يثير ما يدور في العراق الآن مخاوف الجميع من تحلل هذا البلد العربي الكبير وتفككه تنفيذا لمخطط خبيث يجعله بداية التردي الكبير في المنطقة كلها، وإعادة رسم خرائطها. ويحلل الكاتب العراقي هنا الموقف من جوانب متعددة، كاشفا عن تخبط الخطاب السياسي المتعمد وترديه في حمأة المبالغات المقصودة.

أزمة العراق بلا حلول

مهنّد العزاوي

يدخل العراق مرحلة معقدة ومتشابكة في تداعياتها وأحداثها المسلحة، كنتاج لسياسات احزاب السلطة الوافدة ومليشياتها التي حضت بسطوة رسمية قل نظيرها في العالم، ليحول العراق من دولة فاعلة الى سلطة فاشلة تخطت بصماتها الرقمية كافة مؤشرات الفشل بالكم والنوع، وأوصلت العراق الى مرجل الفناء والحرب الاهلية، وكل هذا جرى بمباركة اممية وغض نظر عربي، وإغفال وتضليل الواقع العراقي عبر الاعلام العالمي والعربي .

تمدد الحرب

شكل يوم 9 حزيران انعطافا جوهريا في تاريخ العراق المعاصر والمنطقة، حيث جرى انهيار شامل للمنظومة العسكرية والأمنية في مدينة الموصل ثاني اكبر محافظات العراق، وكما يبدوا انه تمدد لحرب السلطة ضد الانبار كظاهرة حربية زاحفة، نتيجة لفض الحراك السلمي بالقوة واعتقال احد نواب البرلمان المحصن دستوريا وإعدام شقيقه وزوجته مما اثار حفيظة العشائر العراقية في محافظة الانبار، بعد حراك سلمي دام عاما ونصف قدمت فيه 14 مطلب دستوري لرفع الظلم والحيف الواقع على المحافظات الستة المستهدفة كحقوق مواطنة، ولم تنفذها حكومة بغداد، ووصفتهم بالإرهاب والفقاعات النتنة، وبعد المتغيرات على الارض اصبح الفاعلون الجدد يرسمون شكل السياسة بناء على القدرة والقوة ويصرحون بان العملية السياسية ورموزها الفاسدة اصبحت من الماضي والواقع الحالي هو من سيرسم المستقبل .

حراك يتحول لانتفاضة

قررت حكومة بغداد تطوير فض الحراك السلمي بالقوة الى حرب محدودة استخدمت فيها كافة الاسلحة الحديثة والفتاكة، ووقف العالم برمته الى جانب الحكومة العراقية دون الاخذ بنظر الاعتبار مطالب العشائر، وتشكلت على اثرها مجالس عسكرية من الضباط السابقين بالجيش العراقي وشيوخ العشائر وأبنائها كمعسكر لم يترك له خيار سوى الدفاع عن النفس، ثم تحولت الى انتفاضة مسلحة امتدت الى الموصل وصلاح والدين وديالى وترتبط هذه المحافظات بحدود ادارية متاخمة مع وشائج عشائرية متماسكة وقمع حكومي مزمن، وكما يبدوا من خلال المتابعة ان هناك جهات عديدة اشتركت بالعمل العسكري الاخير كالمجالس العسكرية وأبناء العشائر وفصائل سبق ان قاومت الاحتلال، وجيل ثالث من الشباب الذي تعرض للقمع الحكومي وأيضا تنظيم داعش. وكما اعتقد انهيار القوة كان بمثابة عامل صدمة للجميع بما فيهم الفاعلين المحليين حيث بدا الارتباك في ملء الفراغ عبر المحافظات. واضحى الاعلام مشوشا وتقارير التماس متسارعة، وعندما نصفها بانتفاضة مسلحة لأنها شملت نصف العراق جغرافيا مما تؤكد ان هناك حاضنة شعبية داعمة وكوادر مهنية وادارة تجتهد لملئ الفراغ غير المتوقع. وفي ظل هذا المشهد تحاول تنظيمات وافدة كداعش تعزيز وجودها وتطرح نفسها كفاعل مؤثر وحيد ويشابه في فعلها في سوريا ولا يمكن انكار وجودها الا انها لاتستطيع ان تتحكم بارادة المنتفضين وأتوقع ان يحصل صدام لاحقا لاختلاف العقائد والرؤى السياسية بين مختلف الجهات الفاعلة.

مسرح بديل

لاتزال الصدمة تسيطر على كافة الفاعلين في الواقع العراقي، تؤكد معطيات الاحداث الاخيرة ان الحرب الباردة  بين روسيا وأميركا تلقي بظلالها على ارض العراق، بين انكفاء وتراجع القوة الاميركية وسياستها الناعمة، وبروز القوة الروسية اللامتناظرة في سوريا وأوكرانيا، وكما يبدوا ان الروس اتقنوا لعبة التنظيمات المسلحة وصناعتها، لتكون محرقة للمتشددين من آسيا وأوروبا وأميركا، وانتخبت لها مسرحي سوريا والعراق، ولعل دخول روسيا للقرم وأوكرانيا دون رد فعل اميركي غربي، شجع روسيا للقفز على رقع اخرى تحقق فيها وصولا صلبا بالقوة، وتعيد التنظيم في سوريا لتكون مستقرة، ويبرز من خلال ظاهرة المفاوضات وانسحاب المسلحين بكامل اسلحتهم من حمص وريف دمشق ومناطق متعددة لتتحول كلاعب مؤثر في العراق، وكما يبدو انها صفقة جرت خلال حمى الزيارات الاقليمية لتهدئة المسرح السوري.

قوالب ثابتة

لايزال الموقف الاميركي مسانداً للحكومة العراقية، وأكد فشل المالكي في ادارة البلاد ولاتستطيع السياسية الاميركية استيعاب ما يحدث ومعلوماتها مشوشة وكثير منها مبني على تقارير حكومية وأخرى لمراكز دراسات لم تحدث المعطيات على الارض وأسهمت في تعزيز الفوضى والاستبداد الطائفي، وطالبت الولايات المتحدة من ايران الضغط عليه للتنحي، وهذا لم يمنع ارسال 300 مستشار وقوات النخبة لمساعدة الحكومة، وتلتزم الولايات المتحدة بالقوالب الثابتة في المعالجة، بالرغم من تغيير المعطيات على الارض، وكما يقال (قد انطلق السهم) فان الحضور الاميركي حذر يترقب الموقف ولم يكن فعالا ولم تدخل حرب لأجل سلطة ما.

صدمة وجيش بديل

صدمت ايران بالموقف الحالي وانهيار القوة بعد ان جعلت من العراق حديقتها الخلفية، ومحطة ابرار لوجستي حربي الى سوريا، وعززت الطائفية المسلحة، وجعلت من العراق محطة لتطوع المليشيات وتناسلها، وعسكره الطائفة الشيعية دون الاخذ بنظر الاعتبار خطورة ذلك، وكانت هذه المليشيات تجوب ارض العراق بحماية وحصانة رسمية حكومية، لتنفذ اعتقالات وقتل خارج القانون بدواعي طائفية في محافظات العرب السنة كافة. ويؤكد الواقع السياسي والأمني العراقي وجود 15 مليشيا مسلحة وفقا لظاهرة (المليشيا سلطة) الزاحفة من لبنان (لبننة العراق) وعززت لاحقا باستعراضات عسكرية في بغداد والمحافظات ضمن حملة الجهاد المعلنة من المرجع الشيعي "علي السيستاني" ويبدو انه اعلان حالة حرب اهلية طائفية .

ولاتزال تركيا تمارس الصمت، ولم تفصح عن موقفها رغم تواصلها مع الساسة الكرد والسنة المشاركين بالعملية السياسية

تحذير عربي

برز لأول مرة موقف عربي صلب للغاية، عندما حذر وزير الخارجية السعودي من التدخل الخارجي في العراق قاصدا بذلك التدخل الايراني وإرسال وحدات الحرس الثوري الى العراق، حيث ذكرت وسائل الاعلام الغربية والأميركية ارسال 8000 عنصر من قوات النخبة لفيلق القدس، وشاركت بالفعل منذ الايام الاولى وتنتشر البعض منها في بغداد، وحذر وزير الخارجية السعودي من خطورة الوضع في العراق واندلاع حرب اهلية اقليمية طاحنة.

الفاعلون الجدد

 بعد احداث 9 حزيران فقدت حكومة تصريف الاعمال العراقية عناصر القوة برمتها. وانهارت قوات انفقت مئات المليارات على تدريبها وتسليحها وتجهيزها، وذهبت للتمترس خلف عسكرة الطائفة وفق "داعش فوبيا". وأعلنت الحكومة عن فتح باب التطوع الطائفي بجيش رديف من المتطوعين، وحشدت وسائل الاعلام الحكومية والحزبية خلف داعش فوبيا. وتغفل تاريخ الاحداث والحرب على الانبار التي استمرت ستة اشهر لدواعي انتخابية وبمنهجية طائفية، وهرعت تستعين بإيران والولايات المتحدة بينما تقوم المليشيات الطائفية بملء فراغ السلطة، ويبقى الطرف الاخر من الفاعلين المحليين بكافة الوانهم يحددون الاهداف ويطورون مكاسبهم على الارض بالرغم من الاختلاف الجذري العقائدي بين مزيج القوة الفاعلة على الارض، وبالرغم من أنه لم يظهر مشروع سياسي يمثلهم. لكن اصدرت جهات مختلفة تطمينات ورسائل سياسية توضح رؤيتهم لشكل المرحلة القادمة بدون طائفية وتدخلات خارجية، وأصبح هناك واقع سياسي وعسكري وامني جديد. وتجسد بالإدارة الذاتية للمحافظات التي انسحب منها الجيش، وسيطر عليها مسلحوا العشائر المنتفضة. وشكل التعامل الرحيم مع قطاعات الجيش المنسحبة، ولقي ارتياحا كبيرا من الاهالي وخصوصا اللمسات التمهيدية في ادارة المجتمع، وتامين الحد الادنى من الحرية الشخصية، وحرية الحركة والخدمات. ويلاحظ أنه لم تشهد هذه المحافظات اياما دامية وتفجيرات كما كانت تحصل في ظل وجود القوات الامنية، ويركز الاعلام على وجود داعش ورايتها، وتلك حقيقة تواجدها ودورها، ولكنه ليس رئيس ومحوري

واقع متسارع

يتطور الواقع الحربي على الارض بشكل سريع، ومن الملفت للنظر وجود حرفية عالية للفاعلين المحلين على المستوى العسكري والإداري في ظل دعم وتأييد مجتمعي ومعرفة متقدمة لايمتلكها اي تنظيم وافد لعدم اتساقه مع البيئة المحلية وعاداتها، وبات الواقع على الارض يفرز معطيات مختلفة ورسائل متعددة يختلف تماما عما تتناقله وسائل الاعلام وحالة الانكار الاعلامي تحل الازمة بل تفاقمها، ومحاولة الاعلام تصوير ما حدث برمته انه خرق تنظيم داعش واحتلاله مدن ومناطق تضخيم مبالغ فيه، ويدخل العراق في استعصاء لا خروج منه. وتضخيم دور داعش لأغراض الدعاية غير صحيح لان المساحة الجغرافية المسيطر عليها من المنتفضين تفوق عدد وقدرة اي تنظيم وافد، وهذا يجعلنا نفكر بان هناك فاعلين متعددين قادتهم حقبة البؤس والفساد وانتهاك حقوق الانسان والإقصاء والتهميش لحمل السلاح، ولعل فساد الساسة السنة واصطفافهم لجانب السلطة ولمنافعهم وفشلهم كانت من ابرز المحركات السلبية، وكذلك سلوكيات السلطة الطائفية ومحاولات التغيير الديموغرافي بالقوة والمليشيات، وأيضا التدخل الايراني السافر في الشأن العراق ، وفي ظل هذا المشهد لم يعد استخدام القوة معيارا للحل في ازمة متفاقمة يصعب التكهن بنتائجها. وليس التقسيم هو الحل السهل وفقا للرغبة الاميركية، ولا الادوات السياسية الحالية الفاشلة قادرة على نيل رضا الشارع المنتفض وتهدئة الامور وإقناعهم بإعادة بناء الدولة، بعد صمت دولي وعربي دام عقدا على مظالمهم. وكما اعتقد ايضا ان الفاعلين الدوليين والإقليمين مختلفين يبحثون عن مصالحهم ليمتلكون رؤية سوى طرح التقسيم لثلاث اقاليم وفقا لمشروع "بايدن غليب" خصوصا بعد فشل المجتمع الدولي في وضع اطر قانونية تحاسب مرتكبي جرائم الابادة الطائفية التي ترتقي الى جرائم الحرب، واستمرار تنصيب الساسة الطائفيين والفاسدين على مقدرات البلد، وتوريث المناصب والوزارات في ظل انشودة الديمقراطية

كما يقال "القوة جوهر الصراع" فان من الصعب جدا التكهن بالنتائج او السيناريوهات في ظل التدخل الخارجي الدولي والإقليمي، واختلاف المناهج والمصالح وظواهر الحرب الباردة والشبحية، ولعل عسكره الطوائف والمجتمع، وغياب الدولة ومؤسساتها ودستورها لا يعطي اي ضوء في نهاية النفق وخصوصا رغبة الفاعلين الدوليين بتحويل العراق الى مسرح حرب بديل لسوريا تلك كارثة وخطيئة عظمى، وبنفس الوقت غياب المشروع الوطني من قبل الفاعلين الجدد ماسكي الارض، وعدم تفاعل المجتمع الدولي والنظام الرسمي العربي مع مطالبهم،  جميع تلك العوامل ستقود العراق الى حرب طائفية اهلية بوقود عراقي حتى الاقاليم لم يكن لها وجود، وسترسم خوارط سياسية طائفية جديدة وستصل رحاها الى حرب مذهبية اقليمية طاحنة والله المعين.

 

مفكر عربي من العراق