريخ نشأة الدولة العثمانية والصفوية، ويقول: "هناك خلاف بين المؤرخين حول أصل الصفوية، فالنسخة الخطية لصفوة الصفا التي تعود ل (ليدن)، تذكر نسب الصفوية وترجعه إلى الأكراد، علما أن نزعتهم الصوفية تؤكد ذلك. كما أن لغتهم محل خلاف وأصلها غير واضح. كما أنهم أيضا كانوا شافعيين وهذا دليل على أصلهم الكردي". واستمر الكاتب في بحثه يعرض للعديد من حكام الدولة الصفوية وعلاقتهم المتوترة مع العثمانيين. وتتوالى البحوث في تناول تاريخ الدولة الصفوية من جوانب مختلفة منها المشهد الصوفي والفلسفي وكذلك العلوم والفنون والآداب في العهد الصفوي، حتى يصل بنا الباحث محمد المعموري إلى شيوخ الأسرة الصفوية وملوكها وصولا إلى نهاية الدولة الصفوية في عهد الرضيع عباس الثاني، وذلك على يد نادر الأفشاري قائد الجيوش، والذي نصب نفسه شاها معلنا نهاية الدولة الصفوية في العام 1740 م بعد أن قتل الشاه.

مزيج رائع من الباحثين عرضوا بحوثهم بشكل علمي ودقيق بعيدا عن أي مبالغات أو أحكام لا تستند لأدلة علمية وتاريخية رصينة، فأنتجت هذا الكتاب، والذي أعتبره تجربة مفيدة لي، ومعرفة ثمينة لدولة حكمت جزءا من العالم الإسلامي لقرون، ولم تنل قسطا وافرا من النقد والتحليل في كتبنا ودراساتنا.والكتاب يُعدّ مرجِعا ممتازا؛ رغم صغره، عن الدولة الصفوية نظرا لتنوع البحوث وشفافية الطرح والتحليل التي اتّسمت بالوضوح حسب ظني. وهذه دعوة لقراءة تاريخنا جيدا من أجل فهمه بعيدا عن التعصب فأنا لم أكن يوما من أنصاره ولن أكون بإذن الله.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

 

الناشر: مركز المسبار للدراسات والبحوث/ الطبعة الثانية- فبراير 2011

المؤلف: مجموعة باحثين