في أمسية ثقافية استضافتها دار كُتّاب بدبي، نقترب من عوالم الكاتبة اللبنانية وكتابها الحديث الذي يقارب مفهوم الانتقال والتحول لتجاوز تعقيدات مجتمعية، لسنا أمام ديوان شعري أو روائي بقدر ما يقترب القارئ من كتاب يصبغ عليه الخطاب الصوفي بعضا من ألق ويساهم في تقريبنا من مفاهيم الوجود ويجعلنا ننتصر لقيم الحياة في نبذ لآليات الحروب واللاعنف والطروحات الغير الإنسانية..

مروة كريدية تعبر نحو الكوني في عواصف النسيان

في إطار أمسية  راقية استهلتها الكاتبة مروة كريدية بعزف مقطوعة موسيقية لكلود أشيل ديبوسي Claude Achille Debussy  على البيانو، قدم المفكر عمر عبد العزيز مدير ادارة الدراسات والنشر في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة قراءة في كتاب: "عواصف النسيان" عرض من خلالها تحليلا لأسلوب الكتابة والسرد ومضمون النصوص معلقا على تجليات الوجد ورموز العشق الالهي الواردة فيه ، مشيرا الى أن عنوان الكتاب يشي بالبعد الوجداني العميق الذي تسعى من خلاله الكاتبة روحها للسلام عبر النسيان للآلام والوصول الى مرحلة النقاء الروحي، وأن النصوص تتمازج فيه بين السيرة الذاتية والسرد والنثر الشعري وشعر النثر مع تضمنه للسجع الجمالي، لافتًا الى اهمية طرح الكاتبة لإشكاليّة النزاعات الطائفية في لبنان إبان الحرب الأهلية وفساد رجال السلطة الذين يتاجرون بطوائفهم وبالقضية الفلسطينية، ويعملون على إعادة انتاج مجتمعات عنصرية ليضمنوا بقاء سلطتهم. حيث يستشف القارئ كيف ان الايمان يرتقي بالإنسان فيما الطائفية محض تفريق ومكمن كل فساد.

وبقالب سردي تقدم الكاتبة تعقيدات العلاقة المجتمعية التي تكرس الفوقية والعنصرية تجاه الفئات التي تعد أدنى فتعمل على اذلال المرأة وتشوه مفهوم الانثى ، منوهَا بالبعد الصوفي الرائع الذي نستشفه عبر دين الحب الذي تدين به الكاتبة وعلاقتها بحكيم المشرق والمغرب محيي الدين ابن عربي

من جانبها أعتبرت مروة كريدية ان  مضمون النصوص يناسب كل انسان يسعى للرقي الى تخوم أفق مغاير يحقق فيه تمام انسانيته. مشيرة الى  مفهوم حضرة التكوين عند الشيخ الاكبر الدائر في دائرة العرض والجوهر وان تمام كونية الانسان تتجلى في نون المحبة المنبثقة من نون كن في حضرة التكوين واضافت :" لقد كتبت هذا الاصدار في ظل مواجدي وعميق ذاكرتي حيث ملامح الطفولة العتيقة ، واختبرت ان الانسان ممكن ان يعود في ذاكرته بالتأمل الى ما قبل عالم تكوينه البيولوجي . وتروي النصوص قصة بنت عادية في مجتمع احترف الخداع حيث استطاعت ان تختبر بطيبتها وفطرتها السوية عمق مأساتهم وتحول الظروف المريرة إلى ابداع عبر اختبار التجربة الانسانية "

ووصفت كريدية كتابها بأنه ليس رواية ولا بياناً شعرياً ، بل يناقش قضايا محورية ويعالج أسئلة وجودية لا تخلو من اجابات فلسفية "معتبرة ان الاصدار يمنح الفرد فسحة تأملية لكل من يناهض الحرب ويسعى لتجفيف وقودها عبر اطلاق الوعي عند الانسان المتحكم بصناعة الدمار وهذه الطروحات مثلها كمثل ماسحة زجاج السيارة لا تُوقف المطر ولكنها تجعل رؤية السائق واضحة ."

****

حول كتاب "عواصف النسيان "

 الشخصيّة الرئيسة في الرواية هي " بنت النور " التي تروي حياتها منذ ما قبل الولادة عندما أحست أمها بعلامات الحمل ، وقد جمعت المؤلفة بين وصف الألم والعمق الفكري والاحساس المرهف . حيث نشأت بطلة الرواية محبة للوحدة وعلى قدر كبير من العنفوان والاباء ، تحيطها عائلة متناقضة تواجه مشاكل جمة بين أم متطرفة دينيًّا وأب يعيش شبابا مسرفًا .

وتتمرد في مراهقتها على هذا التدين الفاسد وترفض التسربل بالسواد. وبمقاربة جميلة تتجاوز المألوف تمزج الكاتبة بين هذا الرفض للشعائر والشرائع بما يقابله من إيمان قلبي ومحبة باذخة لله الذي لا يرضى لمحبيه الكبت المغلف بالفضائل؛ وبأصالة فطرية تنطلق الى منبع النور بشكل سوريالي باهر عبر اختبارها منازل الوجد وانعتاق الروح من خلال الاحترام التام لنرجسية الجسد .

وتطرح الرواية كذلك إشكاليّة النزاعات الطائفية في لبنان إبان الحرب الأهلية وفساد رجال السلطة الذين يتاجرون بطوائفهم وبالقضية الفلسطينية، ويعملون على إعادة انتاج مجتمعات عنصرية ليضمنوا بقاء سلطتهم. ويستشف القارئ كيف ان الايمان يرتقي بالإنسان فيما الطائفية محض تفريق ومكمن كل فساد.

وبقالب سردي جميل تقدم الكاتبة تعقيدات العلاقة المجتمعية التي تكرس الفوقية والعنصرية تجاه الفئات التي تعد أدنى فتعمل على اذلال المرأة وتشوه مفهوم الانثى وتضعها بمرتبة دنيا. حيث لا يُنظر اليها الا جسدا خانعا فيتعامل معها البعض على انها "عورة " يجب ان تُخبأ وتتسربل بالسواد ، فيما يراها آخرون "صورة" وجسدا مثيرا فيعملون على إخضاعها لعمليات التجميل المستمرة . وكلا الحالتين وجهان لعملة واحدة تذل المرأة الانسان قبل كل شيئ فتحولها الى كائن دائم الافتقار للرجل تبحث عن رضاه واشباع رغباته ولا ترى الأمان الا عبره .

تقول مؤلفة الكتاب:" دائرة السلطة مقلقة لا يعرف من فيها الامان ، والمرأة في مجتمعات التشظي كما الرجل تُربَّى على الخنوع والطاعة وهي الباحثة الدائمة عن الرجل او "الآخر" كي يمنحها الأمان العاطفي . فتمضي حياتها تختبر قلوب من حولها فتقع في دائرة القلق النفسي والتوتر. وتمام الحكمة ان تعي انسانيتها واستقلاليتها فتحترم جسدها وتكف عن مطاردة من تتوقع منه ان يحبها فالحب ليس امتلاكا ولا حتى مشاركة انه خبرة روح قبل كل شيئ وعلى حقيقته يحرر لا يستعبد كما هو متداول " .

تمزج الكاتبة في اسلوبها بين السرد والشعر، فتنتقل بالاحداث الواقعية عبر مقاربة ابداعية صوفية لتصل الى موسيقى كونية ينزاح فيها الزمان والمكان حيث ايقاع الوجود، فتكتمل السردية بالغنائية لنسج خواطر تأمليّة سريالية تَتصل بالعبر العرفانية وهو ماطبع الكتاب من بدايته بطابع خاص حيث اهدته الكاتبة الى من وصفتهم بروّاد العشق والجمال :" إلى الكِبْرِيتِ الأحمَر مُحيي الدِّين ابن عَرَبِي ..إلى نَاي جَلالِ الدِّينِ الرُّومِي ...إلى طُيورِ فَرِيدِ الدِّينِ العَطَّار ...إلى كلّ من يُدِينُ بِدين الحبّ"

الكتاب صدر عن دار النهضة العربية في بيروت حيث تواصل في روايتها الجديدة الوقوف إلى جانب القضايا الانسانية ودعوة الانسان الى التحلي بالوعي واكتشاف الذات من خلال الحكمة والعرفان. وتطل للقارئ عبر مشاهد حوارية تناقش إشكاليّات كثيرة يعيشها المجتمع العربي ويعاني منها: الحرب الاهلية، نزاعات الطوائف والارهاب ، والمال والذكورة، الايمان الحقيقي و التدين الفاسد ... وفي الرواية الكثير من آراء الروائيّة في الحياة والمرأة والحب والمجتمع مما جعل شخصيّة "بنت النور " البطل الوحيد الذي يروي حكايات متسلسلة تشكل سيرة حياة .

وقد لاقت مقتطفات من الرواية قبل صدورها انتشارا ًعبر موقع عبر صفحة الكاتبة ، حيث جاءت على شكل قصص وحكم صغيرة .

****

مقتطفات من الرواية تحت عنوان " الحرب وشرانق الطائفية"

واقع الحرب صَادم! وعقلها أضيَق من أن يَستوعبَ كيف أن جارهم "الوفيّ" المكرزّ بدين المحبَّة والسلام، قد استولى على أرضهم ونَهب ممتلاكِاتهِم وحوّل دارهم مستودعًا لِسِلاح "حزبه"، وفناءه حَظِيرةً لبهائِمِه ! ولم يكن لديها الوَعي الكافي لتميز بين السلوك الشائن للتصرف الشخصيي وبين المجموعة الدينية التي لا تؤخذ بِجَرِيرة أفرادها ومُوبقَاتِهم ....

 كَانَ اللُبنَانِيُّونَ حِينَهَا - كَمَا اليَوم - بِأبْدَانِهِم يَتَلاقُون، وبِأَلسِنَتِهِم يَتَشَاتَمُون و"يَتَشَامَطُون"، وَعَلى شَاشَاتِ الرَّدْحِ الاعْلامِيِّ "يَتَنَاقَشُون"، وللأحزاب يُؤسِّسُون، وللسِّلاحِ حَاملون، وفِي الأزِقَّةِ مُسْتَنْفِرُون، وللزَّعِيم طَائِعُون مُزعِنُون، وَفِي كلّ حِين يَجْمَعُون ويَطْرَحُون، غَير أَنَّهُم فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون، ويَقُولُون عَلى الدَّوَام مالا يَفْعَلُون!

ومما نقرأه في القسم الثاني من الكتاب تحت عنوان " في قفص الاتهام " :

لن تُقدم "طقوسَ عبَادة العبيد" المُعتادة بعد اليَوم بَل سَتُنَاجِيه على طَريقَتِهَا، وَلَن تتبرقع بالذلّ والهَوان لأن المَحَبّة لا تَدخل الا إلى الصُدُورِ العَارِيَة، ولنْ تخجلَ بَعد الآن مِن جَسدهَا فَتخْفِيه بِسَرابِيل الجهَل وتخفيه بِجلبَابِ الغَبَاءِ الأسْوَد، وَلن تستسلم لِشريعة الجور المتَستّرة برياء "الفَضيلة".....

إيقاعُ خُطواتِ الحَبيبِ تُرَافقُهَا، وفي أُذنهَا تسمع حفيف أقدَامِه، وذرَاعهُ تلفُّ عُنقَها بِحَنانٍ غَريبٍ...تتَلمَّس ذراعه مُجددًّا وتَستَسلِم لَه دُون أن تُبْصِر في عَالَمِ الأبدَانِ شَيئًا!

 وتحت عنوان "فاتنة تحت الحصار" نقرأ:

تُكَافِحُ الحيرة بِصَرف ذِهنِهَا المنفَعِل عَن تَصَارِيفِ الحيَاة، تَصطَاد الرُّقَى مِن كُتُب "التَّخدير الديني" و تتلو كَرَّاسَات "الوصايا" بانْتِظَام. تُمَانِع اليأس بالقنوط علَّهَا تؤنس "فراغها" المثقل بضوضاء الأحداث، تَستجْلب المواجد "السارة" علَّها تروّح عن قلبها "المنفطر"، وتنهار في زاوية سريرها تستجدي "النسيان"......

 وَعِلمَ اليَقِينِ تَعلَم أنّ السَّعَادَة تَكمُنُ فِي أنْ نَرَى مَا حَوْلَنَا كَمَا هُو لا كَمَا نُريد، وأنّ دُرُوبَ الحَيَاة لا تُوطَأ أبَدًا مَرَّتَين، وَأنَّ النَّدَم عَلَى الخَطَأ غَلَط كبِير. وَأن اجْتِرارَ المَاضي بِزهورِهِ وَندُوبِه خُرُوجٌ عَن انسِجام الذَّات مَع آنَتِهَا الحَاضِرَة

ونقرأ في مقدمة الكتاب :

عواصِفُ النّسيَان تروي معاناة عَبَرَت إلى صَمتٍ مَنْسِيّ، قَدَر حَاكه أشخاص حرَّكتهم عِلل فَتَبَلوَرَت في الحَيَاة موَاقف مؤذية، ولم يُسَبِّب انصرَام الوقتِ في انصرافِ شَيئٍ من الحَصَاد بِحلّوه ومُرِّه، وهو تَدوين حَليم لوعيّ النوايَا السَيِّئَة والطيبة جميعها و قطع الجذور عبر الغوص في التجربة و فهم مشاعر الكَراهِيِّة التي تَتلاشى بِحُكمِ نضج الحكمةِ وَتَمَامِ التَّأمُلِ واكتمال المحبَّة، فتغفر "بنت النور " خطايا مربيها وتجتاز الهوس والرغبة في التعويض. لقد تخلصت من ذاكرة مشحونة بأخبار صناع المجازر، وكقصبة فارغة تعزف جسدها قيثارة حبّ خالية عن الرغبات ، لقد اكتشفت لتوّها العلل الأولى لسبب المشكلات، وفتحت خزانة حياتها مشَّرعةً لعواصف تبدد المواجع..

****

مروة كريدية

تعد الكاتبة مروة كريدية واحدة من المهتمات بالقضايا الإنسانية واللاعنف، حيث تطرح العلاقات الاجتماعية والسياسية من خلال رؤية وجودية تتجاوز الانقسامات الاثنية والدينية والجغرافية، وقد عملت في ميادين فكرية متنوعة، ولها العديد من الاعمال الادبية و الفنية التشكيلية والخواطر الشعرية والابحاث الميدانية في علم الاجتماع السياسي. شاركت في أعمال حوار الاديان واللاهوت المقارن، كما نشطت في ميدان الاعلام الثقافي. تنوعت اصداراتها بين الفكري والسياسي والادبي ومن اهم كتبها: استراتيجيات الأمل في عصر العنف - مقالات في عنف السياسة والمادة ، وديوان لوامع من بقايا الذاكرة - وفكر على ورق ، وكتاب أفكار متمردة