إذ كان طموح صاحب المقال هو أن ينتظم الأدباء والكتاب في الأراضي المحتلة قصد تجديد الحراك الثقافي العربي الفلسطيني بعد التراجع الذي لمسه التقرير وهو ما أدى الى شعور متزايد بالغبن وبالتفسخ الهوياتي والسياسي والاختراق الطائفي وحالة الاغتراب المضاعف ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، فإن الكثير من التفاصيل الواردة في التقرير تمتح من الجانب السير ذاتي

يوميات نصراوي: على هامش تجربتي

نبيل عودة

أنا حداد في مهنتي وهاو للثقافة في أعماق نفسي، كوني حدادا يثير الكثير من المفاجأة والاستغراب حتى لدى معارفي المقرّبين. عُرفت بنشاطي الصحفي والأدبي منذ كنت طالبا على مقاعد المدرسة الثانوية.. اذ صرت عضوا في هيئة تحرير "مجلة" الغد الشبابية الشيوعية على أثر نشر اول قصة لي في مجلة "الجديد" الأدبية (كنت في الصف الثامن ابتدائي او التاسع ثانوي) واستمر نشاطي الاعلامي خلال كل مراحل حياتي.

صراحتي، منذ حملت القلم شكلت جوهر شخصيتي الاعلامية والثقافية، في مرحلة متقدمة من نشاطي الثقافي بدأت صراحتي تبدو ظاهرة.. اكاد أقول شاذة في مشهدنا الثقافي، لم افهم الثقافة كتشجيع لفريق في ملعب كرة قدم، بل مسؤولية اخلاقية وتربوية واجتماعية، قناعتي كانت وما زالت بأن المثقف الذي يبيع نفسه بكلمة يفقد شرعيته الثقافية. المثقف الذي يعوم على شبر ماء، هو اشبه بكرة الطاولة يتبادلها اللاعبون بالمضرب.. المثقف الذي لا يطور رأيه تنتهي صلاحيته كإنسان أيضا. لا أعرف من صاحب هذا القول "بقدر الهمم تكون الهموم".. وانا لا أعرف مثقفا حقيقيا بدون هموم!!

لست ناقداً الا بالمفهوم المجازي، ولكن اللقب فرض نفسه على تعريفي الشخصي.

(كاتب، ناقد واعلامي) كنت قد حملت سلم النقد اعتباطا لتغطية اصدارات الادباء الشباب بالاساس.. الذين تجاهلهم نقدنا المحلي وتمحور مثل النحل حول "أقراص العسل" الكبيرة.. مارست النقد ردا على الكثير من الفكر الخاضع للهرطقات وخاصة على ظاهرة"الحزبية الثقافية" وحلقتها المغلقة!!

ربما كنت طوباويا في عقليتي... طوباويا في احلامي، هل بسبب جيلي الصغير؟هل هو خطأي في تحكيم فكري؟ ام استبعادي لأن "مثقفاً كبيراً"شعر بالإهانة من الظهور مع (الصبي الصغير) في برنامج ثقافي تلفزيوني فرفض الصعود الى السيارة التي ستقّلنا، وعرفت بالموضوع عبر حديث مقدم البرنامج مع المنتج وقد سمعتهم بالصدفة؟ طبعا لم أبق مَدينا لذلك (الصبي الكبير) ولكنها حكاية ليوميات اخرى!!

كانت ظروف نشأتي داخل بيتٍ دأب على تعليمي القراءة منذ الصفوف الابتدائية الأولى، لدرجة اني بعد الصف الثالث او الرابع لم اكن بحاجة لكتب تعليم القراءة، شجعتني والدتي على كتابة نصوص سردية، ثم زودني والدي بالروايات العربية لكبار الكتاب العرب (التي بدأت تصدر بعد كسر الحصار التقافي) فسحرتني بلغتها ومضامينها ودفعتني لطريق نشاط ثقافي بجيل المراهقة متوهّما اني دخلت عالما انسانيا نقيا أكثر بياضا من الثلج، عالم نقي كالنصوص التي سحرتني، لا شوائب ولا طبخات سيئة الرائحة تجري بالخفاء ولكنها اكثر ازعاجا من شمس الظهيرة في يوم قائظ!!

للأسف تحطمت الصورة البيضاء الثلجية مع اول انكشاف لي على الساحة الثقافية.

ما اطمح اليه اليوم ان يتنظم الأدباء لتجديد الحركة الثقافية العربية الفلسطينية داخل اسرائيل بعد ان أصابها الوهن والكثير من الأوهام وحب التزعّم على إثر الاهتمام المباغت للعالم العربي بثقافتنا المحلية، وما شكّله"شعراء المقاومة" من جاذبية تجاوزت المنطق الثقافي والإبداعي بتأثيرها السلبي على ثقافتنا، بدل أحداث انطلاقة ثقافية واجهنا أزمة ثقافية، رؤيتي ان الموضوع اكثر اتساعا من مجرد حالة ثقافية، هناك جانب نفسي يستحق تحليلا نفسيا. بدل ان نعيد للأدب مكانته في الوعي الجماهيري، في تغليب انتمائنا الوطني على كل انتماء آخر، خاصة في ظروفنا العصيبة التي أصبح فيها الانتماء مشوّهاً، الموازين تخضع للعقل الطائفي الضيق، الناس نوعان لا ثالث لهما: إما أهل الجنة او أهل النار.. تعمّقت أزمة هويتنا أيضا، تعمق تفسخنا السياسي، اخترقت الطائفية مجتمعنا بفكرها الانعزالي، كثرت الجعجعة القومية بغياب كامل لأي فعل قومي، لوهلة رأيت نفسي فيها غريبا عن مجتمعي، أشدُّ الخطى عكس التيار.. تملّكتني حالة الغربة الثقافية والاجتماعية وفي فترة متقدمة الغربة السياسية.

توقفت عن الكتابة لفترة عقد كامل دون ان أشعر بأي دافع للعودة الى نشاطي الإبداعي رغم تراكم المواد في ذهني، كان شعورا من اليأس وانغلاق آفاق المستقبل يتملّكني بقوة... بدأت التفكير بالهجرة... ترددت كثيرا، كان عملي جيدا ومربحا ولي مكانتي المتقدمة مهنيا.. هاجر أقاربي وأخوة زوجتي ووالداها وصار هاجس الهجرة قاب قوسين او ادنى لأحسم موقفي.. لكن حدث ما أوقف مشروع الهجرة وأعادني الى ذاتي: انتفاضة الحجارة الفلسطينية!!

كان لدي إحساس عميق بقرب الانفجار.. انفجاري الذاتي رافق أحداثا قادت الى الانتفاضة، وجدت نفسي اكتب قصة باسم "الحاجز".. الحاجز بمفهومة العسكري والحاجز بمفهومة الانساني. وأعتقد انها كانت اول قصة تحمل عبق الانتفاضة القادمة.. ايامٌ بعدها انفجرت انتفاضة الحجارة الفلسطينية في عصر الهايتك. الانتفاضة أعادتني الى نشاطي الإبداعي الواسع، كسرت صمتي الطويل، اعادت لي ثقتي بنفسي وبشعبي. كتبت عشرات كثيرة من القصص عن الانتفاضة، بدأتها بـ"ـنهاية الزمن العاقر"، زمني العاقر وزمن شعبي العاقر.

استعدت نشاطي. حضرت في تلك الفترة ندوة ثقافية عن النقد المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن كل اديب يصدر كتابا فقط. قال آخر ان نقدنا لا يواكب إبداعنا المحلي ويتجاهل أقلاماً ادبية واعدة.. قلت ان بعض الكتاب لديهم قصص متراكمة لعدة مجموعات قصصية، وانا منهم، لدينا مشكلة في النشر ولا نجد من يهتم بنا لأن الاهتمام ينحصر بأسماء قليلة مقرَّرة سلفا وليس بناء على مستوى إبداعها، او حسب برنامج ثقافي وطني لرعاية تطوير ثقافتنا. أضفت: لست مستعدا لصرف ميزانية ضخمة على حساب أهل بيتي لأصدر كتابا يحتاج الى جهد كبير وشخصي في توزيعه ولا ارى نفسي تاجرا يدلّل على كتبه... وقلت منذ انطلقت الانتفاضة قبل شهرين كتبت ما يزيد عن 30 قصة ولا أعرف كاتبا نشر نصف ما نشرته في نفس الفترة، هنالك من يحظون "برعاية نقدية"خاصة لكل "خربشة قلم" بناء على علاقات خاصة. الأديب المرحوم عفيف سالم عرض موقفا مشابها لموقفي... وقال: أحيانا قصة واحدة أفضل من مجموعات قصصية كثيرة.هل هذا تبرير لتجاهل النشاط الإبداعي لمن لم يصدر كتابا.. وانتقد النشر الانتقائي لأسماء محددة.

من وقتها لم اعد أخفي رأيي وراء تعابير مخملية، لا ثقافيا ولا سياسيا، صرت اشعر ان قلمي يتمرد على ضوابطي اللطيفة. ربما بالغت وقتها في حِدَّتي، لا ادري ولكني قلت ما يجب ان يقال من وجهة نظري. واتخذت قرارا بان أخترق حاجز النقد "وأن لا اترك الميدان لحميدان"، كان ذوقي الشخصي هو كل ما أملكه من ادوات نقدية، بدأت اكتب مراجعات ثقافية (نقدية)كاسرا حاجز تجاهل اعمال الادباء الشباب. كان هدفي الأسمى ان أكسر حاجز التجاهل..ونجحت بشكل لم اتوقعه.

اعطيت للنقد حصة كبيرة في نشاطي، كتبت رأيي النقدي (الذوقي) بدون حساب لردود الفعل. طبعا أثرت غضب البعض.بدأت في تلمس طريقي نحو تطوير ادواتي الإبداعية، كذلك بدأت بصياغة روايتي الأولى، ومسرحيتي الأولى، ثم روايتي الثانية، وكتبت بدون توقف كأني احاول ان أعوّض نفسي عن ايام الصمت التي سبقت الانتفاضة.

كيف اصمت على من يرى في الأدب تسليةً وتباهياً، او "قطعة لذيذة من الحلوى" على حد تعبير من تعابير مارون عبود الذكية... وكأنه يرى ما كان يحدث في ادبنا.

ان ما نعانيه في ادبنا عامة، خاصة في الكثير من شعرنا المحلي بعد موجة الاهتمام الواسعة في العالم العربي لما يعرف بشعر المقاومة، خلق ليس مجرد أزمة ادبية، انما تسيب مقلق وسيطرة جارفة للتعابير غير المفهومة.. لجمل بلا معنى..لنصوص بلا عمود فقري... جملا من الصعب استيعابها، من الممكن تغيير ترتيب كلماتها، او قراءتها من الشمال الى اليمين.. دون ان يتغير المعنى، لان المعنى اصلاً غائب!!

المتثاقفون حوّلوا اللغة الى دين يعبد، نصوصا مجردة من الفكر ومن المنطق اللغوي البسيط، متجاهلين ان الإبداع ليس مجرد معرفة قواعد اللغة، انما القدرة على الخلق، القدرة على التواصل مع القارىء وطرح همومه واحلامه، القدرة على التصدي للسلبيات والالتزام بالحقيقة ورفض التضليل...

لغتي تعتمد على السماع، اجهل اعراب حتى جملة واحدة بسيطة.. وقلت ذلك وأكرّره للمرة المائة.

لا انكر اني "احسد" البعض على قدراتهم في النحو والصرف واتمنى ان امتلك ناصية هذا الجحش الذي يتمرد كلما حاولت امتطاءه!!

منذ بداية وعيي فهمت الإبداع بوصفه حالة من حالات الوعي وليس مسألة انفعالية كما يتوهم البعض. الإبداع يقود المبدع إلى إعادة صياغة ذاته من جديد، أشبه بولادة جديدة، هنا القيمة الإنسانية السامية للمحرك الإبداعي في المجتمع، ليس في الثقافة الروحية (الكتابة الأدبية) فقط، إنما في الإبداع الشامل للمجتمع بجانبيه الروحي والمادي (انتاج الخيرات المادية)، عبر تطوير الثقافة، تطوير وسائل الإنتاج، الرقي الاقتصادي وما يتطلبه المجتمع من ضروريات الحياة العصرية المتطورة.

في بداية الستينات من القرن الماضي حدثت طفرة هامة في الطباعة والنشر داخل مجتمعنا المحاصر ثقافيا، كسرت حواجز التجهيل والقطيعة الثقافية مع العالم العربي، بدات حركة نشر واسعة للكتب العربية، كشفت امامنا كنوزاً ادبية، بالطبع من المستحيل تجاهل دور مجلة "الجديد" وبقية صحافة الحزب الشيوعي، خاصة "الاتحاد" (التي تعلمت القراءة على صفحاتها وانا في الصفين الثالث والرابع) ومجلة "الغد" في التثقيف الادبي والوطني الى جانب رسالة هذه الصحف السياسية والفكرية والثقافية.

لا بد من الاشارة الى المهرجانات الشعرية والسياسية والثقافية التي نظّمها الشيوعيون في الناصرة وكفر ياسيف والعديد من المدن والقرى العربية. كانت زاداً ثورياً يلهب الجماهير ويرصُّ صفوفها ويزيدها عنفواناً في مواجهة سياسة التجهيل والاضطهاد القومي... للأسف حلّت الشيخوخة المبكرة على هذا النهج بعد غياب فرسانه الاوائل، ثم انحسار دور المثقفين والمفكرين حزبياً وثقافياً، المفكر الماركسي لوكاتش يقول إنه "لا يمكن الفصل بين الفلسفة والأدب والسياسة"! في هذه الجملة يحدد هذا المفكر الماركسي العلاقة التواصلية بين الحياة الاجتماعية، الفكر والإبداع الثقافي.

خلت الساحة، نسبيا.. من المثقفين المبدعين ومن المفكرين السياسيين البارزين، خلت الى حد كبير من النشاط الثقافي والفكري التنويري والسياسي. اصبح رجل دين نصف أميّ يجمع حوله اضعاف ما يستطيع اي حزب وطني او يساري ان يجمعه في اجتماع ما... اصبحت مقاهي الارجيلة علامة مميزة بعد ان كانت نوادي الشبيبة الشيوعية والنوادي الثقافية المحلية لا تتسع لآلاف الشباب والطلاب في برامج ثقافية وسياسية وفكرية وفنية.اصبحت التفاهة والتصحُّر الفكري هي الميزة التي تنتشر في اوساط الأجيال الناشئة... صار همنا الاساسي ايصال عضو او اكثر للكنيست(البرلمان الاسرائيلي) وبدأت عضوية الكنيست تتحول الى مكسب شخصي وليس الى مهمة –تكليف، يجري الصراع حولها داخل الاحزاب لانها ضمان لدخل مرتفع ولشروط اجتماعية ممتازة ولتقاعد هانئ... اصبحت المناصب العامة في السلطات المحلية الموضوع الحاسم في اهتمامات اعضاء الاحزاب العربية في اسرائيل.

في زمني كان الحاكم العسكري الاسرائيلي وجهاز الحكم العسكري الذي فرض على العرب في اسرائيل يتحكمون بالوظائف المختلفة. كنت عائداً من دراستي السياسية في الاتحاد السوفياتي (1970) ووجدت نفسي آخذ تحدياً مصيريا واذهب للعمل في الصناعة كحداد... وهي المهنة التي قضيت فيها اكثر من 40 سنة ووصلت فيها الى مرتبة مدير عمل ثم مدير انتاج في اكبر المصانع واهمها في اسرائيل.. رغم ان اقرب الناس لي يظنون حتى اليوم اني كاتب وصحفي فقط !!

انتُدبت لادارة مشروع لبناء مصنع بتروكمياوي في ايران في زمن الشاه(1977 -1979) وبعدها كانت لي فرصة للعمل كمعلم مهني في مدرسة صناعية، الخبرة التي املكها ما تزال مطلوبة حتى اليوم وأقدمها مجانا للعديد من الزملاء المهنيين، عدا قدراتي الفنية في قراءة الخرائط وتعليم قراءتها وأساليب رسمها. والوحيد بين المتقدمين لوظيفة التعليم المهني الذي يملك خبرات تثقيفية وتربوية وإلماما واسعا بعلم النفس الاجتماعي (دراسة اكاديمية لمدة سنة)، ودراسة اكاديمة لمدة سنة لموضوع الهندسة الميكانيكية.

وظيفة المعلم المقترحة كانت لمدرسة طلابها من اوساط اجتماعية تواجه اشكاليات في تنشئة ابنائها. طبعا لي خبرتي الطويلة في النشاط الشبابي والتثقيفي كقائد في منظمة الشبيبة الشيوعية، مما يؤهلني لأكون معلما مهنيا ومربيا ومثقفا ومعالجا، لكن المجلس البلدي اختار آخرَ قريباً لرئيس البلدية، حسب اوامر الرئيس طبعا (اي حكم عسكري من نوع جديد) رغم ان اعضاء اللجنة من الوزارة ومن الشؤون الاجتماعية كانوا الى جانبي بل واتصل معي احدهم ان اذهب للمحكمة ضد قرار بلديتي...كانت تلك اولى العلامات لغياب القيم والمصداقية والمنافسة الشريفة لدى الجيل"الجديد" من القيادات "الثورية"... لم اعترض وقبلت الواقع المعيب. تلك التجربة كانت اشبه بالصعقة الكهربائية، خاصة وان حزبي الذي قدمت له اجمل سنوات عمري وجه لي صفعة تركت ألماً في نفسي، الا انها اعادتني الى توازني الفكري، فسقطت الهالات مع أصحابها نهائيا. يؤلمني ان اقول اليوم ان التنظيم الذي سحرني شابا تهاوى مثل سور برلين في تفكيري. ربما خسرت وظيفة مريحة ولكني تلقيت عرضا للعمل كمدير انتاج في احد اهم المصانع بدخل مرتفع جدا يزيد ثلاثة مرات عن دخل أكثر المعلمين قدما، والأهم انها جعلتني مستقلا بشكل مطلق في تفكيري وأحكامي السياسية والثقافية... لكني خسرت ما كنت اطمح له، ان اعطي للإبداع الأدبي والنشاط الثقافي والسياسي حصة الأسد من وقتي.. فالتعليم يعطيني وقتا واسعا وغير محدد للنشاط الإبداعي... ويحرّرني من عمل اداري مرهق ويشغلني 24 ساعة يوميا!!

لم تكن مسألتي شخصية اطلاق... المؤلم ان التنظيم الذي طرح فكر التغيير مارس نفس النهج الفاسد الذي اسقطناه عندما صار سلطة!!

لم يكن سقوطا للفكر انما سقوطا لأسلوب تفكير انتفضنا اصلا ضده، سقوطا للسياسة (بمفهومها الحزبي) وسقوطا للثقافة بمفهومها الضيق وهي وجوه متعددة لنفس العملة!!

سرعان ما برزت سيطرة الشخصانية وغياب المحاسبة والرقابة للقيادات السياسية وكان التشاطر على اعضاء التنظيمات وكانهم هم لا غيرهم اسباب القصور الحزبي وانفضاض الجماهير عن نشاطات الأحزاب. اصبح الدجل القومي والسياسي بضاعة رائجة، في هذه الأجواء خضت معاركي النقدية الثقافية والفكرية والسياسيه العنيفة...وواصلت ممارسة مهنتي في الحدادة حتى عام 2000... حين بدأت العمل بتحرير صحيفة نصف اسبوعية ("الأهالي" التي صدرت 3 مرات كل اسبوع ) كنائب لرئيس التحرير، كانت تلك مدرستي الصحفية الهامة، مدرستي لتطوير الفكر والوعي الشخصي خاصة بالعمل مع ابرز صحفي ومفكر في المجتمع العربي داخل اسرائيل، الكاتب والشاعر والمفكر الممتاز والصحفي البارز سالم جبران، للأسف تلك التجربة قطعت نتيجة ضغوط هائلة على ناشر الجريدة السيد علي دغيم، رغم ذلك عدت للعمل مع علي دغيم كرئيس تحرير صحيفة يومية جديدة (المساء) صدرت لمدة سنة ( 2010 – 2011) وتوقفت لأسباب مادية.

اهتماماتي الثقافية والإبداعية والصحفية لم تتوقف خلال مسيرتي الحياتية وكثيراً ما أنجزت مقالاتي وقصصي ومقاطع من رواياتي وانا تحت ضغط العمل فهل يتوقع أيتام سيبويه ان اعطي للتقعر اللغوي اهمية في كتاباتي؟

في زمن الكتابة اعطي للفكر والمنطق واسلوب الكتابة والوضوح في الطرح كل جهدي واهتمامي، اعطي للمواقف والهموم الاجتماعية والسياسية كل طاقاتي وتفكيري واكاد افتقد لاوقات الفراغ!!

ما اصدق مارون عبود عندما قال: "اولى واجباتنا ان نكشّ الذباب الجاثم على موائد الادب فمنظره يطرد الشهوة".

nabiloudeh@gmail.com